شباب الختمية

منتدى شباب الختم يتناول قضايا الشباب وفعالياتهم


    كتاب يقرب التصوف

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    كتاب يقرب التصوف

    مُساهمة  Admin في الأربعاء مايو 16, 2012 1:56 am

    مقدمـــــــــة


    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين ، و على آله و صحبه ، و كل عباد الله الصالحين .


    و بعد، إن ما يتميز به عصرنا عن سالفه من العصور ، احتكاك الأمم المختلفة و الشعوب المتباينة فيما بينها ، احتكاكا لم يسبق له مثيل ، بسبب وسائل التواصل و الإعلام التي قلصت المسافات و سهلت الاطلاع على المعلومات الكثيرة في أقل الأوقات ؛ مما جعل كل أمة ملزمة أن تبني لنفسها صرحا من المقومات على أساس متين ، في جميع المجالات و الميادين ، إن كانت لا تريد أن تداس بالأقدام و يفوتها الركب المسرع في خطاه مع كل دقائق الزمان .

    و أمتنا الإسلامية ، و هي إحدى هذه الأمم ، أولى من غيرها أن تقوم بذلك ، لأن لها سندا إلهيا لا يبارى و هديا نبويا لا يجارى ، من دون أخواتها في الإنسانية : لها الوحي الذي بين لها ما تفعل و كيف تفعل ، من أين تبدأ و إلى أين تنتهي ، فما عليها حياله إلا أن تنهل من معينه العذب ، و لها فيه غنية عن سواه من بنات أفكار البشر إن هي تفطنت .

    غير أن أمتنا على العموم ، أصيبت بالوهن ، مؤقتا ، ذلك الوهن الذي ترجع أسبابه من جهة ، إلى عدم التزامها بدينها التزاما يفتح لها أبواب كنوزها ، و من جهة أخرى إلى التشكيك الذي تتعرض له في هذا الدين عينه ، إما من قبل أعدائها الأجانب عنها ، أو ممن تأثروا بهؤلاء من أبنائها .

    و مما يلاحظ من خلال ما يروجه هؤلاء و أولئك من أغاليط و أباطيل ، أنهم يتخذون العقل و العقلانية وسيلة لإقناع الأمة ، سالكين في ذلك سبلا من الفكر قد تشتبه على من لا يحسن النظر فيها .

    فصار البعض يدعو إلى تجاوز للدين ، ذلك أنه عنده من نتاج البشر في حقبة معينة من الزمان لظروف معينة ، كان العقل البشري لا يزال فيها في مرحلة الطفولة التاريخية ، و بما أنه الآن في زعمهم قد قطع أشواطا كبيرة ، صار لزاما عليه ، تماشيا مع مبلغ رشده ، أن يلقي بالدين في ذاكرة التاريخ متمسكا بالعقل الذي يمكّنه من استكشاف غياهب المستقبل الذي لا تلوح له نهاية في أفقهم .

    و لنفصح عنها بصراحة : صاروا يستحيون من التدين و إظهار ذلك أمام هذا العقل الوقح الذي لا يرحم من لا يحسن الدفاع عن نفسه .

    فنتج عند البعض تدين خجول ، يقر للعقل بسيادته المطلقة أو شبه المطلقة ، و يستسمحه في أن يمن عليه بأويقات يمارس فيها شعائر صارت عنده غالبا تراثا محترما مدرجا ضمن المقدسات التي يجب الحفاظ عليها ، تلك المقدسات التي صارت دائرتها تتسع يوما عن يوم ، حتى صار منها ما هو أممي أو قومي أو وطني : من هذه المقدسات ما هو فرائض ، سميت باصطلاحهم حقوقا ، كحقوق الجماعات و حقوق الإنسان الفرد (إنسانهم) بأركانها المتعلقة بالمرأة و الطفل و غيرهما (ما لم يكونا مسلمين) ، و منها نوافل كالأيام المنظمة للاحتفال و الاحتفاء بهذه البدعة أو تلك ، و ذلك كيوم الأم و يوم المسرح و غيرهما من الأيام ؛ و مستحبات كالمؤتمرات العالمية أو القارية التي تسن السنن و تبين بيان تفصيل ما سبق أن شرعت .

    إنه شرع " العولمة " الذي نزل به العقل المتقدم حسب قولهم …هذه العولمة التي لن تكون اقتصادية فقط ، على ما يبدو !

    فمن آمن فهو عاقل ، و من كفر فهو متخلف جاهل .

    و بما أن هذا العقل عندهم عليم خبير ، بدأ ينظر في الدين (التراث ) نظرة مراجع و مصحح ، حتى يجد له حلة جديدة مفصلة على القياس العصري حسب أحدث صيحات الموضة الفكرية .

    من ذلك : أن إلزام العقل بالدين ظلم له و تقييد ، و أن العفة آثار لعقد نفسية علينا التخلص منها ، و ان ستر المرأة جسدها ظلم لها و استنقاص من إنسانيتها ، و الرجوع إلى حكم الله في الأشياء ظلمانية يجب التحرر منها . و ليتهم أفصحوا و قالوا : يا أيها الناس اكفروا بما كنتم عليه ، و آمنوا بما جئناكم به ، ربما لتنبه البعض منا إلى خطورة الوضع ، و لكنهم حاوروا و داوروا . و ما هذه إلا البداية !… …كل هذا باسم "السيد العقل" ، و المسلمون غافلون عن أسباب قوتهم ، يحاولون مجابهة الأعاصير بحولهم و قوتهم . و الخصم المتعقلن يفاخرهم بمنجزاته التكنولوجية و أسلحته النووية و اكتشافاته الجينية ، و كأنها معجزات شرعه .

    والمسلم حائر ، أيجابه كل ذلك بالدين ؟! بالوحي !

    أحَياءً من " السيد العقل" أم خوفا ؟… هذا التخاذل !

    ووالله لو رضي المرء بالحمق مع تمسك بالدين عن إيمان و يقين ، لكان أعز له و أكرم ! و لو وثق بربه و تمسك بحبله ، لكان له أنجى و أسلم

    و توضيحا للأمر و اجتلاء له ، ارتأينا تأليف هذا الكتاب ، راجين من الله أن يسددنا فيه على الحق ، و أن يؤيدنا فيه بعونه و قوته ، راغبين

    في رفع اللبس الذي يحيط بالعقل ، جاعلين الكلام فيه على ثلاثة أبواب :

    أولها : العقل المجرد .

    ثانيها : العقل المعضد .

    ثالثها : مثبطات العقل لدى الأمة .

    سائلين الله تعالى القبول ، و النفع للكاتب و القرئ ، إنه أهل الفضل و الكرم .

    و الله المستعان .

    جرادة ، في ليلة الخميس الفاتح من المحرم لسنة إحدى و عشرين

    و أربعمائة و ألف للهجرة الشريفة ـ 2000م.

    تـمـهـــــــيد


    في أثناء تناولنا للعقل بجميع مراتبه ، سيلاحظ القارئ أننا لا نحذو في ذلك حذو من تعرض لهذا الموضوع بالاستناد إلى ما تعارف عليه معاصرونا ، برجوعهم غالبا إلى علماء الغرب الذين لا ينطلقون من نفس منطلقنا ، متأثرين في ذلك ببيئة غير بيئتنا و ملة غير ملتنا .

    من ذلك : العقل عند غيرنا لا يتصل بالدين ، بل و لا يجب أن يتصل به ، خلافا لما هو الأمر عليه في الحقيقة .

    و من ذلك : النفس : فهي عند علماء النفس ، تعني مجال دراسة البواعث و مختلف السلوكات المترتبة عنها ، و الآثار الناجمة عنها ، بينما هي عندنا تعني العقل كعقل ، لكن باعتبار خاص سنبينه من خلال هذا الكتاب إن شاء الله تعالى .

    ثم إننا في خلال هذا العرض ، سنتجاوز بعض المصطلحات الوضعية التي نراها بعيدة في دلالتها عن المعنى الذي نرمي إليه ، مستعيضين في ذلك بما يؤدي المعنى من الكلمات .

    و بما أننا نتوخى معرفة الحقائق المرتبطة بالعقل ، فإننا لن نُغرق في التعابير المتشعبة ما استطعنا ، محاولين مباشرة المعاني بلغة هي أقرب ما تكون إلى البساطة و الوضوح ، و نعني بهما : النفوذ .

    لذلك نرجو من القارئ ، أن لا يقيس كل ما نكتبه على ما سبق أن اطلع عليه عند غيرنا ، إلا إذا توصل إلى إدراك المعاني التي نقصدها على الوجه الذي نريده . كما نشير إلى أن استعراضنا لمراتب العقل ، سيكون وسطا بين الاختصار و التطويل ، إذ لو أردنا استقصاء أغلب التفاصيل المندرجة ضمن دائرة العقل ، لاحتاج ذلك إلى أجزاء عديدة ، و نحن نريد فقط ، من خلال هذا العمل ، أن ننبه القارئ إلى الموضوع ، و أن نثير فيه الرغبة في استكشاف آفاق العقل بنفسه ، لأنه لا يفيد في هذا الاستكشاف غير ذلك .

    و الله الموفق

    البـاب الأول: العـقـل المـجـرد

    الفصل الأول : تعريف العقل :

    1 . العـقل لـغـة و اصـطـلاحا:

    ا ـ العقل لغة :

    يرجع معنى " عقل " في الغالب إلى : فهم ، أمسك ، حبس ، شد . و اسم الفاعل منه عاقل ، و مصدره عقل

    ب ـ العقل اصطلاحا :

    هو القوة المدركة من الإنسان ، به يدرك الأشياء و يميزها على تفاوت بين الأشخاص في هذه القوة : فمنهم عاقل و منهم أعقل . و العقل على التحقيق هو : باطن الإنسان و غيبه الذي نشهد أثره و لا نشهده ، و هو الذي يُكسب الإنسان صفته الإنسانية من بين باقي المخلوقات على الأرض ، و هو المخاطَب و المكلف من الإنسان ، و المتحكم و الموجه لسائر أعضاء هذا الإنسان .

    2 . مآخذ العقل :

    أولا : الحواس:

    إننا لنجد من أوضح معاني العقل : الحبس و التقييد ، إذ إن العقل عند إدراكه الكون ، إنما يقتبس عينات مقيدة يضبطها عبر حواسه ، و لا يمكنه إدراك كل الموجودات على الإجمال .

    فالعقل عبر الحواس ، و هي أولى مآخذه ، إنما يدرك بالعين مثلا ، ما يدخل تحت إحاطتها ، و يغيب عنه ما يخرج عن تلك الإحاطة . و لذلك فهو لا يدرك عظائم المخلوقات كالسماء أو البحر على العموم ، كما تغيب عنه في مقابل ذلك دقائق المخلوقات و صغارها كالخلايا أو الذرات . فهو إذن ، لا يتمكن من إدراك كل المبصرات بالعين ، و إنما يدرك جزءا معينا من تلك المبصرات ؛ كما يدرك بواسطة الأذن مجالا معينا من الأصوات و يغيب عنه منها ما يخرج عن هذا الإدراك ، مما هو أعلى من ذلك المجال أو أدنى .

    و قس على هذا باقي الحواس ، من شم و ذوق و لمس .

    بل إن مدارك العقل نفسها ، تختلف باختلاف الأشخاص ، كأن تجد شخصا يستطيع إبصار ما لا يبصره غيره ، أو أن يسمع ما لا يتمكن من سماعه غيره . بل قد يتعدى اختلاف هذه المدارك حدود الإنسان إلى الحيوان ، الذي يشترك معه في هذا المأخذ الأول للعقل : فتجد حيوانا ما ، يدرك بحاسة من حواسه ما لا يدركه الإنسان بنفس تلك الحاسة .

    و على هذا ، فإن المعنى اللغوي للعقل الذي يفيد التقييد ، يصدُق على عقل الإنسان كقوة إدراك من حيث هذا المأخذ .

    ثانيا : الفكر :

    التفكر عملية يتميز بها الإنس و الجن عن بقية المخلوقات : و هي من أحب الأعمال إلى العقول و العقلاء ، إذ تعطيهم لذة عظيمة أثناء تصرفهم في المعلومات ، تصرف السيد في عبيده ، و الملك في مملكته .

    قد تسبب هذه اللذة الناتجة عن التفكر إدمانا لصاحبها ، و قد تجعله شديد التعصب لها ، بل و قد تسترقه و تصيّره عبدا لها لا يستطيع الخلاص منها .

    و كما أن العقل مقيد من حيث المأخذ الأول الذي هو الحواس ، فإنه مقيد كذلك من حيث الفكر ، كما سنبين ذلك إن شاء الله ، عند بسط هذه العملية بالتفصيل . و نكتفي هنا بضرب أمثلة على التقيّد :

    ـــ إن العقل من حيث الفكر قد يقع في الغلط ، فتجد أن ما توصل به عقل ما إلى نتيجة ما ، يتوصل به عقل آخر إلى نتيجة أخرى مغايرة ، فيكون أحد العقلين بهذا غالطا ، إن لم يكونا معا ، و يكون الغلط بالتالي ، نقصا في احتمالات الصواب ، مما يعطي للعقل محدودية كما تقدم .

    ـــ إن عملية التفكر لا تفيد كثيرا فيما وراء الحس (المعاني التي وراء الحس) ، فتجد العقل هنا لا يكاد يضبط ما يتفكر فيه ، فتكون بذلك أغلب نتائجه مظنونة .

    ـــ إن لعملية التفكر ضوابط و شروطا تحكمها ، قد لا يحسن الالتزام بها كل عقل ، أو قد لا تتوفر لديه ، فيكون الفكر مختلا بقدر عدم إحكام تلك الضوابط و الشروط ، أو عدم توفرها ، فيغيب عن العقل من النتائج ما يتناسب و هذا الاختلال.

    ثالثا : المأخذ الثالث :

    سنعرض له في الباب الثاني من هذا الكتاب ، إن شاء الله تعالى .

    3 . أسماء العقل :

    ا ـ التسميات المختلفة للعقل :

    يتبين من خلال ما سبق ، أن العقل الذي تناولناه ، غير مؤهل لأن يُعتمد عليه بالكلية في جميع ما يريد الإنسان إدراكه على الحقيقة ؛ لذلك وجب الكلام على آفاق العقل المختلفة و بيان خصوصية كل أفق منها .

    و في البداية يلزمنا رفع اللبس الذي يحيط بالعقل من حيث تسميات تطلق عليه كمرادفات أو تنسب إليه كصفات ، و هي : النفس والقلب و الروح

    فنقول مستعينين بالله :

    إن هذه الأسماء في الحقيقة تدل على مسمى واحد ، غير أن هذا المسمى له اعتبارات مختلفة تجعل الناظر إليه باعتبار ما ، يسميه باسم لا يسميه به إذا نظر إليه باعتبار آخر . و إننا نجد أقربها إلى الدلالة على حقيقته و خاصيته الكبرى : القلب . ذلك أن تسمية القلب من التقلب ، و من ضمن التقلب ، التقلب في الأسماء المختلفة . فهو تارة قلب و تارة نفس و أخرى عقل أو روح .

    ب ـ الاعتبارات الحاكمة على العقل :

    إن حقيقة الإنسان المستوية على التمام بين طرفي النقيض من وجود و عدم ، و نور و ظلمة ، تعطيه تسمية القلب لأنه في كمال قابليته للأمرين معا . و ميل القلب عن درجة الاعتدال تلك ، إلى أحد الجانبين دون الآخر ، يخرجه عن قلبيته و يجعله :

    ـــ إن غلبت عليه الظلمة و أحكام العدم ، يصير نفسا بهذا الاعتبار .

    ـــ و إن غلب عليه النور و أحكام الوجود ، يصير روحا بهذا الاعتبار .

    و هو عقل على كل حال ، بمعنى إضافة الإدراك إليه بصرف النظر عن كونه مخطئا أو مصيبا في هذا الإدراك .

    و قد نجد هذه التسميات التي ذكرناها موصوفة بصفات قد تخرجها عن الحد الأصلي لها ، حسب الاعتبارات المذكورة آنفا : كأن نسمع عن القلب المقفل ، فمعناه أنه مقفل عن النور ، فهو هنا إذن نفس ؛ أو كأن نسمع عن النفس المطمئنة ، فهي هنا روح .

    إن علمت هذا ، فإنك ستجد لهذه الحقيقة القلبية مرتبتين تفصيليتين بين النفس و القلب ، و بين القلب و الروح ، و ذلك حسب نزول هذه الحقيقة في تينك المنزلتين ، تستلزمان (أي المرتبتان) تسميتين أخريين هما : الفؤاد و الصدر .

    و إن عرفت ماذا نقصد بالتسميات ، فقل كما شئت و عبر بما تراه مناسبا .

    الفـصـل الـثـاني : العـقـل المـجـرد

    1 . صورة مبسطة :

    لقد وجد الإنسان نفسه بعد أن لم يكن (الإنسان هنا بالمعنى العام الافتراضي و ليس آدم) ، و جد نفسه مدركا لنفسه ، وسط مخلوقات قد تشبهه من أوجه و تمتاز عنه من أوجه أخرى ، بين سماء و أرض ، يتعاقب عليه ليل و نهار ، تتراوحه أحوال متباينة ، ملائمة لأغراضه تارة ، و غير ملائمة أخرى ؛ و وجد من نفسه انجذابا إلى أشياء حسب هذه الأغراض ، و نفورا من أشياء أخرى ، كما وجد من نفسه قوة تسعفه على التصرف في نفسه أو في غيره من الموجودات ، تبعا لما يعطيه إدراكه . غير أن ذلك لم يكن له دائما على التمام : فقد لاحظ أن الأشياء قد تنصاع له حينا ، و تستعصي عليه آخر : و ذلك كتوفر مصادر الأكل له مثلا في زمان دون زمان أو في مكان دون مكان ، أو مناسبة نوع من المأكولات له في حال دون حال ؛ فاحتار الإنسان في نفسه : أهو سيد الوجود ، بحيث يكون ما سواه عبيدا مسخرين له يتصرف فيهم كما يشاء ؟ ...فلا يجب أن يستعصي عليه شيء ، و لا أن يخالف إرادته شيء ! أم هو مسخر مثل غيره ، لا يملك من أمره شيئا ؟ فلمن هو مسخر ، و لم هو مسخر ؟ ... و لماذا يجد من نفسه بعض قدرة و بعض تحكم في مقابل ذلك ؟

    فصار الإنسان يتوق إلى الوصول إلى حل هذا اللغز الكبير ، و استعمل في ذلك كل قواه الحسية منها و العقلية ، فشرع يرتب معلوماته و يصنفها ، ثم يركبها تركيبا خاصا ينتج له معلومات جديدة ، و صار إدراكه يتطور شيئا فشيئا و يتوسع مع مرور الزمن ، فظن أنه يقترب من الحل ، حل اللغز الذي يحيره .

    و إلى جانب تعطشه إلى العلم بحقيقة الأمر ، أو قل قبله ، كان الإنسان يتحرك حسيا و معنويا في هذا الوجود بدافع حافزين اثنين ، هما :

    ـــ دفع الضرر .

    ـــ و جلب المنفعة .

    و كلاهما يندرج تحت معنى واحد هو : المحافظة على بقاء الفس .

    فمن قبيل دفع الضرر : احتماؤه من الحر و القر ، و اتقاؤه من الحيوانات التي تكون خطرا على حياته ، إلى غير ذلك من المضار .

    و من قبيل جلب المنفعة : توفير المأكل و المشرب للإبقاء على حياته و قوته ، و البحث عن سبل تنمية مداركه ، إلى غير ذلك من المنافع .

    لكن من حقق النظر ، يجد أن جلب المنفعة يعود في الأصل إلى دفع الضرر ، فتوفير المأكل و المشرب مثلا ، إنما هو في الأصل لدفع ضرر الجوع و العطش في المرتبة الأولى ، ثم دفع ضرر الموت في المرتبة الثانية ، و هكذا في كل أمر على التفصيل . غير أن إدراك هذا الأمر على سبيل التحقيق ، ليس في مقدرة العقل في هذا الطور .

    كما يلاحظ أن النتائج لم تكن دائما موافقة لإرادة الإنسان في هذا المجال : فهو من حيث يريد دفع الضرر ، قد يقع فيه ؛ و من حيث يريد جلب النفع ، قد يجر على نفسه ضررا لم يكن متوقعا لديه .

    و مع مرور الزمن ، صارت هذه الصورة المبسطة لمظاهر حياة الإنسان ، تزداد تعقيدا و تشعبا حتى لتكاد تخفى أصولها عن جل العقول . و مع تطور الإنسان ، و توصله إلى تحقيق بعض أغراضه ، صارت الكماليات تتولد عن الضروريات ، ثم تصير الكماليات أشبه بالضروريات . فينطلق الإنسان سعيا وراء تحقيق أغراض و كماليات لا تكاد تنحصر ، إلى أن بلغ الحال إلى ما هو عليه اليوم .

    لكن هل خرج الإنسان من حيرته ؟ و هل وجد الأجوبة الشافية عن أسئلته ؟ ذلك ما يشهد على نفيه أغلب ما توصل إليه الإنسان من خلال مسيرته العقلية ؛ باستثناء قلة ممن سنتعرف عليهم في الباب الثاني من هذا الكتاب ، إن شاء الله تعالى .

    من خلال وظائف العقل الإنساني ، المتعلقة بمختلف مظاهر إسهاماته في تطور الحياة البشرية ، نستخلص خاصيات لهذا العقل ، منها :

    ا ـ قدرته على خزن المعلومات .

    ب ـ قدرته على تذكر المعلومات المخزونة عند الحاجة إليها .

    ج ـ تجريد المدركات الحسية من صورها ، و العبور إلى معانيها : و ذلك كالعبور من صورة المصباح مثلا إلى معنى الإنارة ، و من صورة السلاح إلى معنى القتل .

    د ـ خلع صورة محسوسة على المعاني المجردة (التصوير) : و ذلك كمنح معنى الإنارة صورة المصباح ، أو معنى القتل صورة السلاح ، وهي (أي هذه الخاصية) عكس سابقتها ، لذلك هما متكاملتان بالنظر إلى دورهما في العمليات العقلية .

    ه ـ التخيل : و هو تركيب مدركات حسية لها أصل في الواقع على هيئة لا توجد عليها في الواقع ، و ذلك كما يفعل مؤلفو القصص الخيالية مثلا ، أو كأن تتخيل إنسانا له رأس ذئب و أذنا حمار و ذنب أسد مثلا .

    هذه الخاصيات التي ذكرناها ستعمل على إثراء عملية عقلية رئيسة في هذا الطور ، هي عملية التفكر .

    2 . الفكــر :

    الفكر هو استعمال معلومات ثابتة الصحة عند العقل للتوصل إلى معلومات جديدة . و أولى المعلومات ثابتة الصحة لدى العقل ، و التي كانت منطلقا لعملية التفكر هي البديهيات التي هي شطر المسلمات ، و التي تقبل العقل صحتها من دون برهنة عليها ، بل هي لا تقبل البرهنة ، و ذلك كإدراك الإنسان لوجود نفسه . بخلاف من أراد الاستدلال على وجوده كما سيأتي . و كعدم اتصاف شيء بنقيضين في نفس الوقت ، الذي هو من المسلمات ، و ذلك كأن تقول : إن الرجل طويل قصير ، أو إن الثوب جديد بال ، هذا مبلغ الفكر .

    ثم إن العقل يضم معلومتين تشتملان على عامل مشترك (الحد الأوسط) إلى بعضهما ، فينتج له ذلك علما جديدا لم يكن لديه ، و هذه المعلومة الجديدة يضمها إلى أخرى فتنتج له نتيجة أخرى ، و هكذا ... فالمعلومتان الأوليان اللتان تضمان إلى بعضهما هما المقدمتان ، و المعلومة الجديدة هي النتيجة .

    يتضح من هذا ، أن عملية التفكر عملية تسلسلية توالدية ، تنبني على أصل ثابت لدى العقل غير متولد عنه ، إذ لو تولدت عنه لكانت البديهيات مبرهن عنها .

    ضوابط الفكر :

    إن الفكر الذي يعتمد في مساره طرق البرهنة المعروفة، لا بد أن يتقيد بضوابط و شروط كي يضمن عدم الزلل ، و من ذلك :

    ـــ لا بد من علم الأصول و الفروع ، و الكليات و الجزئيات ، و علم النسب المختلفة بين أمرين أو أكثر : كالتقابل و التضاد والتناسب و التوافق و التطابق ، و غير ذلك ...

    ـــ تمييز العلوم المهارية العملية من العلوم النظرية الصرف .

    ـــ قابلية المراجعة و التدارك و التصحيح .

    ـــ قابلية المقارنة مع فكر آخر .



    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: كتاب يقرب التصوف

    مُساهمة  Admin في الأربعاء مايو 16, 2012 1:57 am

    و بما أن عملية التفكر عملية مترابطة ، فإن بعض أجزائها متوقف على البعض الآخر : فلو افيرضنا أن الخطأ تسرب إلى جزء منها ، فإن كل الأجزاء المترتبة عنه باطلة ، تجب إعادة النظر فيها بعد تصحيح الخطإ في الجزء السابق لها .

    ثم إن عملية التفكر تتبع خطا معينا مستندا في توجهه إلى مبدإ يحكمه و يوجهه في كل مرة . هذا الخط هو النسق الفكري ، و المبدأ الموجه هو المنطق . إذن فللفكر عدة أنساق حسب احتمالات استعمال المعلومات التي لدى العقل ، و هو محكوم بعدة أنواع من المنطق نُرجعها إلى اثنين

    أساسيين :

    ا ـ المنطق المجرد : و هو الذي يتحرى الصحة و الصدق دونما أي اعتبار آخر . و هذا المنطق غالبا ما تكون نتائجه صحيحة .

    ب ـ منطق الهوى : و هو المنطق الذي له اعتبارات أخرى تحددها الأهداف العامة لعملية التفكر ، قد يقدمها العقل على الصحة ، و بذلك تكون نتائجه فاسدة بقدر ابتعادها عن المنطق المجرد .

    نماذج من الفكر المحرف :

    ـــ الفكر الجدلي : ينحرف صاحب هذا الفكر عند تقديمه اعتبار إفحام الخصم على اعتبار الحق .

    ـــ الفكر السياسي : قد ينحرف السياسي عن الحق إن هو قدم اعتبار اكتساب المؤيدين و الأنصار على اعتبار الحق ، أو قدم اعتبار غلبة الخصم على اعتبار الحق ، و هكذا ...

    ـــ الفكر التجاري : ينحرف التاجر أو رجل المال عن التفكير السوي إن اعتبر الربح أكثر مما يعتبر الحق ، أو اعتبر عدم الخسارة أكثر من اعتبار الحق .

    يتبين من كل هذا أن لكل هوى منطق . و الأهواء متعددة تعدد الأغراض ، فينتج عن ذلك عدة أنواع من الفكر تلتقي مع بعضها أحيانا ، و تتضارب أخرى .

    3 . آفـــات الفكر :

    من خلال ما سبق ، يتضح أن الفكر ليس معصوما ، و أنه معرض لآفات منها :

    أ ـ احتمال الخطإ بسبب تشعب عملية التفكر و كثرة الضوابط لها و طول النسق المحدد لمعالمها .

    ب ـ اتباع الأهواء ، و هو ما يحرف الفكر عن وضعه الأصلي .

    ج ـ جهل الضوابط التي تحكم العملية أو عدم إتقانها .

    د ـ التقليد : و هو يؤدي إلىعدم التثبت من مكونات الأنساق ، بسبب ثقة في الغير أو تأثير هذا الغير ، مما يزيد من احتمالات الخطإ .

    ه ـ التعصب للفكر ، و هو ناتج عن الثقة المطلقة بالفكر ، و اعتقاد أنه بإمكانه التوصل إلى جميع المعلومات المرادة للعقل . و هو بهذا الاعتبار قيد للعقل إلى جانب قيد الحواس الذي ذكرناه سابقا ، عوض أن يكون عونا له على الترقي في مدارج الإدراك الممكنة .

    و ـ التشعب : وهو احتمال تزويج كل معلومة لكل معلومة أخرى ، مما يجعل المتفكر أحيانا يمر بجانب الحل الصحيح ، أو ما يجعله يتوصل إلى الحل ، لكن عن طول في التفكر ، كان من الممكن تلافيه .

    4 . بيان نماذج من الفكرفي قضية الوجود و الرد عليها بإيجاز :

    ا ـ المنهج الشكي الديكارتي :

    شلع في الآفاق ذكر ما يسمى لامنهج المنهج الشكي الديكارتي ، و اعتمد كمذهب فكري حجة . و شاعت مقولة ديكارت الشهيرة : أنا أفكر، إذن أنا موجود . الواضح أن ديكارت أراد هنا أن يستدل على وجوده ، فنقول :

    أولا : إن وجود المرء عند نفسه ، لا يستدل عليه ، لأنه بديهية مسلمة ، و البرهنة على البديهية نكث لغزل . فإن قيل إن البرهنة على البديهية أبلغ في صحة الفكر ، قلنا ، بل هي نقض للفكر من أساسه ، إذ لولا البديهيات المسلمة ما ظهر للفكر وجود .

    ثانيا : استدل ديكارت على وجوده بعملية فكره ، و هي عمل عقلي ، و العقل صفة للمستدل(اسم فاعل) و الفكر فعل له ، و البرهنة في هذا الاتجاه باطلة . فهي كالاستدلال على الأصل بالفرع أو الجوهر بالعرض ، و هذا إخلال بالمراتب العقلية التي تقتضي الاستدلال على الفكر بالعقل و على العقل بذات المستدل .

    ثالثا : إن المقولة المذكورة ، لا تنطلق من الشك : فكلمة أفكر مستندة إلى أنا ، و أنا يقين لا شك . فهو إذن انطلق من وجود إلى وجود ، و هذا من قبيل تحصيل الحاصل و لغو الفكر .

    رابعا : لا يمكن بتاتا الانطلاق من الشك المطلق في عملية التفكر المتعلق بالوجود : ذلك أن الشك المحض ، استواء تام بين رتبتي الوجود و العدم ، فاحتيج إلى مرجح حتى تقع الحركة العقلية ، فإن وقع الترجيح للعدم عقلا ، لم يصح أن يكون أساسا للفكر ، إذ العدم لا يبنى عليه ، و إن و قع الترجيح للوجود ، فالعملية الفكرية، يكون وقتها انطلاقها من يقين لا من شك .

    فيبقى أن الشك المقبول عقلا ، ليس هو : هل هو موجود أم لا ، و إنما : هل هو كذا أم كذا . و هذا خلاف هذا المذهب . فتبين بعد كل هذا بطلان هذا المذهب ، و بطلان مقولته . و إننا لنعجب كيف لم يتصد لدحضه و بيان عواره أحد ، مع كثرة المفكرين في هذا العصر .

    ب ـ الفكر الإلحادي المعطل :

    يقوم هذا المذهب الفكري على أساس " لا إله" مع إثبات وجود الكون بما فيه القائل بهذا المذهب . فنقول :

    أولا : لا بد لهذا الكون من أحد أمرين ، بما أنه مشهود الوجود :

    ـــ الأمر الأول : أن يكون وجوده عن نفسه .

    ـــ الأمر الثاني : أن يكون وجوده عن غيره .

    بسط الأمر الأول : وجود الكون ليس قديما لسبقه بالعدم ، و هذا أمر ظاهر ، و الكون في حالة العدم لا يكون عنه وجود ، فكيف إذاً يمكن للكون أن يوجد نفسه ؟ فتبين بطلان الاحتمال الأول .

    بسط الأمر الثاني : و هو أن يكون وجود الكون عن غيره ، و له احتمالان :

    إما ان يكون هذا الغير مشابها للكون أو أن لا يكون ، فإن كان مشابها للكون ، احتاج إلى موجد له ، و الموجد إلى موجد ، إلى ما لا نهاية ، و هو أمر غير ممكن عقلا . و إن كان هذا الموجد غير مشابه للكون من حيث الوجود ، لا بد أن يكون وجوده ذاتيا (لاستحالة التسلسل) ، و غير مسبوق بعدم ، و هو معنى القدم ( بسبب وجوب هذا الوجود) . أما الوجود التابع لهذا الوجود ، و هو وجود الكون ، و الذي يأتي في المرتبة العقلية الثانية ، فهو الوجود الواجب بغيره، و هو أيضا الوجود الممكن ، و ذلك بالنظر إلى مرتبته الأصلية التي هي العدم ، و مرتبته الحالية التي هي الوجود ؛ و وجود الممكن هو عين ترجيحه ، و المرجح هو واجب الوجود بنفسه . فتبين من هذا ، أن للكون موجدا قديما ، صفة الوجود له ذاتية .

    فإن قيل : إن الكون وجد عن الطبيعة ، و هو قول الطبيعيين ، نقول : إما أن تكون الطبيعة موجودة بغيرها ، فتلحق بمرتبة الممكنات ، و هذا ما لا يؤهلها لأن توجد الكون : فكما قلنا سابقا إن الممكن أصله عدم ، و العدم لا يكون عنه وجود . و إما أن تكون قديمة ، صفة الوجود لها ذاتية ، فيكون الخطأ وقع في إطلاق الاسم لا غير .

    و إن قيل : إن الكون وجد عن صدفة ، كما يقول كثير ممن يعد نفسه عاقلا هذا الزمان ، فنقول :

    أولا : إن الصدفة هي عدم القصد في الإيجاد ، و هو عدم ، و العدم لا يكون عنه وجود كما قلنا .

    ثانيا : إن تأملنا الكون وجدناه على ترتيب معين ، و نظام متسق بيّن ، فإن كان وجوده صدفة (افتراضا) فقد تبع هذه الصدفة الأصلية عدد غير متناه من الصدف ، و الصدفة المتكررة أو المتعددة ، تبطل منطق الصدفة ، إذ التكرار و التعدد يفيد القصد . فلو قلنا مثلا إن الإنسان الأول نتج عن صدفة ، فالذي بعده (ولده) يجب أن ينتج عن صدفة أخرى ، و ولد الولد عن صدفة ثالثة ، لتبين للعقل السليم أن هذا لا يستقيم ، و أن وجود الإنسان مقصود لموجده .

    ج ـ الفكر الدهري أو التاريخي بالتسمية المعاصرة : و هو قريب من سابقه :

    يدعي هذا المذهب أن الكون موجود ، لكن وجوده بغير غاية ، بل هو (أي الكون) الذي يحدد مساره في هذا الوجود . و الوجود عند هؤلاء دنيوي لا آخرة فيه . يتبين أن هذا المذهب كسابقه ، إلا أن الأول وقعت له الشبهة في القصد للوجود و هو البدء، بينما هذا الثاني وقعت له في الغاية من الوجود و هي النهاية . فنقول :

    أولا : إن عدم ترتيب حكمة عن إيجاد الكون ، الذي هو العبثية ، لا يمكن أن يصدر عنه وجود لعدميته كما سبق مرارا .

    ثانيا : و كما أن الصدفة لا يمكن أن تكون بداية للنظام ، لعدم صحة القول بتسلسل الصدفة ، فكذلك العبثية لا يمكن أن تُسبق بالنظام لوجوب تسلسل العبثيات قبلها ، و هو ما لا يقبل عقلا .

    د : المذهب المادي ، او ما يسمى زورا بالعلمي :

    أصحاب هذا المذهب لا يعترفون إلا بالمحسوس ، فما أثبتته حواسهم و عقولهم بالتبعية لها ، أقروا به ، و ما لم يدركوه بهذه الطريقة أنكروه .

    فنقول :

    أولا : إذا كان العقل غير مشهود للحواس ، و هم يحكمون على غير المشهود بالعدم ، فكيف يستندون في مذهبهم إلى عدم ؟ فإن قيل إن العقل هو الدماغ و الدماغ مشهود ، قلنا : فعملية التفكير غير مشهودة . فإن قيل : هي كهرباء سارية في الدماغ ، قلنا : هل قستم تلك الكهرباء بحيث تستطيعون قراءة أفكار إنسان ما ، بمجرد قياس أقدار كهرباء دماغه ؟ فإن قالوا : لا ، قلنا لهم : فكيف تثقون بنتيجة غير مجربة عندكم ؟ و لزمهم إذ ذاك : إما الرجوع عن مذهبهم ، أو القول بعدم وجود عقولهم .

    ثانيا : إن المادة نفسها منها ما هو مدرك(اسم مفعول) لنا ، و ما هو غير مدرك ، فما هو مدرك لنا بالحواس لا خلاف عليه مع تباين في الإدراك بين الأشخاص : فقد يدرك بالحواس شخص ما ما لا يدركه غيره كما سبق ، فيكون ما هو مشهود للأول غيبا عند الثاني ؛ غير أن التفاوت في مجال الحواس ضئيل ، لذلك نجاوزه إلى غيره : و هو أن من الماديات ما لم يكن مدركا في الأزمنة الماضية ( كالجسيمات الصغيرة مثلا) ، و أصبح مدركا في زماننا بواسطة الآلات و الأجهزة المتطورة . فإن نظرنا إلى تسلسل الأزمان ، وجدنا أن ما كان غيبا عند قوم أصبح شهادة عند آخرين ، و التطور مستمر ، و الأجهزة متسارعة في التطور ، فدل هذا على أن من المادة ما هو غيب دائما . فإن كان الأمر كذلك ، وجب حسب مذهب هؤلاء إنكاره ، فإن أنكروه و ثبت وجوده شهادة مستقبلا ، لزم أنهم أنكروا موجودا مشهودا ، بصرف النظر عن الزمان . فتبين فساد مذهبهم .

    ثالثا : نضرب مثلا على الوجود غير المادي فنقول : اللفظة ، إن كانت مكتوبة فمادتها الرسم وهو مداد على ورق ، و إن كانت منطوقة ، فمادتها الصوت و هو ذبذبات في الهواء ؛ لكن مدلولها ، أتراه ماديا ؟ ! و لا خلاف على ثبوت المدلول .

    و خذ على ذلك مثلا : كلمة "معنى" و جرب .

    فثبت بعد هذا كله ، أن ما يسمى بالفكر المادي أو العلمي التجريبي ، إنما هو فرع من العلم و ليس هو كل العلم ، حتى يظن أن كل ما خرج عنه يعد خرافة و هذيانا كما يُزعم .

    5 . خــــلاصة :

    ـــ نهاية الفكر السليم في الإلهيات هي : العلم بوجود الإله (لا العلم به) ، مع نفي صفات المحدثات عنه ، و هو ما يسمى السلب ، خلافا لمن اعتقد أن السلب هنا تعطيل ، بل هو إثبات تنزيه لكن لا على التفصيل في هذه المرحلة من مراحل إدراك العقل ، و التي سنتعرف عليها في ما سيأتي إن شاء الله تعالى .

    فإن زاد الفكر على هذا في الإلهيات ، فإنما سيقع في سقطات فكرية تهوي به إلى درك العقل غير السليم .

    ـــ يبقى للفكر دوره في العلوم الكونية (التي تتعلق بالمخلوقات) كالطب و الفيزياء و الفلك أو العلوم العقلية كالرياضيات و المنطق ؛ هذه العلوم التي يتقدم فيها الإنسان بحسب جهوده الفكرية المتجمعة عبر العصور ، و التي لا ينكر دور الفكر فيها إلا جاهل . كما يبقى للفكر دوره الأساسي ، ألا و هو الدور المعاشي و تدبير حياة الإنسان بحسب مستجدات الظروف و الوقائع .


    الباب الثاني : العقل المعضد


    الفصل الأول : الإيمان و الكفر :

    1 . الفطرة :

    عندما ثبت لدى العقل السليم وجود موجد له ، علم بمنطقه الاستدلالي أنه مرتبط بموجده ارتباطا لا انفكاك له عنه ، هذا الارتباط هو المسمى مألوهية ؛ و ثبت له في مقابل مألوهيته ألوهية موجده ، فتميزت لديه المرتبتان : الألوهية و المألوهية . ثم بطريق القياس و الاستنتاج ، و بما أن وجوده مستفاد من الإله ، توصل إلى أن ما يتعلق بوجوده من صفات و أفعال ( الأعراض) ، هو أيضا مستفاد من الإله بالأحروية ، فظهر له أنه لن يعلم نفسه حقيقة و لا إلهه من نفسه ، بل بإعلام من إلهه ، فانكسر و نزل إلى المرتبة السفلى راضيا منتظرا ما يفيضه عليه إلهه من مواهب .

    و هذه المنزلة هي منزلة الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، و هي منزلة الموفقين من أهل الفترات الذين كانوا قبل البعثة المحمدية و لم يدركوا رسولا ، أما اليوم ، فلم يعد لهذا الصنف من الناس وجود بسبب استغراق الرسالة المحمدية للزمان إلى قيام الساعة . و هذه المنزلة هي أيضا التي يولد عليها الإنسان لقول رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : كل مولود يولد على الفطرة ، فإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه .<متفق عليه>

    2 . الإيمان أو الكفر :

    سمع العقل أن رجلا يدعي أن الإله أرسله لباقي بني جنسه: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا . و أنه يخبرهم عن هذا الإله ، عن صفاته و عن أفعاله ، و يبلغهم أوامره و نواهيه ، و يعلمهم كيف يتقربون من إلههم حتى ينالوا رضاه . فرجع العقل إلى نفسه يمحص و يتحرى ، فتبين له أن هذا الأمر جائز في عرفه ، لكن لا بد له من علامة يميز بها بين الرسول الحق و بين من يدعي هذه المهمة زورا .

    فانبرى الرسول يتحدى الناس بأمور لا يستطيعون الإتيان بها ، و هي المعجزات ، التي هي قولية و فعلية :

    ـــ القولية : ما يتعلق بالإخبار عن الله بما لا يعلمه إلا الله عن نفسه ، أو بالإخبار عن الوقائع التي لا زالت في رحم الغيب ، حتى إذا وقعت جاءت كما أخبر الرسول .

    ـــ و الفعلية : ما وقع من الرسول من تصرف في الكون ، كشق البحر ، و إبراء الأكمه ، و تكثير الطعام القليل ، و تفجير الماء من بين الأصابع ، إلى غير ذلك ...

    هنا ، وجد العقل نفسه ، بعد استنفاد كل سبل التحري و التثبت أمام سبيلين :

    الأول : أن يصدق الرسول فيما جاء به .

    و الثاني : أن يصد عنه و يتولى .

    و لا سبيل له من نفسه إلى سلوك السبيل الأقوم إلا بتوفيق من الله تعالى :و ما كان لنفس أن تومن إلا بإذن الله . فإن أذن الله له في الإيمان وجد نفسه منقادا للرسول و كان ممن قال الله فيهم : و قالوا سمعنا و أطعنا .و انفتح له مع الإيمان أفق جديد لم يكن مدركا له من قبل : أفق يجاوز الحدود التي كانت تحيط به و تقيده : هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور . و الظلمة تقييد و النور فسحة .

    و أما إن لم يوفق ، فسينكر ما جاء به الرسول ، إما عموما : كمن يكفر بجميع الرسل ، و إما خصوصا كمن يومن ببعض و يكفر ببعض : أي يومن برسول سابق ، و يكفر بالرسول الذي أدركه زمانه . و في الحالتين سيمكث في ضيقه كما وصف الله ذلك بقوله تعالى : و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقل حرجا كأنما يصعد في السماء .كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يومنون .

    و على التحقيق ، فإن الإيمان و الكفر وجهان متقابلان للقلب : فمن آمن بالله ، كفر بسواه من الآلهة المزعومة ، و من كفر بالله آمن بسواه ، و ذلك كما قال الله تعالى : فمن يكفر بالطاغوت و يومن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها . و قال أيضا : و الذين آمنوا بالباطل و كفروا بالله ، أولئك هم الخاسرون .

    و الإيمان المقصود هنا في هذه المرحلة ، إنما هو إيمان مجمل . هو أقرب إلى مدلوله اللغوي ، أي مطلق التصديق . و هو نور يقذفه الله بفضله في قلب من يشاء من عباده ، و هو قد يوجد لدى عقول ليس لها تمرس بالفكر و النظر ، بل قد يوهب لعقول ساذجة بسيطة فطرية . فهو إذن ليس نتاجا فكريا ، و لو كان كذلك ، لكان حكرا على الأذكياء و الفطناء من بني الإنسان .

    و هذا النور بالنسبة للعقل، كالنور المحسوس بالنسبة إلى العين ، يكون وسيلة لإدراك ما لم يكن يدرك من المعلومات الوجودية التي كانت عنده قبل هذا ، من قبيل العدم . و هذا الإيمان يسير بالعقل في مجال جديد، قد يصحح على ضوئه سابق مدركاته إن لم يغيرها أصلا .

    أما الكفر : فهو انطماس هذا النور و انقطاع أسبابه انطلاقا من معناه اللغوي الذي هو الستر و الحجب ، حتى أن الفلاح و الليل يسميان كافرين .

    و بما أن الإيمان نور ، فإن الكفر ظلمة تغشى العقل ، فلا يدرك بمقتضاها معلومات وجودية هي عند المؤمن من ضرب البديهيات أحيانا لوضوحها . فانظر ضيق العقل الكافر و حرمانه ! فتجد المؤمن يدرك بنور إيمانه ما يتعدى حدود فكره و نظره ، و تجد الكافر لا يستطيع أن يتجاوزهما ، هذا إن سلما له ، و ذلك كقول الله تعالى : يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون .

    3 . أسباب الكفر :

    إن كان الإيمان ينال بفضل من الله و رحمة ، فإن الكفر ترجع أسبابه إلى الإنسان نفسه . و من تلك الأسباب :

    ا ـ إيثار الحياة الدنيا ، لقول الله تعالى : فأما من طغى و آثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى .

    ب ـ اتخاذ الشيطان وليا من دون الله ، لقول الله تعالى : أفتتخذونه و ذريته أولياء من دوني و هم لكم عدو ؟ بيس للظالمين بدلا .

    ج ـ عدم الاهتمام ، لقول الله تعالى : ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه و هم يلعبون ، لاهية قلوبهم .

    د ـ عدم العلم ( أي إدراك حقائق الأشياء ) ، لقول الله تعالى : بل أكثرهم لا يعلمون الحق ، فهم معرضون .

    ه ـ عدم صفاء الإدراك ، الذي يؤدي إلى انبهام الأمور ، فيظن المرء أمرا ما ، أمرا آخر ،و ذلك كقوله تعالى :فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين . لجهلهم بحقيقة السحر ، المخالفة لحقيقة الوحي .

    و ـ الكبر ، لقول الله تعالى : فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا و ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي و ما نرى لكم علينا من فضل ، بل نظنكم كاذبين . و كما قال أيضا : قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون .

    ز ـ الغفلة ، لقول الله تعالى : و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الإنس : لهم قلوب لا يفقهون بها ، و لهم أعين لا يبصرون بها ، و لهم آذان لا يسمعون بها ، أولئك كالأنعام بل هم أضل ، أولئك هم الغافلون . هذا رغم أن حواسهم في ظاهرها سليمة ، إلا أنها ، و بما أنها لم تؤد مهمتها الأساسية ، و هي أن تكون و سيلة لاعتبار صاحبها فيما يستعملها فيه ، قد أصبح حكمها حكم عدمها ، فكانت العين عمياء حكما ، و الأذن صماء بهذا الحكم أيضا ، و هكذا ...

    ح ـ إرادة الدنيا ، لقول الله تعالى : من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا . و لقوله أيضا : الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة و يصدون عن سبيل الله و يبغونها عوجا أولئك هم في ضلال بعيد .

    ط ـ الديانة بغير دين الحق ، لقول الله تعالى : و لا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب .و لقوله أيضا : و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ، و هو في الآخرة من الخاسرين . و لقوله تعالى أيضا : إن الدين عند الله الإسلام .

    ي ـ الشرك ، لقول الله تعالى : اتبع ما أوحي إليك من ربك ، لا إله إلا هو ، و أعرض عن المشركين .

    4 . رفع للبس :

    سمعت بعض العقول قوله تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ، و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا....و أمثاله ، فقالت : بما أن الهداية و الضلالة بإرادة من الله ، فكيف يثاب العبد في حالة الهداية و يعاقب في حالة الضلال، و هو لا يد له فيهما معا ؟ و حكى الله تعالى عن قوم قولهم : سيقول الذين أشركوا : لو شاء الله ما أشركنا نحن و لا آباؤنا ، و لا حرمنا من شيء . كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا ، قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ؟ إن تتبعون إلا الظن ، و إن أنتم إلا تخرصون ، قل فلله الحجة البالغة ، فلو شاء لهداكم أجمعين . و انظر كيف جعل الله حل هذه المسألة بالعلم ، إذ لو كان لهؤلاء القائلين علم بالأمر ما قالوا ما قالوا ، و لكن لما غلب عليهم الظن ، و هو علم غير ثابت الصحة ، قامت حجة الله عليهم بجهلهم . و لو كان لهم علم بالأمر لقالوا كما قال الله تعالى : إن الله لا يظلم مثقال ذرة . و لأدركوا معنى قوله تعالى : إن الله لا يظلم الناس شيئا ، و لكن الناس أنفسهم يظلمون . ذلك أن الله تعالى ما أخرج إلى الوجود إلا ما أراد ، و ما أراد إلا ما علم . و قد علم الله في المؤمنين صفة الإيمان ، فأوجدهم على هذه الصفة ، كما علم في الكافرين صفة الكفر ، فأخرجهم على صفتهم تلك . فما أتي الإنسان إلا من نفسه . و قد أشار إلى هذا المعنى قول رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : ...فمن وجد خيرا فليحمد الله (لأنه هو الذي تفضل بإخراجه إلى الوجود )، و من وجد غير ذلك ، فلا يلومن إلا نفسه (لأنه على تلك الصفة في علم الله ) .< رواه مسلم >

    فقول العقول القاصرة إن الله سبحانه وتعالى ، بما أنه نسب إلى نفسه الهداية و الضلالة يكون ظالما ، باطل من هذا الوجه .

    و من وجه آخر : إن كل الوجود ، و ما ظهر من موجود إنما هو ملك لله تعالى ، فمن تصرف في ملكه ، فما ظلم ، بل الظالم من تصرف في ملك غيره و اعتدى عليه ، و هذا ما لا يصح في حق الله تعالى ؛ و إن كنا نرى أن الوجه الأول أقوى في الرد على هذه الشبهة .

    و على كل حال ، فإن علم هذه المسألة ليس في مقدرة العقل المجرد ، أو العقل المعضد في هذه المرحلة ، و إنما هو من علوم الكشف التي سنتطرق إليها فيما بعد إن شاء الله تعالى .

    5 . مرتبة الإنسان الكافر :

    لما كان هذا الكون لم يوجد عبثا و لا من غير قصد ، كان الوقوف على دلالته و الحقيقة المؤسسة لوجوده مطلب الإنسان العاقل و مطمح المتأمل الآمل في بلوغ منزل الطمأنينة التي تعز على أكثر العقلاء . فكان الوجود بهذا المعنى كتابا إلهيا بينا لمن فتح الله بصره و سمعه و قلبه ، و إلى هذا ، الإشارة بقول الله تعالى :ا قرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الانسان من علق . اقرأ و ربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الانسان ما لم يعلم . و إنه لأمر عجيب أن يغيب هذا المعنى عن أغلب الناس ، حتى صاروا يستدلون بهذه الآيات على تعلم القراءة و الكتابة ، و يجعلونها أساسا للدعوة إلى التعليم بالمعنى الجزئي ، في المؤسسات الخاصة بذلك ، ناسين أو متناسين أن الأمر الإلهي الوارد في الآيات السابقة ، موجه بالدرجة الأولى إلى رسول أمي و أمة أمية ، و غافلين عن كون الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ، المعصوم ، قد امتثل الأمر الإلهي و قرأ .

    فأي قراءة هي هذه ، غير التي أشرنا إليها ؟ و تدبر قول الله تعالى ، بعد الأمر بالقراءة : اقرأ باسم ربك الذي خلق ، لتعرف أن الكتاب المخلوق (الكون) هو المقصود بالقراءة ؛ و ما ذكرناه لا ينتقص من تعلم القراءة و الكتابة المعهودتين شيئا في كونهما واسطة لنيل العلوم أو سببا في حفظها و تدوينها .

    و لما كان الإنسان الكافر عاجزا عن تدبر الكون ، كانت حواسه معطلة من حيث الحقيقة ، و إن سلمت من حيث الحس : إذ الإدراك هو المقصود من وراء الحواس ، لا عين الحواس ، فلما انعدم الإدراك انعدم سببه بانعدامه حكما ، و انظر قول الله تعالى عن الكافرين : و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ، و لهم أعين لا يبصرون بها ، و لهم آذان لا يسمعون بها ، أولئك كالأنعام بل هم أضل . أولئك هم الغافلون . لما فقد الإنسان إدراكه الذي هو روح حواسه ، فقد تبعا لذلك إنسانيته و نزل عن مرتبته إلى مرتبة الدواب ، بل الدواب أعلم منه بالأمر ، لأنها على وحي غريزي لا تحيد عنه : و أوحى ربك إلى النحل ... و لم تنزل عن مرتبتها الأصلية كما نزل هو .

    فانقسمت المرتبة الإنسانية لزوما إلى مرتبتين :

    ـــ مرتبة الإنسان الآدمي الذي تحقق بإنسانيته .

    ـــ مرتبة الإنسان الحيواني الذي هو إنسان بالصورة فقط ، لا بالحقيقة .

    فكان الكافر بهذا في حقيقته حيوانا من جملة الحيوانات ، و من تدبر ما قلناه في الواقع ، لوجده كما قلنا ؛ و يكفي للدلالة على ذلك الإشارة إلى بعض الصفات التي تظهر على هذا النوع من الإنسان ، و التي لا تختلف عن صفات الحيوانات المتوحشة أحيانا ، و ليس قصدنا هنا التفصيل .

    6 . العقل و الجنون :

    بما أن للعقل مراتب يتميز بعضها عن بعض من حيث الإدراك ، بل تتفاوت في ما بينها ، فبديهي أن تنكر بعض العقول ما يدركه البعض الآخر : لخروج مدركات طائفة عن دائرة إحاطة طائفة أخرى ؛ لذلك نجد العقول المرتبة في المراتب الدنيا ، و المحصورة غالبا في قيود الحس أو الفكر ، تتهم العقول المرتبة في المراتب العليا بالجنون : و الجنون إن رجعنا إلى معناه اللغوي ، و هو البطون أو الستر ، و منه جن الليل ، و الجن (و المقصود منه المخلوقات النارية أو النورية على السواء) و الجنين (اسم مفعول) و هو الطفل المستور في بطن أمه ، إلى غير ذلك ... إذا رجعنا إلى هذا المعنى ، فإطلاق الجنون صادق لخفاء المدرك و بطونه في حق طائفة دون أخرى ؛ و لكن إن رجعنا إلى المعنى العرفي المقصود منه أن المجنون هو من أصيب بمس من الشياطين يؤدي به إلى تخبط في التفكير و خلط في التعبير ، فهو باطل ، و هو ما نفاه الله تعالى عن رسله عندما اتهمهم قومهم بالجنون كما في قوله تعالى : و ما أنت بنعمة ربك بمجنون ، لمثل من حكى عنهم قولهم :و قالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون .

    يتضح من كل ما سبق ، أن الجنون مراتب بحسب العقول الناظرة فيه : فالعقل المؤمن ، مجنون بنظر العقل الكافر ، و المحسن مجنون بنظر المسلم ، و هكذا فلتقس على كل المراتب . و لا بد هنا من الإشارة إلى أن الرسل عليهم الصلاة و السلام ، أو المبلغون عنهم من أتباعهم ، يتنزلون إلى العقول المرتبة في المراتب الدنيا حتى يستطيعوا إبلاغهم ما يريدون إبلاغهم إياه ، رحمة منهم و رأفة و حسن تربية و حكمة .

    الفصل الثاني : إسلام النفس : ( إن الدين عند الله الإسلام )

    بعد أن تركنا العقل الكافر الذي نزل عن مرتبة الإنسانية إلى مرتبة الأنعام في سجنه الذي لا يستطيع الخروج منه إلا بإذن ربه ، و تابعنا العقل السليم الموفق عند ولوجه منزل الإيمان ، نواصل الآن مع هذا الأخير مسايرتنا له أثناء دخوله في المرتبة الأولى من الدين ، و هي الإسلام .

    و إسلام العقل هو انقياده لله و رسوله صلى الله عليه و آله و سلم فيما يعلم و فيما لا يعلم ، في منشطه و مكرهه ، هذا الانقياد يورث القلب حال التوبة إلى الله (الرجوع إليه ) الذي سيلازمه في كل مراحل سلوكه التي سنعرفها لاحقا .

    و الإسلام كدين ، هو دين جميع الرسل عليهم الصلاة و السلام ، و جميع أتباعهم ، و قد بدأ مع أولهم (الرسل) و أخذ يتدرج في المراحل عبر العصور و الأزمان ، حتى بلغ منتهاه و كماله على يد سيدنا محمد صلى الله عليه و آله و سلم ، الذي أنزل عليه : اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا .

    و هذا التدرج الذي للدين في مدارج الكمال ، إنما هو بسبب اختلاف استعدادات الآمم المختلفة : فكان كل رسول يبعث إلى قومه بما يناسب استعدادهم ، و لما كانت الأمة المحمدية أشرف الأمم عند الله تعالى ، و أكملها استعدادا ، و كان رسولها صلى الله عليه و آله و سلم ، هو سيد الرسل عليهم الصلاة و السلام أجمعين ، كان الدين المحمدي هو الإسلام الكامل ، و بما أنه كذلك ، امتنع أن يرسل بعده رسول ؛ إذ لو أرسل لكان إما مساويا له أو ناقصا عنه : و المساواة تكرار ، و التكرار لا يجوز في حق الله الواسع ، كما أن النقص معاكس للحكمة لقول الله تعالى : ما ننسخ من آية أو ننسها نات بخير منها أو مثلها . فتبين أن الحكمة تقتضي التدرج من النقص إلى الكمال لا العكس ، فظهر أن لا شرع بعد شرعه صلى الله عليه و آله و سلم .

    جاء في حديث عمر رضي الله عنه : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ذات يوم ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر و لا يعرفه منا أحد ، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه و آله و سلم ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، و وضع كفيه على فخذيه و قال : يا محمد أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله ، و تقيم الصلاة ، و توتي الزكاة ، و تصوم رمضان ، و تحج البيت إن استطعت إليه سبيلا . قال : صدقت . فعجبنا له يسأله و يصدقه . قال : فأخبرني عن الإيمان . قال : أن تومن بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر و تومن بالقدر خيره و شره . قال : صدقت . قال : فأخبرني عن الإحسان . قال : أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .(...) قال : ثم انطلق فلبث مليا ثم قال : ياعمر ، أتدري من السائل ؟ قلت : الله و رسوله أعلم . قال : فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم . < أخرجه مسلم و الترمذي و النسائي >

    فجعل الدين كل هذه المراتب : أي الإسلام و الإيمان و الإحسان ، ففهمنا أن من أكملها ، كان دينه كاملا ، و من عليه منها بقية ، كان دينه ناقصا بحسب ما بقي عليه .

    1 . مرتبة الإسلام :

    استنادا إلى الحديث السابق ، فإن مرتبة الإسلام لها أركان خمسة سنعرض لها ، لكن بغير التفصيل الفقهي المعهود ، إذ هذا ليس محله . هذه الأركان هي :

    ا ـ الشهادتان : طلب الشارع من العقل المؤمن إيمانا إجماليا أن يُعمل جارحة من الجوارح التي تقع تحت حكمه و هي اللسان ، و جعل عملها مع إقرار القلب بفحواه ، شرطا في دخول الإسلام كدين و كمرتبة . و الشهادتان في الحقيقة شهادة واحدة لها شقان لا يستقلان عن بعضهما :

    ـــ الشق الأول : أشهد أن لا إله إلا الله : و هو نفي الألوهية عن الأغيار و إثباتها للإله الذي أخبر الرسول صلى الله عليه و آله و سلم باسمه الله .

    ـــ الشق الثاني : أشهد أن محمدا رسول الله : و هو إثبات الرسالة التي هي التبليغ عن الله ، للرجل المكي القرشي المسمى محمدا صلى الله عليه و آله و سلم .

    مقتضى الشهادة : هو عبادة الله وحده باتباع سيدنا محمد صلى الله عليه و آله و سلم ، و الاتباع في هذا الزمان ، و في هذه المرحلة للعقل ، يقتضي اتباع الفقيه العالم بالأحكام الشرعية المبيّن لها ، ذلك نظرا لانتقال شخص الرسول صلى الله عليه و آله و سلم عن الدنيا .

    ب ـ الصلاة : و هي موعد ضربه الله تعالى للعبد خمس مرات في اليوم ، على هيئة مخصوصة ، ليعبده و يستعينه و يستهديه ، حتى يسلم له سيره قدما في طريق التقرب . و الصلاة أساس الدين بهذا الاعتبار ، الذي يجعلها مركز الاستمداد من الله للورود عليه ، فمن لا استمداد له لا أهلية له ، و من لا أهلية له ، لا قرب له .

    ج ـ الزكاة : و هي العبادة التي تجعل الغير من أسسها المشروطة لها ، فبإخراج الغني جزءا من ماله للفقير على وجه الوجوب ، تعمل الزكاة على توسيع دائرة ال "أنا" عند الغني حتى تشمل الفقير معه ، و تكون بذلك عملا لاحما للبنيان المسلم ، مانعا له من التصدع بسبب الأحقاد التي تنتج عادة عن صراع الطبقات ، كما في المجتمعات غير الإسلامية .

    د ـ الصوم : و هو عمل تنزهي تقدسي ، يقطع فيه الصائم استمداده من الأكوان ، و هو فتح للباب الخاص الذي للإنسان مع ربه ، و تخلص من الشوائب التي تصحب التعامل مع الكون .

    ه ـ الحج : و هو عبادة كاملة يؤديها الإنسان بكليته ، مهاجرا فيها إلى ربه قلبا و قالبا ، منقطعا فيها إليه تاركا لما سواه (و هو معنى الإحرام فيه ) .

    يتبين من خلال هذه الأركان أن عمل الجوارح ، قد انضاف إلى عمل العقل ، و هو بهذا (أي العقل ) قد مكن من التوصل إلى نتائج تعود عليه بتوسيع أفقه و إفساح مجال إدراكه ، فصارت الأعضاء و الجوارح له كالحواس ، إلا أن تحصيله عن طريقها يختلف ؛ و هو بهذا يخرج عن إدراك العقل المجرد أو العقل المسلم . لذلك تجد الكافر ينكر هذه الأعمال ، و المسلم يؤديها مستندا إلى الإيمان لا إلى العلم ، و نقصد بالعلم هنا ، العلم بحقيقتها .

    هذه الأعمال تعود على المسلم بواردات نورانية تنمي إيمانه و تؤهله إلى إدراك ما لم يكن يستطيع إدراكه فيما قبل ، فانظر ما أحوج العقل إلى هذه الأعمال المشروعة ، إن هو أراد أن يرقى في مدارج الكمال .

    2 . العقل في هذه المرتبة :

    العقل في هذه المرتبة كالعقل المجرد ، هو نفس ، و ذلك لغلبة شهود التعين على شهود نور الوجود ، فكان بذلك أن استولت الظلمة على العقل . و هو في مرتبة العقل المجرد ، لا يدرك الأشياء إلا كما تُدرك في الليلة الظلماء ، فهو إدراك تعين في ظلمة ، و لم يداخل العقل من النور إلا بقدر ما يقع التمييز به بين المتعينات و بين الظلمة الأصلية . أما في مرتبة الإسلام ، و قد أمد الله تعالى العقل بنور الإيمان المجمل ، ثم بنور افسلام ، فيكون إدراكه كإدراك الأشياء في الليلة القمراء ، حيث يكون الإدراك هنا إدراك تعينات بنور لكن في ظلمة .

    فالعقل في هذه المرتبة و الذي هو النفس ، لم يخرج بعد من سيطرة ظلمته الأصلية ، هذه الظلمة ، هي السوء المشار إليه على إجمال في قول الله تعالى : إن النفس لأمارة بالسوء . و السوء و الظلمة مشتركان في الأصل الذي هو العدم . و من أثر السوء على النفس ، إعمالها لفكرها في الأمور الدينية بقدر يخرج بها عن حدود الانقياد للوحي ، و ذلك كما فعلت الفرق الكلامية حتى فرقت دينها و كانت شيعا ، و كما فعلت المذاهب التي حاولت بناء عقيدتها على أساس فكري نظري .

    3 . مدركات النفس في هذه المرتبة :

    ا ـ معرفة الله معرفة علمية عن طريق الوحي و ما تضمنه من ذكر أسماء وصفات و أفعال .

    ب ـ تبيّن العلاقة بين العبد و ربه ( العبودية ) .

    ج ـ معرفة الآخرة و منازلها .

    د ـ الاطلاع على أحوال الأمم السابقة مع رسلهم و أنبيائهم ، و الاعتبار بها .

    ه ـ تمييز الأعمال و الأحوال التي ترضي الله تعالى و تقرب إليه ، من تلك التي تسخطه و تبعد عنه .

    و ـ تجديد النظر إلى حياة الإنسان الدنيوية على ضوء الوحي ، مما يعطي هذه الحياة أبعادا أخرى لم تكن مدركة للعقل المجرد .

    4 . آ فات النفس :

    النفس في هذه المرتبة ، سائرة من درجة الأمر بالسوء التي قيل فيها : إن النفس لأمارة بالسوء .إلى درجة اللوم التي قيل فيها : و لا أقسم بالنفس اللوامة . فالسوء الذي ذكرناه سابقا داخل عليها من خلف ، و هو أصلها ؛ و اللوم داخل عليها من أمام ، و هي المرتبة التي تلي هذه ، لكن قبل الشروع في الحديث عنها ، لا بد من الكلام عن بعض آفات النفس و منها :

    ا ـ إعمال الفكر في الأعمال المشروعة و العلوم المكتسبة ، و ذلك بنيتين :

    أولا : بنية الإتقان : فيتكلف الإنسان في هذه الحالة ما لا يكاد يطيق من التدقيق في صور إقامة الأعمال ، قد تصل به على الوسوسة .

    ثانيا : بنية تبين الحقيقة : و هو ما وقع فيه المتكلمون في تعاملهم مع الوحي محاولين في ذلك الوقوع على منطق لهذا الوحي ، يسكن من ثائرة نفوسهم ؛ فنتج عن ذلك :

    نشوء الفرق : و ظهور التفرقة ، بحسب ما توصل إليه كل صنف من الفكر ، هذه التفرقة التي كانت و لا زالت أحد أسباب ضعف الأمة : إذ ما أسهل أن يتسرب التشكيك و الإيهام من فرقة إلى فرقة ، في هذه المرتبة ، حسب قوة الصراع الفكري المحتدم بين هذه و تلك ، مما يؤدي إلى إضعاف الجميع في النهاية .

    فتح باب الضلالات : خصوصا العقدية منها ، و ذلك بسبب تحكيم الفكر على الوحي ، فما وافقه قبل ، و ما غمض عليه تكلف في إثباته ، إن لم يرد بكيفية أو بأخرى ، كالتأويل البعيد الذي يخرج بالألفاظ عن أصلها الموضوعة له ، أو كالجمود على ظاهر اللفظ الذي يخل بالمعنى المقصود للنسق التركيبي الذي يوجد ضمنه اللفظ ؛ و إن كان النوع الأول أخطر .

    و إن كانت الآفة الأولى أدت إلى ضعف الأمة كجسد واحد ، فإن هذه الثانية تؤدي إلى ضعف في الإيمان و نقص في الإسلام ، لما كانت منافية لأصلهما الذي هو التصديق و الانقياد .

    و لا بد هنا أن نلاحظ ما يلي :

    ـــ أن الدين بطبيعته غيب و شهادة ، فالشهادة ما يعلم منه على وجه الإحاطة كالعلم بإقامة الصلاة و شروطها و أركانها مثلا ، و الغيب هو ما لا يحاط به كتأثير الصلاة في نفس الإنسان على وجه ربط السبب بمسببه .

    ـــ أن الإدراكات متفاوتة بين الأشخاص : فما يدركه هذا قد لا يدركه ذاك ، و ما هو شهادة لهذا قد يكون غيبا لذاك ، خذ على ذلك مثلا عاميا مع فقيه ، يتبين لك الأمر .

    إذا تقرر ما قلناه ، علمنا أنه لا منجى للإنسان إلا الانقياد للوحي انقياد المؤمنين حقا ، لا انقياد المؤمنين المقيدين بالنظر ، لأن هذا النوع الأخير في الحقيقة ، إنما هو منقاد لنفسه لا لربه ، و حكمه النهائي على الشيء له لا لربه ، و هو سوء أدب كبير مع الله تعالى ، إن لم يكن أكثر من ذلك .

    ظن بلوغ النهاية : و ذلك كما يعتقد أغلب العامة إذا أدوا الأركان الخمسة لمرتبة الإسلام ، فيعتقدون أن دينهم(تدينهم) قد كمل ، و هو خلاف الحق مدلول حيث عمر رضي الله عنه الذي أوردناه سابقا ؛ و هم إن سلّموا بالزيادة و الترقي ، فإنما يحصرونهما في جنس الأعمال التي هي الأركان ، أو في العلم بالأحكام و إتقان أبوابه و فنونه . فالتفاوت بين الناس عندهم ، إنما هو بحسب الإقلال أو الإكثار من ذلك كله .

    وقد أثرت هذه الآفة في الأمة الجمود ، حتى أصبح الدين أحيانا صورة لا روح لها ، و صارت الأعمال المشروعة هدفا في ذاتها ، بعد أن كانت وسيلة ، و صار هم أكثر الناس ، الإتيان بها بشكل شبه آلي ، للتفرغ بعد ذلك للدنيا و الانغماس في حلالها و حرامها .

    الاعتداد بالعمل و المن به : يحدث هذا للمرء عندما يقوم بأداء الأركان ، و أحيانا بأداء القليل منها مع كثرة المخالفة ، فيداخله إحساس بأنه قد أدى ما عليه ، و أنه أفضل من كثير من خلق الله ، و أنه داخل في دائرة الصالحين من الأمة ، و أنه يستحق على ذلك العمل الأجر الجزيل عند ربه ؛ و هو ما يدخله في المن على الله . و ما وقع من وقع ، في مثل هذا إلا لظنه أن عمله مخلوق له ، و أن قدرته هي المخرجة لذلك العمل من العدم إلى الوجود . و ربما إن سألته في ذلك يقول : هو بتوفيق الله و فضله ، و لكن ليس كلام اللسان كما استقر في الجنان . و هو ما يفتح عليه باب الرياء أيضا . و لمثل هؤلاء يقول الله تعالى : و الله خلقكم و ما تعملون . و يقول أيضا : يمنون عليك أن أسلموا ، قل لا تمنوا علي إسلامكم ، بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين . أي هداكم للإيمان الذي هو أصل الإسلام ، هذا إن كنتم صادقين في إسلامكم .

    فالمنة لله لا لغيره بأي اعتبار شئت .

    حب الدنيا : و سبب ذلك قرب إدراك الحياة الدنيا من النفس ، و بعد إدراك الآخرة عنها . و رغم انتشار هذه الآفة و عمومها العالم (في العرف) والجاهل ، فقد أغفل الناس ذكرها و التحذير منها . و إن حب الدنيا يقيد القلب إلى السفل و يعوقه عن طلبمعالي الأمور ، بل و يتسبب له في معصية الله و مخالفة أمره من أجل قضاء مآرب زائلة . و هذا ما يناقض الإيمان بالآخرة و العمل لها ، اللذين بهما نجاة النفس .

    و قد حذر الله عباده من الوقوع في حبال الدنيا بأمثال قوله تعالى :إنما الحياة الدنيا لهو ولعب . فمن صرف عمره و اهتمامه لها ، فهو طفل من حيث الاعتبار العقلي ، إذ لا يشتغل باللهو و اللعب إلا الأطفال . و قال عنها رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر .< أخرجه مسلم > و قال عنها أيضا : الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها إلا ما كان لله منها .< أخرجه الترمذي و حسنه>

    5 . رجال هذه المرتبة :

    رجال هذه المرتبة هم عموم المسلمين ، و أئمتها هم الفقهاء ( بالمعنى العام ) العالمون بأحكام الشرع المبيّنون لها .

    6 . الفكر في مرتبة الإسلام :

    حتى لا يقول المغرضون إن الإسلام ضد العقل ، و ما يعنون بالعقل إلا الفكر ، لكنهم لا يميزون بين المعاني ، فسنبين مجال الفكر في هذه المرتبة :

    فإضافة إلى تدبير شؤون الحياة العادية ، و الاشتغال بالعلوم الدنيوية ، اللذين أثبتناهما للعقل المجرد ، فإن للفكر في مرتبة الإسلام مجالا آخر في إطار الدين و هو :

    ا ـ استنباط الأحكام من النصوص الشرعية ، ذلك أن النص قد لا يكون واضح الدلالة بالنسبة لجميع الناس ، فيحتاج إلى إعمال الفكر بوسائله المعهودة المذكورة في الباب الأول ، للتوصل إلى الحكم الشرعي .

    ب ـ تنزيل الأحكام المتبيَّنة على الوقائع المختلفة باختلاف الزمان و المكان و الحال ، مما يجعل الأحكام بحاجة إلى متابعة دائمة ، و إعمال الفكر باعتبار كل المتغيرات : و هو ما اختصت به المذاهب الفقهية المعروفة عبر الأزمان ، مع بعض القصور في عصرنا الحالي .

    ج ـ التصدي للأفكار الفاسدة الواردة على الأمة الإسلامية من فبل الأمم الأخرى ، و العقائد الدخيلةالتي قد تشكل خطرا على سلامة الأمة ، كما يفعل ذلك كثير من المفكرين في عصرنا ، عصر العولمة ، أعانهم الله على ذلك .

    د ـ العمل على تنظيم الأمة سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا ، بشكل متوافق مع الإسلام عقيدة و عملا ، و هو ما نحتاج إليه كثيرا في عصرنا ، الذي ورثنا فيه من المستعمر نظما تعارض الإسلام صراحة ، مما يجعل المسلم يعيش حالة ازدواج موهنة ، بحيث إنه لا يصل إلى نتائج تذكر في حياته ، برغم بذل المجهود .

    الفصل الثالث : إيمان القلب : ( و من يومن بالله يهد قلبه )

    إذا كانت المرتبة الأولى للعقل هي مرتبة النفس ، فإن هذه المرتبة مرتبة القلب ، كما أن مرتبة الإيمان هي قلب الدين : فهي بين إسلام و إحسان ، بل هي عينهما لكن باعتبارين مختلفين ؛ ثم إن هذا الإيمان الذي نحن بصدده ، هو تفصيل الإيمان المجمل الذي ذكرناه سابقا ، و الذي هو عمدة مرتبة الإسلام .

    و هذا التفصيل تجسيد لقرب العبد من ربه ، إذ البعد يعطي الإجمال و القرب يعطي التفصيل . و هذا الإيمان هو الذي ورد ذكره في قول الله تعالى : قالت الأعراب آمنا ، قل لم تومنوا ، و لكن قولوا أسلمنا ، و لما يدخل الإيمان في قلوبكم . و "لما" التي تفيد الترقب ، جعلتنا ندرك أن هذا الإيمان بعد الإسلام ، و هو على الحقيقة تحقيق له و ترسيخ و تصحيح .

    و بالرجوع إلى حديث عمر رضي الله عنه ، الذي أوردناه في أول الباب ، يتضح أن لمرتبة الإيمان هذه ستة أركان هي أصل شعب الإيمان التي تتفرع في الدين جميعه عبر مراتبه الثلاث ، و التي أشار إليها قول رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : الإيمان بضع و سبعون شعبة ، أفضلها قول لا إله إلا الله و أدناها إماطة الأذى من الطريق . < أخرجه الشيخان >

    1 . العقل في هذه المرتبة :

    بعد أن كان للعقل بابان في مرتبة التجرد ، و هما الحواس و الفكر ، انفتح له في مرتبة الإسلام باب العمل الشرعي الذي يثمر له نورا يزيد في انفساحه كما رأينا ، صار العقل الآن بموجب مرتبة الإيمان مقبلا على أفق جديد ، سيزيده قوة في إدراكه الأول ، و إدراكا جديدا هو : الوجدان .

    و الوجدان : إدراك حسي ، لكن لا بالحواس الظاهرة التي تجاوزناها في مرتبة العقل المجرد ، بل بحواس باطنة للقلب ، كانت شبه معطلة إلى حد الآن .

    و قد نبه القرآن إلى هذه الحواس في مواطن كثيرة منها قوله تعالى : فإنها لا تعمى الأبصار ، و لكن تعمى القلوب التي في الصدور . فانظر كيف جعل العمى الحقيقي الذي هو عدم الإدراك للقلوب و ليس للأبصار الظاهرة ، و بهذا فإن الأبصار إن عميت و لم تعم القلوب ، فإن ذلك لن يحجب الإنسان عن إدراك الحقيقة ، بعكس ما إذا عميت القلوب و صحت الأبصار . و منها قوله تعالى : أولئك الذين طبع الله على قلوبهم و سمعهم و أبصارهم ، و أولئك هم الغافلون .هذا رغم سلا مة حواسهم الظاهرة كما أسلفنا . و منها قوله تعالى أيضا : و منهم من يستمعون إليك (بآذانهم ) أفأنت تسمع الصم ( من حيث قلوبهم ) و لو كانوا لا يعقلون ؟ و منهم من ينظر إليك ( بأعينهم ) أفأنت تهدي العمي ( من حيث الباطن ) و لو كانوا لا يبصرون ( حقيقة ) ؟

    و قد ذكر هذا الوجدان رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في قوله : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله و رسوله أحب إليه مما سواهما ، و أن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، و أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار . < أخرجه البخاري >

    بقي أن نقول ، إن هذه الحواس الباطنة التي يتحقق بها الوجد ( أو الوجدان أو الوجود ) ، بالنسبة إلى الحواس الظاهرة ، هي لها كالروح للجسد أو المعنى للفظ ، كما سنبين فيما يلي :

    2 . الحواس الظاهرة و الباطنة :

    إذا تأملنا الحواس الظاهرة ، وجدناها مختلفة المدارك ، على ترتيب معين في قرب هذا الإدراك من العقل : فالطفل أول ما يستعمل من حواسه ، حاسة اللمس ، و هي أعم الحواس بعموم الجلد الجسم كله ، و أكثرها مباشرة للمحيط الذي يحيط بالإنسان ؛ ثم تليها حاسة الذوق ، و هي أخص منها ، و إن كانت تعتمد على المباشرة أيضا ؛ ثم تليها بعد ذلك حاسة الشم ، و هي غير مباشرة ، أو قل مباشرة لكن على لطافة في هذه المباشرة : لأنها تدرك الغازات الناتجة عن الأجسام ( و هي جزء متحول منها ) لا الأجسام ذاتها ؛ ثم تلي حاسة الشم حاسة السمع و هي ألطف منها في الإدراك ( لأنها تدرك الأصوات الناتجة عن تأثير الأجسام في الهواء ، لا الأجسام ذاتها ) ؛ ثم تليها حاسة البصر ، و هي ألطف الجميع مع عدم مباشرتها للأجسام ، إلا ما ينعكس من الضوء المسلط عليها إلى العين .

    فانظر التدرج الحاصل في إدراك المحيط عبر الحواس من الكثافة إلى اللطافة .

    و إذا رجعنا إلى الحواس الباطنة ، وجدنا الوجد العام هو أعم هذه الحواس ، ثم يليه الذوق الخاص ، ثم يليه الشعور ، ثم يليه الفهم ، ثم تليه الفراسة .

    3 . أركان الإيمان :

    ا ـ الإيمان بالله :

    هذا الإيمان هو إدراك انفعالي لصفة الوجود خاصة ، و لباقي الصفات بالتبعية ، و هو إن قورن بالإيمان المجمل ، كان هذا الثاني

    منه ، كالقول من الفعل لما بينهما من فارق .

    ينتج هذا الإدراك الجديد للمرء انجذابا إلى الجناب الأقدس ، يخلخله عن الاعتماد على نفسه ، و يورثه حال التوكل على ربه في جميع أموره ، لما يشهده من استتباع أحكام الربوبية لأحكام العبودية ، و هو ما يناقض الاستقلالية التي كان يظنها لنفسه فيما سبق من المراتب .

    و قد ذكر القرآن هذه الحال في قوله تعالى : و على الله فليتوكل المومنون . أي المومنون به . و هذا التوكل أمر منطقي يقبله العقل بسهولة بعد حلوله في هذه المرتبة ، بل و يستغرب كيف أنه كان غائبا عنه في ما مضى .

    ب ـ الإيمان بالملائكة :

    و هي مخلوقات نورية ، منها مسخرة و غير مسخرة ، و هي على مقامات مختلفة فيما بينها و متفاوتة ؛ هذه المخلوقات لا تأكل و لا تشرب و لا تتناسل ، و هذه كلها صفات نزاهة و تقدس .

    و الإدراك الانفعالي لهذا الركن ، يثمر حال الزهد ، للمناسبة التي بين الملائكة و الزاهد ، فنجد المرء في هذه المرحلة يقلل من التعلق بالأسباب ، بسبب ميل نظر قلبه إلى مسببها ، و يكتفي منها بما هو ضروري أو يقارب ، و ذلك لمتطلبات البشرية و مراعاة لأحكامها .

    و الزهد المشار إليه هنا يعقب القلب راحة و طمأنينة بقدر تحرر القلب من العلائق ، و هو مضمون قول الله تعالى : لكي لا تأسوا على ما فاتكم ، و لا تفرحوا بما آتاكم .

    و هذا الركن الثاني مرتبط ، بل مشروط ، بسابقه ، كما أن ثمرته مشروطة بسابقتها .

    ج ـ الإيمان بالكتب :

    و الكتب ما نزل على الرسل عليهم الصلاة و السلام من الوحي الإلهي ، على وجه العموم و الإجمال . و الوحي إما إخبار و تعريف وجب قبوله ، و إما تكليف وجب القيام به و أداؤه .

    و بما أن التكليف أمر و نهي ، فقد اقتضى القيام به الصبر ، لمجاهدة النوازع المخالفة ، الداعية إلى النقيض ؛ فكان حال هذا الركن هو :الصبر .

    و الصبر ثلاثة أنواع : صبر على الطاعة ، و صبر عن المخالفة ، و صبر على القضاء . و الذي يعنينا هنا هو النوعان الأولان . و قد جاء في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه و آله و سلم : الصوم نصف الصبر < أخرجه الترمذي و حسنه > . و الصوم لغة : الترك ، بقي أن النصف الآخر هو الفعل . و هو ما يؤكد ما ذهبنا إليه في تقسيم الصبر ؛ ثم تأمل قوله صلى الله عليه و آله و سلم : الصبر نصف الإيمان . < أخرجه أبو نعيم و الخطيب بسند حسن > و انظر مرتبة حال الصبر من أركان الإيمان ، تجدها الثالثة ، و الثلاثة نصف الستة ، تزدد يقينا .

    د ـ الإيمان بالرسل :

    الرسل عليهم الصلاة و السلام ، و هم الأمثال البشرية التي ضربها الله للناس ، لقوله تعالى في حق سيدنا عيسى عليه السلام : ... و مثلا لبني إسرائيل . هؤلاء الأمثال إلى جانب تبليغهم لنا ما أمروا بتبليغه ، قد جسدوا التفاعل على الكمال مع الدين ، و ظهرت عليهم ثماره على التمام ، على تفاوت فيما بينهم في كل ذلك : تلك الرسل ، فضلنا بعضهم على بعض . فالكمال الأكمل لسيدنا محمد صلى الله عليه و آله و سلم ، و الكمال الذي دونه ، لمن سواه من الرسل و الأنبياء و الوارثين .

    و الرسل في حقنا نوعان :

    ـــ رسل بلغنا خبرهم : وجب علينا تجاهه التصديق .

    ـــ و رسول نتبعه و ننتسب إليه صلى الله عليه و آله و سلم ، و جب علينا تجاهه التصديق و المتابعة ، سواء فيما اختص به صلى الله عليه و آله و سلم من شرع ، أو فيما أقره صلى الله عليه و آله و سلم من شرع سابقيه ، و هو شرع له أيضا باعتبار تقريره .

    و لنعد إلى الخصائص التي للرسل و هي :

    التبليغ : لو أرسل الله إلى الناس ملكا مثلا ، و بلغ عنه أوامره ، و أدرك الناس و وعوا ما بلغوا ، لبقي مع ذلك جانب يخفى عليهم و يصعب استيعابه ، و هو تنزيل تلك الأحكام المبلغة على بشرية الإنسان ، بكيفية عملية تؤدي إلى القيام بأمر الله على الوجه المراد له سبحانه ؛ و لا يخفى ما في غياب هذا الجانب من عنت لمن يريد سلوك السبيل إلى رب العالمين .

    فالرسل بهذه المثابة ، كتب عملية تُقرأ ، و تأمل بهذا الخصوص قول سيدتنا عائشة رضي الله عنها في حق رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، حين قالت : " كان خلقه القرآن " ، تعلم أنه صلى الله عليه و آله و سلم كان نسخة قرآنية خلقية ( أي علمية عملية ) لأن الأخلاق لها أصل علمي و ثمرة عملية ز و هذا المعنى الذي ذكرناه في التبليغ ، هو الذي أشار إليه قول الله تعالى : قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا . لتحقيق التبليغ على الكمال .

    الشهادة : الرسل بهذا الاعتبار كالموازين الحية أو المسطرات المرقمة التي يقيس إليها الناس أنفسهم ، حتى يعرفوا مقدار ما بلغوه من الكمال . و هذا الذي ذكرناه معنى من معاني الشهادة التي لهم على أقوامهم و أممهم ، و ذلك كما قال الله تعالى : ليكون الرسول عليكم شهيدا . . أي مرجعا ترجعون إليه حتى تعلوموا مراتبكم و منازلكم منه .

    الشفاعة : و المعنى الذي نقصده بالشفاعة ، زيادة على المعنى الشائع الذي هو طلب العفو و التجاوز و المغفرة من الرسل لأممهم عند الله تعالى ، هو فتح مغاليق طريق السلوك و السير إلى الله تعالى ، بسؤاله سبحانه و تعالى لأتباعهم حتى ينالوا من ثمرات السلوك ما لم تبلغه هممهم و لا أعمالهم .

    و تأمل ما في إرسال الرسل عليهم الصلاة و السلام من رحمات مطوية ، لا يسع المرء حيالها ، إلا شكر الله على نعمه التي هم أعظمها ؛ حتى إن بعض المفسرين قال في تفسير قول الله تعالى : قل بفضل الله و برحمته ، فبذلك فليفرحوا ، هو خير مما يجمعون . قال : فضل الله و رحمته هو رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، و هو ما أشرنا إليه .

    و الشكر الذي هو حال هذا الركن ، شكران :

    ـــ شكر علمي : هو أن يعلم الإنسان أن النعمة من الله وحده .

    ـــ و شكر عملي : هو الرغبة في الاستزادة من العمل ، حبا في مقابلة النعمة بما يناسبها من الطاعة و الموافقة .

    ه ـ الإيمان باليوم الآخر :

    إن الموت الذي كان يقف في وجه الفكر في مرحلة العقل المجرد ، و الذي لم يكن يجد له تفسيرا ، بل كان كثيرا ما يتجنب الخوض فيه و يحاول تناسيه ، صار فيما بعد من المراتب ، و بعد توسع آفاق العقل ، يجد له معنى يتماشى و المنطق الإيماني ، و ترتيبا مناسبا ضمن التسلسل الحياتي للإنسان بمعناه الشامل .

    هذا الموت هو الفاصل بين المرحلتين الهامتين من حياة الإنسان : الحياة الدنيوية ، و الحياة الأخروية : حياته الدنيوية التي هي محل التكليف ، و حياته الأخروية التي هي محل الجزاء . و يوم الجزاء ( يوم الدين ) أو يوم الحساب ، هو الحاسم لمصير الإنسان : فإما نعيم مقيم أو عذاب أليم .

    لذلك كان الإدراك الانفعالي لهذا اليوم ، يورث حالين : حال رجاء ( للنعيم ) ، و حال خوف ( من العذاب ) ؛ و الخوف و الرجاء معا سيمكنان القلب من تمام الاعتدال على الصراط المستقيم ، الذي هو سالكه إلى ربه ، إن استويا عنده . كما أنهما من أنفع العلاجات القلبية في الأحوال المختلفة العارضة لها : فهو عندما يرى نفسه ( أي الإنسان ) و قد داخله العجب إن هو أحسن العمل و أجاد ، أخرج الخوف و ألقاه على تلك الحال ، فعاد بذلك إلى الصحة القلبية و العافية ؛ و إن هو ارتكب ما يقنطه أو يجعله يدبر عن ربه ، أخرج الرجاء فألقاه على تلك الحال ، فعاد بذلك على استئناف ما كان عليه قبل الوقوع في الزلل .

    و ـ الإيمان بالقدر :

    القدر هو خروج الأشياء من الغيب إلى الشهادة ، بحسب ما يقتضيه العلم الإلهي ، و ترتبه الحكمة الإلهية ، و هو نوعان :

    ـــ خير : و هو ما لاءم غرض المرء حالا أو مآلا ، أو هما معا .

    ـــ شر : و هو ما خالف الغرض .

    و الإدراك الوجداني للقدر يثمر للقلب حال التسليم ، الذي يريح الإنسان من مصارعة القدر ، هذه المصارعة التي لا يخرج منها بطائل ، بل على العكس من ذلك ، تورثه الهم و الغم دون تحقيق مراد ؛ و لسنا هنا بصدد الرد على العقول المجردة التي تنازع فيما نقوله بغير علم ، إذ هذه ليست مرتبتها .

    ثم نقول إن التسليم إذا استحكم من القلب و صاحبته المحبة أثمر حالا أعلى و هو الرضى الذي ذكر في قوله تعالى : رضي الله عنهم و رضوا عنه . و هو تمام مرتبة الإيمان ، و قمة راحة القلب و الاطمئنان أ لا بذكر الله تطمئن القلوب . و كل الأحوال التي عرضنا لها في مرتبة الإيمان هي من قبيل ذكر الله تعالى القلبي الوجداني .

    4 . المأخذ الثالث للعقل :

    كنا قد عرفنا خلال الباب الأول أن للعقل مأخذين هما : الحواس و الفكر ، و أرجأنا الحديث عن المأخذ الثالث إلى ما بعد تلك المرحلة ، و ها قد جاء الأوان لنبين أن المأخذ الثالث للعقل هو : الإلقاء أو الكشف .

    ففي مرتبة الإيمان يفتح الله للقلب أبوابا لا يستطيع ولوجها بفكره ، و لا استكشافها بحواسه ، بل بتعليم من الله له ، رحمة منه و فضلا ، كما أشار إلى ذلك في قوله تعالى : و اتقوا الله و يعلمكم الله . و كما نبه إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بقوله : إن من أمتي محدّثين و مكلمين ، و إن عمر منهم . < أخرجه البخاري >

    فليس للقلب في هذه المرتبة تعمل ، بل له القبول لما يفتح الله له ، و كفى بأهل هذه المرتبة شرفا ، أن يتولى الله تعليمهم . فأين هم ممن يأخذ علمه عن مخلوق مثله !

    5 . الأخلاق المنبثقة عن مقامات الإيمان :

    من الأخلاق المتفرعة عن الأحوال التي ذكرناها عند الكلام عن أركان الإيمان ، على سبيل التنبيه لا الاستيفاء ، ما يلي :

    حسن الظن بالله ـ السكينة ـ العفو ـ القناعة ـ الحياء ـ احتمال الأذى من الغير ـ الحرص على التزود من التقوى ـ إمهال الغير و إيجاد الأعذار لهم ـ عدم المن على الغير ـ النفور من المخالفات و لزوم الطاعات ـ عدم الانتصار للنفس ـ عدم المنازعة للغير إلا بأمر شرعي ـ حب الخير للغير ـ الحب في الله و البغض فيه ـ النصيحة ...إلى غير ذلك من الأخلاق .

    و لا شك أن من اتصف بهذه الأخلاق ، واجد لحلاوة الإيمان التي أشار إليها الحديث النبوي الذي ذكرناه في أول الفصل ، و ذائق لطعمه كما أبان ذلك قوله صلى الله عليه و آله و سلم : ذاق طعم الإيمان : من رضي بالله ربا ، و بالإسلام دينا ، و بمحمد رسولا . < أخرجه مسلم و الترمذي >

    و من خلال الحديثين المذكورين آنفا ، يتضح أن ذوق الطعم هو وجد عام ، و وجدان الحلاوة هو ذوق خاص ، و إن تأملت شروط الوجد و شروط الذوق المذكورة في الحديثين ، تبين لك ما قلناه بمقارنة تلك الشروط إلى بعضها ، و ذلك مثلا كمقارنة الرضى بالإسلام دينا مع كراهة أن يعود في الكفر . فلا يخفى أن هذا الثاني متضمن لسابقه و زيادة .

    6 . أ ركان الإسلام في مرتبة الإيمان :

    لا شك أن أركان الإسلام ستكتسب في هذه المرتبة الإيمانية ، بعدا لم يكن لها في البداية ، فمن ذلك :

    ـــ صارت الشهادة حالية بعد أن كانت مقالية فقط .

    ـــ صارت الصلاة بالخشوع الذي هو روحها ، بعد أن كانت صورة فقط .

    ـــ صارت الزكاة تعاملا مع الله تعالى بأدب ، بعد أن كانت تعاملا مع العبد بأمر الله فقط ، و صارت أخذا في بذل ، بعد أن كانت بذلا فقط .

    ـــ صار الصوم يعم جميع الجوارح بعد أن كان مقتصرا على الشهوتين فقط .

    ـــ صار الحج ، حجا على الله تعالى بعد أن كان حجا إلى البيت فقط .

    كل هذا العمق ، إنما اكتسبته الأعمال من الانفساح الذي طرأ على القلب و انعكس عليها ، و هذا هو بعينه ما أشار إليه الحديث النبوي الشريف :الإيمان إقرار باللسان و تصديق بالقلب و عمل بالأركان . < رواه السيوطي في الجامع الصغير و ابن ماجة في سننه >

    7 . رجال هذه المرتبة :

    رجال هذه المرتبة هم المريدون الذين اشتغلوا بعمارة بواطنهم عبر عمليتي التخلية و التحلية : تخلية من الرذائل و تحلية بالفضائل ، و جاهدوا نفوسهم في سبيل ذلك طامعين في أن يكونوا ممن قال الله تعالى فيهم : و الذبن جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا .

    و أئمة هذه المرتبة هم عامة الصوفية الذين تحققوا بالمقامات المذكورة سابقا ، و صاروا دعاة إليها بعد ذلك ، و هم أطباء القلوب العالمون بأدوائها و أدويتها .

    8 . ضرب مثل :

    إذا كان سلوك العقل في مرتبة التجرد ، كالناظر في الظلمة ، و سلوك النفس كالناظر في الظلمة على نور ، فإن سلوك القلب كالناظر في وقت السحر ، و هو وقت اختلاط النور بالظلمة : فتقلّبه و تردده بين ظلمة و نور أعطاه هذه المرتبة التي ليس بعدها إلا طلوع الشمس ، الذي هو منتهى الإدراك العقلي .

    9 . آفات هذه المرتبة :

    من آفات هذه المرتبة :

    ا ـ القناعة بما تحقق من الوجدان و ثمرات الإيمان .

    ب ـ الركون إلى الكرامات .

    ج ـ النجذاب إلى الباطن انجذابا يخل بالظاهر .

    د ـ الاغترار بالإحوال .

    ه ـ الشرك الخفي الذي لا زال القلب لم يتخلص منه بعد .

    و ـ المبالغة في احتقار النفس بقدر يجعل المرء يرد دواعي الترقي الباطنية التي ترد عليه .

    ز ـ التراجع أمام البلاء : لارتباطه بهذه المرتبة ، و ذلك لقول الله تعالى : أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون ؟! و لقد فتنا الذين من قبلهم ، فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين .

    و ارتباط البلاء بمرتبة الإيمان ارتباط عضوي : فبما أن الإيمان تصديق ، صار لزاما تمحيص دعوى التصديق هذه ، هل هي حقيقية أم لا ؟ و لا سبيل إلى ذلك إلا بالبلاء الذي هو الاختبار . فبعد البلاء يتبين الصادق من الكاذب ، كما ورد في الآية المذكورة سابقا . فإن قلت : كيف رُبط البلاء بعلم الله للصادق و الكاذب ، و هو العليم بخلقه قبل إيجادهم ؟ قلنا : في البلاء :

    ـــ إفادة للعبد بعلم صدقه أو كذبه في نفسه ، أو صدق غيره من كذبه ، بعد أن كان جاهلا بأمر نفسه أو بأمر غيره .

    ـــ لكن في حق الله تعالى ، لا يجوز ما ذكرناه في حق العبد ، و إنما المراد بالعلم في الآية هو الخبرة التي هي العلم مضافا إلى الذوق أو التجربة ، لا غير ؛ فهو العليم بخلقه قبل خلقهم ، الخبير بهم بعد خلقهم :ألا يعلم من خلق و هو اللطيف الخبير ؟! سبحانه و تعالى .


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: كتاب يقرب التصوف

    مُساهمة  Admin في الأربعاء مايو 16, 2012 1:58 am

    الفصل الرابع : إحسان الروح : ( إن الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون )

    الإحسان لغة ، هو الإتقان و التجويد ، فكان بهذا المعنى إحسانا للإيمان و إتقانا له و تكميلا .

    و بالرجوع إلى حدسث عمر رضي الله عنه ، هو : أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك .فتبين لمرتبة الإحسان ركنان :

    1 . ركنا الإحسان :

    ا ـ فإن لم تكن تراه ، فإنه يراك : هذا هو الركن الأول و إن تأخر في اللفظ ، لكن الأسلوب الذي ورد به الحديث ، يوحي بالانتقال من الأعلى إلى الأدنى ، باستعمال فإن لم تكن التي تفيد التعذر . و هذا الركن بين نفي هو : فإن لم تكن تراه ، و إثبات هو : فإنه يراك . فنفيه مقابل لمرتبة الإيمان ، و إثباته مقابل لمرتبة العيان ، فكان بذلك برزخا بين المرتبتين : مرتبة الإيمان و مرتبة الشهود و العيان .

    و حال هذا الركن هو : المراقبة .

    و المراقب بين إيمان و عيان : فلا هو مؤمن بغيب و حسب، و لا هو مشاهد . و المراقبة هي عكوف قلب العبد عند باب ربه ، لا يبرحه ، مع ما يتبع ذلك من أدب و تأهب للاستجابة . و من داوم قرع الباب ، يوشك أن يفتح له ، كما قيل . و هذه المراقبة التي تحدثنا عنها تفيد القلب الشعور و الفهم الذي هو روح السمع ، أو قل هي السمع الحقيقي . و هي إن استحكمت في القلب و تمكنت منه ، كانت سببا ، إن شاء الله تعالى ، للعبور إلى الركن الثاني الذي هو :

    ب ـ أن تعبد الله كأنك تراه :

    و هو المشاهدة و العيان ، فقد ورد في الحديث الشريف : ليس الخبر كالمعاينة . < رواه أحمد و الطبراني و الحاكم و ابن حبان >

    و المشاهدة للبصيرة ( حاسة البصر الباطنة ) التي هي روح البصر الظاهر ، لكن لا على ترتيب عملية الإبصار العادية أثناء تعاملها مع المبصرات ؛ فإن الله تعالى عزيز ، إذا شاء أن يتجلى لعبد من عباده ، كان ذلك منه لا من العبد ، و هو معنى قوله تعالى : لا تدركه الأبصار ، و هو يدرك الأبصار . فكما أنه سبحانه لا يدركه فكر ، كما رأينا سابقا و في محله، كذلك لا تدركه حاسة من الحواس، باطنة أو ظاهرة ، بل لا يدركه مخلوق من المخلوقات على التحقيق .

    و لا بد أن نلاحظ أسلوب التشبيه الذي و رد في اللفظ النبوي باستعمال الكاف ، بخلاف الرؤية الأخروية التي ورد ذكرها بغير هذا الأسلوب . فنقول : إن الله تعالى لا يتقيد بصورة ، و بما أن الدنيا محل التكليف ، و التكليف ابتلاء ، نتيجته إما موافقة للحق أو مخالفة ، و خوفا من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، الرؤوف الرحيم ، على أمته ، و مبالغة في النصيحة لها ، أورد هنا التشبيه بالرؤية ( و هو ما عبر عنه أتباعه من أهل الحق بالمشاهدة ، أدبا منهم معه صلى الله عليه و آله و سلم ، و علما بحقيقة الأمر ) ، أورد هذا التشبيه حتى لا تقيد أمته الله تعالى بصورة معينة ، كما فعلت بعض الأمم فضلت بذلك . فإن قلت فما باله صلى الله عليه و آله و سلم لم ينبه على ذلك في رؤية العباد ربهم في الاخرة ؟ قلنا :

    أولا : لأن الآخرة ليست محل تكليف ، فهو لا يخاف على أمته الخطأ هناك .

    ثانيا : إن نشأة الآخرة تعطي الإنسان ما لا تعطيه نشأة الدنيا .

    و هذا الركن هو إثبات محض و وجود خالص ، ذلك أن هذه المرتبة للروح ، و الروح قد قال فيه الله سبحانه و تعالى : و نفخت فيه من روحي .فنسبه إليه . و هو سبحانه الوجود الحق ، فكان ما ينسب إليه وجودا لا يخالطه العدم بحال من الأحوال . و في هذه المرتبة انتفت عن العقل ظلمته الأصلية بطلوع شمس نوره الوجودية ، فانكشف له ما لا يحيط به العد ، و ما تقصر عنه العبارة ، فتحقق بدرجة المحبوبية التي ورد فيها : لا يزال يتقرب العبد إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، و بصره الذي يبصربه ، و لسانه الذي ينطق به ، و يده التي يبطش بها . < حيث قدسي أخرجه البخاري و أحمد > و كان العبد هنا ممن علمه الله من لدنه علما كما قال تعالى : و علمناه من لدنا علما . و هو علم خاص منه سبحانه و تعالى إلى غبده لا يطلع عليه مخلوق من المخلوقات السماوية أو الأرضية ، و هو معصوم من الخطإ ، على عكس ما تظنه العامة ، و مرجع ظنهم جهلهم بهذه المرتبة ، لكن هذا العلم يبقى محلا للتفاوت بين رجال هذه المرتبة ، فنجد منهم العالم و العليم ، فهذا حظهم من الخطإ إن كان هناك خطأ ؛ و في قصة سيدناموسى عليه السلام مع الخضر دليل على ما قلناه لمن تسلح بالإنصاف .

    و لا يقولن أحد أن ذلك خاص بالخضر وحده ، لأن لله رجالا في كل زمان على شاكلة الخضر ، من هذا الوجه ، و من سأل أهل الذكر علم ما لم يكن يعلم .

    2 . العقل في هذه المرتبة :

    يقول الله تعالى : إن الله يأمر بالعدل و الإحسان .

    فالعدل هنا ، هو استواء بين طرفين ، و هو للقلب الذي هو بين نور و ظلمة .

    و الإحسان هو لغلبة النور و انفراده ، فكان العقل هنا نورا محضا ، و هو طلوع الشمس و استواؤها في نهار الروح ، بعد ليل النفس و سحر القلب اللذين ذكرناهما سابقا .

    و لكي تعلم أن الوجود الإنساني بين نور و ظلمة ، يختلف حكمه باختلاف غلبة أحدهما عليه أو استوائهما ، انظر إلى قول الله تعالى : و الشمس و ضحاهاو هي نور في ظهور و القمر إذا تلاها و هو نور في بطون و النهار إذا جلاها و هو أوان الظهور و الليل إذا يغشاها و هو أوان البطون و السماء و ما بناها للترقي و الأرض و ما طحاها للنزول و نفس و ما سواها للتكليف فألهمها فجورها و تقواها للتمييز قد أفلح من زكاها للسعادة في المآل و قد خاب من دساها للشقاء في المآل .

    جعلنا الله و إياك من أهل النور المحض .

    3 . أركان الإسلام في هذه المرتبة :

    تبلغ أركان الإسلام عمقا في هذه المرتبة لم تبلغه في سابقتيها ، فهي :

    ـــ شهادة : عن شهود .

    ـــ صلاة : بقرة عين و ورود .

    ـــ زكاة : للأسرار .

    ـــ صوم : عن الأغيار .

    ـــ حج : للحضرة مع الأوقات .

    4 . آفات هذه المرتبة :

    لهذه المرتبة آفتان هما :

    ـــ الغفلة العارضة ، لا المستحكمة .

    ـــ الاستغناء بالله ، الذي لا يصح .

    5 . رجال هذه المرتبة :

    رجال هذه المرتبة هم أهل الله و خاصته ، الذين ليس لهم نظر إلا إليه ، و لا مقصد إلا إياه ، و الذين علموا منهم سبحانه ما لم يعلمه غيرهم ؛ و أئمتها هم الأكابر من أولياء الله الوارثون لعلم النبوة ، القائمون بالله له ، الدالون به عليه ، المسلمون وجوههم له إلى الأبد ، الساجدون له في حضرته من غير رفع ، الذين خرجوا من كل قيد في عين القيد ، أحباء الله الذين من نظر إليهم ذكر الله .

    و ليس وراء هذه المرتبة مرتبة تطلب ، إلا الزيادة منها ، أي الزيادة من العلم بالله سبحانه و تعالى ، لقوله سبحانه لنبيه صلى الله عليه و آله و سلم : و قل رب زدني علما . فلم يأمره بالاستزادة من شيء إلا من العلم ، فلا نهاية للعلم بالله أبدا ، دنيا و أخرى ، لأن الله تعالى لا نهاية له : و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا .

    الفصل الخامس : الترقي في المراتب :

    1 . العقل و الدين :

    إذا نظرنا إلى العلاقة بين الدين و العقل ، وجدنا أن كلا منهما ، يكمل صاحبه : فالعقل بدون دين قاصر ، و الدين بدون عقل باطل ، لذلك كان العقل شرطا كما هو معلوم في التكليف ، كما أن الدين شرط للعقل في التعريف .

    2 . عبودية الإنسان :

    قد يتوهم البعض أننا عندما تكلمنا في الإحسان ، كنا نقصد رفع العبودية عن الإنسان ، بما أشرنا إليه من النور المحض و الوجود التام ، و هو غير الحقيقة التي نرمي إليها : ذلك أن العبودية مقابل الربوبية ، و أحكامها مقابل أحكامها ، فلا سبيل إلى رفعها البتة ، و إلا لما تميزت المرتبتان ، مرتبة العبودية و مرتبة الربوبية . و كيف يرجى رفعها و هي زينة الإنسان ؟ سبحان الذي أسرى بعبده ...

    غير أن للعبودية مراتب بموازاة المراتب التي مررنا بها ، نذكرها على سبيل الاختصار :

    ا ـ في مرتبة العقل المجرد : تكون العبودية قهرية ، إذ لا يخرج عن العبودية لله كافر و لا مؤمن ، إلا أن هذه العبودية لا تورث الكافر سعادة في المآل .

    ب ـ في مرتبة الإسلام : تكون العبودية عبودية ظاهر الإنسان .

    ج ـ في مرتبة الإيمان : تكون العبودية عبودية باطن الإنسان .

    د ـ في مرتبة الإحسان : تكون العبودية عبودية تحقق ، و هي لكلية الإنسان ، و هي أيضا ما سماه البعض عبودة .

    3 . العلم :

    العلم هو إدراك الأشياء ( المعلومات) على ما هي عليه في الحقيقة ، و هو صفة إلهية يفيض منها على من يشاء من عباده بما يشاء : و علمك ما لم تكن تعلم ، و كان فضل الله عليك عظيما .

    و الأصل في العبد الجهل المحض ، لأنه عدم العلم ، فهو مناسب لأصله ، و إلى هذا المعنى الإشارة بقول الله تعالى : و الله يعلم و أنتم لا تعلمون : الله يعلم لأن العلم صفة وجود ، و أنتم لا تعلمون لأنكم عدم على التحقيق . هذا بالأصالة ، و لكن لما أراد الله تعالى أن يظهر جوده و فضله على الإنسان علمه : علم الإنسان ما لم يعلم . و إلى علم الإنسان ، الإشارة بقوله سبحانه : و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا : أولا : العلم أوتيه و ليس له ، ثانيا : مهما بلغ هذا العلم ، و إن كان الإنسان أعلم بني جنسه ، فلن يوصف إلا بالقلة ، ذلك أننا لو نسبناه إلى العلم الإلهي غير المتناهي ، لكانت هذه النسبة نسبة محدود إلى غير محدود ، و هي كما يعبر عن ذلك الرياضيون : مقاربة للصفر ، أو غير معتبرة ، و هو معنى القلة المذكورة في الآية .

    إذا علم الإنسان هذا ، فإنه لن يغتر بعلمه أبدا، و سوف يكون جهله الأصلي هو المشهود له ، و ذلك ما يحقق عبوديته و يرسخ قدمه فيها .

    مراتب العلم حسب مراتب العقل :إذا كان العقل بمختلف مراتبه و تسمياته هو محل العلم ، فلا يخفى ما بينهما من تلازم صعودا و نزولا :

    المرتبة الأولى (العقل المجرد) : العلوم التي يمكن للعقل اكتسابها ، هي العلوم المتعلقة بظاهر الحياة الدنيا ، سواء كانت تجريبية أو نظرية بحتة أو مهارية .

    المرتبة الثانية ( الإسلام): إلى جانب العلوم المتعلقة بالمرتبة الأولى ، يمكن للعقل اكتساب ما يسمى بالعلوم السمعية أو النقلية التي يأخذها عن الرسل عليهم الصلاة و السلام .

    المرتبة الثالثة (الإيمان) : إلى جانب العلوم التي اكتسبها العقل في المرتبتين الأوليين ، يكون القلب مؤهلا ، إن شاء الله تعالى ، لقبول علوم وهبية ليس له فيها تعمل ، بل له فيها تهيؤ و قبول فقط ، و هي ما يسمى علوم الكشف ، التي هي نتائج الإيمان العلمية . يجدها أصحابها في قلوبهم واضحة بينة ، فتقبلها عقولهم بمنطق هذه المرتبة ، لكن العقول التي دون هذه المرتبة ، تردها غالبا ، و تنكرها على أصحابها أشد الإنكار .

    المرتبة الرابعة ( الإحسان ):إلى جانب كل العلوم السابقة ، يختص العقل هنا (الروح) بالعلم اللدني الذي سبق أن تكلمنا عنه بإيجاز .

    فظهر مما سبق أن العلم علمان : علم كسبي و علم وهبي . و العلم الكسبي نوعان :

    ـــ دنيوي : و هي العلوم التي لا تتجاوز الدنيا في مراميها ، سواء كانت دنيوية بالأصل أم أخروية .

    ـــ و أخروي : و هي العلوم الشرعية بأنواعها ، بالأصالة ، و العلوم الدنيوية التي تراد بها الآخرة بالنية و الاعتبار .

    و العلم الوهبي أيضا نوعان : كشفي و لدني .

    و قد جاء في قوله صلى الله عليه و آله و سلم : العلم علمان : علم على اللسان ، فذلك حجة الله تعالى على خلقه ، و علم في القلب ، فذلك العلم النافع . < أخرجه الترمذي بإسناد صحيح > نفهم منه عادة ، أن العلم المستقر في القلب المتيقن ، انفع من العلم الذي يتكلم به المرء دون أن يكون له أصل في باطنه . و هذا معنى من معاني الحديث يحمل عليه ، أما المعنى الذي نريده نحن هنا فهو :

    إن علم اللسان هو العلم الكسبي الذي ينتقل من واحد إلى آخر و يلقن بواسطة اللسان بالدرجة الأولى ، أو ما ناب عنه كالكتابة بالدرجة الثانية . و هذه العلوم كما قلنا سابقا عقلية و نقلية ، و هي حجة الله على الخلق . و الحجة لا تكون إلا فيما يحتمل النفي و الإثبات ، و هي بالتالي ، إما لهم أو عليهم : فالعلوم العقلية حجة للإنسان ، إن هي أوصلته إلى باب الإيمان ، و إن استعملها للخير ؛ و هي حجة عليه إن أدت به إلى عكس ذلك .

    فانظر ما أعدل الله ، كيف لا يأخذ الإنسان إلا بنفسه ! كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا .

    و العلوم النقلية التي يأخذها الخلق عن الرسل عليهم الصلاة و السلام ، حجة لهم إن هم حكموها في نفوسهم و عملوا بمقتضاها ، و هي عليهم إن هم أهملوها و خالفوها و اتبعوا أهواءهم دونها .

    أما العلم الثاني الذي هو في القلب : فهو العلم الوهبي الذي ينبع من القلب و لا يأتي من الخارج ، و هذا الصنف من العلوم جعله صلى الله عليه و آله و سلم نفعا محضا لا يقبل احتمال النقيض ، و ذلك لشرف نسبته و علو مرتبته عند الله تعالى .

    و ترتيب العلوم لا بد أن يتبينه العقل إن كان يريد السلوك إلى الحق ، و الترقي في معارج الكمال ، و إلا فسيكون طعمة سهلة للشياطين الذين يحترفون التلبيس و الإيهام . و ما أشد تعرض العقول غير المؤيدة من الله إلى ذلك ، خصوصا فيما يتعلق بالفكر .

    4 . تحقيق الترقي :

    إذا عرفنا مراتب العقل و منازله ، وجب علينا تبيين الشروط التي يتحقق بها الترقي من مرتبة إلى مرتبة ، و ذلك كما يأتي :

    ا ــ اتخاذ الإسلام دينا : إن من المغالطات التي بدأت تتسرب إلى الأمة ، كون الإسلام دينا من ضمن عدة أديان ، تتشابه في أكثر الوجوه و تختلف عن بعضها في جزئيات منها فقط ؛ و كأن الإنسان له أن يختار من بينها ما يوافق ميوله و نزعاته ، كما يفعل عند اختيار الألبسة أو المأكولات من السوق . فنقول : إن العقل مخلوق لله تعالى ، أمره بيده كما هو أمر كل شيء، و ترقي العقل إنما يكون بإذن من الله ، حتى لا يعتقد العقل أنه الرب . و يكون هذا الترقي عبر سبيل شرعها الله تعالى و بينها ، و بأسباب حددها ، يتضح من خلالها كما قلنا فقر العقل الأصلي إلى ربه . قال الله تعالى : و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه . يتبين من هذا أن الإنسان ملزم باتباع الدين الحق حتى يفتح له باب الترقي ، و إلا فسيكون كمن يغربل الماء : في تعب دون نتيجة . فإن قيل إن الأديان السماوية هي من عند الله ، فهي أيضا سبيل للترقي ، قلنا : ليس للعقل (كعبد) أن يحدد السبيل ، و إنما ذلك لربه ، و لربه أن يحدث في هذه السبيل ما شاء من التغيير (النسخ و التبديل ) لملكه الأمر و هيمنته عليه لا يسأل عما يفعل و هم يسألون . و جدوى دين من الأديان و صحته ، ليست للدين ذاتية ، بل هي بإذن من الله ، فإن رفع الله إذنه من دين (شريعة ) ما ، لم يعد ذلك الدين سبيلا موصلة إلى الله . كل هذا ليعلم العقل أنه ليس له من الأمر شيء ، و ليفتقر كي يعطى .

    فإن قيل : إذن فقد فقد العقل الإنساني هذا الامتحان الذي هو اختلاف التشريع بثبوت و استمرار الدين الخاتم ، قلنا بل هو في أثنائه و طيه : ذلك أن النسخ وارد على هذا الدين (الشريعة) أيضا في بعض جزئياته ، كما أن لله في النهاية أن يقبل أو أن يرد عمل العبد ، لأن الشرع حاكم على العبد لا على الله سبحانه ، و هي مسألة تغيب عن أغلب الناس . فإن قال القائل : كان هذا ممكنا مع الشرائع المنسوخة السابقة , لم يكن من داع إلى نسخ بشريعة خاتمة ، قلنا : ذلك لو كانت الشرائع السابقة كاملة ، أما و هي غير ذلك ، فلا بد من سير الدين نحو درجة الكمال التي بلغها بسيدنا محمد صلى الله عليه و آله و سلم ، كما بينا ذلك فيما سبق .

    فلم يبق إذن امام العقل الإنساني من باب ، إلا باب الإسلام المحمدي ، و أما الأديان الأخرى سواء كانت سماوية أم وضعية فهي باطلة ، على تفاوت بينها : إذ لا يستوي ما وضعه الله مع ما وضعه العبد ، و هو ما بينه الكتاب و السنة في غير ما موضع .

    ب ـ اتخاذ القدوة (الشيخ) : الشيخ رجل خبر طريق الترقي ، و سبق له أن سلكه ، فهو يعلم حق العلم مواطنه و مسالكه ، و يميز آمنه و مهلكه .

    و الشيخ دال على مراتب الترقي بالنيابة عن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ، لا بالأصالة . فهو ملزم إلزاما تاما باتباع الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ، في كل شيء . و الشيخ المعتبر هنا ، و الذي نقصده ، هو الشيخ الحي المتواجد في الدار الدنيا إلى جنب السالك ، ذلك حتى تتحقق المباشرة و المعاشرة ، اللتان تثمران للسالك ما لا يثمره غيرهما ؛ لقول رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : المؤمن مرآة أخيه < > . و فائدة المرآة أنها تبين للإنسان من نفسه ما لا يظهر له بدونها : فيعرف نفسه على التفصيل ، و يميز من نفسه بين اليمين و الشمال ، و الفوق و التحت . و أكمل مرآة على الإطلاق ، مرآة سيدنا محمد صلى الله عليه و آله و سلم ، باعتباره أول المومنين رتبة لا زمنا ، لكن و بما أن هذه المرآة غابت عن شهود السالك الحسي ، أجاز له الشرع أن يعرض نفسه على مرآة جزئية (الشيخ) ، أكمل منه ، يعبف منها ما يساعده على التقدم في السلوك .

    فإن قال قائل : يكفيني الاقتداء برسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، قلنا: بل الاقتداء لا يكون إلا به صلى الله عليه و آله و سلم ، لكن لهذه القدوة فرع في الشيوخ رحمة من الله بالناس الذين :

    ـــ لا يتصلون برسول الله الله صلى الله عليه و آله و سلم ، حتى يكون هو المفتي لهم فيما يعرض لهم في تفاصيل السلوك إفتاء لا عن خبر ، لأن الخبر قد ينزّل على غير وجهه .

    ـــ لم يتخلصوا من سلطان نفوسهم و أهوائهم ، فيلتبس عليهم التوجيه النبوي الخبري ، فيسلكون به غير المسلك الصحيح ، فيضلون على علم .

    فإذا تبينت مرتبة المشيخة للقارئ ، نمر إلى تفصيل مراتبها حسب مراتب الإدراك العقلي التي سبقت :

    مراتب المشيخة :

    أولا : في مرتبة العقل المجرد ، يكون الشيخ من العقلاء النظار ، الذين يعرفون مسالك الفكر ، و يميزون سليمه من سقيمه .

    ثانيا : في مرتبة الإسلام ، من مراتب العقل المعضد ، يكون الشيخ من علماء الشرع ، العالمين بأحكامه ، المبينين لها .

    ثالثا : في مرتبة الإيمان ، يكون الشيخ من فقهاء القلوب ، العالمين بأمراضها و علاجاتها ، المتحققين بما يطلق عليه تصوف الظاهر (أي ظاهر القلب) .

    رابعا : في مرتبة الإحسان ، لا بد للشيخ أن يكون ممن تحقق بربه ، و صار الله سمعه و بصره و لسانه و يده و رجله ، بمقتضى الحديث القدسي الذي مر ذكره . و هذا ما يطلق عليه : تصوف الباطن .

    غير أنه بسبب جهل جل العقول لمراتب العقل على التفصيل ، فإنها قد تقر ببعض أنواع المشيخة دون البعض المتبقي . و ذلك كتسليم العامة بمرتبة المشيخة في العلوم الشرعية ، و إنكارها لها في مجال التربية القلبية ، مع أن سبب إنكارهم لها في الأخيرة ، يسقط إقرارهم بها في الأولى لو تفطنوا . و بيان ذلك أنهم يقولون : إن إثبات مرتبة المشيخة التي يقول بها الصوفية ، هو إثبات للواسطة بين العبد و ربه ، و هو قدح في التوحيد عندخم . و ردنا عليهم ، هو أن إثبات الواسطة في أخذ أحكام الدين عن علماء الشرع ، هو أيضا إثبات للواسطة بين العبد و ربه في هذه المرتبة ، ذلك أن التشريع و التبيين معا ، لله و رسوله ، و ما قام به علماء الشرع من تبيين ، إنما هو بإذن من الله و رسوله لا من أنفسهم ، فظهر أن الواسطة إن كانت بالإذن ، لم يلزم من الاقتداء بها خلل في التوحيد ، كما يزعم ذلك بعض من علموا التوحيد العقلي النظري ، و غاب عن عقولهم التوحيد الشرعي ، كما سنبين ذلك إن شاء الله تعالى خلال الباب الثالث من هذا الكتاب .

    ج ـ الزاد :

    لا بد للقلب السالك في طريق الله تعالى التي هي الدين ، من زاد يتقوى به بعد الله على مشاق السفر ، و الانتقال من مرحلة إلى مرحلة ، و من مرتبة إلى مرتبة . و ما الزاد الذي يحتاج غليه ، إلا التقوى التي قال الله تعالى فيها : و تزودوا ، فإن خير الزاد التقوى ، و يأتي في المرتبة الأولى منها : أداء الفرائض ، ثم بعد ذلك الإكثار من النوافل . و مركز هذه الأعمال ذكر الله تعالى الذي جعله روحا لها كلها . فقال فيه مثلا : و أقم الصلاة لذكري . و قال فيه رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : ما عمل ابن آدم عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله . قالوا : و لا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : و لا الجهاد في سبيل الله ، إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع . ثلاث مرات . < أخرجه الطبراني في الكبير و ابن أبي شيبة في مصنفه و رجاله رجال الصحيح > و في هذا الحديث و غيره ما يوحي بأن الذكر روح الأعمال كما قلنا . و لا تستقيم هذه الأعمال إلا به ، و هي له كالأواني و الظروف . لكن من الذكر ما هو تلاوة على الخصوص ، أو ترديد صيغ معينة بكيفية معينة . و المعنيان المذكوران غير متناقضين ، ذلك أن الذكر يبدأعادة بالظاهر ، و أخص عضو به في الظاهر اللسان ، و هو المرتبة الأولى منه ، و هي التي تناسب مرتبة الإسلام . ثم ينتقل العبد إلى ذكر القلب : و هو حصول معنى الذكر له ، و هي المرتبة الثانية الموازية لمرتبة الإيمان . ثم ينتقل إلى مرتبة ذكر الروح أو السر ، و هي المرتبة الثالثة الموازية لمرتبة الإحسان .

    5 . خلاصة :

    لقد من الله على العقل الإنساني بأن أخذ بيده و أخرجه من ظلمات نفسه إلى نور ربه ، و لولا هدايته سبحانه و تعالى ما اهتدى أحد من عباده إليه : الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله . فالباب مفتوح لمن شاء أن يحقق درجة إنسانيته ، و يرقى عن حيوانيته التي تهوي به أسفل سافلين : إن هذه تذكرة ، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ، و ما تشاؤون إلا أن يشاء الله ، إن الله كان عليما حكيما ، يدخل من يشاء في رحمته ، و الظالمين أعد لهم عذابا أليما .


    الباب الثالث

    مثبطات العقل لدى الأمة

    الفصل الأول : المثبطات :

    1 . الحالة العامة :

    إن أمة الإسلام قد تعرضت لعوامل عديدة ، أثرت فيها ، و جعلتها تضعف و تقعد عن الأخذ بأسباب قوتها التي بينها الله و رسوله صلى الله عليه و آله و سلم . و من هذه العوامل :

    ا ـ الفتن : هذه الفتن التي بدأت الأمة تقع تحت وطأتها بُعيد عصر النبوة مباشرة . و صارت تلك الفتن تقوى و تقوى إلى أن بلغت حدا عصف بإيمان كثير من أبناء المسلمين . و نرجع أصول هذه الفتن إلى :

    ـــ ميل القلوب إلى الدنيا ، و هو ما يحجبها عن الآخرة ، و ما يوصل إليها من صالح الأحوال و الأعمال .

    ـــ ظهور التيارات السياسية الرامية إلى التحكم في المسلمين بحق أو بغير حق .

    ـــ تعرض الأمة للاستعمار من قبل الكفار ، الذين خلفوا وراءهم بصمات في وجدان المة لا تتماشى مع الأصول الإسلامية ، مما أوجد انفصاما لديها أقعدها عن الحركة ، أو على الأقل ، قلل من قدرتها عليها كثيرا .

    ب ـ طول العهد بالنبوة : مع مرور السنين ، بدأت الأمة تفقد اتصالها بمصادر دينها على الوجه الذي ينبغي أن يكون عليه هذا الاتصال ن الذي يحفظ لها استمرارية استمدادها من نور النبوة ، و يكفل لها منعة ضد تشويش المغرضين . و بدل ذلك ، طغى عليها التعامل التاريخي مع الدين ، مما جعل هذا الدين تراثا تاريخيا ، يحافظ عليه المسلمون حفاظا يوازي أو يكاد ، حفاظ كل أمة على مقدساتها الموروثة عن سلفها .

    و لم يسلم من هذه الحالة إلا قلة من أبناء الأمة الإسلامية ، ظلت على العهود الأول، و لم تتأثر بمتغيرات الزمان أو المكان أو العوامل الداخلية أو الخارجية ، عناية من الله بها ، و إبقاء منه تعالى لهذا الدين على حال طراوته و جدته . و كأن الزمان غير موجود ، أو كأن هؤلاء خارج الزمن .

    إلى هذه الطائفة يشير رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بفوله : لن تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خالفهم ، حتى يأتي أمر الله . < أخرجه الشيخان >

    وبسبب انحجاب أغلبية الأمة عن الأخذ من مصدريها الأساسين ( الكتاب و السنة ) ، الأخذ الصحيح ، رغم تداولهما بكيفية لم تكن للأولين ، ظهرت في المة الانحرافات التي أصابت سابقاتها من الأمم ، بعد انتقال رسلهم عليهم الصلاة و السلام . و من ذلك :

    ـــ التمسك بظاهر الدين و رسومه دون روحه و لبه ، و التعصب لهذا الظاهر إلى حد ظهور الفرقة في الأمة الواحدة .

    ـــ طلب العلوم الدينية لأغراض دنيوية ، مما أفقدها مهمتها الأصلية التي هي الدلالة على طريق الحق

    ـــ اتخاذ الدين نفسه مطية إلى الدنيا بعد أن كان وسيلة للتقرب إلى الله و الفوز في الآخرة .

    ـــ اتخاذ النفوس الضعيفة حملة الهلم الغافلين سندا و حجة للانغماس في ملذات الدنيا ، و أحيانا للانحراف عن الحق ، ظنا منهم أن ذلك ينفعهم عند الله يوم الحساب .

    ـــ الإنكار على الطائفة المتمسكة بالحق ، حتى تصفو الحال لطالبي الدنيا و أعراضها الزائلة .

    2 . المثبطات :

    ا ـ السياسة : لقد أصابت الأمة عدوى السياسة بالمعنى الاصطلاحي الحالي ، و هو تصور للحكم يعمل على تحقيقه وفق استراتيجيا معيتة يحددها الإطار المنظم ، سواء كان حزبا ذا خلفية إديولوجية أو غيره . و نقول إن هذا النوع من السياسة عدوى ، لأن السياسة التي تعرفها الأمة في الصل ، هي تدبير الشؤون العامة للمجتمع المسلم وفق ما أنزل الله ، لا يترك فيه للإنسان مجال للاجتهاد ، إلا فيما يتعلق بكيفية تحقيق هذا الهدف ، حسب المتغيرات أو ترتيب الأولويات حسب المستجدات . لكن السياسة الوافدة أو المخلفة من قبل المستعمر ، جعلت كثيرا من أبناء الأمة ينساقون وراء إديولوجيات (مذاهب فكرية) ذات أصل كافر غالبا ، و هو ما جعل هؤلاء يصطدمون بالدين كثيرا ، إما كعقيدة أو كتشريع ، أدى بهم أحيانا إلى الانتصار لحساب المذهب الفكري على حساب الدين ، الذي يجهلونه و ينظرون إليه من خلال نظارات أئمة المذهب الذي يتبعونه ، بدون أي إنصاف علمي ، يجعلهم على الأقل يتبينون ما يخوضون فيه .

    و بعد انهيار قلعة الشيوعية في العالم ، و تطبيل و تزمير الغرب لنموذجه الديموقراطي ذي الأصل الإغريقي ، مال المتسيسون من أبناء الأمة حيث تميل الرياح ، حتى إنهم صاروا يبحثون للإسلام عن نقط التقاء مع الديموقراطيا ، كي ينافح عنها و يدافع باسم الشرع ، هذا الشرع الذي كان يجب أن يكون عندهم أعلى ، و كان يجب أن يُسعى إليه بدل أن يسعى به إلى غيره .

    و الديموقراطيا التي تعني حكم الشعب ، تتنافى مع الإسلام في أصل وضعها ؛ ذلك أنه في الإسلام لا حكم إلا لله : إن الحكم إلا لله .(بجميع معاني الحكم )، فمن احتكم إلى الشعب ، فقد جعل الشعب إلها اعتباريا ، يشرع و يسن ، يثيب و يعاقب .

    يونان معذورون إن هم بحثوا لأنفسهم عن نظام ، تستقيم به أحوالهم ، على قدر ما تيسر لهم . لكن مسلمون و ديموقراطيون ، فهذا ما يحتاج إلى نظر !

    عيوب الديموقراطيا :

    أولا : الاحتكام إلى غير الله ( غير الكتاب و السنة ) كما أسلفنا .

    ثانيا : الحكم بحسب الأغلبية ، فإن كان أغلب الناس فاسدين مفسدين ، أخرجوا لنا من بينهم ممن هو على شاكلتهم ، من يحكم أمة الإسلام . و ما ينتجه هذا النوع من الحكم ، هو نفس ما ينتجه حكم ذئاب لقطيع من الخراف .

    ثالثا : اكتساب المنتخبين من قبل الأغلبية شرعية ما ، تمنحهم حصانة ، توفر لهم الظروف المناسبة للاستجابة لنزواتهم و انحرافاتهم ، أحيانا على مرأى و مسمع من الناس ، مما يزيد الأمة فسادا على فساد .

    رابعا : توفير فرص التكافئ لجميع الأصناف (نظريا على الأقل) ، حسب المبدإ الديموقراطي ، و هو ما يعطي الشر حق التواجد إلى جانب الخير ، إن لم يكن أحيانا كثيرة على حسابه . و نعني بالشر كل ما من شأنه الإضرار بالإنسان دنيا أو أخرى .

    خامسا : انقسام الأمة إلى أحزاب متناحرة متصارعة ، و هو ما يضعفها و يخالف أصل الوحدة الذي أسسه لها دينها .

    و انظر كيف أنه رغم هذه العيوب البينة ، صار كثير من الناس يدعون لهذا المذهب ، و منهم علماء للشرع ، كان الأجدر بهم التحذير من مغبة الوقوع فيه . أم أننا لن نتراجع عن ذلك ، كما هي عادتنا ، حتى يتراجع غيرنا ، بعد أن يستنفدوا أغراض هذا المذهب التي وضع لها ، و يجدوا مذهبا بديلا يدعوننا إليه مرة أخرى ، و ينبري للدعوة إليه منا زعماء لنا جدد ، وفق شرع جديد ؟!

    إنه لأمر محزن و شائن ، لأمة هي خير أمة أخرجت للناس !

    و إن تعرضنا للديموقراطيا كمذهب فكري سياسي ، إنما هو من قبيل مقارعة الفكر بالفكر حسب ما يقتضيه موضوع الكتاب ، لا من منظورسياسي مخالف من طرفنا .

    و غير خفي ، أن أناسا ألزموا أنفسهم التقيد بهذا المذهب، عقيدة و عملا ، لن يتمكنوا من الترقي في المراقي الإيمانية، التي هدى الله العقل الإنساني إليها ، بسبب مجانبتهم الحق . و بالتالي ، سيبقون في دركات العقل المجرد ، إن هم لم ينزلقوا إلى مرتبة العقل البهيمي . فما أشده من حرمان !

    الجماعات الإسلامية :

    كثير من الجماعات الإسلامية ، و وعيا منها بما أسلفنا ، نذروا أنفسهم للتصدي للانحرافات السياسية التي طرأت على الأمة ، جاعلين من هذا التصدي محور عملهم ، إن لم نقل هدف وجودهم ، مما حصر الإسلام من منظورهم ، غالبا في مذهب سياسي مقابل ( إيديولوجيا إسلامية ) ، جاعلين من الوصول إلى الحكم هدفا أولا لأهدافهم ، و هو ما جعل كثيرا من النفوس التي لم تتطهر بماء الشرع على الترتيب الذي ذكرناه في الباب السابق ، تنساق وراء أغراضها باسم الدين ، و هو ما حجبها بدوره عن تحقيق ترقيها هي نفسها في مراتب الدين ، فكانت نتيجتها نتيجة من سبقها ، و إن اختلف طريقاهما .

    و لا بأس هنا أن نبين ، أن الحكم و تنظيم الدولة في الإسلام ، إنما جعل للحفاظ على الدين ، أي على فرصة الترقي للعقول البشرية ، ميسرة دانية ؛ و لم يُجعل الدين عاملا مؤسسا لحكم هو الغاية ، كما يعتقد ذلك بعض الناس .

    الإنسان هو محور الوجود ، و هو المخاطب للدين ، فكيف يجعل مجرد أداة أو وسيلة لتحقيق غايات أدنى رتبة منه على كل حال من منظور الترتيب العقلي . هذا لا يُقبل من أي مذهب وضعي ، فكيف بمن يعمل باسم الدين ؟!

    و إننا هنا إذ ندعو إلى مراجعة الجماعات الإسلامية مواقفها ، نؤكد على أن من هذه الجماعات من حفظه الله مما ذكرنا ، فلا سبيل إلى التعميم إن كنا نريد الإنصاف .

    ب ـ الاقتصاد :

    لا تخفى تبعية أمتنا الإسلامية في اقتصادياتها لغيرها من الأمم ، و نحن هنا ، لسنا بصدد البحث في الأسباب التي أدت إلى هذه الحال ، لأنه لا يدخل ضمن غرض هذا الكتاب ، و لكن نريد أن ننبه إلى أن الاقتصاد ، أو الظروف المادية على عمومها ، من توابع الإنسان و ليس العكس . و إننا نرى اليوم كيف يسخر الإنسان الذي كرمه الله تعالى ، من أجل بلوغ غاية اقتصادية ، يقال إنها من أجله تراد ، لكن ، ماذا يبقى من ذاك الإنسان ، من إنسانيته ، عندما يأتي الفتح الاقتصادي ؟

    إن سلفنا عندما قاموا بهذا الدين ، لم يقصدوا من ورائه ، في المرتبة الأولى ، القضاء على الطبقة البورجوازية القرشية ، أو الاستعباد القرشي ، و لم يروموا اقتسام الثروات بين سادة مكة و عبيدها، و لم يطمحوا إلى تحسين وضعيتهم التي يحكمها غالبا فقر و عبودية ، بل قاموا بهذا الدين ، ليحققوا في أنفسهم معنى التوحيد الذي جاء به ، و يرقوا باتباعه إلى درجات الإنسانية التي كانت محجوبة عنهم بمقتضى الجاهلية . أرادوا أولا أن يعيدوا للإنسان إنسانيته !

    و لما كثر المسلمون وقامت للإسلام دولة ، صار إذ ذاك لهذه الدولة نظام اقتصادي ، يحفظ تلك الكرامة الإنسانية المحققة من أن تهدر ، أو تعاد إلى سابق عهد الجاهلية ، تحت حكم مسمى أي اسم من الأسماء .

    هذا هو الاقتصاد الاسلامي : اقتصاد للإنسان ، لا اقتصاد بالإنسان فقط !

    و إن الأمم المعادية للإسلام ، تحاول أن تغرس في نفوس أبناء أمتنا ، ذاك المفهوم الخاطئ للاقتصاد ، بوسائل شتى ، قانونية و عملية ، لتضمن لنفسها تبعية الأمة لها ، تلك التبعية التي تضمن بدورها ضعف الأمة ، الذي تامن هذه الأمم على نفسها معه . تأمن ، لأنها تمثل بعدائها للإسلام ، الدين الحق ، عصبة الشر و الظلام ، التي لا حياة لها مع الخير و النور .

    و المسلم الذي يُفترض فيه أنه طالب آخرة ، لا تشده مثل هذه الحبال الواهية إلى الخلف ، و لا تحوله عن قبلته الحقيقية و لا عن تحقيق ترقيه في مراتب دينه ، الذي هو سبب عزته و كرامته دنيا و أخرى .

    و لتتأكد مما قلناه ، انظر إلى تلك الأمم التي تدعي أن لها الإمامة الاقتصادية اليوم ، و انظر إلى حال الإنسان فيها و إلى قيمته ، رغم الادعاءات الكاذبة بتحقيق حقوقه ، و كيف أن ذلك الإنسان ما بقي له من إنسانيته غالبا إلا صورته الظاهرة ، التي تعلق بها أنواع متعددة من الأمراض النفسية و الخلقية و الجسدية ، الجديدة منها مضافة إلى الموروثة .


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: كتاب يقرب التصوف

    مُساهمة  Admin في الأربعاء مايو 16, 2012 1:58 am

    ج ـ التعليم :

    إن التعليم الذي ورثته الأمة عن المستعمر ، كان أهم إنجازات ذلك المستعمر ، ضمن خططه الاستعمارية متعددة الجبهات : ذلك أن هذا التعليم لن ينقل المعلومات التي يريدها أن تنقل إلى الأمة فحسب ، و لكن سيعمل من خلاله على تمرير مناهج تفكيره و نظرته إلى الأمور إلى الأمة . حينئذ سيكفى مؤنة التعب في التخطيط و التنفيذ ، لأن المتعلمين من أبناء الأمة على منهجه ، سيعملون بدله لتحقيق أغراضه ، علموا ذلك أم لم يعلموا .

    و مما ركز التعليم المستورد على تحقيقه ما يلي :

    أولا : تهميش التعليم الديني ، و هو أخطر من حذفه ، إذ لو حذف لتيقظت غريزة الأمة الدفاعية ، و هو لا يريدها أن تتيقظ ، فأدى ذلك التهميش إلى نبذ بعض أبناء المة دينهم من تلقاء أنفسهم .

    ثانيا : ترسيخ النظرة المادية الدنيوية لدى الأمة من خلال المواد التي تساعد على ذلك ، و إن كانت هذه المواد و العلوم خيرا في نفسها ، لكن المقصود من ورائها هو قطع علاقة الأمة بالغيب ، الذي سيبدو لها مناقضا للواقع و لما يقتضيه العقل السليم بالمنطق المادي .

    ثالثا : فتح العقل المسلم لكل أنواع الفكر و الديانات العالمية بدعوى الانفتاح و الموضوعية و التحليل العلمي و حق المقارنة ، و هو يريد بذلك تشكيك الأمة في دينها و في حقيته . فصار بعض من انفعل لهذا التعليم يصنف الإسلام واحدا من ضمن مجموعة أديان عالمية ، تكون تراث شعوب معينة ، و ثقافات مختلفة ، فغاب عنهم بذلك المدخل الإيماني الذي هو وحده يستطيع استنقاذه من مثل هذه العبثية الفكرية .

    رابعا : ترسيخ ما يسمى بالعقلانية ، بل تقديس العقل ( بمفهومهم ) و دور الفكر ، الذي يجب أن يخضع له كل شيء ، بما في ذلك الوحي . و هو أخطر ما توصل إلى تحقيقه المستعمر ، فصار كل واحد يعطي لنفسه حق تحليل و تقييم كل شيء ، بغض النظر عن كمال عقله أو نقصه ، أو عن صحة فكره أو سقمه ، صفاء ذهنه أو انطماسه ، و هو ما أدى إلى ظهور مذاهب فكرية تدعو أحيانا إلى السخرية أكثر مما تمثل فكرا بالمعنى المعروف .

    خامسا : نزع الحياء و الدب من النفوس : بحيث لا يعود تلميذ يحترم معلما ، و لا جاهل عالما . فتجد قوما يعارضون عالما أو إماما باستنادهم إلى قلة الحياء و المروءة فقط ، الشيء الذي أدى إلى فوضى لا يعرف لها أول من آخر ، كما أدى على إحجام بعض من أوتوا العلم عن الخوض في علومهم مخافة إفساد السفهاء عليهم ذلك .

    و كان من نتائج هذا النوع من التعليم : تخريج متعلمين برزوا في ميادينهم الدنيوية ، و صار منهم من يحكم الأمة في مجاله كالوزراء و غيرهم ، لكنهم خواء أو يكادون من الإيمان ، و من الأخلاق التي هي زينة الإنسان ، لا يحسون بالانتماء الكامل إلى الأمة الإسلامية بقدر ما يحسون بالتبعية للمستعمر في كل شيء ، في تفكيرهم ، و في سلوكهم ، و في طريقة عيشهم ، و في كلامهم , و ... هؤلاء صاروا ، و إن لم يعلموا ، نوابا و وكلاء لمستعمر الأمس على أمتهم اليوم . فكيف سيرتقي مثل هؤلاء في مراتب الدين ؟ أم كيف سيتركون من يريد ذلك يفعل ؟

    د ـ تقصير علماء الدين و قصورهم :

    أمام هذه المحن التي كادت تأتي على المة ، وقف علماء الشرع ، وقفة شبه محايدة ، إلا قليلا منهم . وقفوا يحللون و يصنفون ، و أحيانا يعارضون بأدب و حياء مناسبَين لما يجب أن يكون عليه أهل الدين بمنظور الغير ، و الأمة تأخذ عنهم ، إلا قليلا منهم ، دينا شبه ميت ، محصورا في عبادات تُكلّف في تعليمها و استقصاء جزئياتها ، و هي تظن (أي الأمة ) أن هؤلاء لا يخفى عنهم شيء في الأرض و لا في السماء ، و هم ( أي العلماء) قانعون بهذا المقام الذي يحتلونه ، و هذا الجاه الذي قد يفوق أحيانا جاه السلاطين ، و الذي يستعمله في بعض الأوقات أعداء الأمة بترسيخه و الحفاظ عليه ، كي يبقى من من مثبطاتها ، كابحا لمطامحها في ترقيها و تنمية مداركها .

    و لا بد هنا ، مع احترامنا لهذه الطائفة من الناس ، كي لا ننسب إلى القذف المجاني و الكلام على غير هدى ، أن نبين مرتبة العالم من غيره :

    فقد جاء في الحديث النبوي الشريف : رب حامل فقه ليس بفقيه ، رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه .< رواه ابن عبد البر و كذا أصحاب السنن و الدارمي و أحمد و صححه ابن حبان و ابن حجر > . يفيد هذا الحديث أن من الناس من هو حامل علم لا عالم . و حمل العلم هو ما يحصله المرء بالتعلم و الاكتساب و الحفظ ، حتى إذا سئل عما تعلم ، ذكره على الوجه الذي تعلمه . أما العام فهو كما قال الإمام مالك رضي الله عنه : ليس العلم بكثرة الرواية ، و لكن هو نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده .فالعلم إذن ن ملكة يعطيها الله لمن يشاء ، بها يعرف حقائق الأشياء ، و بها يميز الكلام و يستخرج مخبوءه . لكن عامة المسلمين لا يميزون بين هؤلاء و أولئك ، فوقعوا ضحية لحملة العلم المتعطشين للجاه و الدنيا ، فانحرفوا بهم عن جادة السبيل ، و قعدوا بهم عن الترقي في مراتب الدين ، بل شددوا أحيانا عليهم في إنكارها ، و عدوا الخوض فيها من قبيل الشرك تارة ، أو من قبيل الفلسفات الدخيلة تارة اخرى ، فحرم هؤلاء الحملة للعلم نفوسهم ، و حرموا غيرهم بموقفهم هذا .

    أما العلماء بحق ، فلم يدخروا جهدا في توضيح المسالك و التحذير من المهالك ، و لنا في كل عصر منهم فئة هيأها الله تعالى لذلك ، فالحمد لله على ذلك .

    ه ـ المذهب الوهابي أو السلفي :

    المذهب الوهابي ، الذي أسسه ابن عبد الوهاب ، هو مذهب عقدي لا فقهي ، قام في اساسه على محاربة مظاهر الشرك و البدعة عند المة ، لكن ما وقع فيه ، كان أدهى من ذلك بكثير : قد نسلم بدءا منطلقه ، خصوصا إذا علمنا ما يتسلل إلى نفوس العامة من الشرك ، و ما يكسو أعمالهم من البدعة ، لكن أن يصل المر إلى اعتبار رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، كساعي بريد جاءنا بالقرآن و ذهب ( ساعي البريد : الطارش بلهجة بلد ابن عبد الوهاب ) ، و ما علينا نحن بعد ذلك إلا العمل بهذا القرآن بعيدا عن كل صلة وجدانية برسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ، مبنية على التعظيم و التوقير و المحبة ، فهي الضربة القاضية ، و هي بمثابة قطع للحبل السُّري الذي يربط الأمة بنبيها الذي يعلمها و يزكيها ، أ ولها و آخرها : هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ، يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ، و آخرين منهم لما يلحقوا بهم ، و هو العزيز الحكيم . لكن هؤلاء ، لما لم يجدوا تعليمه صلى الله عليه و آله وسلم ذوقا ، و لم يتزكوا على يديه الشريفتين ، ظنوا أن ذلك من قبيل المحال ، و عدوا من تكلم به من المجانين و المشركين ، رغم صريح الكتاب و السنة ، فسدوا بذلك على طائفة من الأمة الباب ، و تركوهم خلف الحجاب ، لا يستطيعون الترقي في مدارج الإيمان . و نحن نقول لهم :

    أولا : إن كان ما تنطلقون منه توحيدا ، فاعلموا أن كلمة التوحيد لم يرد بها كلمة و لا سنة ، و إن ذكرت في أحاديث معدودة فلأن المعنيين كانوا من النصارى القائلين بالتثليث . و هذا ما ينقض عليكم مذهبكم بادعائكم التزامكم السنة ، فلوا التزمتم بها ما ابتدعتم اصطلاحا في العقيدة لم ترد به . و لو كان التوحيد كما تفهمون، لكان ينبغي أن يكون أبرز عنصر فيها بالتصريح ، إلا إن كان عندكم المسلمون في مقام أهل الكتاب . فإن قلتم هو معنى مفهوم عبرنا عنه ، قلنا : إن هذا بعينه ما تنكرونه على غيركم ، فإما أن تسلموا به لغيركم ، أو أن تعودوا عنه أنتم أيضا .

    و ليعلم القارئ أن التوحيد المقصود هو مشتق من اسم الله الواحد ، لكن فيه تعمل للعبد يفهم من هذه الصيغة : و هو جعل ما لم يكن واحدا ( كثيرا ) واحدا ، و فيه سوء أدب مع الله نعالى عند العلماء المحققين ، فإن الله ما قال وحدوني ! و لا قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : وحدوا الله ! بل جاء في القرآن : فاعلم أنه لا إله إلا الله . و : لا إله إلا أنا فاعبدون . و أمثالها . و جاء في السنةو : من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة . <أخرجه أبو داود > و أمثاله . و التوحيد الذي ذهبت إليه الوهابية ، توحيد عقلي نظري لا شرعي ، و ذلك بسبب إعمالهم الفكر في غير مجاله ، و هو كما أسلفنا من آفات المرتبة الأولى من الدين التي هي مرتبة الإسلام . أدى بهم هذا الفكر ( و هو البدعة حقا ) إلى سوء أدب مع الله و رسوله كبير ، نرجو الله السلامة .

    و جدير بالذكر ، أن للتوحيد ( مع تجوز في التعبير ) مراتب مختلفة تتناسب و مراتب الدين التي ذكرناها مرارا : فلمرتبة الإسلام توحيد خاص بها ، و لمرتبة الإيمان توحيد يغيب عن سابقتها ، و لمرتبة الإحسان توحيد خالص من الشوائب التي تعرض لسابقتيها ، و هذا أمر لا يعرف إلا ذوقا ممن يسر الله له سلوك طريقه .

    ثانيا : إن مذهب السلف الذي تدعون ، لا يستقيم ، لأن السلف ليسوا مصدرا للدين ، و إن كانوا مرجعا في بعض أجزائه . و هم على الحقيقة مظهر من مظاهر التفاعل مع الدين و تحقيق ثمراته ، و لكل زمان مظهر لهذا التفاعل لمن حقق النظر . فإن سلمنا لكم ادعاء مذهب السلف ، وجب التسليم لآخر بادعائه مذهب الخلف ، و هو ما لا تقبلونه أنتم و لا يقبله غيركم . فوجب الرجوع إلى مصدرية الدين كدين لا كمتدينين . و هذا هو الأمر الذي كانت عليه الأمة إبان وحدتها و قبل أن تظر الآفات التي أشرنا إليها سابقا .

    و ـ ما علق بالتصوف من الانحرافات :

    إن التصوف ، على اختلاف في الاسم ، هو تحقيق الدين بمراتبه الثلاث ، و هو ما لا يختلف عاقلان . و قد أدى الصوفية الأخيار على مر العصور دورا في تجديد إيمان الأمة و توحيد صفوفها ، بما لا ينكره منصف ؛ لكن ، و ككل المذاهب ، فقد انتسب إلى التصوف أناس متشبهون بالصوفية من حيث الظاهر ، مجانبون لهم من حيث الباطن ، فاستغلوا مجال الكرامات و العلوم الوهبية ، التي هي حق في نفسها ، و اتخذوها مطية لاستغفال السذج من الناس و نهب أموالهم ، إلى جانب ترسيخ عقائدهم الفاسدة بينهم .

    هذا بالإضافة إلى ما يقع لبعض المريدين من خروج عن صريح العلم و الإيمان ، في حكاية بعض أقوال أكابر الصوفية دون تحقق ، بل بأخذ تلك الأقوال على ظاهرها بما يعطيه فكرهم ، خصوصا إن كان شيوخهم الذين سيقومونهم قد غادروا الدنيا ( و هو ما يسمى تصوف التبرك ) فتظهر إذ ذاك الانحرافات بأنواع عدة ، و تطغى العصبية الجهلاء . و هذا يخالف صريق التصوف التي هي أصلا لتحقيق الترقي . فنتج أن تخلف هؤلاء عن الترقي ، و انحرفوا عن السبيل التي سلكها من ينتسبون إليهم ، فذهب المضمون و بقي الشكل كما يحدث غالبا .

    هذا النوع من التصوف ( تصوف المتصوفة لا الصوفية ) جلب على أهل الله المحققين إنكر الأمة إلا قلة، هذا الإنكار الذي رسخه عدم التمحيص و عدم العلم بحقيقة المر ، و هو ما كان من شأنه أن يشكل مانعا لأغلب المسلمين عن سلوك سبيل الله و الوصول إلى العلم بالله ، الذي هو اختصاص الصوفية ، مع من شاء الله له ذلك من عباده المصطفين .

    الحلول و الاتحاد :

    يكاد المثقفون و الدارسون يجمعون على كون الصوفية قوم يقولون بالاتحاد و الحلول ، و هو ما أدى بهم إلى تكفير بعض كبار الصوفية ، بسبب حمل كلامهم على المعنى المذكور .

    و الحقيقة أن الصوفية ، كلهم ، و حتى أصحاب الشطحات منهم ، ما قالوا بحلول و لا اتحاد أبدا : ذلك أن الحلول يقتضي حالاّ و محلولا فيه ، و الاتحاد يقتضي متحدا و متحدا به ، و كلاهما شرك واضح . و هم ( أي الصوفية ) من أخص خواص الموحدين ، و هذا الشرك لا يليق بمقامهم الرفيع .

    غير أن الناظرين في كلامهم ، بعقولهم التي لم تتجاوز المرتبة الأولى من الدين غالبا ، لم يفهموا مقصدهم بسبلب خفائه عنهم ، و حملوا كلامهم على ما اعتادوه هم من خلال منطوقهم و مفهومهم ، فحكموا عليهم ظلما بفهومهم . و لو أنهم أعطوا تفاضل المراتب حقه ، ما تجرأوا على ذلك و لا تكلفوه ، و لأحسنوا الظن بهم بسبب ما عرف عنهم من تمسك بالدين و من شدة حب لله ، تكاد لا توجد إلا عندهم .

    و على علم الصوفية ، الذي يخفى عن غيرهم ، يشير أبو هريرة رضي الله عنه بقوله : حفظت من رسول الله صلى الله عليه و سلم وعائين : فأما أحدهما فبثثته فيكم ، و أمل الآخر لو بثثته قطع مني هذا البلعوم .< أخرجه البخاري > ، فهل تراه حكم بقطع بلعومه رضي الله عنه من قبل سامعيه ، إلا لحملهم لفظه الذي لو تلفظ به ، على غير مراده ؟ أي على غير الحق ؟

    فما أحوج الصوفية إلى إنصاف !

    و من الناس أيضا من جعل التصوف فلسفة ، و ما ذلك إلا بسبب غموض معانيه عليهم ، أو بسبب استعمال بعض الصوفية بعض المصطلحات الفلسفية ، أو بسبب عرضهم لبعض النظريات الفلسفية ، و تعرضهم لها بالتحليل و التقييم ، فظنوا أن التصوف من نفس جنسها . و الحقيقة أن علم التصوف حاو لجميع أنواع العلوم مهيمن عليها ، لكنه ليس فلسفة ، لأن الفلسفة من علوم النظر و الفكر ، و هو من علوم الوهب .

    و إن جامعاتنا بحاجة على مراجعة لتصنيف التصوف لديها و تعريفه ، ضمن ما تقدمه من مقررات على ضوء ما يمليه المنهج العلمي الحق .

    3 . ترتيب الأمة :

    إذا عدنا إلى المثبطات المذكورة آنفا ، و إلى جانب كونها عائقا أمام الأمة للارتقاء في الدين على الوجه المشروع ، وجدناها تشكل عاملا كبيرا من عوامل التفرقة الذي يمزق الأمة .

    فالمستغرب يسخر من الفقيه ن و الفقيه لا يبالي بالمستغرب و يعتبره كالنافلة . و السلفي يجعل الصوفي مشركا ، عليه ان يجدد إسلامه ، و المتصوف ( لا الصوفي ) يجعل الصوفي منافقا ، لا هو مسلم كالمسلمين ، و لا كافر كالكافرين . و المشفقون من حال الأمة يحزنون لما يرونه من تصارع الإخوة و تنازعهم مع اشتراكهم في الدين الواحد ، و يتمنون لو أن كل واحد سلّم لأخيه جانبه الذي يحسنه و يتقنه ، و لو أن كل واحد استعان بأخيه من أجل اكتمال شمولية الإسلام بهم في مظهر معاصر ، أحوج ما تكون الأمة إليه اليوم .

    فليت المثقف العصري يتعاون مع الفقيه من أجل التوصل إلى التوفيق بين الأصول و المستجدات ، و ليت السلفي يتعاون مع الصوفي على إقامة الدين ظاهرا و باطنا .

    و بما أن الأمة جسد ( بالتشبيه النبوي ) فلا بد لهذا الجسد إن هو أراد أن يتمكن من القيام بوظائفه الحيوية أن يكون له ترتيب معين ، يحفظ له نظامه و تناسقه : فلا الراس ينزل عن علوه ، و لا الرجل تصعد عن سفلها ، و لا اليمين يحيد عن يمينه و لا الشمال يصير يمينا .

    و باعتبار مراتب الدين التي مرت ، لا بد للأمة من الحفاظ على الترتيب المنطقي التالي :

    المرتبة الأولى : أو الإمامة ، و نعني بها إمامة التربية و التوجيه ، لا إمامة الحكم ، و هي للمحسنين الذين تحققوا بمقام الإحسان ، و الذين قال الله على لسانهم : و اجعلنا للمتقين إماما .

    المرتبة الثانية : مرتبة المتحققين بمقامات الإيمان ، و هم عمدة المعاملة مع الله على قدم الصدق و مع بذل المجهود .

    المرتبة الثالثة : علماء الشرع الذين لم يتحققوا بإحدى المرتبتين السابقتين ، و إلا فهم منها ، ثم بعد ذلك يأتي عموم المسلمين .

    فإن وفقت الأمة ، على اختلاف مراتبها ، إلى احترام الترتيب المنطقي لها ، فلا شك سيصلح أمرها ، و يتحقق لها ما تحقق للسلف الصالح الذين كانوا على هذا المنهاج عاملين ، و لحدود المراتب حافظين .

    الفصل الثاني : العولمة :

    1 . العولمة :

    إن الذين يسلكون سبيل التلبيس على الأمة ، اتخذوا من تطور أجهزة الإعلام و التواصل ذريعة لإقناعها بأن تذوب في محيطها العالمي ، و ما ذلك في الحقيقة إلا بتخليها عن دينها ، هذا الدين الذي ما فتئوا يقنعونها بمماثلته لباقي الأديان . و بما أن كل شعب أوأمة ، يفترض أنها ستتنازل عن دينها إما كليا أو جزئيا ، فما عليها إلا أن تفعل مثلهم حسب ما تمليه " الديموقراطيا " العالمية ، و لن تخسر بذلك شيئا كبيرا ، بل ستربح الانسجام الذي ستحققه مع العالم المعاصر ، عالم الكفر و الإلحاد على التحقيق ، عالم البهيمية و الانحطاط ...

    إن كانت العولمة قدر العالم ، فأمتنا أحق بإعلانها و الإمامة فيها ، لأنها صاحبة شريعة عالمية خاتمة لجميع الشرائع ، ذات دين صالح لكل زمان و مكان ، قابل للتطور ( التجدد ) مع مستجدات كل عصر بما يناسبه ، دون الخروج عن الأصول الحاكمة لهذا التطور ن كما لا تخرج تلك المستجدات من جهتها عن أصول أمهاتها في العصور الخالية .

    لأمتنا أبواب الترقي إلى مراتب الكمال مشرعة من دون سواها ، بالحجة و بالبرهان ، إن كانت البشرية تريد تحقيق إنسانيتها و الفوز في داريها .

    مَن الأجدر بقيادة العالم : الأعمى أم البصير ؟ الأعمى الذي لا يعرف ربه و لا يعرف نفسه ؟ أم البصير الذي بعرف ربه و يعرف نقسه ؟

    تحدثوا عن عولمة اقتصاد ...

    ثم عن نظام عالمي جديد ...

    ثم عن " التسامح الديني " ...

    و ....

    و هم لا يريدون إلا تحويل الأمة الإسلامية عن دينها ، إذ لا يُقصد من أجل السرقة و النهب إلا الغني ، و ما من غني في العالم غنى الأمة الإسلامية لو علمت !

    لن تخسر مع العولمة كما يريدونها أمة من الأمم كما تخسر الأمة الإسلامية ، لأنها ستستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ، أما غيرها فربما سيخسرون ماديا إن هم خسروا ، لكنهم لن يخرجوا من ظلمة إلا إلى مثلها ، و لا من فساد إلا إلى نظيره .

    2 . السلام :

    من أهداف العولمة المزعومة ، تحقيق السلام ، السلام العالمي الشامل . ما بقي إلا أن يقال بخلود العالم و جعله جنة أبدية !

    إن كلاما كهذا ، لا يصدقه الأطفال ، فكيف بعقلاء الرجال !

    إن السلام في العالم لن يكون إذا كان ، إلا على حساب الأمة الإسلامية : فالظلمة لن تصالح النور إلا إذا انطفأ لأنه ماحيها و مفقدها عينها : و لن ترضى عنك اليهود و لا النصارى حتى تتبع ملتهم . فالسلام الذي يريدونه واضح : هو استسلام و إقرار بالتبعية على الدوام . فإن لم نقبل ، قيل لنا : أنتم دعاة حرب و إرهابيون ، و كأنهم ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يومرون ، و هم الذين لا يتورعون عن ارتكاب جرائم قد تخجل الشياطين من التفكير فيها !

    نعم ، دعاة حرب ، على الجهل و الظلمة ، لإقامة السلام الحق الذي يضمن للإنسان إنسانيته ، كيفما كان جنسه أو دينه أو عرقه ( تحت حكم الله ) . ثم إن السلام الذي يدعون إليه ، مخالف للحقيقة التي أنشأ الله تعالى عليها الدنيا ، و هي التقابل و التضاد ، اللذان يدعوان إلى الصراع الدائم ما دامت هذه الدار . حتى إذا جاء يوم الآخرة و وقع الفصل بين المتنازعين ، و دخل كل فريق داره فريق في الجنة و فريق في السعير ،حينئذ يكون السلام لأهل السلام في دار السلام . أما سلام جاهل ، من وضع وهم جاهل ، يدعو إليه جهال ، فباطل لا أساس له من العقل ، لمن كان له عقل أو ابتغى إلى العقل سبيلا .

    3 . حقوق الإنسان :

    لن نعرض لحقوق الإنسان كما أقرها الميثاق الدولي بندا بندا ، فنحن لا نرى لها القيمة التي تستأهل ذلك ، لكن بدل ذلك نشير إلى أول حق من حقوق الإنسان على الحقيقة ، و هو السماح له بتحقيق إنسانيته ، و الذي لا نكاد نجد من يرفع شعاره .

    و من حق الإنسان على أخيه ، و من واجبه على نفسه ، أن يسعى إلى الترقي من دركات البهيمية و المادية إلى درجات الإنسانية ، حسب ما بيناه خلال هذا الكتاب . ذلك الترقي الذي لن يتمكن له بدون إسلام . ذلك الإسلام الذي هو بحاجة إلى عرض ، في عصر العولمة ، على جميع أفراد الإنسانية بالصورة الصافية الأصلية ، بعيدا عن المزايدات و الديماغوجيات المغرضة ، و بعيدا عن التشويهات التي تلصق به ظلما من قبل أعدائه ، أو تلحق به جهلا من قبل بعض المسلمين أنفسهم .

    من حقوق الإنسان ، تعريفه عبوديته لله ، و تمكينه من إقامتها على الأسس التي شرعها الله . و من حقوقه أيضا تحريره عن غير الله ، بما في ذلك نفسه ، التي تدعوه إلى العاجلة و إلى الحضيض .

    من حقوق الإنسان أيضا عدم تقييد العقل الإنساني بأنواع القيود التي رأينا منها بعضها سابقا ؛ و عدم الحيلولة دونه و الخلوص من سجنه الفكري الموجَّه ، إلى آفاق العقل المعضد ، حتى يعلم ما لم يكن يعلم .

    و من حقوق الإنسان تمكينه من استعمال علمه بما يتطلبه ، للوصول إلى ثمرات الأخلاق و الأذواق التي تسعده دنيا و أخرى .

    هذا إن كان المراد من "حقوق الإنسان " إعطاء الإنسان حقه حقا ، و هو ما يحتاج إلى نظر !....


    خاتمـــــــــة

    لا بد للعقل كي يتبين سبيله ، أن يعلم الحكمة من وجوده . و قد بين الله تعالى ذلك في قوله تعالى : وماخلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون . فالعقل خُلق ليعبد الله ، لا يستثنى من ذلك عقل من العقول على الإطلاق . فمنها ما يعبد طواعية ، و هم المسلمون له سبحانه ، و هؤلاء لهم السعادة ؛ و منها ما يعبده كرها ، و هي العقول الجاحدة ، الكافرة و المشركة ، و لها الشقاء . و انظر قول الله تعالى : و لله يسجد من في السماوات و الأرض طوعا و كرها و ظلالهم بالغدو و الآصال . و السجود قمة العبادة ، فإن خرج المعاندون عن أمر الله ، فهم غير خارجين عن إرادته سبحانه . فهم على كونهم عبيدا ، ما حرموا بإبايتهم إلا أنفسهم من السعادة الأبدية ، و العياذ بالله .

    و من بين العقول المسلمة لله ، اصطفى الله عقولا لم تعقل سواه ، و هي أعلى مرتبة للعقلاء ، و هم الأنبياء و من على قدمهم . فلا أعقل من هذا الصنف عند بني آدم . و من أراد أن يسلك بعقله سبل الكمال ، فلا محيد له عن الاقتداء بهم ، اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده .فإذا علمنا هذا، علمنا أن لا أشرف من العقل عند الله ، و هو الذي جعله محلا لمعرفته سبحانه . و هذا المعنى هو الذي نبه إليه ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى :إلا ليعبدون بـ : إلا ليعرفون . فمعرفة الله على الحقيقة هي أكبر درجات العبودية ، إذ كيف يُعبد من لا يُعرف ؟!

    و بما أن جميع العقول له عابدة ، ظهر أن جميع العقول له عارفة ، إلا أنها على تفاوت كبير في مراتب هذه المعرفة . كما أن من العقول من يعرف و يعلم أنه يعرف ، و منها من يعرف و لا يعلم أنه يعرف . فتبين من هذا أن الحجاب جهل ، و الجهل عدم .

    فسبحان من خص بعلمه أولي الألباب ، و احتجب عن غيرهم بغير حجاب !

    و إن التربية أو التزكية ، الهادفة إلى إيصال العقل إلى درجات معرفة الله تعالى ، إنما في الحقيقة تعمل على تخليصه من العوائق و العلائق التي تحول دونه و الانطلاق إلى هدفه .

    و من العوائق ما هو معلوم للعموم ، كحب الدنيا و المعاصي ، و باقي الصفات المذمومة ، و منها ما يخفى عن جل العقول ، و هي المحامد التي يقف العقل معها و يتوجه إليها ، و يكتفي بها دون الغاية الحقيقية ، فيحجبه هذا النوع من العوائق عن ربه ، الذي لا يرضى أن يشاركه في قلب عبده سواه . فالنوع الول هو الحجب الظلمانية ، و النوع الثاني هو الحجب النورانية ، و الله من وراء ذلك كله ، محيط بذلك كله .

    و من رحمة الله بعباده ، أن جعل في كل زمان رجالا ، أهّلهم بما يلزم كي يدعوا إليه على بصيرة ، في رفق و لطف ، و يأخذوا بأيدي من شاء الله له الهداية ، ليخرجوهم من الظلمات إلى النور .

    فما أحوج أمتنا ، و العالم بأجمعه ، إلى الائتمام بهؤلاء !

    و لو علم سجناء الفكر و النظر ما يكسبونه من وراء التلمذة على أيديهم ، ما سبقهم إليهم أحد . و لو علم المحبون المشتاقون إلى نور النبوة ما يحرزه هؤلاء منها بالوراثة ، لآسترخصوا كل نفيس في سبيل الفوز بسويعات معهم ، على بساط الحضور .

    و إننا بهذا الكتاب ، نرجو أن نكون قد أعطينا نظرة إجمالية للمراتب التي ينزل العقل فيها ، في أثناء سلوكه سبيل الترقي ، كما نتمنى أن نكون قد أثَرنا بعض النفوس ، و رغبناها في تحقيق تلك المراتب ، و التحقق بما تتضمنه من المنازل و أسمى المآرب ، سائلين الله تعالى للجميع النجاة من الآفات المحدقة بالمسالك ، و التجنيب لكل المعاطب و المهالك .

    و الحمد لله على هدايته و رعايته ، حمدا منه بدايته و إليه نهايته ؛ و الصلاة و السلام على شمس الهداية الساطعة ، سيدنا محمد و آله و صحبه ، و على كل عبد لله مخلَص .



    .



    _________________
    خليفتي كذاتي

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أغسطس 23, 2017 6:05 am