شباب الختمية

منتدى شباب الختم يتناول قضايا الشباب وفعالياتهم


    التصوف الإسلامي ودوره في بناء إنسان المستقبل

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    التصوف الإسلامي ودوره في بناء إنسان المستقبل

    مُساهمة  Admin في الثلاثاء مايو 29, 2012 6:17 am

    محاضرة ألقيت في مهرجان غوتنبرغ للثقافة –السويد 2004

    مقدمة:
    في البداية أقول أني لا أدعو في هذه المحاضرة إلى التصوف بل أدعوكم إلى أن تتعرفوا على فكر حضاري إنساني عميق أتى به حكماء التصوف العرفانيون منذ عدة قرون عبر مسيرة من التطور في المعرفة الروحية، لتضيف لنا في هذا العصر مزيداً من المعرفة بالقيمة الحقيقية للإنسان ودوره في تحقيق التوازن بين المادة والروح.

    البحث عن الحقيقة (المسيرة الروحية لدى الصوفي)
    يهتم الصوفي بالحياة كلها وليس فقط بالقوانين التي يضعها الإنسان ليفسر الحياة ،فهو يتجاوز الحواس إلى ماوراء الحواس بعد أن أدرك بحدسه وعلم بعقله أن هناك معرفة لا يمكن الوصول إليها بحواسه وتفكيره وعقلنته،الأمر الذي يعني حدوث تحولات وجدانية في داخله ، تُغير النظرة الاعتيادية إلى الحياة بهدف الوصول إلى المعرفة الحقيقية للحياة ، فهو في توق رفيع عالٍ لمعرفة الحقيقة ليعيشها بكليته أي بفكره وجدانه وكل حواسه لا ليعرفها بفكره فقط، كما هو الحال عند الفلاسفة ، فالتفكير العقلي يأتي في المراحل الأولى لدى الصوفي يستخدمه لتسديد توجهه نحو مراده ، وبالتالي يقف الفكر عند حد ليتابع القلب مسيرته الروحية إلى الله .
    اليقظة:
    تبدأ الظاهرة باليقظة الداخلية والتي تحدث في كثير من الأحيان فجأة،وبعد ذلك يعمل على تطهير نفسه والتخلص من شوائبها بالتقشف وقتل الشهوات باستخدام المجاهدات والرياضات النفسية المختلفة والعمل بمقتضى الحكمة التي تبدأ بمعرفة النفس كما قال سقراط:اعرف نفسك...هكذا يدخل في حالات تأملية مستعيناً بالجوع والسهر والعزلة والصمت ،ويرشده معلم حكيم يسمى عند صوفية الإسلام (شيخ) .
    الإرادة والتغيير والتطهير:
    إن إرادة الحياة هي التي تقوم بفعلها لدى الصوفي لتحقق له التحولات للوصول إلى الحق
    فالصوفي يحرص على تغيير الوجود بتغيير نفسه وترقيتها إلى أن تشرق روحه بالمعرفة الكلية والنور الإلهي، فالإنسان هو محور الكون مهما جاءت البراهين بعكس ذلك ، فهو يحيا في تحول وتعد يل وتطهير إلى ان يصل كما يصف ابن عربي بقوله( فلما صفت هذه النفوس وشفت صارت مثل المرآة وزال عنها صدأ هذه الطبيعة..انتقش فيها صور العالم فرأت مالم تكن رأته فنطقت بالغيوب والتحق بالملاء الأعلى التحاق غريب ورد على غير موطنه وهو موطنه ولكن ماعرفه لغربته ) إذاً الصوفي في ترق مستمر بهدف الوصول إلى الله والحصول على المعرفة الإلهية والذي يقابله من الجانب الآخر الكمال الإنساني.
    انسجام مع الوجود:
    في هذا المستوى من الذوق يجد الصوفي أن الحياة والجمال تسري في كل الوجود المادي انطلاقاً من الذرة إلى المجرة إلى كل الكون وماوراء هذا الكون ،وبذلك يدخل في حالة انسجام بكليته مع هذا الوجود
    إنها حالة سلام مع الخلق والتي هي ثمرة إسلامه واستسلامه للحق.
    التصوف ظاهرة إنسانية تلتقي فيها جميع الأديان والتيارات الروحية
    التصوف الإسلامي:
    صوفية الإسلام يؤكدون دائماً على تأسيهم بالرسول( ص) يقول السهروردي : الصوفية أوفر الناس حظاً في الاقتداء برسول الله وأحقهم بإحياء سنته .
    فهو إذاً النموذج أوالمثال الأعلى والأكمل الذي يرنو إليه ويحققه الصوفي.
    من الاخلاق التي يجب أن يتحلى بها الصوفي والماخوذة من الرسول (ص):
    التواضع: قال النبي( إن الله أوحى إلي أن تواضعوا ولا يبغي بعضكم على بعض )
    المدارة واحتمال الاذى : قال النبي( المؤمن الذي يعاشر الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لايخالطهم ولا يصبر على أذاهم).
    التجاوز والعفو ومقابلة السيئة بالحسنةSadقال النبي رأيت قصوراً مشرفة على الجنة فقلت يا جبريل لمن هذه قال: للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس)
    البشر وطلاقة الوجه : قال النبي: (كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق)
    الانفاق على الفقراء من غير إقتار وترك الادخار:قال النبي لخادمه (الم أنهك أن تخبئ شيئاً لغد فإن الله يأتي برزق غد)
    التودد والتآلف: قال النبي المؤمن آلف مألوف لا خير فيمن لايألف ولا يؤلف.

    السلوك والعرفان
    لما كان الدين الإسلامي ينقسم إلى شريعة وعقيدة ، ولما كان لدى الصوفي طريقة من أجل الوصول إلى الحقيقة فإن الطريقة تقوم على الشريعة والحقيقة تنضبط بالعقيدة ، هكذا، يوضح علماء التصوف الكبار علوم التصوف ويصنفونها بشقيها السلوكي والعرفاني ( المعرفة الإلهية).
    التطور المعرفي للتصوف الإسلامي:
    أورد هنا بشكل موجز تطور الظاهرة الصوفية من خلال روادها وأعلامها بحسب التسلسل الزمني، والتطور الذي أعنيه هنايتمثل في التطور المحقق من الناحية الفكرية والوجدانية.
    - نبدأ من عصر الصحابة حيث كانت التوبة والزهد يشكلان بداية التحول الصوفي، لقد بدأت هذه الظاهرة في الصحابي أبي الدرداء بسلوكه التعبدي والتأملي الزاهد وبسعيه السلوكي الحثيث إلى تدمير الجسد قائلاُ : أحب الموت اشتياقاً إلى ربي وأحب الفقر تواضعاً إلى ربي وأحب المرض تكفيراً لخطيئتي ) هكذا يبدو تعذيب البدن وسيلة للخلاص لانها تعني التحرر من العائق الذي يحول دون الوصول إلى الله.
    - ننتقل إلى عصر التابعين ، في هذا العصر يبرز الحسن البصري الذي عرف عنه الشدة في الزهد والتوكل، فقد كان الهم والحزن يغلبان على نفسية البصري، ويستولي عليه الخوف من كل سلوك يمكن أن يؤدي به إلى العذاب المهلك فأكسبه هذا الخوف شعوراً دائماً بالعذاب والكدر. يقول ( إن المؤمن يصبح حزيناً ويمسي حزيناً ولا يسعه غير ذلك لأنه بين مخافتين ,بين ذنب قد مضى لا يدري مالله يصنع فيه وبين أجل قد بقي لا يدري ما يصيب فيه من المهالك) وأيضاً يقول والله يابن آدم لئن قرأت القرآن ثم آمنت به ليطولن في الدنيا حزنك وليشتدن في الدنيا خوفك وليكثرن في الدنيا بكاؤك) هنا نجد كيف تصرف الطاقة النفسية في الآلام ولوم الذات والخوف والقلق.
    - يأتي بعده إبراهيم بن الأدهم صاحب الدخول في تجربة شخصية صوفية وبداية تطور في العلاقة بين الله وعباده حيث تتجلى فيها المحبة والشوق والاصطفاء والقرب منه بعد طول مكابدة ومعاناة في مخالفة النفس
    - ومن بعده شقيق بن ابراهيم البلخي الذي يعد أول من تكلم في علم الاحوال، وقد دعا إلى معرفة الله والنفس ونجد عنده تطوراً في النظرة إلى الزهد ودواعي القرب من الله والانتقال من الترغيب والترهيب الحسي إلى مفهومه المعنوي
    - ننتقل إلى زهد وتوكل مالك بن دينار اللذين كانا حلقة الوصل بين توكل الحسن البصري ومذهب الحب عند رابعة العدوية التي نظمت شعراً في العشق الإلهي غير أن مالك تميز بإفراطه في العزوف عن الدنيا ودعوته إلى الامتناع عن الزواج واعتزال الناس والعلاقات الاجتماعية ،مع أن هذا التشدد يخالف بشكل صريح المنهج النبوي.
    يذكر الدكتور عبد الرحمن البدوي أن مالك(أول شخصية صوفية امتزجت فيها الروحية الإسلامية بعناصرغير إسلامية ..فقد كان يغشى أديرة النصارى ويديم الاطلاع على الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد.. ومواجيده تشهد بتوكيده للجانب العاطفي الانفعالي في التصوف إلى جانب الزهد في السلوك بالإضافة لاشتهاره بمخالفة النفس ومغالبة رغباته بحالات متشددة تخرج بشكل عام عما سنه الرسول) في هذا السلوك نجد الموقف العدائي اتجاه النفس والدنيا.
    - أما عند رابعة العدوية فنجد قفزة وتحولاً كبيراً في الوصول إلى جوهر التصوف وهو الحب والمحبة الإلهية، فهي شاعرة المحبة الإلهية عند الصوفية وأول من تكلم فيها ،لقد تجاوزت في تعبدها الخوف من النار والطمع في الجنة فكان حباً وتوقاً للحبيب الاول والأخير وهو الله
    من شعرها
    حبيب ليس يعدله حبيب وليس لسواه في قلبي نصيب
    نجد أن التصوف نهل من مصادر مسيحية ويهودية ووثنية ووضعية في فترة ما قبل الإسلام وازداد بعد ظهوره ، حيث بدأ زهداً وتوكلاً تلقائياً عفوياً على الله ، ثم تطور هذا التوجه نحو التصنيف والتنظير ثم ازداد تشعباً وتعقيدا ليبدأ التحول من السلوك نحو العرفان حيث بدأ بإرهاصات فكرية تأملية ظهرت من خلال مسيرة التستري التأملية التأويلية الاستبطانية العميقة لآيات القرآن وهو يعبر عن عصر شهد فيه المسلمون انفتاحاً واسعاً على الثقافات الاخرى الفلسفية والروحية من رياضات نفسية ورؤى معرفية كان لها الأثر في تطور التصوف الإسلامي على صعيديه السلوكي والعرفاني ليأتي بعد ذلك في بدايات القرن الثالث الهجري حيث تتبلور وتنضج تيارات بعدة اتجاهات
    الاتجاه الأول : هو الحب الإلهي الذي يستبعد الخوف وتتمثل الغاية في رضى المحبوب وهو الله الذي لا يوجد فيه طمع بجنته أو خوف من ناره بقدر ما هو إقبال عليه، وهنا نجد الاقتران بين الحب والمعرفة الإلهية وهي الذوقية التي لايمكن الوصول إليها عن طريق العقل والبرهان بل بتجاوزه.
    والحب هو الدافع لذلك والوصال مع الله هو الغاية، وبرز في ذلك ذو النون المصري الذي سعى إلى وضع مفاهيم وعبارات يشرح من خلالها العلاقة بين العبد والرب ويعرض رؤية السالكين الصوفيين في ذلك الوقت للوجود والحياة وفق ما فهموه وتمثلوه من النصوص الدينية ، بالإضافة إلى الاطلاع إلى أفكار السابقين والمعاصرين لهم من حضارات ورؤى .
    إن هذا التوجه لم ينف الزهد والتوكل بل كرسهما إلا أن الحب والعشق الإلهي وليس الخوف بقي الدافع .
    الاتجاه الثاني من تطور الفكر الصوفي: هو إرادة الوصول إلى الخالق بإفناء الذات أمام الخالق وهذا مايسمى بالفناء وأوائل من صنف في هذا الامر هو أبو يزيد البسطامي والجنيد ،فقدطور الجنيد المذاهب الصوفية ونظمت على يديه ونجد أن هذا التيار قد أخذ منحى مبالغاً في التعبير عنه كما نجده عند الحلاج كما سنجده لاحقاً .
    نجد أن السالكين تدرجوا بطموحاتهم من مجرد الزهد في الحياة إلى اتخاذ التوكل أساساً في السلوك ،فقد اعتبرو ذلك قصوراً في حق الخالق الذي يستحق الحب ثم اعتبر التوقف عند مستوى الحب أيضاً قصوراً سلوكياً في حق الله لم يلبث فيه طويلاً فالحب لم يعد كافياً، فنجد أن الصوفي قد قفز في مرحلة جديدة حاسمة انتقل فيها من مجرد سالك إلى مؤلف ينقل إلينا تجربته الروحية الشخصية يدفعنا إلى الاقتداء باسلوب تفكيره وسلوكه شعراً وكتابة ثم نجد أنه قد تجاوز التعبير الوصفي إلى تحليل وتفسير تصوره وآرائه مما أوصلنا إلى مايمكن تسميته فلسفة التصوف ونجد أن البسطامي عبر عن هذا التحول قائلاً (أشد المحجوبين عن الله ثلاثة الاول الزاهد بزهده والثاني العابد بعبادته والثالث العالم بعلمه) فهو بذلك يدعونا إلى ماهو أعمق ويشير إلى أن تلك الطرق لوحدها لا توصل إلى المطلوب – هنا تظهر إعادة التوازن بين العرفان (المعرفة الإلهية) وبين السلوك (الزهد والتوكل).
    شهدت تجربة الحلاج سبقاً وتطوراً في العلاقة بين العبد والرب إلا انه نطق بأشعار وأقوال يفهم منها من حيث الظاهر الحلول والاتحاد مع الذات الإلهية بانعدام الذات الإنسانية بشكل كلي مما أدى إلى محاربته لمخالفة ظاهر الفهم لنصوصه النصوص الشرعية.
    إلا أن الحلاج قد سبق صوفية المسلمين إلى القول بنظرية النور المحمدي الذي تمثل
    فيه صورة الإنسان كاملة أي معرفة الكمال الإنساني .
    وبعد ذلك ظهر الإمام الغزالي ليختصر التجربة الصوفية بشخصه وليصحح توجه الصوفية ويضع لها قواعداً وأسساً علمية واخلاقية وفق الشريعة والعقيدة بعد حدوث الكثير من الشطط والانحرافات السلوكية والفكرية التي دخلت على المتصوفة.
    تعد تجربة الغزالي الصوفية نموذجاً رائعاً للتوق إلى الكمال فهو العالم الذي كان ،قبل دخوله في ميدان التصوف ، يدرس العلوم الدينية في أرقى مدارس بغداد والتي كانت العاصمة العلمية في ذلك الوقت ، فلقد كان لديه من الجاه والمكانة العلمية مالم يحزعليه غيره ،
    في هذه الذروة دخل القلق والشك فجأة إلى قلبه والذي هو بداية اليقظة الصوفية أو التحول الصوفي، حيث علم أن الكمال الذي ينشده لايصل إليه إلا عن طريق محبة الله، وقد أدى به إلى التصوف واعتزال الناس لفترة غير قصيرة بقصد الوصول إلى الحقيقة التي لم توصله إليها الكتب.
    ثم خرج من خلوته ليؤلف في التصوف ويضع خططاً وتفاصيل في السلوك الصوفي بعد أن كان يؤلف في غيرها . فقد قال (بأن التصوف هو العلم الموصل إلى الحقيقة) وهذه الفكرة وصل إليها بعد صراع مرير مع نفسه أدى به إلى أن يتخلى عما يحمل من علوم في عقله ليجرد قلبه ويطهره من أجل تلقي المعارف العليا من غير حجاب الحرف والكلمات ، فهو تجاوز الحس والعقل إلى ماوراءه دون التخلي عنهما وذلك بقصد الوصول إلى الحقيقة ،ونجد أن الغزالي قد وضع بعد هذه التجربة الخاصة كتاب إحياء علوم الدين الذي يعتبر من المراجع الكبيرة في علم النفس والسلوك الإنساني والإيماني وتُحدد هذه المراجع بشكل منهجي مفصل سلوك المؤمن بشكل عام وأخلاقه ومعاملاته وأيضاً تُحددالسلوك الروحي لدى الصوفي بشكل خاص من أجل الوصول إلى الله .
    تعتبر التجربة الروحية الخاصة التي مر بها الغزالي وفصل فيها في كتاباته نموذجاً حياً للتجربة الصوفي بشكل عام من تحولات وتطورات من أجل الوصول إلى الله من جهة وإلى الكمال الإنساني على الجهة الاخرى
    أصبحت الفلسفة والتصوف في القرنين السادس والسابع الهجريين صنوين متلازمين فكل فلسفة كانت تعتبر فاسدة إن لم تكن غايتها تحقيق نظرة متافيزيقة شاملة للوجود، وقد اعتبر كل تصوف لغواً وقصوراً إن لم يكن مستنداً إلى معارف عملية وفلسفية ،
    فنجد أن ابن سينا يتحدث عن التصوف العقلي بدون المرور بالسلوكيات التزهدية والوجدانية المختلفة ولكن بتطهير العقل وتفعيله،
    ونجد أن الفيلسوف ابن طفيل من خلال كتابه حي ابن يقظان يشير إلى وجود طريقين للوصول إلى الحقيقة الاولى عن طريق العقل والثانية عن طريق الكشف والمشاهدة والإشراق الروحي حيث يذكر الطريقة الأولى بأن في وسع الإنسان أن يرتقي من المحسوس إلى المعقول بحيث يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العوالم المجردة وإلى معرفة الله. فالإنسان بمفرده يستطيع أن يكتسب المبادئ الأولى في علوم الطبيعة بنفسه وأن يميز بين الصورة والمادة وأن يرتقي من المعرفة الحسية إلى أعتاب العالم الروحاني وعندها يتسائل الإنسان بعد تأمله للكون حول نشؤء هذا العالم فيهتدي إلى وجوب وجود الصانع ثم يعود إلى طبيعة عقله الخاص واحوال هذا العقل عندها يتلمس القيمة الحقيقية للإنسان وجوهره.
    أما الثانية فمبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية والإشراقيين من خلال إدراك قوانين الوجود بالحدس من غير تطلب لها من طريق الحواس أو طريق البراهين العقلية ، وقد اطلق عليها ابن طفيل (الحكمة المشرقية) فقد يشرق الله بنوره على قلوب الذين يختارهم من خلقه فيؤدي إليهم بهذا الإشراق علماً حقيقياُ صحيحاً ومعرفة بالغيب أيضاً ومعرفة الإنسان وقدراته وطاقاته التي لا تنتهي.
    أورد هنا ابن رشد الفيلسوف ،وإنما من الجهة التي كان له لقاء مع الصوفية من خلال أكبر رموزها وهو ابن عربي حيث يرد ابن عربي اللقاء الشخصي الذي تم بين الإثنين في كتابه الشهير الفتوحات المكية ، كان هذا اللقاء في الاندلس وكان ابن عربي لم يتجاوز العشرين من عمره عندما دخل تجربته الصوفية العرفانية، سأله ابن رشد( كيف وجدتم الامر في الكشف والفيض الإلهي هل هو ما أعطاه لنا النظر ؟ قلت(ابن عربي) –نعم،لا- وبين نعم ولا تطير الارواح من موادها والاعناق من أجسادها فاصفر لونه وقعد يحوقل) إن هذه الحادثة تشير أن أن ابن رشد الفيلسوف العقلاني يعلم أن العقل وحده غير كافٍ للوصول إلى اليقين والحقيقة ، وأن المكاشفة العرفانية ما وراء العقلية هي الطريق الموصل إلى جوهر الحقيقة ،أي بالعرفان لا بالبرهان .
    ابن عربي
    هنا نبدأ بمرحلة جديدة تمثل ذروة التطور في الفكر الصوفي ،وهي مرحلة الشيخ محي الدين ابن عربي
    يقول نصر أبوزيد في كتابه ( هكذاتكلم ابن عربي)Sadترجع اهمية ابن عربي إلى انه يمثل قمة نضج الفكر الإسلامي في مجالاته العديدة من فقه ولاهوت وفلسفة وتصوف فضلاً عن علوم تفسير القرأن وعلوم الحديث واللغة والبلاغة..الخ....يمثل الشيخ الأكبرهمزة الوصل بين التراث العالمي و التراث الإسلامي من هذه الزاوية يمكن النظر لتراث ابن عربي بوصفه تواصلاً حياً خلاقاً مع التراث العالمي الذي كان معروفاً ومتداولاً في عصره سواء كان تراثاً مسيحياً أم يهودياً ، أو كان تراثاً فكرياً فلسفياً.)
    فلسف ابن عربي نظرته الصوفية إلى الكون والإنسان والوجود واعتمد على معطيات عديدة تشمل مبادئ رمزية وادخل فيها كثيراً من العناصر والمصطلحات الفكرية الرائجة عند الفلاسفة والصوفية
    ابن عربي يحدثناعن الحكيم الصوفي العرفاني الذي هو اكثر خصوصية من الصوفي الاعتيادي والذي تجاوز المراحل الزهدية والسلوكية وصولاً إلى العرفان وبالتالي فهو المهيأ للوصول إلى مرتبة الإنسان الكامل يقول ابن عربي : إن الحكيم عبارة عمن جمع العلم الإلهي والطبيعي والرياضي والمنطقي وما ثم إلا هذه الأربع المراتب في العلوم وتختلف الطريق في تحصيلها بين الفكر والوهب وهوالفيض الإلهي، وعليه طريقة أصحابنا ( أي العرفانيون من الصوفية) ليس لهم في الفكر دخول لما يتطرق إليه من الفساد والصحة فيه مظنونة فلا يوثق بما يعطيه واعني اصحابنا أصحاب القلوب و المشاهدات والمكاشفات لا العباد ولا الزهاد ولا مطلق الصوفية إلا أهل الحقائق والتحقيق منهم لهذا يقال في علوم النبوة والولاية إنها وراء طور العقل وليس للعقل فيها دخول بفكر لكن له القبول خاصة عند السليم العقل الذي لم يغلب عليه شبهة خيالية فكرية يكون من ذلك فساد نظره ( الفتوحات ج:1 ص261) إن هذه التدرجات من الزهاد إلى العباد إلى الصوفية إلى خاصة الصوفية ، تحدد درجات الكمال ايضاً فهناك الكامل فالاكمل فالأكمل كل بحسب عمله
    نجد أن ابن عربي قد فلسف مفهوم الإنسان الكامل وحدد صفاته وأيضاً أوضح حقيقة الإنسان وقيمته في الوجود ونأتي إلى نصوص متنوعة من الفتوحات توضح هذا المفهوم يقول:
    (اعلم أن العالم كله لولا الإنسان الكامل ماوجد وانه بوجوده صح المقصود من العلم الحادث بالله والوجود الحادث الذي هو على صورة الوجود القديم ،فإن العلم بالله المحدث الذي هو على صورة العلم بالله القديم لا يتمكن أن يكون إلا لمن هو خلقه على الصورة وليس غير الإنسان الكامل ولهذا سمي كاملاً وأنه روح العالم و العالم مسخر له علوه وسفله)
    ويميز بين الإنسان التي تسيطر المادة على روحه وهو الإنسان الحيوان وبين الذي تسيطرروحه على المادة وهو الإنسان الكامل والناس مراتب بين هذا وذاك فيقول:
    ولما لم يتمكن أن يكون كل إنسان له مرتبة الكمال المطلوبة في الإنسانية وإن كان يفضل بعضهم بعضاً فأدناهم منزلة من هو إنسان حيواني ويشارك الإنسان الكامل بالصورة الإنسانية وأعلاهم من هو ظل الله وهو الإنسان الكامل نائب الحق الذي يكون الحق لسانه وجميع قواه ومابين هذين المقامين مراتب)
    يذكر ابن عربي أن الإنسان الكامل على صورة العالم ومختصره وهو روحه ايضاً وهو من جهة أخرى على الصورة الإلهية.
    ويصف الإنسان الكامل أنه ( أعظم رحمة من كل مخلوق لأنه ظل الرحمن على الأرض فلا اعظم رحمة من الإنسان الكامل ولا أحد أشد بطشاً وانتقاماً من الإنسان الحيواني)
    بهذه الصفة يحوز الإنسان الكامل صفة الخلافة فهو خليفة الرحمن الرحيم بين عباده فيقول(الإنسان الكامل خليفة الله في أرضه-فالإنسان الكامل هو ظل الله في خلقه من خلقه فعن ذلك هو خليفة ولذلك فالخلفاء خلفاء من مستخلف واحد (إني جاعل في الأرض خليفة) فإن الخليفة لا يظهر إلا بصفة من استخلفه) حيث يكون تجل للصفات الإلهية . ويشير ابن عربي إلى الكمال والخلافة تتحقق فقط في الحياة الدنيا لأنها مكان التجربة والاختبار لا في الآخرة لأن في الآخرة يكون الجزاء على عمل الخليفة
    يقول شعراً في ذلك :
    إن الخلافة لا يكون كمالها إلا هنا لا في الذي هو آتي
    وُصف ابن عربي بأنه قد أثر في نهضة أوربة الدينية وفي مفكريها اللاهوتيين وأثر في خيال شاعرها دانتي ،وعبد السبل أمام اللاهوت المسيحي للنهوض والتحلل من القيود بل له آثاره في بعث الادب الأوربي ايضاً.
    لاحظ المختصون في الفكر الفلسفي المعاصر وجود أوجه تشابه كثيرة بين هذا المفكر وفلسفات ما بعد الحداثة سواء في لغته المبتكرة، أو في نظرته الوحدوية والأنثوية إلى الوجود، أو في تطلعه إلي تحقيق منزلة الانسان الكامل.
    هذا التطور الذي انتج رؤية فلسفية متكاملة تبلور فكرة الإنسان الكامل أو يمكن أن نقول أيضاً الإنسان العالمي الإنساني والذي يقف على الطرف النقيض من الإنسان العولمي الأناني
    ملا حظة مهمة أوردها هنا تشير كيف أن التجربة الصوفية الإسلامية بشقيها السلوكي والعرفاني قد تطورت من تشدد سلوكي بمحاربة النفس في بداية التجربة إلى المحبة الإلهية إلى الوصول للمعارف الإلهية العليا (العرفان) والذي يؤدي إلى تخلق الخلق بأخلاق الحق أي التحقق بالصورة الإلهية التي ينبثق منها الإنسان الكامل ويحقق الخلافة عن الله في الأرض بناءً على الوعد الإلهي المسبق ( إني جاعل في الأرض خليفة)
    نجد أنه يتولد لدينا خطاب إنساني متكامل يحيط بمجمل مناحي حياة الإنسان المادية والروحية لتتوافق مع روح هذا العصرحيث أن إنسان هذا العصر وخاصة في البلدان المتقدمة قد حاز على درجة عالية من الرفاهية وإشباع رغباته واستكمل أغلب متطلبات الحياة المادية ، وبدأ يستشعر بنداءٍ يأتيه من الداخل وهو التوق والتعطش الروحي والذي أهمله طيلة الفترات السابقة
    هذه دعوة الطبيعة أو الفطرة الإنسانية لكي نعيد التوازن بين المتطلبات المادية والروحية
    - الصوفي المعتدل يحقق التوازن بين المتطلبات المادية و الروحية لكن الريادة هنا للروح الإنساني الذي يقترن مع العقل السامي الحكيم في مواجهة وضبط الرغبات والنزوات النفسية المختلفة وهذه أعلى درجات الارتقاء في السلم الإنساني نحو الكمال
    - خرجت الحداثة كرؤية جديدة للعالم من رحم التحولات الكبرى التي شهدتها أوروبا العصر الحديث وكانت هي أيضاً طرفاً في صناعة بعض وقائع تلك التحولات، وبميلاد الإنسان في الفكر الغربي الحديث نشأت أيدولوجيا إنسانية هي كناية عن نظرة جديدة للإنسان بوصفه ذاتاً مستقلة له كرامته وحقوقه بحيث يتمتع بهذه الحالة بالحقوق التي ترتبها إنسانيته الطبيعية الفطرية
    يعلن الما بعد الحداثيون بأن الحداثة مشروع لم يكتمل لأنها تعتمد فقط على العقلانية فالاتجاهات الحدسية و الماورائية مثل الصوفية تنفي أولوية العقلانية
    - نجد ان العولمة تلتبس بجوهر الحداثة وهي شيء مرافق لها في مستوياتها وتعابيرها
    يذكر رفائيل أرغولول إن عصرنا يجسد بشكل حي نتائج الفصل بين النظرية والتطبيق بين المثالي والتجريبي بين الروحي والمادي بحيث يمكن تلخيص نهاية القرن التاسع عشر بصورة عملاق أعرج .لقد قدمت لنا الحضارة الحديثة تراكماً علمياً وتقنياً لم يخطر ببال أحد في القرون السابقة .ولو اننا رسمنا حصيلة للقرن الأخيرلأمكننا أن نصل إلى النتيجة القائلة بأن هذا التطور العظيم في العلم والتقنية لم يرافقة تطور روحي مساو.
    - يصف روجيه غارودي حركة الحضارة الغربية بوضعها الراهن أنها حضارات منكبة على انحرافات النمو للنمو ، والقوة للقوة، انحرافات تقودها إلى الدمار الذاتي فالنزعة الوضعية التي تقود إلى اليأس بسبب غياب الهدف والنزعة الفردية التي تفضي إلى حرب الكل ضد الكل وإلى توازنات الرعب كما هو حادث الآن.
    - يذكر نصر حامد أبو زيد ( تطرح العولمة نفسها سياسياً وثقافياً وحضارياً بوصفها الدين الاخير الدين الذي يمثل فيه السوق وشريعته الإله الجديد المسلح بأداة القوة التي لا تقهر أبداً ويستحيل على البشر مقاومتها أو التفكير ، مجرد التفكير في التصدي لجبروتها، إنها قوة قادرة على كل شيء فسلاحها المال والعلم والقوة العسكرية، التي تنتهك بسهولة فائقة كل الخصوصيات . أدوات هذا الدين للسيطرة هي حرية التجارة وتدفق المعلومات ومواعظه هي: الديمقراطية و حقوق الإنسان على المقاس الغربي الأميركي بصفة خاصة.
    - إن ردود الفعل على العولمة اتجهت في منحيين متناقضين الاول منغلق يبحث عن الهوية الخاصة والتعصب لها بالتالي تعزيز الاثنية والاصولية والإقليمية والانغلاق في إطارها خوفاُ من الانجراف في تيار العولمة (رد فعل لا واعي) الطريق الآخر هو النبش في المشترك العالمي الإنساني ، البحث في حقيقة الإنسان الجوهرية العميقة وحقيقة الحياة الذي يتجاوز كل الانتماءات الارضية إلى الانتماء للحقيقة الوجودية الكونية المنفتحة والتي لا خوف فيها من أي جرف عالمي ، على اندثار ذات او هوية لان الكل متصل بالكل في العمق، ليس هناك حواجز على السطح من عرق او طائفة اودين تفصلهم عن بعضهم .
    ولكن هناك من يريد أن يهيمن وأن يستغل الآخر فهو بذلك انفصل عن حقيقته الإنسانية وطمسها بأنانيته وتضخيم ذاته الطامعة.
    - تعود الصوفية من مصادرها الميتافيزيقية وبفكرها العرفاني لتقدم رؤية متكاملة عن الإنسان وحقيقته وعلاقته بالآخر، الخروج من عنف الحداثة المعولمة المنبثقة من النظرة المادية المحدودة للإنسان إلى لا عنف بعد الحداثة المنبثقة من النظرة الامحدودة للإنسان والتي يتكامل فيها جانبيه المادي والروحي، ليقدمها لعصر ما بعد الحداثة حيث أن الحداثة اتسمت بالعقلانية المفرطة فقدمت رؤى فلسفية للإنسان ونظاماً اجتماعياًُ وسياسياً تجسده اليوم الديمقراطية والتقنية الحديثة يعترف فيه العقل أن له حد والحقيقة لا حد لها وان هناك ادوات ماوراء عقلية نستطيع أن نصل من خلالها إلى الحقيقة وأن نعيشها بكليتنا.
    - إن التصوف هو الزيادة في الإيمان إلى أقصاه فهو الخروج من الإيمان المعتاد إلى الإيمان الغير اعتيادي إنه إيمان إبداعي حر لا حاجز فيه ولا واسطة بين العبد والرب، يقوم الصوفي باختراق الحجب التي تفصله عن الله الحجب المادية والحجب المعنوية والفكرية ، فهو يسير في طريق وعر صعب فيه معاناة ومجاهدة لرغبات نفسه الارضية ،وهو يعلم بعقله أن الله معه في بداية الطريق وفي نهايته وبذلك التصوف هو تجاوز الخصوصية القومية والعرقية والعائلية والدينية والطائفية إلى الخصوصية الإنسانية: الإنسان وجود خاص بذاته لأنه الصورة الإلهية والذي جعله الله خليفة له على الارض.. وبحكم هذا الفهم ليس هناك فضل لشعب على شعب أو أمة على أمة أو شخص على شخص إلا بالتقوى أي اتقاء السلبيات والتخلص منها والتقوي عليها.
    - يقول روجيه غارودي:كان مارو مصيباً تماماً عندما كتب يقول ( سيكون القرن الواحد والعشرون قرناً دينياُ أو لن يكون) انتهى يعود غارودي ليقول:ذلك أن العالم لا يمكنه أن يعيش إلا إذا كان له بالنسبة لكل فرد من سكانه معنى وإن كان واحداً وتتجاوز هذه الضرورة كل دين خاص ، ولكن قدرنا سيكون فناء كوكبنا بفعل التصدع وانعدام المعنى إذا لم نعمل طبقاً لهذه الضرورة أياً كان منبتنا.
    - ويقول أيضاً :إنهم كثيرون أولئك الذين يتطلعون في العالم المسيحي كما في العالم المسلم إلى توحيد قواهم ليبنوا معاً القرن الواحد والعشرين بوجه إنساني ، أي بوجه إلهي، باسم إيمان وحيد بصورة أساسية عبر تنوع العبادات و الطقوس
    - وأخيراً أعيد أني لا أدعو إلى التصوف بل إلى الاستفادة من الصوفي العرفاني الذي ينطق بالحكمة والمعارف العميقة التي نحن أحوج مانحتاج إليها في هذا العصر،فالفلسفة الصوفية رؤية مستقبلية تصنع النموذج الامثل للإنسان الكامل لتُكوّن أرضية معرفية عميقة وشاملة تحقق التوازن بين المتطلبات الإنسانية المعنوية والروحية والمادية والتي تكشف عن القيمة الحقيقية للإنسان والكامنة فيه، لذلك نجد أن العلوم الإنسانية المتنوعة من علم النفس والاجتماع ، السياسة ، الإدارة والقانونية حتى الفيزيائية الكونية بدات تنهل من التراث المعرفي الصوفي العرفاني
    فهذا كله يبلور فكرة الإنسان العالمي الطامح لهذا العصر والذي يقابل على الطرف الآخر مفهوم الإنسان العولمي الطامع
    فالمطلوب هوالتعاون بين الغرب التقني والشرق الروحي والوصول إلى الإنسان الكامل الإنسان العالمي وأختم حديثي مقطع من إحدى التجليات الإلهية لابن عربي من كتاب التجليات حيث يخاطب الرب عبده

    تحت عنوان تجلي الكمال:
    اسمع يا حبيبي أنت العين المقصود من الكون
    أنت نقطة الدائرة ومحيطها
    أنت مركبها و بسيطها
    أنت الأمر المنـزل بين السماء و الأرض
    ما خلقت لك الإدراكات إلا لتدركني بها
    فإذا أدركتني أدركت نفسك


    _________________
    خليفتي كذاتي

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أكتوبر 17, 2017 9:58 pm