شباب الختمية

منتدى شباب الختم يتناول قضايا الشباب وفعالياتهم


    مناظرة صوفية

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    مناظرة صوفية

    مُساهمة  Admin في الإثنين أبريل 30, 2012 4:16 am

    مناظرة صوفية – الجزء الأول

    بسم لله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه أجمعين.
    مناظرة صوفيـــة
    (الجزء الأول)
    مقدمة:
    مما لا ريب فيه أن التصوف غدا من الظواهر العقدية والنفسية والسلوكية، التي تعكسها الحياة المعاصرة في شتى بلدان العالم. وإذا كانت هذه الظاهرة قد عرفت أساسا لدى الشعوب المتدينة كالشعب المسلم أو اليهودي أو المسيحي أو البودي، فإنها قد بدأت تنتشر في المجتمعات الغربية العلمانية، كرد فعل ضد التيار المادي الذي اجتاح ثقافة هذه المجتمعات، حيث أصبح التصوف الإسلامي أو المسيحي أو البودي، يدرس في الجامعات الغربية، كما كثرت المؤسسات والجمعيات والزوايا والنوادي التي يؤمها المتصوفة الغربيون فارين من جحيم الحضارة المادية.
    ولعل الأبحاث والدراسات والندوات حول مادة التصوف في العالم الغربي اليوم، أكثر غزارة وعمقا من تلك التي تقام أو تصدر في البلدان الإسلامية.
    ومن ناحية أخرى، لاحظ بعض الباحثين والنقاد في ميدان السياسة الثقافية في العالم، ان الحكومات الغربية لا تخشى كثيرا من انتشار الإسلام الصوفي بين رعاياها، في حين تعبر عن استيائها وخوفها من (الإسلام السلفي)، أو ما تسميه بالإسلام الإرهابك .!!كما أن معظم الحكومات في العالم الإسلامي تعبر عن الإحساس نفسه، مما يفيد أن حلقات السياسة العالمية مرتبطة فيما بينها ارتباطا وثيقا، وهكذا فإن ظاهرة التصوف تحظى بالقبول والمباركة من قبل أصحاب القوة والقرار السياسي في العالم، لكون هذه الظاهرة تحاصر، بانتشارها، الإسلام السني أو السلفي.
    والخلاصة أن التصوف الذي غدا مكونا من مكونات الثقافة العالمية، يقوم بدورين هامين، أولهما:
    تلبية الرغبة النفسية والعقدية لدى الشخص المتصوف.
    وثانيهما: خدمة هدف من أهداف السياسة.
    ومما يؤسف له أن التصوف المنتشر الآن في المجتمعات الغربية، أو التصوف الطرقي في العالم الإسلامي، كلاهما بعيدين شكلا ومضمونا عن تصوف الرعيل الأول، أو مدرسة المؤسسين من أمثال؛ الفضيل بن عياض وأبي القاسم الجنيد والحارث المحاسبي وغيرهم.
    ويرجع اشتغالي بميدان التصوف إلى مطلع الثمانينيات من القرن العشرين الميلادي، حيث مارست تجربة صوفية عملية، وقرأت كثيرا من المصادر والمصنفات والدراسات الصوفية خلال عقد من الزمن، وأسند إلي تدريس مادة التصوف في كلية أصول الدين بتطوان، وكذا مادة الفلسفة الإسلامية، كما نشرت بعض الأبحاث والمقالات المتعلقة بالموضوع.
    وفي يوم من أيام رمضان المنصرم 1431هـ، أشار علي ولدي عبد الرحمن حفظه الله بالمساهمة في الحوار الصوفي من خلال المنتديات الصوفية المنتشرة عبر شبكة الإنترنيت، فاستحسنت رأيه ودخلت في حوار مع أشخاص متصوفة يعملون في “منتدى الصوفية”، ذلك الحوار الذي استغرق ما يقرب من شهر، والذي أثمر نص هذه المناظرة التي أقدمها لطلبتي وللقراء المهتمين بمجال التصوف.
    وتعتبر المناظرة من الفنون الأدبية والفكرية التي اشتهر بها كبار العلماء من الفقهاء، والأصوليين، والكلاميين، والمتفلسفة، والمناطقة. كما ناظر علماء مسلمون أصحاب الملل من اليهود والنصارى والمجوس، في موضوعات عقدية وفكرية متنوعة.
    ومن المناظرات المشهورة في التراث الإسلامي؛ مناظرات الإمام الشافعي للفقهاء في عصره، ومناظرات الإمام أبي حنيفة، ومناظرة أبي سعيد السيرافي لأبي بشر متى المسيحي في موضوع المنطق، ومناظرات الشيخ أحمد بن تيمية لخصومه من أصحاب الأهواء والبدع.
    والمناظرة هي المحاورة بين شخصين أو فريقين حول موضوع ما، لكل شخص أو فريق منهما وجهة نظر فيه تخالف وجهة نظر الشخص أو الفريق الآخر. وكلاهما يحاول من خلال المناظرة إثبات وجهة نظره وإبطال وجهة نظر خصمه. قال أبو الوليد الباجي الأندلسي عن الجدل أنه : “من أرفع العلوم قدرا وأعظمها شأنا، لأنه السبيل إلى معرفة الاستدلال وتمييز الحق من المحال… ولولا تصحيح الوضع في الجدل لما علم الصحيح من السقيم، ولا المعوج من المستقيم”[1].
    والمناظرة لها علاقة متينة بموضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ قال أبو الحسن الأشعري في هذا الصدد: “إن أول ما ما يجب في المناظرة؛ تقديم التقرب إلى الله عز وجل، ومجانبة الرياء والمباهاة والمحك واللجاج والتكسب، وأن يجري في ذلك مجرى المؤتمر لما أمره الله تعالى به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر…”[2].
    وقال الإمام أبو المعالي الجويني:
    “إذا رأى العالم مثله يزل ويخطئ في شيء من الأصول والفروع، وجب عليه، من حيث وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دعاؤه عن الباطل وطريقه إلى الحق والصواب. فإذا لج في خطابه وقوى على الحق شبهته، وجب على المصيب دفعه عن باطله والكشف له عن خطئه بما أمكنه من طريق البرهان وحسن الجدال، فحصل إذ ذاك بينهما المجادلة من حيث لم يجدا منه في تحقيق ما هو الحق وتمحيق ما هو الشبهة والباطل، وصار إذ ذاك بهذا المعنى، الجدل من آكد الواجبات، والنظر في أولى المهمات، وذلك يعم أحكام التوحيد والشريعة”[3].
    وقبل هذا وذاك، ” إن القرآن مملوء من الحجج والأدلة والبراهين في مسائل التوحيد وإثبات الصانع والمعاد… فلا يذكر المتكلمون وغيرهم دليلا صحيحا على ذلك إلا وهو في القرآن بأفصح عبارة وأتم معنى… وهذا أمر تميز به القرآن وصار العلماء به من الراسخين في العلم، وهو العلم الذي يطمئن إليه القلب، وتسكن إليه النفس، ويزكو به العقل، وتستنير به البصيرة، وتقوى به الحجة، ولا سبيل لأحد من العالمين إلى قطع من حاج به… ولكن أهل هذا العلم لا تكاد الأعصار تسمح منهم إلا بالواحد بعد الواحد… إن القرآن مملوء بالاحتجاج، وفيه جميع أنواع الأدلة والأقيسة الصحيحة، وأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بإقامة الحجة والمجادلة… وهذه مناظرات القرآن مع الكفار موجودة فيه، وهذه مناظرات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لخصومهم وإقامة الحجة عليهم لا ينكر ذلك إلا جاهل مفرط في الجهل”[4].
    وبعد، فلست من المناظرين، ولا مناظرتي هاته ترقي إلى مستوى المناظرات المشار إليها، وإنما هي محاولتي الأولى في هذا الميدان، خضت غمارها بطريقة عفوية وتلقائية، حيث إن المناظرة، قبل كونها فنا وعلما له ضوابطه وشروطه، تعكس طبيعة المخاطبة البشرية الفطرية والتفاعل الطبيعي بين بني الإنسان. فإن كان الصواب حليفي فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي، والله الموفق وهو نعم المولى ونعم النصير.

    [1] – أبو الوليد الباجي: “المنهاج في ترتيب الحجاج”، تحقيق عبد المجيد تركي، دار الغرب الإسلامي، 1987، ص 8.
    [2] – أبو الحسن الأشعري: “مجرد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري من إملاء الشيخ الإمام أبي بكر محمد أبي الحسن بن فورك”، تحقيق دانيال جيماريه، دار المشرق بيروت 1987، ص293.
    [3] – أبو المعالي الجويني؛ “الكافية في الجدل”، تحقيق فوقية حسين محمود، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة 1979، ص24.
    [4] – محمد بن قيم الجوزية: “مفتاح دار السعادة”، دار الكتب العلمية بيروت ج1 ص144.
    ا.

    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد : أقدم بين أيديكم، زوار وقراء “منتدى الصوفية”، مقالا من مقالاتي المتعلقة بمجال التصوف والذي يحمل عنوان:

    “بين شيخ التربية وشيخ العلم والتعليم”

    تمهيد: مفهوم القدوة عند الصوفية

    لعل من نافلة القول، أن شيخ الطريقة يعتبر العمود الفقري لكل طريقة صوفية، فالشيخ كلما كان متمتعا بصفات وأحوال نفسية وروحانية متميزة، اكتسبت طريقته مزيدا من الصيت والذيوع وكثر مريدوها. وإن من أصول أصحاب الطرق، ضرورة وجود شيخ مأذون له أو لمن ينوب عنه في إعطاء الورد للمريد. وينظر المريدون إلى شيخهم نظرة المريض إلى الطبيب؛ فكما أن لأمراض البدن طبيبا مختصا في علاجها، كذلك الأمر فيما يتعلق بأمراض النفس وعلل القلوب، إذ يتصدى لها الشيخ الصوفي ويعالجها بما أوتي من علوم ومعارف وأحوال، يستطيع بواسطتها استكشاف نفسية المريض، والوصول إلى مكامن الداء والمرض في قلبه، ثم يصف له العلاج ويداويه بما يناسبه من الدواء.
    ويجب على المريد كي يحقق ما يريد تحقيقه، أن يتأدب مع شيخه كل الأدب، ويطيعه فيما أمر ونهى، ويكن له الاحترام والتعظيم.

    قال محيي الدين بن عربي في أول الباب الواحد والثمانين بعد المائة من كتاب “الفتوحات المكية”:
    ما حرمة الشيخ إلا حرمة الله
    فقم بها أدبا لله باللـــه
    هم الأدلاء والقربى تؤيدهـم
    على الدلالة تأييدا على اللـه
    كالأنبياء تراهم في محاربهم
    لا يسألون من الله سوى الله
    فإن بدا منهم حال تولههم
    عن الشريعة فاتركهـم مع الله!!

    وقال أبو حامد الغزالي: “فكذلك المريد يحتاج إلى شيخ وأستاذ يقتدي به لا محالة ليهديه إلي سواء السبيل، فإن سبيل الدين غامض، وسبل الشيطان كثيرة ظاهرة، فمن لم يكن له شيخ يهديه قاده الشيطان إلى طرقه لامحالة، فمن سلك سبيل البوادي المهلكة بغير خفير فقد خاطر بنفسه وأهلكها، ويكون المستقل بنفسه كالشجرة التي تنبت بنفسها، فإنها تجف على القرب، وإن بقيت مدة وأورقت لم تثمر. فمعتصم المريد بعد تقديم الشروط المذكورة شيخه فليتمسك به تمسك الأعمى على شاطئ النهر بالقائد… ، وليعلم أن نفعه في خطئه لو أخطأ أكثر من نفعه في صواب نفسه لو أصاب، فإذا وجد مثل هذا المعتصم وجب على معتصمه أن يحميه ويعصمه بحصن حصين يدفع عنه قواطع الطريق وهو أربعة أمور: الخلوة، والصمت، والجوع، والسهر.”[1]
    ويقول محمد الرفاعي الصيادي في كتابه “قلادة الجواهر”: ” ومن آداب المريد اللازمة أولا: حفظ قلب شيخه، ومراعاته في الغيبة والحضور… والتواضع له ولذريته وأقاربه، وثبوت القدم على خدمته، وأوامره كليها وجزئيها، وربط القلب به، واستحضار شخصه في قلبه في جميع المهمات، واستمداد همته، والفناء فيه، وأن يكون ملازما له لا يفتر عنه طرفة عين، ولا ينكر عليه ما ظهر منه من صفة عيب، فلربما يظهر من الشيخ ما لا يعلمه المريد”[2].

    ثم إن المريد لا يتعلق قلبه بشيخ سوى شيخه، ويفرده بالتعظيم والتبجيل ويتخذه وحده قبلة وقدوة. قال عبد الوهاب الشعراني: “ومن شأنه أن لا يكون له إلا شيخ واحد، فلا يجعل له قط شيخين؛ لأن مبنى طريق القوم على التوحيد الخالص، وقد ذكر الشيخ محيي الدين في الباب الأحد والثمانين ومائة من “الفتوحات المكية” ما نصه: “اعلم أنه لا يجوز لمريد أن يتخذ إلا شيخا واحدا لأن ذلك أعون له في الطريق، وما رأينا مريدا قد أفلح على يد شيخين، فكما أنه لم يكن وجود العالم بين إلهين ولا المكلف بين رسولين ولا امرأة بين زوجين، فكذلك المريد لا يكون بين شيخين”[3].
    وقال عبد المجيد بن محمد الخاني النقشبندي في كتابه ” السعادة الأبدية”: “اعلم أيها الأخ المؤمن أن الرابطة عبارة عند ربط القلب بالشيخ الكامل،… وحفظ صورته بالخيال ولو عند غيبته أو بعد وفاته، ولها صور؛ أهونها أن يتصور المريد صورة شيخه الكامل بين عينيه، ثم يتوجه إلى روحانيته في تلك الصورة، ولا يزال متوجها إليها بكليته حتى يحصل له الغيبة أو أثر الجذب… وهكذا يداوم على الرابطة حتى يفنى عن ذاته وصفاته في صورة الشيخ… فتربيه روحانية الشيخ بعد ذلك إلى أن توصله إلى الله تعالى، ولو كان أحدهما في المشرق والآخر في المغرب، فبالرابطة يستفيض الأحياء من الأموات المتصرفين”[4].
    لا شك أن القارئ الكريم قد فهم من خلال هذه النصوص جانبا مهما من جوانب العلاقة التي تربط المريد بشيخه الطرقي، والتي تبدأ بأصناف التأدب والاحترام وتنتهي بالغيبة والفناء في صورة شيخه التي لا تفارق خياله طرفة عين، ومن هنا لا يعجب المرء إذا سمع بمريد يستغيث بشيخه ويستنجده وهو غائب عنه أو قد ارتحل إلى الآخرة.
    نقد مفهوم القدوة عند الصوفية:

    قال العلامة أحمد بن تيمية:
    ” وخير الشيوخ الصالحين، وأولياء الله المتقين: أتبعهم له وأقربهم وأعرفهم بدينه وأطوعهم لأمره: كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي. وسائر التابعين بإحسان، وأما الحسب فلله وحده ولهذا قالوا (حسبنا الله ونعم الوكيل) ولم يقولوا ورسوله… فليس لأحد أن يدعو شيخا ميتا أو غائبا: لا من الأنبياء ولا غيرهم، فلا يقول لأحدهم: ياسيدي فلان أنا في حسبك أو في جوارك، ولا يقول بك أستغيث وبك أستجير”[5].
    ثم إن أسلوب التلقي الذي ينتهجه المريد مع شيخه الطرقي، لا يخلو من عيوب معرفية وتربوية وأخطاء تعبدية وشرعية، ذلك أن هذه العلاقة تجعل المريد محصورا في دائرة مغلقة بحيث يكون الشيخ بمثابة النواة المركزية، والمريدون عبارة عن إلكترونات تحوم حولها، ومن ثم فإن المعارف والأفكار التي يكتسبها المريد يستمدها من روح شيخه وشخصيته؛ إما يقظة وإما مناما، فيتشكل عنده نمط فكري واحد ينتظم من خلاله وبواسطته تصوره الوجودي والكوني، وكذا حياته الاجتماعية والدينية. وهكذا تغدو عين الشيخ المصدر الوحيد للإلهامات والإشراقات المعرفية، وبما أن المريد ينظر إلى شيخه الطرقي بعين الرضا والمحبة والتقديس، فإن عقله عاجز عن إدراك ما يمكن أن يصدرعنه من أخطاء وهفوات، وكيف يصدر ذلك عن الشيخ الكامل والقطب الرباني صاحب الأحوال والمقامات ؟!!. فالدين هو ما يفهمه شيخه والعبادة هي التي يمارسها ويدعو إليها.

    ومما له علاقة بأسلوب التلقي المشار إليه ما يتلقاه المريد عن شيخه من الأوراد التي بواسطتها يتقوى قلبه وتصبو نفسه نحو الترقي في الأحوال والمقامات، بيد أن هذا الترقي كثيرا ما يؤدي بصاحبه إلى الوقوع في الجذب أوالفناء، مما قد يدفع به إلى العزلة التامة عن المجتمع، وهذا ما لا يحصل للمسلم الذي يذكر الله كما أمر، وكما بين نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه، في سنته المطهرة. قال الفقيه أحمد بن تيمية: “وكذلك العباد: إذا تعبدوا بما شرع الله من الأقوال والأعمال ظاهرا وباطنا، وذاقوا طعم الكلم الطيب والعمل الصالح الذي بعث الله به رسوله لوجدوا في ذلك من الأحوال الزكية والمقامات العلية والنتائج العظيمة، ما يغنيهم عما قد حدث من نوعه كالتغبير ونحوه من السماعات المبتدعة الصارفة عن سماع القرآن، وأنواع من الأذكار والأوراد لفقها بعض الناس”[6]

    وقال الإمام الأصولي أبو إسحاق الشاطبي:
    ” إن اتباع الهوى طريق إلى المذموم، وإن جاء في ضمن المحمود؛ لأنه إذا تبين أنه مضاد بوضعه لوضع الشريعة، فحيثما زاحم مقتضاها في العمل كان مخوفا. أما أولا فإنه سبب تعطيل الأوامر وارتكاب النواهي، لأنه مضاد لها. وأما ثانيا فإنه إذا اتبع واعتيد ربما أحدث للنفس ضراوة وأنسا به، حيى يسري معها في أعمالها، ولا سيما وهو مخلوق معها ملصق بها في الأمشاج. فقد يكون مسبوقا بالامتثال الشرعي فيصير سابقا له، وإذا صار سابقا له صار العمل الامتثالي تبعا له وفي حكمه، فبسرعة ما يصير صاحبه إلى المخالفة، ودليل التجربة حاكم هنا.
    وأما ثالثا، فإن العامل بمقتضى الامتثال من نتائج عمله الالتذاذ بما هو فيه، والنعيم بما يجتنيه من ثمرات الفهوم، وانفتاح مغاليق العلوم. وربما أكرم ببعض الكرامات، أو وُضِع له القبول في الأرض فانحاش الناس إليه، وحلقوا عليه، وانتفعوا به، وأموه لأغراضهم المتعلقة بدنياهم وأخراهم…”[7]
    لاحظ معي أيها القارئ اللبيب كيف نبه المحقق الأصولي أبو إسحاق على هذه المسألة الدقيقة، وبين فيها أن اتباع الهوى يجر المسلم إلى المذموم وإن جاء في ضمن المحمود. فالشيخ الطرقي الذي وضع أورادا وصيغا للذكر على طريقة غير طريقة الشرع الحكيم وعلى منهج لا عهد لأصحابه والتابعين به، يكون قد ابتدع في أمر تعبدي وقفي لا مجال فيه للاجتهاد أو إبداء الرأي، وإن بدا له أن هذه الأوراد والأذكار تدور في فلك ما هو محمود ومحبب إلى الله سبحانه. وهذا باب من الأبواب التي سلكها كثير من السالكين والعباد فزلت فيها أقدامهم

    بين شيخ التربية وشيخ العلم والتعليم

    بعد هذا الكلام الموجز حول مفهوم القدوة عند الشيخ الطرقي، وعن أسلوب التلقي المعتمد بين المريد وشيخه، وعن طبيعة الأوراد والأذكار التي يضعها شيوخ الطرق الصوفية، وماذا قال في شأنها بعض العلماء والفقهاء. . أنتقل إلى مناقشة مفهوم الشيخ الطرقي باعتباره شيخ تربية. وهل يتوجب على المسلم المتعلم أن يتخذ شيخا من شيوخ التربية يسلك به طريقة معينة في العبادة وتزكية النفس، أم يقتصر على شيوخ العلم والتعليم ويتفقه على أيديهم ؟.
    ليس مثلي من يجيب عن هذا السؤال أو يحسم فيه، ولكني “أعطي القوس باريها” كما قال الشاعر:
    يا باري القوس بريا ليس تحسنه
    لا تفسِدَنْها وأعط القوس باريها
    أقول وبالله التوفيق: ذكر عبد الفتاح أبو غدة في هامش من هوامش تحقيقه لكتاب “رسالة المسترشدين” لأبي عبد الله الحارث المحاسبي، ما نصه:

    وقد كتب الإمام الفقيه الأصولي المحدث النظار أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي الغرناطي، صاحب كتاب “الموافقات” و”الاعتصام” وغيرهما من الكتب النفيسة الباهرة، المتوفى سنة 790، من غرناطة قاعدة الأندلس، إلى شيخ الصوفية في عصره أبي عبد الله محمد بن عباد النفزي، خطيب جامع القرويين في مدينة فاس، المتوفى سنة 792 رحمهما الله تعالى.
    كتب إليه يسأله عن مسألة وقعت في غرناطة، واختلفت فيها أنظار العلماء، وكثر فيها القيل والقال، وهي: هل على السالك إلى الله تعالى أن يتخذ – لزاما- شيخ طريقة وتربية يسلك على يديه؟ أم يسوغ له أن يكون سلوكه إلى الله تعالى من طريق التعلم والتلقي من أهل العلم دون أن يكون له شيخ طريقة؟.

    فكتب إليه الشيخ ابن عباد رحمه الله تعالى كتابة العالم المنصف المخلص، فقال له ما خلاصته: كما في كتابه “الرسائل الصغرى ص 106 وما بعدها وص 125 وما بعدها: “الشيخ المرجوع إليه السلوك ينقسم إلى قسمين: شيخ تعليم وتربية، وشيخ تعليم بلا تربية.
    فشيخ التربية ليس ضروريا لكل سالك، وإنما يحتاج إليه من فيه بلادة ذهن واستعصاء نفس. وأما من كان وافر العقل منقاد النفس، فليس بلازم في حقه، وتقيده به من باب الأولى. وأما شيخ التعليم فهو لازم لكل سالك.
    أما كون شيخ التربية لازما لمن ذكرناه من السالكين فظاهر، لأن حجب أنفسهم كثيفة جدا، ولا يستقل برفعها وإماطتها إلا الشيخ المربي، وهم بمنزلة من به علل مزمنة، وأدواء معضلة من مرض الأبدان، فإنهم لا محالة يحتاجون إلى طبيب ماهر يعالج عللهم بالأدوية القاهرة.
    وأما عدم لزوم الشيخ المربي لمن كان وافر العقل منقاد النفس، فلأن وفور عقله وانقياد نفسه يغنيانه عنه، فيستقيم له من العمل بما يلقيه إليه شيخ التعليم ما لا يستقيم لغيره. وهو واصل بإذن الله تعالى، ولا يخاف عليه ضرر يقع له في طريق السلوك إذا قصده من وجهه، وأتاه من بابه.
    واعتماد شيخ التربية هو طريق الأئمة المتأخرين من الصوفية، واعتماد شيخ التعليم هو طريق الأوائل منهم. ويظهر هذا من كتب كثير من مصنفيهم، كالحارث المحاسبي، وأبي طالب المكي، وغيرهما، من قبل أنهم لم ينصوا على شيخ التربية في كتبهم على الوجه الذي ذكره أئمة المتأخرين، مع أنهم ذكروا أصول علوم القوم وفروعها، وسوابقها ولواحقها، لا سيما الشيخ أبو طالب، فعدم ذكرهم له دليل على عدم شرطيته ولزومه في طريق السلوك.
    وهذه هي الطريقة السابلة – أي المسلوكة- التي انتهجتها أكثر السالكين، أشبه بحال السلف الأقدمين، إذ لم ينقل عنهم أنهم اتخذوا شيوخ التربية، وتقيدوا بهم والتزموا معهم ما يلتزمه التلامذة مع الشيوخ المربين، وإنما كان حالهم اقتباس العلوم، واستصلاح الأحوال بطريق الصحبة والمؤاخاة بعضهم لبعض. ويحصل لهم بسبب التلاقي والتزاور مزيد عظيم يجدون أثره في بواطنهم وظواهرهم، ولذلك جالوا في البلاد، وقصدوا إلى لقاء الأولياء والعلماء والعباد”[8].

    يستفاد من جواب محمد بن عباد النفزي شيخ الصوفية في عصره، أن شيخ التعليم هو المعول عليه في تحصيل العلوم والمعارف وهو قبلة كل سالك يسلك سبيل العلم والاستقامة ويريد التزود للدار الآخرة. والأحاديث النبوية في طلب العلم وكتبه وتحصيله وارتياد مجاله كثيرة جدا كما أن علماء الأمة وفقهاءها كتبوا في هذا الموضوع رسائل ومصنفات عديدة، والنبي صلى الله عليه وسلم أشار في أحاديثه إلى قدر العالم وأهميته وعلو مرتبته، وكونه أفضل من العابد، لأنه يفقه الناس ويعلمهم أمور دينهم ودنياهم. وإذا استقرأنا هذه الأحاديث المتعلقة بالعلم والعلماء لا نجد فيها ذكرا لشيخ التربية أو الطريقة، لأن العلماء الأتقياء الربانيين المشار إليهم في الأحاديث النبوية هم أولى الناس بتربية السالكين المتعلمين، فهم يقذفون في قلوب المتعلمين علوم الكتاب والسنة وغيرها من العلوم، مصحوبة بالخشية والتواضع واستحضار عظمة الله سبحانه، إلى غير ذلك من المعاني الروحية والإيمانية التي تنور قلوب أولئك المتعلمين، فيتعلمون العلوم والمعارف كما يتعلمون مبادئ التربية، والاستقامة، والأخلاق الحسنة، ومحبة الله ورسوله. لهذا جاء في نص الجواب:” وهذه هي الطريقة السابلة أي المسلوكة التي انتهجها أكثر السالكين، وهي أشبه بحال السلف الأقدمين، إذ لم ينقل عنهم أنهم اتخذوا شيوخ التربية وتقيدوا بهم، وإنما كان حالهم اقتباس العلوم استصلاح الأحوال بطريقة الصحبة والمؤاخاة بعضهم لبعض ” وفي قوله رحمه الله “اعتماد شيخ التربية هو طريقة الأئمة المتأخرين من الصوفية، واعتماد شيخ التعليم هو طريق الأوائل منهم يذكرنا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ” خير الناس قرني ثم الذين يلونهم “[9]. فالأولى اعتماد شيخ التعليم لأنه الأصل، أما شيخ التربية فلم يكن له ذكر في القرون الأولى وإنما ظهر في القرون المتأخرة بسبب استشراء داء البلادة وتكاثر أصحاب الحجب والعلل النفسية، وأمراض القلوب والغفلة. ولا يفوتني أن أنوه بالنزاهة العلمية، والموضوعية التامة لهذا العالم الجليل محمد بن عباد النفزي رحمه الله، حيث لم تمنعه مشيخته الصوفية من ترجيح كفة شيخ التعليم، والانتصار للعلم والفقه، ومنح الأولوية والأسبقية لهما، في حين جعل دائرة شيخ التربية أو شيخ الطريقة ضعيفة جدا، لا تضم إلا “من فيه بلادة ذهن واستقصاء نفس”.
    فتأمل معي أيها القارئ الفطن، واستعمل ذهنك الثاقب، وانظر كيف كان علماء القرون الماضية من أصحاب الذوق الصوفي النقي يفهمون التصوف، ويقيدونه بالشريعة، ويضبطون قواعده بضوابط الكتاب والسنة، حتى تذوب ماهية التصوف في ماهية الإسلام، وتتلاشى علامات التمييز، ويبقى الحق هو ما جاء به القرآن وكلام الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه. لكن خلف من بعدهم خلف انحرفوا عن هذا النهج القويم، وجعلوا شيخ التربية أو شيخ الطريقة أولى من شيخ التعليم، بل اعتبروا تحصيل العلوم سببا في حرمان النفس من التزكية والاستقامة والترقي في مدارج الإيمان !! أو مانعا يحول دون الوصول إلى عالم الأذواق والحقائق الروحية والمعارف الكشفية والإلهامية !!، ناهيك عن الاعتقادات الفاسدة الضالة، المتعلقة بذوات هؤلاء الشيوخ، وكراماتهم وتصرفاتهم في النفوس والعوالم !!
    ويقول شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله في معرض الحديث عن شيخ التربية أو الطريقة: “ومن أمكنه الهدى من غير انتساب إلى شيخ معين فلا حاجة به إلى ذلك. ولا يستحب له ذلك، بل يكره له. وأما إن كان لا يمكنه أن يعبد الله بما أمره إلا بذلك، مثل أن يكون في مكان يضعف فيه الهدى والعلم والإيمان والدين، يعلمونه ويؤدبونه، لا يبذلون له ذلك إلا بانتساب إلى شيخهم، أو يكون انتسابه إلى شيخ يزيد في دينه وعلمه، فإنه يفعل الأصلح لدينه. وهذا لا يكون في الغالب إلا لتفريطه، وإلا فلو طلب الهدى على وجهه لوجده”[10].
    بعد أن أشار شيخ الإسلام أحمد بن تيمية إلى أن السالك ملتمس الهدى لا يلزمه “الانتساب إلى شيخ” ويقصد بالشيخ شيخ التربية أو الطريقة، بل “لا حاجة به إلى ذلك”… نبه في آخر كلامه على مسألة التفريط، إذ قال: ” وهذا لا يكون في الغالب إلا لتفريطه”، وإلا فهو طلب الهدى على وجهه لوجده”.

    وهذا ما يلاحظ في عصرنا، إذ تجد معظم المريدين الذين يلتفون حول شيخ من شيوخ الطريقة، قد فرطوا في تحصيل العلوم والتفقه في الدين، واستثقلوا ذلك لما فيه من العناء والمشقة، واستوعروا طريق العلم، وقالوا نحن ضعفاء ولن يصلح أحوالنا إلا شيخ طريقة صوفية، ونسوا أن أول ما أمر به الله تعالى القراءة وطلب العلم، حيث يقول جل وعلا في سورة العلق: “اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم”.
    أي أنه أوجب علينا القراءة، وتحصيل العلم، وتدبر القرآن، وفي ذلك حث على إعمال العقل، وتحريك آليات الذهن وتفعيلها، وتفجير الطاقات الروحية الكامنة في القلب بواسطة التفكير والتأمل والاستدلال، مع الاسترشاد بالوحي كتابا وسنة، والجلوس مع أولي العلم من العلماء والفقهاء الربانيين.
    أما الارتماء في أحضان شيخ طرقي، والاعتماد عليه وحده في عبادة الله وإصلاح النفس وتزكيتها وإبطال العمل بمقتضيات “اقرأ باسم ربك”، وما يتبع ذلك من تدبر وتأمل وتحصيل وإرادة، واستغلال لآليات ومناهج المعرفة، وربط ذلك كله بفقه الواقع ووظيفة الاستخلاف، فإنه تفريط ما بعده تفريط، وتقصير في القيام بواجب تحصيل العلم والمعرفة، ويكون السالك بذلك قد طلب الهدى على غير وجهه، إذ كما قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية “لو طلب الهدى على وجهه لوجده”.
    موقف الإمام الشوكاني:
    وأخيرا أختم هذا الموضوع بما ختم به الإمام محمد بن علي الشوكاني في كتابه “أدب الطلب ومنتهى الأرب”، وهو كتاب أنصح طلاب العلم بقراءته لما يحويه من موضوعات نفيسة متعلقة بمنهجية تحصيل العلوم الإسلامية، ودور العلماء في النصح والتوجيه ومحاربة الجهل والتقليد والتعصب… .
    يقول الإمام الشوكاني رحمه الله وهو يتحدث عن “ابتلاء الإسلام بالمذاهب وتقديس الأموات”: “… ويلتحق بالأمرين المذكورين أمر ثالث: وإن لم تكن مفسدته كمفسدتهما، ولا شموله كشمولهما، وهو ما صارت عليه هذه الطائفة المدعوة بالمتصوفة، فقد كان أول هذا الأمر، يطلق هذا الاسم على من بلغ في الزهد والعبادة إلى أعلى مبلغ، ومشى على هدي الشريعة المطهرة، وأعرض عن الدنيا وصد عن زينتها، ولم يغتر ببهجتها، ثم حدث أقوام جعلوا هذا الأمر طريقا إلى الدنيا، ومدرجا إلى التلاعب بأحكام الشرع، ومسلكا إلى أبواب اللهو والخلاعة، ثم جعلوا لهم شيخا يعلمهم كيفية السلوك، فمنهم من يكون مقصده صالحا وطريقته حسنة، فيلقن أتباعه كلمات تباعدهم من الدنيا وتقربهم من الآخرة، وينقلهم من رتبة إلى رتبة، على أعراف يتعارفوها، ولكنه لا يخلو غالب ذلك من مخالفة للشرع وخروج عن كثير من آدابه. والخير كل الخير في الكتاب والسنة، فما خرج عن ذلك فلا خير فيه، وإن جاءنا أزهد الناس في الدنيا وأرغبهم في الآخرة، وأتقاهم لله تعالى وأخشاهم له في الظاهر فإنه لا زهد لمن لم يمش على الهدي النبوي، ولا تقوى ولا خشية لمن لم يسلك الصراط المستقيم. فإن الأمور لا تكون طاعات بالتعب فيها والنصب وإيقاعها على أبلغ الوجوه. بل إنما تكون طاعات خالصة محضة مباركة نافعة لموافقة الشرع، والمشي على الطريقة المحمدية.

    ولا أنكر أن في هذه الطائفة من قد بلغ في تهذيب نفسه وغسلها من الطواغيت الباطنة والأصنام المستورة عن الناس، كالحسد والكبر والعجب والرياء ومحبة الثناء والشرف والمال والجاه مبلغا عظيما، وارتقى مرتقا جسيما، ولكني أكره له أن يتداوى بغير الكتاب والسنة، وأن يتطبب بغير الطب الذي اختاره الله لعباده، فإن في القوارع القرآنية/ والزاجر المصطفوية، ما يغسل كل قذر، ويدحض كل درن، ويدمغ كل شبهة، ويدفع كل عارض من عوارض السوء. فأنا أحب لكل عليل في الدين أن يتداوى بهذا الدواء، فيعكف على تلاوة كتاب الله متدبرا له متفهما لمعانيه، باحثا عن مشكلاته، سائلا عن معضلاته ويديم النظر في كتب السنة المعتبرة عند أهل الإسلام كالأمهات الست وما يلحق بها. ويستكثر من مطالعة السيرة النبوية، ويتدبر ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليله ونهاره، ويتفكر في أخلاقه وشمائله، وهديه وسمته، وما كان عليه أصحابه وكيف كان هديهم في عباداتهم ومعاملاتهم. فإنه إذا تداوى بهذا الدواء ولاحظته العناية الربانية، وجذبته الهداية الإلهية، فاز بكل خير مع ما له من الأجر الكثير، والثواب الكبير، في مباشرة هذه الأسباب وإذا حال بينه وبين الانتفاع بهذه الأمور حائل، ومنعه من الظفر بما يترتب عليها مانع، فقد نال بتلك الأسباب التي باشرها أجرا عظيما، لأنه طلب الخير من معدنه، ورام نيل الرشد من موطنه، فكان له في تلك الأشغال من الأجر ما لطلبة علم الشرع. لأنه قد جهد نفسه في الأسباب، ولم يفتح له الباب. وبعد هذا كله فلست أجهل أن في رجال هذه الطائفة المسماة بالصوفية من جمع الله له بين الملازمة لهذه الشريعة المطهرة والمشي على الطريقة المحمدية والصراط الإسلامي، مع كونه قد صار من تصفية باطنه من كدورات الكبر والعجب والحسد والرياء ونحوها بمحل يتقاصر عنه غيره، ويعجز عنه سواه، ولكني في هذا المصنف بسبب الإرشاد إلى العمل بالكتاب والسنة، والتنفير عما عداهما كائنا ما كان. فلست أحب لمن أراد القرب إلى الله والفوز بما لديه والظفر بما عنده، أن يتسبب إلى ذلك بسبب خارج عنهما من رياضة أو مجاهدة أو خلوة أو مراقبة، أو يأخذ عن شيخ من شيوخ الطريقة الصوفية شيئا من الاصطلاحات الموصلة إلى الله عندهم، بل يطلب علم الكتاب والسنة، ويأخذهما عن العلماء المتقنين لهما المؤثرين لهما على غيرهما المتجنبين لعلم الرأي وما يوصل إليه، النافرين عن التقليد وما يحمل عليه، فإنه إذا فعل ذلك سلك مسلك النبوة، وظفر بهدي الصحابة، وسلم من البدع كائنة ما كانت، فعند ذلك يحمد مسراه، ويشكر مسعاه، ويفوز بخير أولاه وأخراه.”

    لقد أحسن الإمام محمد بن علي الشوكاني الكلام عندما تعرض لمسألة الموازنة بين سلوك المتصوفة وسلوك غيرهم ممن يتقيد بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة الصحابة والتابعين، وأثنى على أهل الطائفة الأولى قائلا: ” ولا أنكر أن في هذه الطائفة من قد بلغ في تهذيب نفسه وغسلها من الطواغيت الباطنية… مبلغا عظيما”، أو قوله ” فلست أجهل أن في هذه الطائفة المسماة بالصوفية من قد جمع الله له بين الملازمة لهذه الشريعة المظهرة… . .” لكنه عقب قائلا: “فلست أحب لمن أراد القرب إلى الله والفوز بما لديه والظفر بما عنده أن… . . من رياضة أو خلوة… . . أو يأخذ عن شيخ من شيوخ الطرق الصوفية شيئا من الاصطلاحات الموصلة إلى الله عندهم… بل بطلب علم الكتاب والسنة…”
    كأني بهذا العالم القدوة يعض بنواجذه على سنة نبيه، وهو يرغب الناس في طلب الهدي من الكتاب والسنة والإعراض عما سواهما من الطرق التي قد تفضي بسالكيها إلى ما لا يحمد عقباه، لقد كان هذا العالم رحمه الله للعلم مجمعا، وللدين مفزعا، وعلما في علمه وزمانه.
    وبعد، أرجو من الله سبحانه وتعالى أن يكون القارئ اللبيب ذي الرأي الثاقب قد انقدح في قلبه، واستقر في عقله، أن القدوة المثلى لا تلتمس في شيوخ الطرق الصوفية، وإنما تطلب من معدنها الجوهري وعينها الفياضة: محمد صلوات الله وسلامه عليه، وصحابته ومن على أثرهم من العلماء الربانيين إلى يوم الدين.
    لكن قد يقول قائل إن العالم الرباني غدا كالكبريت الأحمر، أو دونه بيض الأنوق، فأنى لي بمن سيأخذ بيدي ويقيني المهالك؟ أقول له: لا يكون هذا الأمر مسوغا لك أن تتخذ شيخا طرقيا، يرشدك ويقيك المهالك، لأننا معشر المسلمين أمة “اقرأ”، إن فقدنا العلماء فلن نفقد القرآن لأنه محفوظ، ولن نفقد السنة لأنها محفوظة أيضا حسا ومعنى. ويستحيل أن يخلو زمان من وجود عالم رباني؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق”؛ قال محمد بن إسماعيل البخاري: “وهم أهل العلم”[11] ثم إننا لا نقدس الشيوخ الطرقيين ولا شيوخ العلم، بل لو افترضنا خلو قرية أو مدينة من عالم رباني يسترشد به الناس، فإنه لن يكون ذلك مانعا من معرفة الحق والوصول إلى الله سبحانه وتعالى، لأن كتاب الله موجود والسنة مسطرة بين أيدينا. وهذا ما أشار إليه عالمنا النحرير الشوكاني بقوله: ” فأنا أحب لكل عليل في الدين أن يتداوى بهذا الدواء فيعكف على تلاوة كتاب الله متدبرا متفهما… إلى… فاز بكل خير”.

    ثم إن وجود الشيخ الطرقي أو العالم الرباني ليس شرطا في نجاتنا، أي أن الفوز بالجنة ليس متوقفا بالضرورة عليهما، وما أكثر المسلمين الذين شهد لهم الناس بالصلاح والاستقامة، مع أنهم لم يلازموا شيوخ الطرق ولا شيوخ العلم.
    إن المنهج الصحيح لضبط السلوك وتفجير الطاقات العقلية والروحية، وتسيير السبل لتحقيق الاستخلاف، هو منهج الكتاب والسنة. لكن قوما – غفر الله لهم – آثروا شخصية الشيخ الطرقي على شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم.
    ولا يقولن قائل إنهم يحبون الرسول صلى الله عليه وسلم، أكثر مما يحبون شيوخهم. . هذا مستحيل فلا يمكن لشخصين أن يتغلغلا في قلب واحد. قال تعالى” ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه”[12].
    فمن أحب النبي صلى الله عليه وسلم حبا ملك شغاف قلبه، لا يستطيع حب غيره بنفس القوة. وكذلك من أحب شيخه وربط قلبه به، وحفظ صورته في خياله، وكان ملازما له- حيا أو ميتا- لا يفتر عنه طرفة عين، يصعب عليه أن يتوجه إلى روح نبيه صلى الله عليه وسلم بنفس الروح ويحبه بالقوة نفسها.

    وأخيرا شتان بين من يستلهم روح النبي صلى الله عليه وسلم وشخصيته ويكثر من ذكره والصلاة عليه، ويقتفي أثره ويهتدي بهديه هدي الفطرة، وبين من يستلهم روح شيخه الطرقي وشخصيته، ويثني عليه ويمدحه ويصحبه في خياله نوما ويقظة. وشتان بين شخصية رسالية تبني رجال الدنيا والآخرة، وتؤسس أمة الاستخلاف، وشخصية طرقية مجالها الطريقة والزاوية والأوراد والطقوس، وغايتها استغفال واستعباد المريدين والأتباع.
    د. عبد الله الشارف
    مجلة النور تطوان/المغرب عدد 1428-2007
    [1] -أبو حامد الغزالي؛ “إحياء علوم الدين”، ج 3، ص112-113، دار الحديث القاهرة، 1419-1998.
    [2] – محمد أبو الهدى الصيادي؛ “قلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي وأتباعه الأكابر”، ص 278، ط. الأولى، 1400-1980، بيروت.
    [3] – عبد الوهاب الشعراني؛ “الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية”، ج1، ص40، المكتبة العلمية، بيروت، 1412-1992.
    [4] – عبد المجيد الخاني الخالدي النقشبندي؛ “السعادة الأبدية فيما جاء به النقشبندية”، ص. 22-23، إسطانبول 1401-1981.
    [5] – أحمد بن تيمية؛ “فتاوى ابن تيمية”، ج 11، ص 498-499، د. ت، د. ط. .
    [6] – أحمد بن تيمية؛ “اقتضاء الصراط المستقيم”، ص 282، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرباط، 1419.
    [7]- أبو إسحاق الشاطبي؛ “الموافقات في أصول الشريعة”، المجلد 1، الجزء 2، ص 133-134، دار الكتب العلمية، بيروت، د. ت. .
    [8] – عبد الفتاح أبو غدة؛ تحقيق “رسالة المسترشدين”، ص 39-40، دار السلام، ط. 5، 1409-1988.
    [9] – حديث صحيح رواه البخاري.
    [10] – أحمد بن تيمية؛ المرجع السابق، ص 514.
    [11] – انظر “فتح الباري، شرح صحيح البخاري”؛ باب قول النبي صلى الله عليه وسلم “لا تزال طائفة من أمتي…” من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، ج 15 ص 9087، المكتبة العصرية، صيدا-بيروت، ط. 1 1420-2000
    [12] – سورة الأحزاب، آية 4.
    ا.


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: مناظرة صوفية

    مُساهمة  Admin في الإثنين أبريل 30, 2012 4:18 am

    مناظرة صوفية
    (الجزء الثاني)
    ابن عباس القادري
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله والصلاة و السلام على سيدنا رسول الله و آله و صحبه وسلم ..
    حياكم الله أخانا عبد الله الشارف في منتدى الصوفية منتدى أهل السنة و الجماعة
    نتمنى لكم طيب الاقامة و الافادة و الاستفادة ..
    مقالكم أعلاه رائع ، بيد أن الوقت لم يسمح بقراءته كله .. على أمل استكماله لاحقاً إن شاء الله
    نسأل الله لنا و لكم كمال التوفيق .. ومرحباً بكم مرة أخرى في منتداكم منتدى الصوفية.
    إلى السيد المشرف المحترم ابن عباس القادرى السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد أشكركم على حسن استقبالكم لي في هذا المنتدى وأسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا في خدمة العلم والمعرفة

    علي الصوفي
    بسم الله الرحمان الرحيم
    أرجو أن يتّسع صدر كاتب الموضوع لما سأقوله :
    إذا لم تستطع شيئا— فجاوزه إلى ما تستطيع
    كلام سطحي وعقلاني ساذج وفيه من الخلط وسوء الفهم الكثير لا يليق بمستوى من كان دكتورا.
    عبد الله الشارف
    إلى السيد الباحث على الصوفي :
    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد،
    ترددت قليلا في الرد على كلامك لأنه من قبيل ردود الفعل، ولكونه لا يرقى إلى مستوى الرد ولا يشتمل على أدنى عنصر من عناصره وتأس واقتد على الأقل بأسلوب السيد المشرف ابن عباس القادري الذي قال عن مقالى ”:مقالكم أعلاه رائع بيد أن الوقت لم يسمح بقراءته كله” ولعله بعد القراءة المتأنية يتحفني والقراء برد علمي هادف وهادئ.
    أخى على الصوفي الباحث:
    إذا كنت تدعى أن كلامي” سطحي وعقلاني ساذج وفيه من الخلط وسوء الفهم …” فإن هذه الأوصاف تنطبق على كلام من أشرت إليهم واستشهدت بأقوالهم من العلماء والفقهاء وهم : شيخ الإسلام ابن تيمية وأبو إسحاق الشاطبي الأصولي الأندلسي الجهبيذ والعلامة الفقيه ابن عباد النفزي الفاسي محتسب الصوفية في زمانه، والإمام الشوكاني الفقيه الأصولي المشارك الضليع، هؤلاء الرجال العظام قد أفنوا أعمارهم في تحصيل العلم ونشره والرد على من خالفهم في الرأي بأسلوب علمي متين ومؤسس ، أما أنا وأنت فلا ترقى مساهماتنا العلمية إلى مستوى أدنى تلميذ من تلامذة أولئك العلماء الفطاحل بله أن تحوم حول كلام شيوخهم وتزعم نقده فهيهات هيهات !!
    أنصحك أخى الباحث بالتأني وتجنب العجلة والانفعال، وعليك بتعلم أساليب وطرق الجدل والمناظرة والسلام.
    ابن عباس القادري
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله و الصلاة و السلام على سيدنا رسول الله و آله و صحبه و سلم
    توضيح هام :
    بما أني الفقير، أشرت في مشاركتي أعلاه أني لم أقرأ الموضوع كاملاً ، وبعد تعليق الشيخ علي الصوفي حفظه الله’ والذي هو محل ثقة خاصة فيما يتعلق بمسائل التصوف ،و بعد أن أعدت النظر مرة أخرى في محتوى المقال، بعد أن كنت فقط قرأت التمهيد توصلت إلى أن كلام الأخ علي الصوفي صحيح وما رد به عليك ليس إلا ما كنت سأرد به لو قرأت المقال أو أمعنت فيه النظر .. فالمقال يحتوي على كثير من المغالطات واللمز الذي لا يتسع وقت الفقير حالياً للرد عليها .. غير أني آمل أن يجد الاخوة متسعاً من الوقت للقيام بهذه المهم. كما آمل أن تستفيد مما يكتبه الأخوة وتعطي نفسك فرصة لسماع النقد لعلك تكون مخطئاً.
    كما أرجو من بقية الاخوة أن يكون ردهم داً هادئاً وعلمياً .. والله الهادي إلى سواء السبيل.
    علي الصوفي
    بسم الله الرحمان الرحيم
    والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله وصحبه
    العبد الفقير، وإن كان ردّي على الأخ الدكتور عبد الله الشارف فيه نوع من الحدّة فهي لا تعدو كونها غيرة على الطريق أن يكتب فيه من ليس من أهله، ثمّ يدّعي بعد ذلك أنّه حذقه وله فيه تجربة طويلة. والحقيقة أنّي وجدت الأمر على خلاف ذلك، فليس فقط بخصوص مقال الدكتور، وإنّما أيضا من خلال ما رأيته مسطورا من كلامه في موقعه الإلكتروني.
    سأٌقوم إن شاء الله تعالى، بالردّ على ما كتبه الأخ الدكتور عبد الله الشارف، حتّى أبيّن له خطأه وتهافت ما كتبه، رغم أنّ الخلاصة من كلامه معروفة، وهو عين ما ذهب إليه ابن تيمية رحمه الله تعالى في جداله العقيم ضدّ العارفين من الصوفية من غير معرفة بمصطلحاتهم ولا ذوق، وهذا أمر أجمع عليه العارفون من أنّ ابن تيمية الحراني رحمه الله خاض في علوم القوم من غير سلوك ولا ذوق، بل ولا فهم. ومن نظر في كتب الإمام الشعراني رضي الله عنه، وكذلك كبار المحدّثين كالحافظ بن حجر الهيثمي رحمه الله، وكذلك الإمام شيخ الإسلام تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى، وكلام ابن عطاء الله السكندري علم أنّ ابن تيمية لا يستدلّ بكلامه في مجال التصوّف جملة وتفصيلا. أمّا بالنسبة للعقائد والفقه فله مع علماء الشريعة المقدّسة حملات وصولات انتهت بسجنه ومحاكمته، والعبد الفقير لا أرضى أن أدخل في تلك النزاعات التي تكلّم فيها من هو أعلم منّا بكثير.
    وأقول للأخ الدكتور بأنّ مقاله هذا غير موفّق ولا يتوافق مع عنوان الموضوع والسلام.

    علي الصوفي
    بسم الله الرحمان الرحيم
    والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيّدنا محمّد وآله وصحبه
    يقول الأخ الدكتور : “لا شك أن القارئ الكريم قد فهم من خلال هذه النصوص جانبا مهما من جوانب العلاقة التي تربط المريد بشيخه الطرقي، والتي تبدأ بأصناف التأدب والاحترام، وتنتهي بالغيبة والفناء في صورة شيخه التي لا تفارق خياله طرفة عين، ومن هنا لا يعجب المرء إذا سمع بمريد يستغيث بشيخه ويستنجده وهو غائب عنه أو قد ارتحل إلى الآخرة”.
    قلت :
    النصوص التي نقلها الأخ واقتبسها من كتب العارفين إنّما كتبها كي يستدلّ بها على فساد منهج الصوفية من حيث علاقة المريد مع شيخه، ولم يأت بها مستشهدا ومقرّا بها بل أتى بها كي يردّ عليها، ولكنه جانب الصواب في قوله :”تبدأ بأصناف التأدب والاحترام وتنتهي بالغيبة والفناء في صورة شيخه التي لا تفارق خياله طرفة عين، ومن هنا لا يعجب المرء إذا سمع بمريد يستغيث بشيخه ويستنجده وهو غائب عنه أو قد ارتحل إلى الآخرة. ”
    فمن قال لك أنّ كلّ قارئ يفهم منها ما ألمحت إليه فلماذا لم تقل : هذا ما فهمته أنا من هذه النصوص، ولماذا نبت عن القارئ، ففهمت له وفكّرت له فسلبته عقلا منحه الله إيّاه، أم أنّك ظننت أنّ فهمك لتلك النصوص لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه …
    ثمّ هناك خلط فادح لا يخفى عليك متى شرحناه لك : وذلك أنّ العلاقة بين المريد وشيخه ليس ما ذكرته، بل العلاقة حقيقة، وهذا الأصل وهو الأساس الذي غاب عنك، هي علاقة في الله تعالى باعتبار أنّ الشيخ موصل إلى الله تعالى وشيخ تربية وترقية خبر مراتب السلوك من بدايتها وإلى نهايتها، فصاحبه في طريق سيره كي يوصله إلى مولاه سبحانه وتعالى. فهذه هي الغاية الذاتية المقصودة من صحبة الأشياخ، وهذه أصل العلاقة. وإنّما الذي تكلّمت فيه بما أوردته من استنباط هي وسائل تؤدّي إلى الغاية التي أشرنا إليها، فهي وسائل لغيرها وليست وسائل لذاتها إذ محال أن تتّخذ الوسائل غايات . وإنّك أهملت الجزء الأهمّ لفهم تلك العلاقة والتي سنكشف لك عن التدليس الواقع فيها، فإنّه خلط بين الحقّ والباطل، فعليك أن تسأل هذا السؤال : هذه علاقة المريد مع شيخه، فكيف هي علاقة الشيخ مع المريد ؟ فمتى فهمت هذا السؤال وحاولت أن تجيب عليه في قرارة نفسك ستعلم وقتها حقيقة علاقة المريد مع الشيخ .
    ثمّ ذكرت في تفصيلك لطبيعة تلك العلاقة أنّها مبنية على الإحترام والتقدير، وهذا الأمر صحيح وهو المطلوب وليس هذه مختصّا بشيوخ الصوفية، بل هو أمر إنساني عام فيه عموم وخصوص، وهو من طبيعة البشر قبل أن يكون توفية للأمر الإلهي باحترام وتقدير العلماء والأولياء بل والوالدين وهكذا… فهذا الاحترام أمر شرعي دلّت عليه النصوص وقبلته الفطرة بلا نصّ، ثمّ جمعت الفطرة بينهما. فهذا أمر ظاهر نلحظه عند كلّ أحد، فما دخله كي تجعله سلّما إلى ما قلته في كلامك: “وتنتهي بالغيبة والفناء في صورة شيخه التي لا تفارق خياله طرفة عين”. فما دخل الصورة هنا والغيبة فيها والفناء حتّى جعلتها من نتائج الإحترام والتقدير، فما دخل هذا في هذا، وإنّما لتصوّر وقع في الفكر حكمت أيّها الأخ بهذا فجانبت الصواب فليس بالضرورة أن يكون الإحترام والتقدير سلّما إلى الغيبة والفناء في صورة الشيخ حتّى بنيت عليه الإستغاثة …الخ فهذا خلط ليس بتحقيق ولا حتّى استنباط يلحظ. والغالب أنّ التصوّر هو الذي أنتج هذا الحكم الخاطئ. ثمّ ما علاقة الإحترام والتقدير الذي أمره ظاهريا يشترك فيه جميع الناس، مع أمر آخر قرّره بعضهم من حيث حقيقة أخرى وفهم آخر وعلم آخر لا علاقة له بهذا، رغم أنّ هذا الأمر الثاني أمره سلوكي ولا يقع في دائرة الآداب الشرعية العامّة من احترام وتقدير، وسنأتي على هذا ونفصّله، فليس بالضرورة كما قدّمت لك أن احترام التلميذ للشيخ سلّما عند الصوفية إلى الغيبة في صورة الشيخ …الخ الكلام الذي لا يقوم على معنى له شواهده ولا فهم حقيقي يستفاد منه.
    فهذا التنظير منك ما هو دليله؟ ومن قال به قبلك؟ وفي أيّ كتاب وجدته؟ وعلى أيّ أساس استنبطّه؟ وإنّما مجرّد التصوّر هو الذي دفع إلى هذا الحكم.
    هذا ولا أنسى في هذه المقدّمة أن أبشّرك بأنّ العبد الفقير سيشرح لك تجربتك الصوفية التي زعمت، ويفصّلها لك ويبيّن لك ما أنت الآن أو كنت عليه من الفهم الخاطئ للتصوّف جملة وتفصيلا وسأطالبك في أسئلة أسوقها إن شاء الله إليك بالجواب عليها حتّى تتبيّن يقينا بأنّ فهمك للتصوّف خاطئ لا يقوم على أساس.
    فهذه مقدّمة
    يتبع…
    علي الصوفي
    بسم الله الرحمان الرحيم
    مشاركتك التي كتبتها في الحقيقة لا ترتقي إلى مستوى الردّ عليها هذه الحقيقة التي لو بحثت عنها لوجدتها) , هذا ولتعلم أنّني ما رددت عليك حتّى قمت بزيارة موقعك وقرأت تجربتك الصوفية وأبحاثك في التصوّف بحسب زعمك( والعبد الضعيف لا يضعها
    في خانة التجربة الصوفية بقدر ما أضعها في خانة التجربة النفسية في البحث عن الروحانية )ولهذا علّقت بما علّقت به، وأدنى قول لي إليك : أنت يا أخي لا علم لك بالتصوّف، ولحدّ الآن لا أظنّك تفهمه، فمن قرأ تجربتك فيه جزم بذلك حتما، وأغلب كلامك فيه لا يدلّ من قريب أو بعيد على معرفتك به، بل أنت واهم جدّا فيما تقول، وليس لك أدلّة عليه شأنك شأن الوهابية الذين تتلمذوا على تلك الكتب المعروفة التي هي أدنى مستوى من أن يردّ عليها بخصوص التصوّف، ككتب ابن تيمية ومباحثه في التصوّف فهي والله أدنى من أن يردّ عليها، وكذلك فيما ذكره الشوكاني وغيره ممّا خالفوا فيه جمهور العلماء وأعاود الكلام إليك :
    إذا ما لم تستطع شيئا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع.

    عبد الله الشارف
    بسم الله الرحمن الرحيم
    أخي الباحث علي الصوفي:
    قولك : أنت يا أخي لا علم لك بالتصوف، قول يقوله كل الصوفية عندما يردون على مخالفيهم ، إذ كل من يعترض على التصوف وينتقده مهما بلغ علمه كابن تيمية، يعتبر عند الصوفية جاهلا بالتصوف ، وكذلك الذين تركوا التصوف من العلماء أمثال تقي الدين الهلالي وغيره كل هؤلاء لم يشموا رائحة التصوف، ولو أنهم ظلوا متصوفة لكانوا علماء بالتصوف. إن أبا حامد الغزالي رحمه الله الذي كتب كتابه الفذ في نقد الفلسفة: “تهافت الفلاسفة” ، اعتبره الفيلسوف ابن رشد الأندلسي جاهلا بالفلسفة، ورد عليه في كتابه “تهافت التهافت” . والخلاصة أنك إذا كنت صوفيا أو مدافعا عن التصوف، فأنت على علم بالتصوف، أما إذا لم تكن صوفيا أو كنت من خصومه ومنتقديه، فأنت جاهل بموضوعه…. هذا النوع من الاستنتاج لا ولن يرقي بطبيعة الحال إلى مستوى الردود العلمية.
    وإذا ما لم تستطع شيئا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع.
    لسم الله الرحمن الرحيم
    أخي الباحث علي الصوفي: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد، أقول وأكرر: “لا شك أن القارئ الكريم قد فهم من خلال هذه النصوص جانبا مهما من جوانب العلاقة التي تربط المريد بشيخه الطرقي، والتي تبدأ بأصناف التأدب والاحترام وتنتهي بالغيبة والفناء في صورة شيخه التي لا تفارق خياله طرفة عين، ومن هنا لا يعجب المرء إذا سمع بمريد يستغيث بشيخه ويستنجده وهو غائب عنه أو قد ارتحل إلى الآخرة “.
    نعم إن المريد عندما يتفانى في حبه لشيخه ويحتفظ بصورته في ذهنه ليل نهار ، يقظان أو نائما، ويبالغ في الإعجاب به، قد يفنى عن وجوده وينصهر معنويا في ذات شيخه. وبالمناسبة أسوق قصة واقعية متعلقة بالموضوع : في نهاية التسعينيات من القرن الماضي الميلادي، حضرت مناقشة رسالة جامعية لأحد الأساتذة الزملاء في كلية الآداب بتطوان / المغرب، وكان موضوعها حول الجوانب النفسية والروحية في فكر أبي حامد الغزالي، وبينما الأستاذ بصدد تقديم رسالته والحديث عن موضوعها، إذ صرح بأنه لم يكن يستطيع إنجاز عمله العلمي لولا إلهامات شيخه، ومن بين ما قاله في هذه المناسبة :”وينبغي على المريد أن يستحضر شيخه في صلاته”!!! .
    هذا الكلام الذي استغرب منه أعضاء اللجنة وجمهور الحاضرين، سمعته بأذني، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم لا تطمس بصيرتنا، ولن أسمي الأستاذ المذكور، وهو معروف في الأوساط الصوفية الطرقية بالمغرب، وله كتابات في التصوف…
    علي الصوفي
    بسم الله الرحمن الرحيم
    قال الأخ الدكتور عبد الله الشارف : ”ومما له علاقة بأسلوب التلقي المشار إليه، ما يتلقاه المريد عن شيخه من الأوراد التي بواسطتها يتقوى قلبه وتصبو نفسه نحو الترقي في الأحوال والمقامات، بيد أن هذا الترقي كثيرا ما يؤدي بصاحبه إلى الوقوع في الجذب أو الفناء، مما قد يدفع به إلى العزلة التامة عن المجتمع، وهذا ما لا يحصل للمسلم الذي يذكر الله كما أمر، وكما بين نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه، في سنته المطهر”.
    قلت :
    ما نقلت الكلام الذي سبق هذا الكلام لأنّه لا معنى له وليس عليه دليل فهو إنشاء، أمّا هذا القول ففيه خلط سأبيّنه :
    الخلط الأوّل : أنّه جعل الشيخ المربّي الذي يسمّيه أخونا عبد الله الشارف الشيخ الطرقي، هو المقصود لدى المريد من حيث إرادة وجه الشيخ والفناء في صورته، وعليه تنبني الغيبة فيه وإشغال الفكر وجولان العقل في صورته، حتّى يحدث الفناء فيه بدليل ما ذكره في علاقة المريد مع شيخه المربّي, فذكر الأوراد من حيث هذا الوجه وهذا المنطلق، وذلك أنّ الأوراد بزعمه التي يلقّنها الشيخ ويعطيها للمريد ويعاهده على عدم تركها، هي في المقام الأوّل تدلّ على ذلك الشيخ الذي لقّنها ولا تدلّ بحسب ما زعمه على الله تعالى، ودليل هذا ما ذكره فيما شرحته بالأمس من كلامه ,ثمّ تناقض في كلامه فأوضح فقال بأنّ الأوراد يتقوّى بها المريد نحو الترقي في المقامات والأحوال ,ولا أدري ما مقصوده بكلمة الأحوال والمقامات، أهي مقامات وأحوال الفناء في صورة الشيخ كما زعم في المقدّمة، وذلك يؤدّي كما زعم إلى الشرك بالله في كون تلك الأحوال والمقامات والتي هي القصد نحو الفناء في صورة الشيخ وفي شخصه وذاتيته ممّا يستوجب تأليهه فتكون الإستغاثة به ودعائه من دون الله تعالى.
    فعلى هذا بنى الأخ الدكتور عبد الله الشارف حكمه لوجود هذا التصوّر في فكره , ثمّ زاد توضيحا فقال : بيد أن هذا الترقي كثيرا ما يؤدّي بصاحبه إلى الوقوع في الجذب والفناء، فهو يذكر في البداية أنّ هذا التقوّي بالأوراد يصبو به قلب الإنسان إلى الترقي في الأحوال والمقامات، فبدأ هنا بذكر العلل النفسية وأنّ الفقراء والمريدين قصدهم من تلك الأذكار والأوراد تقوية قلوبهم نحو نوال الأحوال والمقامات، رغم أنّي ما سمعت بأحد من العلماء والأولياء المعتبرين يقول بمثل هذا القول، بل قالوا بأنّ نتيجة الذكر بالأوراد ينتج ثمرة الأحوال والمقامات السلوكية، وهو المعبّر عنه عند القوم من أهل الله تعالى بالتخلية والتحلية، فهي نتيجة ضرورية وليست نتيجة مقصودة بداية, ولكن لا أظنّ بأنّ ما يفهمه الأخ عبد الله الشارف من تعريف الأحوال والمقامات هو نفس فهم العلماء والأولياء له، وهذه التعريفات قال بها حتّى ابن تيمية رحمه الله نفسه فضلا عن تلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى وخاصّة في كتابه مدارج السالكين، فقد أوضح هذه التعريفات في مدارج السالكين بما قال به الصوفية رضي الله عنه., ثمّ الزعم منه أنّ هذا الترقّي كثيرا ما يؤدّي بصاحبه إلى الوقوع في الجذب والفناء، فلا أدري ما قصده وتعريفه للجذب والفناء، أهو الفناء في صورة الشيخ وشخصه أم هو الفناء في محبّة الله تعالى؟ ,وكذلك في الأحوال والمقامات؟
    الخلط الثاني:
    أنّه جعل تلك الأوراد التي يأخذها المريد عن شيخه المربي، خارجة عن منهاج السنّة المطهّرة وأنّها من هوى النفس، رغم أنّ هذا القول ما قال به أحد قبله فحتّى الذي قال بذلك ردّت عليه أقواله بنصوص ثابتة الدلالة، ولو رجع إلى مراجعة كتب أهل الشريعة فضلا عن أهل الحقيقة، لوجد أورادا وأحزابا ألّفها العلماء كالمحدّثين والفقهاء كما في حزب النووي رحمه الله تعالى، وغيره كثير، وهذا غير خاف على أحد .وهذه المباحث مجالها الحكم الشرعي من إباحة أوكراهة أو تحريم أوخلاف الأولى، فلا تدخل فيها مجالات العقيدة بحال , ومباحثها مفصّلة في كتب المحدّثين والعلماء. ومن أراد الإسترشاد رجع إلى تقاريرهم وفتاويهم والإستدلال عليها من السنّة ومن أفعال السلف. وهذا لا ينكره أحد بل حتّى ابن تيمية فعله , فهي تدخل كلّها في جوانب الدعاء, والخلط هنا وقع في نسبة بدعية الأوراد، ثمّ جعلها تقوية لقلب المريد لنوال الأحوال والمقامات. لذا طالبته بشرح معنى الحال ومعنى المقام من كلام ابن تيمية وابن القيّم خاصّة, وكيف تنتج أذكارا بدعية أحوالا ومقامات وجذب وفناء ,ثمّ هل أذكار السنّة المطهّرة والتي هي العمدة عند أهل التصوّف رضي الله عنهم تقوّي القلوب أم لا ؟ وهل ينال بالمداومة عليها الأحوال والمقامات والجذب والفناء أم لا ؟
    والنتيجة المستخلصة :
    أن الأخ عبد الله الشارف : لا يفهم ولا يعرف التفريق بين صفات الشيوخ، فجعل شيخ العلم هونفسه شيخ التربية. وقد استدلّ في هذا المضمار بما لا يستدلّ به فقد أخلّ بقواعد الاستدلال في هذا التصوّر , رغم أنّ الأمّة جمعاء أقرّت منذ عصر رسول الله عليه الصلاة والسلام، الفرق بين شيخ التعليم وبين الشيخ المربي. وقد يكون شيخ التعليم هو نفسه الشيخ المربي، وقد لا يكون. وكذلك قد يكون شيخ التربية ليس هو شيخ التعليم, وإنّما الخلط في عدم فهم التصوّف وصفات المشائخ والعلوم الإسلامية من حيث أركان الدين ومدارسها في مجملها، فتصوّر تلك التصوّرات فقعّد لها ما كتبه وهذا يرجع بحسب رأيي لسبب ما أخبر الأخ عبد الله عنه في تجربته الصوفية التي أوضحها في مقال آخر والتي أودت به إلى تلك النتيجة من حيث أنّه أراد سلوك الطريق لنوال ما كان يصدّقه من كلام الأولياء، ولكن من غير شيخ تربية ولا دليل ولا إرشاد، فظنّ أنّ التصوّف يباع ويشترى في الأسواق، وهو تجارب ميدانية كالتجارب العلمية والحسابية وأنّ كلّهم قادرون على ذلك , والعيب الذي أراه عند إخواننا الوهابية أنّهم ظنّوا الدين الإسلامي علم كأي علم فيه حسابات وتصوّرات ورأي ونتائج منطقية، كما في كتاب الشيخ النجدي، كشف الشبهات، فكان يقول فيه : إذا قال لك المشرك كذا , فقل له : كذا , وإذا قال لك المشرك كذا فقل له، كذا كفي مادّة الرياضيات واحد مع واحد يساوي اثنين بلا روح ولا فهم ولا قلب ولا علم ولا كتاب منير. أعاذنا الله منهم ومن شرّهم بحرمة الحبيب وآله.
    قال الأخ الدكتور عبد الله الشارف : وهذا ما لا يحصل للمسلم الذي يذكر الله كما أمر، وكما بين نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه، في سنته المطهرة.
    قلت : يوضّح هنا الأخ عبد الله أنّ من ذكر الله تعالى بما أمر به فلا يحصل له ترقّي في الأحوال والمقامات ولا جذب ولا فناء , وبحسب رأيي دليله في ذلك أنّه وممّن كان في نفس مستواه، الوهابية، ذكروا بما ورد في القرآن والسنّة بحسب زعمهم، ولكنّهم ما حصل لهم جذب ولا فناء ولا ترقّي في الحال والمقام. فهذا أكبر دليل أنّ ما يقوله الصوفية أو ما يجدونه هو من هوى النفس ومن الشركيات والبدعيات، ومن جرّاء عبادة الشيوخ وتأليههم رغم أنّ شيخه ابن تيمية ومن جرى في فلكه لا يقول بما توصّل إليه الأخ عبد الله الشارف، بل من قرأ في جزء التصوّف في الفتاوى الكبرى لابن تيمية وفي كتب ابن القيّم لا سيّما كتابه مدارج السالكين، سيخالف ما ذهب إليه الأخ عبد الله لذا نصحته العبد الضعيف بقولي: إذا لم تستطع شيئا — فجاوزه إلى ما تستطيع, وهذه العبارة النصحية يتداولها العلماء والأولياء من قديم الزمان، فحتّى ابن القيّم ذكرها في كتابه مدارج السالكين . فقوله : أنّ من ذكر بما ورد في النصوص الشرعية لا يحصل له هذا مردود عليه، ولا يمكنه أن يستدلّ عليه بل لقد قال بالحال والمقام والجذب والفناء ابن تيمية ومدرسته رغم أنّ ابن تيمية لا يجوز قطعا أن يستدل بكلامه في مجال التصوّف لخلطه الكبير، وهذا ليس قولي لوحدي، بل قال به كبار العلماء في مختلف العصور . أقول : فهم الأخ عبد الله للتصوّف فهم قاصر لا يرتقي إلى مستوى الردّ عليه، لأنّه ذهب مذهبا بعيدا ما قال به أحد، وسنأتي عليه وإنّما تصدّرت للردّ عليه رغم أنّ هذه أيّام نهاية رمضان والأجر فيها مضاعف، إلاّ أنّ خوفي على العوام، ومن ليس له خلفية علمية دينية صلبة أن يغترّ بذاك الكلام.
    وإلى حدّ الآن ما كتبت حقيقة الردّ عليه حتّى أبيّن له قبل غيره أنّه فعلا جاهل بالتصوّف وأنّ تجربته الصوفية غير صحيحة وباطلة، وما نتج عنها من تصوّرات أيضا باطل لا يعتدّ به , وأريد من الأخ عبد الله يقول لنا أين درس علوم الدين الأكاديمية، وما هي اجازاته فيها ومن مشايخه، فإنّ صفة الدكتورية عليه قد تكون في غير مجال الدين، ونحن لا ننكرها أونسلبها منه ولكن قد يكون رغم تلك الصفة عاميّا في علوم الديانة، بما فيها التصوّف.
    أرجو من الأخ عبد الله أن لا ينفعل ويتركني أكمل ردّي عليه ثمّ يعترض متى شاء وأرجو أن يتّسع صدره.
    يتبع …
    عبد الله الشارف
    بسم الله الرحمن الرحيم
    أخي الباحث أبو علي الصوفي:
    الجواب على ما سميته: “الخلط الأول”:
    نعم كون الشيخ المربي يرادف الشيخ الطرقي، هذا مما لا غبار عليه. لأن الصوفية مرت في تاريخها بثلاث مراحل:
    المرحلة الأولى: كانت أقرب إلى حقيقة الإسلام ومعانيه من زهد وإخلاص وصدق…وكان شيوخ التربية آنذاك يجتهدون في التحلي بروح السنة النبوية، ولذا لم يكونوا هدفا من أهداف الفقهاء والعلماء، بل كانوا محل تقدير وثناء واحترام.
    المرحلة الثانية: هي المرحلة التي امتزج فيها التصوف واختلط بالفلسفة: الحكيم الترمذي، الحلاج، ابن عربي، ابن سبعين، السهروردي، حيث ظهرت مفاهيم صوفية فلسفية مثل الحلول كقول الحلاج:
    أنا من أهوى ومن أهوى نحن روحان حللنا بدنا !!
    أو وحدة الوجود كقول ابن عربي:
    يعبدني وأعبده ويحمدني وأحمده !!
    ومعظم الشيوخ المربين في هذه المرحلة كانوا متأثرين بهذه المفاهيم ذات أصول فلسفية يونانية أو هندية أو فارسية.
    المرحلة الثالثة: وهي المرحلة الطرقية، والتي نعيش الآن أسوأ زمانها الظلامي: حيث تقديس الشيوخ أحياء أو أمواتا، وممارسة السلوكات الشاذة باسم العبادة والتقرب والترقي: رقص وشطح وخرافات ومنامات ورؤى وهلوسات وهلم جرا، فالشيخ المربي في هذه المرحلة هو الشيخ الطرقي. ولا أعرف الآن شيخا صوفيا مربيا غير طرقي.
    أما قولك : “ثمّ تناقض في كلامه فأوضح فقال بأنّ الأوراد يتقوّى بها المريد نحوالترقي في المقامات والأحوال ,ولا أدري ما مقصوده بكلمة الأحوال والمقامات أهي مقامات وأحوال الفناء في صورة الشيخ كما زعم في المقدّمة، وذلك يؤدّي كما زعم إلى الشرك بالله في كون تلك الأحوال والمقامات والتي هي القصد نحو الفناء في صورة الشيخ وفي شخصه وذاتيته ممّا يستوجب تأليهه، فتكون الإستغاثة به ودعائه من دون الله تعالى، فعلى هذا بنى الأخ الدكتور عبد الله الشارف حكمه لوجود هذا التصوّر في فكره , ثمّ زاد توضيحا فقال : بيد أن هذا الترقي كثيرا ما يؤدّي بصاحبه إلى الوقوع في الجذب والفناء، فهو يذكر في البداية أنّ هذا التقوّي بالأوراد يصبو قلب الإنسان فيه إلى الترقي في الأحوال والمقامات، فبدأ هنا بذكر العلل النفسية وأنّ الفقراء والمريدين قصدهم من تلك الأذكار والأوراد تقوية قلوبهم نحو نوال الأحوال والمقامات , رغم أنّي ما سمعت بأحد من العلماء والأولياء المعتبرين يقول بمثل هذا القول، بل قالوا بأنّ نتيجة الذكر بالأوراد ينتج ثمرة الأحوال والمقامات السلوكية وهو المعبّر عنه عند القوم من أهل الله تعالى – بالتخلية والتحلية – فهي نتيجة ضرورية وليست نتيجة مقصودة بداية , ولكن لا أظنّ بأنّ ما يفهمه الأخ عبد الله الشارف من تعريف الأحوال والمقامات هونفس فهم العلماء والأولياء له وهذه التعريفات قال بها حتّى ابن تيمية رحمه الله نفسه فضلا عن تلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى وخاصّة في كتابه – مدارج السالكين – فقد أوضح هذه التعريفات في مدارج السالكين بما قال به الصوفية رضي الله عنهم , ثمّ الزعم منه أنّ هذا الترقّي كثيرا ما يؤدّي بصاحبه إلى الوقوع في الجذب والفناء فلا أدري ما قصده وتعريفه للجذب والفناء أهوالفناء في صورة الشيخ وشخصه أم هوالفناء في محبّة الله تعالى ,وكذلك في الأحوال والمقامات ”
    فلا تناقض هناك: ذلك أن المريد في البداية عندما يرتبط بشيخه المربي الطرقي، ويشرع في ممارسة أوراده، فإنه بذالك يتقوى نحو الترقي في المقامات والأحوال، لكنه لغلبة شخصية الشيخ من جهة، وغلبة الوساوس والخواطر النفسية من جهة ثانية، تطغى صورة الشيخ ويتركز حضورها في باطنه، فتنتكس بتلك الوساوس معاني الأحوال والمقامات في وعيه، ثم تصبح تلك الأحوال والمقامات غايات في ذاتها بعد أن كانت في البداية وسائل. ولذا تجد في كتب الصوفية نصائح موجهة إلى المريدين من بينها عدم الوقوف مع الأحوال والمقامات.
    أما الأحوال والمقامات التي كان عليها الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والتي تحدث عنها ابن تيمية وتلميذه العالم النحرير ابن القيم رحمهما الله، فكانت أحوالا ومقامات صحيحة وسنية لأنها ترتوي من النبع النبوي الصافي.
    لكن عندما ظهر الشيوخ المربون المتفلسفة أو الطرقيون، لم يبق من المقامات والأحوال إلا الإسم !!
    الجواب على ما سميته: الخلط الثاني:
    قولك : “إنّه جعل تلك الأوراد التي يأخذها المريد عن شيخه المربي خارجة عن منهاج السنّة المطهّرة وأنّها من هوى النفس، رغم أنّ هذا القول ما قال به أحد قبله فحتّى الذي قال بذلك ردّت عليه أقواله بنصوص ثابتة الدلالة، ولو رجع إلى مراجعة كتب أهل الشريعة فضلا عن أهل الحقيقة لوجد أورادا وأحزابا ألّفها العلماء كالمحدّثين والفقهاء كما في حزب النووي رحمه الله تعالى وغيره كثير وهذا غير خافي على أحد وهذه المباحث مجالها الحكم الشرعي من إباحة أوكراهة أو تحريم أوخلاف الأولى فلا تدخل فيها مجالات العقيدة بحال , ومباحثها مفصّلة في كتب المحدّثين والعلماء. ومن أراد الإسترشاد رجع إلى تقاريرهم وفتاويهم والإستدلال عليها من السنّة ومن أفعال السلف .وهذا لا ينكره أحد بل حتّى ابن تيمية فعله , فهي تدخل كلّها في جوانب الدعاء , والخلط هنا وقع في نسبة بدعية الأوراد ثمّ جعلها تقوية لقلب المريد لنوال الأحوال والمقامات لذا طالبته بشرح معنى الحال ومعنى المقام من كلام ابن تيمية وابن القيّم خاصّة , وكيف تنتج أذكارا بدعية أحوالا ومقامات وجذب وفناء ,ثمّ هل أذكار السنّة المطهّرة والتي هي العمدة عند أهل التصوّف رضي الله عنهم تقوّي القلوب أم لا ؟ وهل ينال بالمداومة عليها الأحوال والمقامات والجذب والفناء أم لا ؟ “
    أقول: إن تلك الأوراد التي يضعها الشيوخ الطرقيون لمريديهم، أذكار بدعية مثل: ذكر الله باسمه المفرد: الله، الله، الله…وهذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يفعله الصحابة والتابعون، أو ذكر الله بصيغة: هو، هو، هو…. كذلك ما يفعله أولئك الشيوخ بمريديهم حيث يملؤون جل أوقاتهم بالأوراد والأذكار والأدعية البدعية، فنجد المريد مثلا يكرر صيغة من صيغ الذكر، مآت أو آلاف المرات فيشغل بعدها وحسابها !! ومن هنا فإن الأذكار والأدعية البدعية شكلا ومضمونا هي المعتمدة عند أهل التصوف الطرقيين…
    الجواب على “النتيجة المستخلصة”:
    أقول باختصار: إن العبد المؤمن الذي يذكر الله كما أمر ملتزما بصيغ وألفاظ الذكر الثابتة في السنة الصحيحة، يحصل له من الأحوال والمقامات ما شاء الله سبحانه، ولكن إذا ما حصل له جذب أو فناء فإنهما لا يخرجانه عن الجادة، ولا يوقعانه في الشطح أو الرقص، كما لايقذفان به في الأوهام والخيالات الفاسدة، ولا يفنى بهما في نفس شخص آخر كما يحصل للمبتدعة.
    وإذا لم تستطع شيئا فدعه وجاوزه الى ما تستطيع.


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: مناظرة صوفية

    مُساهمة  Admin في الإثنين أبريل 30, 2012 4:19 am

    علي الصوفي
    الحمد لله :
    لقد سألتك يا دكتور تتركني أكمل نقض كلامك في مقالتك ومن ثمّ تردّ متى شئت عليّ حتّى لا يتشتّت الفكر ويضيع المجهود، فمن عادة العبد الفقير لا ينتقل من موضوع إلى موضوع آخر، أو من ردّ إلى ردّ آخر يخرج عن سياقه، إلاّ بعد أن يستوفي المسألة أو الموضوع كاملا كي لا يضيع مجهود الطرفين.
    أنت كتبت كامل المقالة فقرأناها كاملة، فكان من الضروري أن تتركني أردّ عليها كاملة ثمّ تردّ أنت متى شئت، كما طلبت منك أن يتّسع صدرك لما أكتبه.
    أمّا ردّك اليوم فالحمد لله، فقد لاحظت فيه تغيّرا ورجوعا إلى الجادّة المستقيمة، وذلك أنّك أثبتّ اليوم أنّ أذكار الكتاب والسنّة تثمر الأحوال والمقامات , بعد أن قلت أخي في مقالتك الأولى أنّ أذكار الكتاب والسنّة لا تورث حالا ولا مقاما , فالحمد لله على الرجوع. ثمّ ذكرت أيضا أنّها قد تؤدّي بعد الحال والمقام إلى الجذب والفناء، لكن من غير خروج عن الكتاب والسنّة , وقد طلبت منك أن تعرّف لي معنى الحال والمقام عندك، وهل تفسيرك له يتوافق مع تفسير ابن تيمية وابن القيم أم لا ؟
    ثمّ أنت تقول بأنّه لا وجود لمشايخ التربية اليوم، بل هم شيوخ طرق وليس تربية : والسؤال : هل يمكن أن تذكر لنا متى كانت حقبة وجود مشائخ التربية وما تعريف هذا المصطلح وما هو دليلك عليه ؟
    والسؤال الآخر : ما هو دليلك على أنّ الشيخ الطرقي ليس هوشيخ التربية , ومن قال بذلك من العلماء ؟ وهل الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى شيخ طرقي أو شيخ تربية , وكذلك الشيخ عبد القادر الجيلاني , وكذلك أسألك عن ابن عبّاد النفزي رحمه الله هل هو شيخ تربية أو شيخ طرقي , ثمّ أسانيد جميع الصوفية ومشايخها هل هم مشايخ طرق أم مشايخ تربية ؟؟؟
    ثمّ لماذا لم تجبني على سؤالي : هل وافقت أو خالفت ابن تيمية وابن القيم من حيث تعريف التصوّف ؟ والمشايخ ؟ فأجبني ولا تذكر كلاما عامّا، أدخل في التفصيل.
    سأعود إلى الردّ على بقية المقالة ,هذا وقد استفسر بعض اخواننا هنا من السادة الأعضاء عن سبب حدّة العبد الضعيف في ردّه على الأخ الدكتور عبد الله الشارف , والذي يجب أن يعلم أنّ مقالة الأخ لو كنت مشرفا لحذفتها من يومها، لما فيها من الباطل والتدليس وسوء الفهم وسوء الظنّ والتصوّرات الخاطئة.
    والسلام
    عبد الله الشارف
    بسم الله الرحمن الرحيم
    أخي على الصوفي الباحث، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته:
    بادئ ذي بدء أهنئك بعيد الفطر المبارك وأقول لك: لقد فهمت من كلامي: “أما الأحوال… أني رجعت إلى إلى الجادة وذلك أنني أثبت اليوم أن أذكار الكتاب والسنة تثمر الأحوال والمقامات بعد أن قلت في مقالي الأول. إنها لا تورث حالا ولا مقالا ….”، أنني تراجعت عما نفيته وعدت إلى الجادة والطريق المستقيم…. ذلك فهم خاطئ ، لأن كلامي المسطر في المقال: “ومما له علاقة بأسلوب التلقي المشار إليه، ما يتلقاه المريد عن شيخه من الأوراد التي بواسطتها يتقوى قلبه وتصبو نفسه نحو الترقي في الأحوال والمقامات، بيد أن هذا الترقي كثيرا ما يؤدي بصاحبه إلى الوقوع في الجذب أو الفناء، مما قد يدفع به إلى العزلة التامة عن المجتمع، وهذا ما لا يحصل للمسلم الذي يذكر الله كما أمر، وكما بين نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه في سنته المطهرة”، لا يفيد ما ذهب إليه فهمك، وإنما المقصود منه أن الترقي في الأحوال والمقامات عندما يكون مرتبطا ومستندا إلى الفكر الطرقي المنحرف ، وكل الطرق الصوفية لا تخلو من انحرافات خطيرة، فإن ذلك لا يثمر إلا الجذب المنحرف والفناء الفاسد. ولذا قلت وهذا ما لا يحصل للمسلم الذي يذكر الله كما أمر. معنى ذلك أن المسلم الذاكر المستقيم، الذي ينهل من السنة النبوية الصحيحة، والذي يجتنب البدع والطرق الصوفية، يحصل له الترقي في الأحوال والمقامات السنية الصافية. والخلاصة أني لم أكن متناقضا في كلامي، ولم أرجع فيه إلى الجادة كما زعمت، وإنما فهمك كان قاصرا، ولله الكمال ولعبده النقصان…أما تعريفي لمعنى الحال والمقام، وهل أوافق في ذلك ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فقد أشرت إلى ذلك في ردي الأخير عندما قلت: “والتابعون ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين والتي تحدث عنها ابن تيمية وابن القيم” ، فكن فطنا ولا تعجل واقرأ كلامي بتدبر وتؤدة.
    أما سؤالك: “هل يمكن أن تذكر لنا … “، لاعلم لي بالحقبة التاريخية الدقيقة التي وجد فيها شيوخ التربية، لكن يمكنني الجزم أن شيوخ التربية من الصوفية كانوا موجودين قبل ظهور التصوف الطرقي الذي اختلط فيه مفهوم التربية بالسلوك الطرقي ، علما بأن الصحابة والتابعين ومن تبعهم كانوا خير من مارس التربية ولقنها بكل أبعادها رضوان الله عليهم، وكذلك من اهتدى بهد يهم من العلماء، والفقهاء، والدعاة، والمصلحين الصادقين الربانيين في كل زمان.
    ثم إن ما ذكرته في مقالي من أقوال العلماء؛ ابن تيمية، الشاطبي، النفزي، الشوكاني، فيما يتعلق بمفهوم شيخ التربية، أراه مستوعبا للمقصود والمعنى، ومحققا للمقصود.
    أما قولك: ما دليلك على أن الشيخ الطرقي ليس هو شيخ التربية، ومن قال بذلك من العلماء؟
    أقول: إذا كان المقصود بالتربية هو ما عرف عند الصحابة والتابعين…قبل ظهور التصوف الطرقي والبدع والأهواء وتقديس الشيوخ والاستغاثة بهم، وما إلى ذلك من ألوان ومظاهرالدجل و المسخ والطمس، فالشيخ الطرقي لا ولن يكون شيخ تربية. أما إذا كان المقصود بالتربية ما عرف عند الشيوخ الطرقيين من الانحرافات والبدع والزيغ والميل عن السنة النبوية ومنهج الصحابة، منذ نشأة الصوفية الطرقية إلى الآن، فالشيخ الطرقي شيخ تربية.هكذا قال العلماء الربانيون الذين كانوا ولا يزالون يقفون في وجه المبتدعة والدجالين.
    ثم أسألك بالله وأسأل إخوانك الصوفية: لو كان الحارث بن أسد المحاسبي، مثلا، ذلك الفقيه الصوفي النقي والشيخ المربي النموذجي، رغم موقف الإمام أحمد تجاه طريقته التربوية…أسالكم معشر الصوفية الأفاضل: لو كان هذا العالم الرباني حيا بيننا، ألا ترونه يتبرأ من التصوف الذي آل إلى ما آل إليه من الطرقية والمسوخات والدجل ؟؟ أما سؤالك: عن الشاذلي والجيلاني والنفزي رحمهم الله هل كانوا شيوخ تربية أو شيوخ طريقة، فيمكنك أن تستلهم الجواب من مقالي وردودي هنا، وكذا من أبحاثي في موقعي الإلكتروني، ما يكون مادة جوابي عن هذا السؤال. توضأ بماء السنة إن كنت ذا قلب، وإلا فتيمم ببدعة بنت غفلة. هذا الكلام الأخير: ” توضأ بماء السنة…” خاطر أو وارد حضرني أثناء تحرير هذا الرد وهو من فتوحات الردود وهو أول الغيث… ثم ينهمر بإذن الله.
    علي الصوفي
    بسم الله الرحمان الرحيم
    والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله وصحبه
    فضيلة الأخ الدكتور : كلّ عام وأنتم بخير غفر الله لي ولك وللمسلمين وجازاك الله خيرا
    أمّا بعد :
    ظننت العبد الضعيف أنّك ستلتمس موارد الإستفادة منّي ومن الإخوان أهل الإحسان، وأن تشرح صدرك للاستماع قبل الكلام، وتوصل كلّ صاحب قول إلى نهاية استيفائه منه، علّه يزيدك على ما عندك من الفهم إفادة أو نكتة أو لطيفة، أو توضيحا أو إرشادا ..لكن قد يصعب عليك هذا كثيرا لأنّ من حكم بحسب ما يتصوّر لا يمكنه أن يتعلّم لوجود النفس وما أدراك ما النفس. لكن الظاهر أنّ من يتكلّم من فوق هيهات له أن يتعلّم أو يستفيد لأنّ من آكد شروط الاستفادة الصمت والسكوت.
    والخلاصة : لم تجبني على شيء ممّا سألتك عنه، بل تهرّبت في كلّ مرّة، فإنّك يا فضيلة الدكتور، لا تكتب من منهجية ولا بطريقة علمية، وإنّما هي خواطر بعيدة هكذا تكتبها كيفما اتّفقت، حتّى وصل بك الأمر إلى ترك ما سألتك عنه وذهبت تؤسّس لنقض الإمضاء، والتعليق بطريقة نصفها خاطئ، وفيها من استعمال الألفاظ التوقيفية الواردة في القرآن في محل الإستهزاء: فالبدعة لا يتيمّم بها ولا يجوز أن نقول : تيمّم بالبدعة بل نتيمّم بالصعيد أو الصخر إذا لم نحسن أن نتيمّم بماء الغيب، وقد سمّيت هذا من الخواطر والواردات، وهو أوّل الغيث عندك لا عندن،ا هذا وإنّي أطلب من حضرتكم أخي الدكتور عبد الله الشارف، أن تقرأ في موضوع أخي وسيدي يوسف بدوي في ركن التزكية والسلوك تحت عنوان: ” نفائس الدرر”، وهو موضوع دار فيما بيني وبين سيدي فارس النور في قالب أسئلة مع أجوبتها، فأرجو منك وألحّ عليك إن كنت طالب الله تعالى أن تقرأه كلّه وتتمعّن فيه جيّدا جيّدا، فإنّ في الأجوبة التصوّف الذي نفهمه وندين الله به، فخذ نفسا طويلا، فإنّي العبد الضعيف أخذت نفسا طويلا في قراءة مقالاتك في موقعكم فهذه نصيحتي إليكم فضيلة الأخ.
    هذا وأرجو أن تسامحني على حروشة كلامي معك، فإنّي ويعلم الله لا أتمنّى لك إلاّ الخير الكثير، والسعادة الدائمة.
    وفقكم الله لكلّ خير، وفتح مغالق قلوبنا جميعا، وهدانا بفضله إلى صراطه المستقيم
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    عبد الله الشارف
    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد،
    أخي الباحث على الصوفي:
    في البداية أعتذر إليك لما صدر مني فيما يتعلق بنقدي لتوقيعك، ذلك أنني لم أكن أعلم أن التوقيع لا يناقش ولا يمس، كما أنني ظننته جزءا من نص جوابك، فمعذرة. ولقد نبهني لذلك ولدي عبد الرحمن الذي اقترح علي أن أكون عضوا في منتداكم قائلا: “يا أبت، إنك كتبت في التصوف ودرسته سنوات في كلية أصول الدين، بل مارسته عندما كنت طالبا في فرنسا، فاقتحم مواقع ومنتديات الصوفية، وانشر مقالاتك فيها وناقش القراء والباحثين”، فاستحسنت رأيه وتوكلت على الله، فكانت أول مبادرة في هذا المجال، ولذا فأنا لا أعرف كثيرا من الضوابط المتعلقة بالمنتديات وطرق التعامل معها. فأنا أجدد اعتذاري. ومع ذلك فالذي لا يناقش عندنا معشر المسلمين هو القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أما ما سواهما فهو فكر بشري قابل للأخذ والرد.
    وبما أنني بصدد مناقشة أفكار الصوفية، ونص توقيعك نبت في أرض التصوف، كما أنه من كلام ابن عربي إذا لم أجانب الصواب، لأنني قرأته كثيرا عندما كنت متيما بقراءة كتب الصوفية في الثمانينيات من القرن العشرين الميلادي، فلا بأس إذا علقت عليه وناقشته، ولماذا الاستياء والانفعال؟ وأنا أراك رجلا رشيدا، أليس “لوجود النفس وما أدراك ما النفس” كما ذكرت لي في ردك الأخير؟ ولله ذر القائل:
    لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
    وابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت فأنت حكيم
    وأضيف في تعليقي على القول الصوفي: توضأ بماء الغيب…وأقول: كما أن التيمم لا يصح مع وجود الماء الذي شرع للوضوء، فكذلك لا تصح البدعة مع وجود السنة التي شرعت للاهتداء. وإذا كان التيمم لا يجوز مع وجود الماء إجماعا، فكذلك لا يصح العمل المبتدع مع المسنون إجماعا. ثم إن قولك أنني استعملت الألفاظ التوقيفية الواردة في القرآن في مجال الاستهزاء، استنباط لا يقوم على دليل، إذ ما عساك تقول في قوله تعالى: “وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية” ؟؟ (الأنفال، 35 ). قال الفقيه الأصولي المفسر الطاهر بن عاشور في تفسيره “التحرير والتنوير”:
    “ولا تعرف للمشركين صلاة فتسمية مكائهم وتصديتهم صلاة مشاكلة تقديرية لأنهم صدوا المسلمين عن الصلاة وقراءة القرآن في المسجد الحرام عند البيت، كان من جملة طرائق صدهم إياهم تشغيبهم عليهم وسخريتهم بهم يحاكون قراءة المسلمين وصلاتهم بالمكاء والتصدية، قال مجاه فعل ذلك نفر من بني عبد الدار وهم سدنة الكعبة وأهل عمارة المسجد الحرام، فلما فعلوا ذلك للاستسخار من الصلاة، سمي فعلهم ذلك صلاة على طريقة المشاكلة التقديرية، والمشاكلة ترجع إلى استعارة علاقتها المشاكلة اللفظية أو التقديرية.” انتهى.
    إذن فتيمم ببدعة وصل صلاة مكاء سواء.. هذا أيضا من فتوحات الردود.
    أخي على الباحث، لقد قلت في جوابك الأخير أنني أتكلم من فوق ولذا لن أتعلم.
    أقول لك: أليس الذي يقول لمخاطبه عليك بالصمت والسكوت، هو الذي يتكلم من فوق ؟ إنها النفس وما أدراك ما النفس !!؟، أتراك معلمي بما كتبته وسطرته ؟ !!
    أتطلب مني الصمت والسكوت كما يفعل شيوخ الطرق مع مريديهم، هيهات ثم هيهات. !!
    لقد قصدت منتداكم لأناقش أفكاركم وتناقشوا أفكاري، لا لكي أسكت وأصمت، فذلك منطق الذل والبلادة. فكن فطنا وارفع عن قلبك الحجاب والغشاوة.
    .أما قولك: إنك لم تجبني، ولم تقل شيئا ، فكن موضوعيا وقل على الأقل، بأنني لم أجبك بما تريد وبما تهوى، ولكنك معذور لأن كل من له موقف أو رأي في مسالة ويعجز عن إفحام مخالفه أو نقض كلامه، يقول له: لم تقل شيئا، ولم تجبني البتة. وأعدك بأنني سأقرأ إن شاء الله ما أشرت علي به.
    علي الصوفي
    بسم الله الرحمان الرحيم
    لقد حوّلت النّقاش حضرة الأخ عبد الله الشارف إلى خارج الموضوع بامتياز، فأصبحت تستدلّ على التوقيعات وتناقشها، وبذلك خرج النقاش عن سياقه ولا أظنّك بحسب ما قرأت لك أنّك تريد حقّا مناقشة أفكارك وأفكارنا كما زعمت.
    وإليك قائمة الأسئلة التي لم تجب عليها :
    سألتك عن تعريفك للحال وللمقام ؟ وسألتك : هل وافقت أو خالفت ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في هذا ؟ …إلخ ارجع إلى مشاركاتي فستجد الأسئلة مازالت مكتوبة على حالها , فلم تجب ولو على سؤال واحد منها فخرجت عن الموضوع مناقشا التوقيعات !!!!!!!
    سألك الأستاذ الشيخ سيدي الملثم أحمد أسئلة فكأنّك لم تقرأها !!!!!!
    قلت لك : سأناقش معك تجربتك الصوفية، وعوض أن تفرح بهذا وتقول في نفسك : سنرى فلربّما غابت عنّي أشياء …. ولكنّك غير متّهم لنفسك
    طلبت منك أن تتركني حتّى أتمّ الردّ كاملا على مقالتك أعلاه , لكنّك لم تستمع , لذا طالبتك بالصمت والسكوت حتّى أتمّ تعاليقي على مقالتك مستوفيا ثمّ تردّ متى شئت , لكنّك ذهبت تردّ وتنتصر …
    ليس هذا شأن الباحثين ولا الطالبين ….
    ذهبت تردّ كي تنقض تعليقي، فتأتي بخواطر لا أساس لها ثمّ تقول: هذا من فتح الردود !!!!
    سأغلق باب المناقشة معك في هذه الصفحة لأنّك لا تريد نقاشا علميا، ولا يمكنك إيّاه، وهذا واضح من ردودك فهي على غير منهاج ولا علمية تذكر.
    بالنسبة لردّك على التعليق واستدلالك له فهو باطل، فلو قلت لك مثلا أنّ الله تعالى : قد أقسم بالشمس وضحاها وأقسم بعمر النبيّ عليه الصلاة والسلام وأقسم بالنجم … فهل يجوز لي فعل ذلك ؟ لكان جوابك: بل لو أقسمت بغير الله لكنت مشركا وهذا لا ريب فيه عندكم , إذن فيكون إستدلالك من القرآن على الألفاظ التوقيفية في غير محلّه
    أمّا بالنسبة للتعليق : فالشيخ الأكبر عندما قال : توضّأ بماء الغيب إن كنت ذا سرّ : فهو يقصد المراتب العالية والعزيمة , فإذا لم تحسن ذلك ولا تقدر عليه أنزلك إلى محلّ الرخصة : وهو التيمّم , والتيمّم لا يكون إلاّ بالصعيد أو الصخر , فإنّه رضي الله عنه ذكر مرتبتين : الرخصة والعزيمة وكلاهما محمود .
    أمّا أنت، فقد ذكرت من فتوحات الردود عليك : متناقضين : هما : السنّة , والبدعة , فجعلت : الوضوء للسنّة , والتيمّم للبدعة , فجعلت العزيمة سنّة , والرخصة التي هي التيمّم بدعة , فأين وجدت أنّ الناس يتيمّمون بالبدع , وقد أوضحت أنّها من فتوحات الردود فما شاء الله.
    ونحن لا نقول : أو تيمّم بالبدعة , فمتى سمعت أنّ البدعة يتيمّم بها , ثمّ أنّ الله تعالى لمّا ذكر صلاة المشركين والكافرين أضافها إليهم صلاتهم، لكنّك أطلقت لفظة التيمّم بل أضفتها للبدعة. فهل قال الله لهم صلّوا صلاة المكاء والتصدية، بل أخبر عن صلاتهم أنّها مكاء وتصدية , ولكنّك أمرتنا أن نتيمّم بالبدعة فهناك فرق والإستدلال باطل، ولكنّه كيف يكون باطلا عندك وهو من فتوحات الردود.
    ثمّ سؤالي : أين وجدت في كلام السلف الذين تدّعي أنّك تتّبعهم هذه المقوله: أو تيمّم بالبدعة.
    أمّا قولي لك : تريّث ولازم السكوت، فليس هو من قبيل ملازمة المريد لشيخه وأخذه عنه، بل من قبيل : دعنا نكمل وتمعّن في كلامنا ثمّ ردّ فهناك فرق.
    أقول : لا أحبّذ أن أكون في مكانك، والتصوّف لا يدرس في كلّيات أصول الدين. فلو كان التصوّف بالدراسة لناله ابن تيمية من قبل وتلامذته , بل هو تقوى ظاهرة وباطنة، ومدد إلهي من حيث صريح الإيمان من مدد قوله عليه الصلاة والسلام: “ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمّد نبيّا ورسولا”.
    هداني الله وإيّاك ودمت في حفظ الله تعالى والسلام عليكم ورحمة الله

    عبد الله الشارف
    بسم الله الرحمن الرحيم
    والصلاة والسلام على من بعث رحمة للعالمين وبعد،
    حضرة الفاضل والأخ الباحث، أبو علي الصوفي:
    لقد ذكرت في جوابك الأخير أسبابا غير مقنعة وواهية، لتعلل أو تبرر بها عزمك على إغلاق باب المناقشة.
    السبب الأول: قولك إنني حولت النقاش عندما ناقشت توقيعك، والحقيقة أنني تناولت كلامك بالتحليل والرد المناسب، وختمت ذلك بتعليقي على تعليقك، لأنني، كما ذكرت لك معتذرا، لم أكن أعلم أن التعليق لا يناقش. ثم إنني عالجته نقدا لأنه نص صوفي يندرج في إطار موضوع مناظرتنا، وليس خارج الموضوع كما زعمت.
    السبب الثاني: قولك: سألتك عن تعريفك للحال والمقام، وسألتك هل وافقت أو خالفت ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في هذا … فلم تجب. فقلت لك أن الجواب على ذلك مسطر فيما ذكرته لك من قبل، وها أنذا أسوقه لك من جديد: “فلا تناقض هناك: ذلك أن المريد في البداية عندما يرتبط بشيخه المربي الطرقي، ويشرع في ممارسة أوراده، فإنه بذلك يتقوى نحو الترقي في المقامات والأحوال، لكنه لغلبة شخصية الشيخ من جهة، وغلبة الوساوس والخواطر النفسية من جهة ثانية، تطغى صورة الشيخ ويتركز حضورها في باطنه، فتنتكس بتلك الوساوس معاني الأحوال والمقامات في وعيه، ثم تصبح تلك الأحوال والمقامات غايات في ذاتها بعد أن كانت في البداية وسائل. ولذا تجد في كتب الصوفية نصائح موجهة إلى المريدين من بينها عدم الوقوف مع الأحوال والمقامات…أما الأحوال والمقامات التي كان عليها الصحابة رضوان الله عليهم والتابعون ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين والتي تحدث عنها ابن تيمية وتلميذه العالم النحرير ابن القيم رحمهما الله، فكانت أحوالا ومقامات صحيحة وسنية لأنها ترتوي من النبع النبوي الصافي.
    لكن عندما ظهر الشيوخ المربون المتفلسفة أو الطرقيون، لم يبق من المقامات والأحوال إلا الإسم.”
    وإذا لم تستطع استنباط الجواب من هذا الكلام الأخير، فإني أقول لك موضحا: تعريفي ومذهبي في الحال والمقام هو تعريف ومذهب الشيخين الإمامين: ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، كما أن ثانيهما هو أحسن من ناقش المصطلحين وشذبهما ونفى عنهما غبش وأدران الفكر الصوفي المنحرف، فارجع إلى كلامه عنهما في كتابه “المدارج”. وبالتالي فإني أوافق ابن تيمية وتلميذه في تعريفهما وفيما ذهبا إليه بخصوص الحال والمقام. وبعد ألا يكفي هذا الكلام جوابا على سؤالك ؟
    السبب الثالث: قولك: إنني لم أحفل بأسئلة السيد الشيخ الملثم، ولم أقرأها.
    الجواب، أخي الباحث، إنني منذ البداية، عندما طفقت ردود زملائك وإخوانك تنهال علي متزامنة مع ردودك، تساءلت: هل أنا بصدد محاورة شخص واحد أم جماعة؟ فطمعا في الاستفادة العلمية الممنهجة، وتجنبا لتبديد الطاقة، عزمت على محاورتك وحدك، علما بأن ردود زملائك، مع احترامي لهم، لا ترقى إلى مستوى ردودك، من حيث أن أغلبهم لا يناقشون صلب الموضوع ،كما تفضلت أنت مشكورا، وإنما يثيرون قضايا أو يوجهون أسئلة لا تلامس موضوع شيخ التربية وشيخ العلم والتعليم. لكنك إذا قررت، أخي الباحث، الانسحاب وإغلاق باب المناقشة كما ذكرت في جوابك الأخير، فقد أحاورهم بإذن الله واحدا واحدا.
    السبب الرابع: قولك: “سأناقش معك تجربتك الصوفية، وعوض أن تفرح بهذا وتقول في نفسك: سنرى فلربما غابت عني أشياء… ولكنك غير متهم لنفسك”.
    في البداية: أنا لم ألتمس منك ولا من أحد مناقشة تجربتي الصوفية، ولا أهتم بمن ذمني أو مدحني بعد اطلاعه عليها. أتدري لماذا ؟ لأنني لا أفتخر ولا أعتز بها، بل وددت لو أنني لم أمارسها، وأكثر من هذا أنني كنت قد عزمت، في نهاية الثمانينيات زمن توبتي ورجوعي إلى الله من بدعة التصوف، أن أحرق جميع ما كتبته فيما يتعلق بأفكاري وحياتي الصوفية، لولا أن بعض العلماء الأفاضل بمدينة تطوان، نصحوني بنشر هذه التجربة مشفوعة بالنقد، لعل الله ينقذ بها أشخاصا يفكرون في ولوج باب التصوف الطرقي. وهذا ما صرح لي به أحد طلبتي في كلية أصول الدين حيث رجع عن عزمه في الانتساب إلى طريقة صوفية عندنا، بعد اطلاعه على تجربتي الصوفية ومقالاتي في نقد التصوف، وكذا الاستماع إلى محاضراتي في الموضوع ولله الحمد والمنة. أما من هو غارق في التصوف الطرقي فلا أظن أن كلامي ولا كلام العلماء الأجلاء كابن تيمية وأبي إسحاق الشاطبي وغيرهم من أعلام السلف الصالح رضوان الله عليهم، ينفعه إلا أن يشاء الله، إنه على كل شيء قدير.
    أقول لك، أخي الباحث: لا تتعب نفسك بقراءة تجربتي الصوفية ومناقشتها، فإنها تجربة باطلة ككل التجارب الصوفية. وهذا عمل ابتدعه ومارسه أصحاب الأهواء من العباد في كل بقاع الأرض وفي كل الملل، بإيحاء من الشيطان اللعين.
    السبب الخامس: قولك: “طلبت منك أن تتركني حتى أتم الرد كاملا على مقالتك أعلاه، لكنك لم تستمع….” أقول لك: متى ستنهي ردك ؟ أبعد أسبوع ؟ أم أسبوعين ؟ أم شهر؟ ثم إذا كان جوابك في عشرات الصفحات أو ما يقارب كتابا… وبعد ذلك يأتي دوري في المناقشة والرد… أظن أن العمل أو الحوار سيكون مملا وثقيلا. وسنكون قد جانبنا منهج المناظرة البناءة، كما أن الزوار سيملون من سماع أجوبتك وحدك، وقد يقول بعضهم: لعله سكت وفسح المجال لمناظره. أليس كذلك ؟ والله أعلم.
    أخي الباحث: إن كانت هذه هي الأسباب والعلل الخمسة التي تسوغ لك الانسحاب وإغلاق باب المناقشة، فأنت حر في قرارك. لكن أخشى ما أخشاه أن ينال هذا الانسحاب، اللامبرر في رأيي، من منزلتك العلمية والروحية، أو يحدث فيها خدشا. وعن الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر، قلت أخي الباحث في جوابك الأخير: “فالشيخ الأكبر عندما قال: توضأ بماء الغيب إن كنت ذا سر: فهو يقصد المراتب العالية والعزيمة، فإذا لم تحسن ذلك ولا تقدر عليه أنزلك إلى محل الرخصة: وهو التيمم، والتيمم لا يكون إلا بالصعيد أو الصخر…”.ثم قلت: “أما أنت فقد ذكرت من فتوحات الردود… فأين وجدت أن الناس يتيممون بالبدع ؟…كما قلت: “أين وجدت في كلام السلف الذين تدعي أنك تتبعهم هذه المقولة : أو تيمم ببدعة.” ؟ سأجيب بإذن الله عن هذه التفسيرات وهذه الأسئلة إجمالا بما يلي: أقول لك في البداية: إن ابن عربي بهذا المنطق والشعور المتعالي يصنف نفسه في المراتب والدرجات العالية التي نوه بها في “الإسرا إلى المقام الأسرى” أو” كتاب المعراج”، لأنه يتوضأ بماء الغيب، وغيره ممن لا يستطيع ذلك ينزله إلى محل الرخصة وهو التيمم. إن هذا الرجل الذي يصنف نفسه كما ذكرت لك، وينزل غيره محل الرخصة والتيمم، يتعالى بنفسه، وينتقص من قدر غير من المسلمين من الذين أنزلهم محل الرخصة. ثم إن المقصود بقولي: توضأ بماء السنة إن كنت ذا قلب وإلا فتيمم ببدعة بنت غفلة، أن من كان ذا قلب سليم تكفيه السنة، كحال الحاضر الصحيح يكفيه الماء للوضوء. ومن كان ذا قلب مريض بالبدع فلا تكفيه السنة التي هي كالماء للصحيح، بل يقصد البدعة الناشئة عن الغفلة. فالوضوء والتيمم في كلام ابن عربي وفي كلامي، ليس المراد منهما المعنيين الشرعيين، وإنما ذلك مجاز عبر به عما يشبهه في الجملة في الكلامين، وإن كان التيمم في اللغة معناه القصد، فتيمم أي اقصد. فالوضوء والتيمم والماء والتراب والصخر في كلام ابن عربي لم يرد منها معناها الشرعي، وإنما أريد بها حال المريد الصوفي. فالمريد الواصل هو كالمتوضئ الصحيح بالماء، ومن دون ذلك هو كالمتيمم بالتراب والقرينة إضافة الماء إلى الغيب. والوضوء والماء والتيمم في كلامي لم يرد منها معناها الشرعي أيضا، وإنما أريد منها أحوال المسلمين بين سني ومبتدع، والقرينة إضافة الماء إلى السنة والتيمم إلى البدعة، فإنه لا يقال ماء السنة ولا تيمم البدعة. ومن فهم من هذه الألفاظ معناها الحقيقي الشرعي يرجى له الشفاء من بلادة حسه، والله الشافي.


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: مناظرة صوفية

    مُساهمة  Admin في الإثنين أبريل 30, 2012 4:21 am

    علي الصوفي
    بسم الله الرحمان الرحيم
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه
    أشكر فضيلة الأستاذ سيدي فارس النور على ما تفضّل به من النصيحة للأخ الدكتور عبد الله الشارفبرقّته المعهودة وشفقته العارمة , وكذلك أتوجّه بالشكر إلى شيخنا سيدي الملثّم أحمد الفاضل فإنّك تجد في كلامه النور الصادق والحكمة البالغة ولا أزكّي الأستاذين ولا أزكّي على الله أحدا وإنّما كلمة حقّ أراها ضرورية في هذه الصفحة.
    العبد الضعيف من طبيتعه لا يحبّ الجدال الفارغ الذي لا يقوم على أساس ولا منهجية وهذا واضح عند كلّ من قرأ بتمعّن في المشاركات وردودها.
    ليعلم من لا يعلم أني العبد الفقير، ما كنت سأتصدّر للردّ على موضوع الأخ عبد الله الشارف، لو لا أنّني قرأت لأحد ساداتنا مدحا لكلامه لحسن ظنّه من جهة، ومن جهة أخرى وهي الأهمّ لأنّه لم يستوف قراءة موضوع الأخ عبد الله الشارف كاملا، على كلّ أنا اعتبرت ذلك المدح سبق قلم بحسن نيّة , فهذا في الحقيقة الذي دفعني للردّ بتلك الحدّة في البداية على الأخ عبد الله الشارف، فهي ردّة فعل على ذلك المدح أن يغترّ به من لا خلفية له عن التصوّف وأهله – فهذا سبب الردّ الأساسي – والسبب الثاني أنّ الأخ عبد الله الشارف عرّف نفسه بصفة دكتوريته وهذا أمر لا بدّ من اعتباره لأنّ الصفة المرموقة تضفي على الموضوع زيادة اعتناء من طرف القارئ , وإلاّ ما كانت ردودنا في بدايتها لهذا الحدّ , والسبب الثالث أنّ لبّ مراد ومقصود الأخ عبد الله الشارف، هدم التصوّف بزعمه على معرفة به كذوق وتجربة. فتصدّرت للردّ عليه لأبيّن له خلله في فهمه للتصوّف جملة وتفصيلا، وكذلك تناقضه الذي لا يخفى , ثمّ السبب الرابع : لاحظت أنّ الأخ عبد الله الشارف يكتب الردود ولا ثقة له كثيرة فيما علمه أو جرّبه من التصوّف، وقد لاحظ سيدي الملثم أحمد الفاضل هذا فكتبه إليه وعلّق بأنّ الأخ عبد الله الشارف في حيرة من أمره، والعبد الفقير أيضا التمست هذا، وما شئت أن أكتبه حتّى لا أخدش مشاعر من أحاوره . من جهة أخرى لاحظت اليوم وفي الردّ الأخير للأخ عبد الله الشارف ارتفاع مستوى الكتابة، وكذلك السبك العربي في التعبير أكثر ممّا مضى في الردود السابقة، ولو لا ثقتي في الأخ عبد الله الشارف، والتماس العذر له لربّما لما يعانيه من قلّة الوقت وعدم جهوزية الردود، وخاصّة أنّ الوقت نهاية رمضان مع قدوم العيد، وكذلك حلول السنة الدراسية , وإلاّ لقلت أنّ كاتب ردّ اليوم ليس هو كاتب ردّ الأمس وقبل الأمس , مع أنّ الكاتب هو الأخ عبد الشارف حفظه الله.
    بالنسبة لقولي البارحة أنّ العبد الفقير سينهي ويغلق النقاش في هذه الصفحة لما رأيته من عدم جدوى هذا النقاش، وعدم منهجيته، وعدم علميته من الطرف المقابل، والذي يقرأ بتدبّر وتمعّن من بداية الحوار، يجزم بهذا بلا ريب.
    الأخ عبد الله وإلى الآن لم يجب على أيّ سؤال وجّهته إليه : وإلى الآن أنتظر تعريفه لمعنى الحال ومعنى المقام، وما دليله في تعريفه ؟ ثمّ ليذكر لنا تعريفات ابن القيم وابن تيمية رحمهما الله تعالى في هذا الخصوص وما دليلهما ؟ وقد سألته أيضا : من قال من العلماء أنّ المريد يفنى في صورة الشيخ ؟ ثمّ سألته عن الأوراد ….وكثير من الأسئلة فما أجاب ولو على سؤال واحد.
    أقول وبصدق : الأخ عبد الله الشارف المحترم خائف من الحوار , وليس له ثقة بعلمه , ولا أعلم سبب ذلك فإلى الآن ما أخرج لنا علمه ولو اقتباسا من كتب الوهابية . ربما أنّه أستاذ في الفلسفة وكذلك يدرّس في كليّة أصول الدين. فكان بودّنا لو أعطانا نبذة يسيرة عن منهاجه الدراسي الأكاديمي في الشريعة الإسلامية، وفي أيّ فنّ من فنونها يناظر. لذا سألته فيما سبق أن يعطينا نبذة ولو وجيزة عن رحلته الدراسية في علوم الشريعة الإسلامية، وما مدى تخصّصه فيها , لأنّنا حملنا صفته على محمل العلم والجدّ والمناظرة النزيهة والمفيدة وليس تناطح الأكباش.
    بالنسبة للأخ عبد الله الشارف اعتبر أنّ أسئلة الفضلاء من ساداتنا الفقراء، كفيضلة الشيخ سيدي الملثم أحمد، والأخ أبي العداس الصوفي، وكذلك مشاركات سيدي النجار الشريف، وتعليقات الأستاذ سيدي فارس النور أنّها في غير صميم الموضوع، وأنّها لا ترتقي إلى مستوى ردود العبد الضعيف، ولا أدري لماذ يقول الأخ عبد الله هذا الكلام، بل هي ردود جميلة موفّقة وليس هي ردود مناظرة، بل مساهمات قد تكون جانبية كتبسيط للدخول في الأهمّ، إلاّ أن أسئلة الشيخ سيدي الملثم أحمد فهي في الصميم، بل العبد الضعيف استفدت منها وأعجبتني كثيرا فإنّها ما وردت على خاطري، ولا على قلبي مع سلامتها الشرعية والعقلية والنقلية .
    أمّا ردودك أنت فضيلة الأخ عبد الله الشارف فهي التي لم تكن في صلب الموضوع، والدليل على ذلك مناقشتك لتوقيع العبد الضعيف، فهذا أمر لا يكون ناجما إلاّ من عجز وتحويل المناقشة عن طريقها، وهذا أسلوب نعرفه جيّدا وخاصّة عند إخواننا الوهابية فهم معروفون بهذا , وهذا الأسلوب رأيناه وشاهدناه عند القنوات الغربية، وخاصّة عند بعض أعداء الإسلام في مناظرتهم مع علماء الإسلام، كما يحدث هذا كثيرا في القنوات الفرنسية، فهو أسلوب غربي يهودي بالأساس، ولا أتّهم الأخ عبد الله بهذا حاشا وكلاّ، ولكن هو سرد لوقائع معروفة ليس إلاّ , وعليه فإن كان أحدنا خرج عن الموضوع فهو الأخ عبد الله نفسه، و من يتمعّن يدرك هذا.
    أمّا ردّ اليوم من الأخ عبد الله الشارف ومحاولته جبر ما إستدلّ به على فتوحات ردوده من حيث قوله أو تيمّم ببدعة… فقد إعترف ضمنا أنّ إستدلاله بالآية الشريفة كان إستدلالا خاطئا، لكنّه اعترف به ضمنا ولم يعترف به علنا ولو كنت مكانه لاعترفت به علنا متى كنت خاطئا.
    ثمّ جاء يخبرنا أنّ في توقيع الشيخ الأكبر رضي الله عنه ترفّع عن الناس , وهذا فيه من قلّة الفهم ما فيه، لأنّ الشيخ الأكبر توجّه بالخطاب إلى غيره في قوله : توضّا بماء الغيب إن كنت ذا سرّ …
    فما ذكر نفسه ولا مدحها بل أراد لغيره الرفعة والرقيّ , فلو حملنا قول الشيخ على أنّه يترفّع ويمدح نفسه فيكون قياسنا أيضا بنفس منطقك أنّك أيضا مدحت نفسك ورفعتها في قولك توضّأ بماء السنّة .. وحقّرت غيرك في قولك : أو تيمّم ببدعة … فأين الهروب , لإنك كنت تحسّ في نفسك أنّك ما أردت بذلك رفعة وما جال هذا الأمر ببالك , قلنا لك : الشيخ الأكبر أولى منك بذلك …أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم …الآية
    وهنا توجّهت حضرة الأخ عبد الشارف فردود فتوحاتك مرفوضة : أوّلا لأنّه ردّ فعل على ما قاله الشيخ الأكبر, وردّ الفعل لا يكون فتوحات في منهاج التصوّف، بل هو تعصّب لرأي، ولهذا طالبتك منذ البداية أن يكون صدرك واسعا – فكما يقولون عرفت شيئا وغابت عنك أشياء , نحن أيضا كذلك ولا جمع العلم إلاّ الله تعالى، فحتّى موسى عليه السلام عوتب في ذلك كما تعلم فنقف عند حدود معرفة أقدارنا، ولا نترك الشيطان يستزلّنا وقد قيل عاش من عرف قدره، ووقف عند حدّه أونزل دونه .
    أمّا لو تجرّدت للبحث والحوار المستقيم الهادئ والمنهاج العلمي القويم، لأفدتنا من بحر علومك طرفا، وقد تستفيد أنت أيضا من نهر علومنا وقد قيل : يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، ولك في قصّة موسى مع الخضر عليهما السلام أبلغ برهان.
    أخي عبد الله الشارف الفاضل المحترم :
    إنّ التجرّد للبحث ومعافسة التجارب أمر أحبّه العلماء الكبار، وقد ألّف الشيخ البوطي حفظه الله كتابه: ”شخصيات استوقفتني”، نبذة عن هذا النوع من العلماء , وقد كان ابن تيمية وابن حزم كذلك من هذا الصنف إلاّ أنّهم أخطؤوا كثيرا لغلظة الحسّ فيهم , لأنّ ميدان التصوّف ميدان رقيق شفّاف من عالم الإحسان، لا يمكن البحث فيه بجمود الروح، وغلظة القلب، وبلادة العقل , نعم أن يتجرّد من له مقدرة غير مزيّفة، وصحيحة، أن يخوض خضمّ هذا البحر فلا لوم عليه بل يجب برأيي في حقّه، وإلاّ فكيف ستلد هذه الأمّة نوابغها وفلاسفتها وباحثيها الكبار، لكن لا بدّ من شروط ولوازم كثيرة معلومة عند أهل العلم والفهم، فلا أظنّها تخفى على من هو في مثل مستواكم.
    كذلك لذي ملاحظة : إسم العبد الفقير هو علي الصوفي، وليس أبو علي الصوفي، فلا أدري من أين إقتبست هذا، ففي البداية كنت تناديني بعلي الصوفي أمّا في الردود الأخيرة فأصبحت عندك أبا علي الصوفي , على كلّ قد تكون سبق قلم , هذا ولتعلم أخي بأنّ أخاك هذا ليس بباحث، فأين أنا من هذا اللقب وإنّما العبد الفقير : مريد صوفي شاذلي , فلو وصفتني بالباحث، فإنّك تسقط تصوّفي وكتاباتي في منهاجه , بل فقير صوفي شاذلي له شيخ ومدرسة، وهو في كفالة شيخه أزوره في زاويته كلّما سنحت الظروف، أمّا الآن فالعبد الفقير في المدينة التي قمت فيها بتجربتك الصوفية، وكذلك لنا إخوان في جامعة السوربون منهم الأستاذ عبد الرؤوف وهو دكتور مدرّس هناك والحمد لله، فقد أخذ على شيخي طريق الشاذلية، ولنا إن شاء الله معرفة بما عليه أحوال من يدّعون التصوّف في مدينة باريس، لذاك أردت أن أناقشك في تجربتك الصوفية في مدينة باريس .
    هذا واعلم بأنّك لست الأوّل ولا الأخير الذي نشأ نشأة إسلامية صوفية ثمّ غيّر رأيه ،, بل هناك من نشأ صوفيا ثمّ تشيّع , وهناك من نشأ صوفيا ثمّ توهّب , وأيضا في المقابل هناك من نشأ وهّابيا ثمّ تصوّف، ومنهم من نشأ شيعيا ثمّ تصوّف أو توهّب وهكذا… فليست تجربتك دليلا على الواقع والحقّ المحتوم.
    وكذلك يجب أن يعلم : أنّ العبد الفقير والكثير من العلماء هنا، لا يناظر أو يحاور أو يناقش من أجل ذات الحوار أو النقاش، بل والله لا يخطر هذا على بالي , وما حاورت مرّة أحدا فأحببت أن أغلبه لمجرّد الغلبة، بل أحاوره إظهارا للحقّ الذي أراه بدلائل الحقيقية .
    وبالجملة : التصوّف موجود لازم ما رفضه أحد، بل فقط عاند من عاند لا لنكران التصوّف من أصوله، بل هذا تصوّف السلف كتب فيه كلّ عالم وأقرّوه فما أنكره أحد. وأكبر دليل تراه في الجزء التاسع من فتاوى ابن تيمية المعوّل عليه عندكم، وكذلك وهو الأهمّ في كتاب مدارج السالكين فهو كتاب صوفي بكلّ المقاييس، إلاّ ما شذّ فيه مؤلّفه ممّا خلط فيه بين هذا وذاك.
    وأنا أستغرب من فضيلتكم كيف تنكرون التصوّف برمّته فمن سيصدّقكم في ذلك ؟ فيجب مراعاة الكلام : قفوهم إنّهم مسؤولون , وكذلك تعلم أنّ المرء ليتفوّه بالكلمة لا يلقي لها بالا، يهوى به في نار جهنّم سبعين أو أربعين خريفا , وخاصّة إذا تعلّق الكلام بدين الله تعالى فالأمر أشدّ خطورة.
    وما دفع الناس اليوم في هذا الزمان إلى نكران التصوّف هو الغرور ودعوى العلم ومحبّة الرئاسة , وقد قال الأستاذ الشيخ سيدي الملثّم أحمد كلمة تكتب بماء العين , قال : قد يكون الإنسان فاشلا في حياته فيأتي إلى الدين ليترأس فيه، هذا معنى كلامه إن أصبت مقصده في الوهابية خاصة.
    دين الله أخي أعظم ممّا يكتبه الوهابيون بكثير, فلو نترك الحبل على الغارب للوهابية لهدموا الدين برمّته في بضع سنين، لأنّهم لا يعرفون روح الدين ولبّه.
    هذا واستغفر الله العظيم لي ولك , اللهم أرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتّباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه – آمين
    والحمد لله ربّ العالمين
    المعذرة على الإطالة
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    عبد الله الشارف
    بسم الله الرحمن الرحيم
    والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وآله وبعد،
    حضرة الأخ الفاضل علي الصوفي: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
    في البداية، أخبرك كما أخبر الزوار والقراء الأفاضل أنني أتأخر بالإجابة بضعة أيام لكثرة الأشغال الفكرية، وإن كان إنجاز الجواب أو الرد لا يستغرق أكثر من ساعتين أو ثلاث في مكتبتي الخاصة. ثم إنني سعيد بهذه المناظرة العلمية التي أرجو من الله أن يستفيد منها القراء على اختلاف مداركهم ومشاربهم. وقبل الدخول في صلب الموضوع ومعالجة النقط الهامة الواردة في جوابك، أود أن أناقش بعض الملاحظات والتساؤلات الجانبية
    منها قولك: وقد لاحظ سيدي الملثم أحمد الفاضل هذا فكتبه إليه وعلق بأن الأخ عبد الله الشارف في حيرة من أمره والعبد الفقير أيضا التمست هذا… دعني أقول لك يا أخي: أنت الذي في حيرة من أمرك، لأن الله ابتلاك بعبد مسلم خبر التصوف ومارسه وتعمق فيه، بع أن قرأ مئات الكتب والمقالات والأبحاث الصوفية بالعربية والفرنسية، وذاق من (اللذة الباطنية) ما شاء الله أن يذوق من كثرة الذكر والتأمل والتدبر، وسمع وأحس وشعر بثورة وجدانية هائلة. حتى إذا كان قاب قوسين أو أدنى من الزيغ والضلال والانحراف العقدي، من الله عليه بالتوبة والأوبة والطمأنينة. ومن باب شكر النعم، عاهدت الله أن أخبر المسلمين بهذه التجربة الباطلة، وأحذرهم من مغبة الوقوع فيها وفي وحل التصوف الفلسفي والطرقي. وفي علم النفس المعاصر شيء يسمى الإسقاط، ومعناه أن الشخص الذي يعاني أمرا نفسيا معينا قد يسارع إلى إسقاطه على غيره كي يظفر بقسط من الأمن النفسي. ولله ذر المثل العربي: “كل إناء يرشح بما فيه”، إذ قولك: “وإلا لقلت أن كاتب رد اليوم ليس هو كاتب رد الأمس…”، دليل واضح على أن حيرة نفسية قد اعترتك، وكان يكفيك أن تعمل عقلك بموضوعية في كتاباتي التي اطلعت على بعضها في موقعي الإلكتروني www.charefab.com لتكون فكرة عن مستوى كتابتي وأسلوبي وطريقتي في تناول الأفكار ومعالجتها، وأحيلك مثلا على مناقشتي لأفكار د.عابد الجابري، ود.عبد الله العروي، ود.فاطمة المرنيسي في باب الاستغراب في الفكر المغربي المعاصر، أو مناقشتي لموضوع الاستغراب في التربية والتعليم بالمغرب، وهذه الأعمال نشرت في كتابين منذ عشر سنوات. وإذا أردت الإلمام بمستوى لغتي الأدبية، ولست أديبا، فاقرأ في موقعي أيضا:”واردات وخواطرإيمانية”، وهو موضوع له علاقة بالرقائق وتزكية النفس… كان ذلك يكفيك جوابا ويدفع عنك حيرة الشك. ثم إن الأجوبة والكتابات، كما يعلم الجميع، قد تختلف من حيث القوة والجزالة والحبكة والإحاطة إلى غير ذلك باختلاف ظروف ووضعية الكاتب النفسية والعقلية.
    وبالنسبة لي مثلا، إن مستوى جوابك الأخير أقل من مستوى جوابك السابق، لأسباب منها :
    1_الحيرة المشار إليها آنفا، وكان بإمكانك تجنبها حفاظا على وحدة الموضوع والمنهج.
    2_ ما زلت تثير مسألة إخوانك المشاركين، علما بأنني أناظرك وحدك، كما بينت سابقا، حرصا مني على الفائدة وتلافيا لتبديد الطاقة.
    3_ ما زلت مصرا على إثارة موضوعي الحال والمقام وتعليقي على كلام ابن عربي، مع أنهما موضوعان جانبيان بالنسبة لصلب الموضوع الذي هو شيخ التربية وشيخ العلم والتعليم
    4- اتهامك لي بأنني وهابي، ولست كذلك، والله يشهد أنني لا أهتم بهذا الموضوع بتاتا. واتهامك لا يقوم على دليل، ثم إنه ليس من الضروري أن يكون كل من انتقد التصوف الفلسفي والطرقي من المسلمين وهابيا.وهذا دليل أيضا على حيرتك المشار إليها.
    5_ قولك عن أسلوبي في المناقشة بأنه “…أسلوب غربي يهودي بالأساس”
    أقول لك أخي الفاضل: تذكر أن الله سبحانه وتعالى نهانا عن الهمز واللمز، كما أن نبينا صلوات الله وسلامه عليه لم يكن طعانا ولا فاحشا ولا بذيئا، وفي الحديث الصحيح: “إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها”. كما أقول لك: إنك بهذا السلوك رميت نفسك بثالثة الأثافي. إنها النفس وما أدراك ما النفس.
    6_ قولك: “الأخ عبد الله الشارف المحترم خائف من الحوار وليس له ثقة بعلمه…”. أخي الفاصل: لو كنت خائفا من الحوار لما خضته أو لتوقفت عنه. لكن أخشى ما أخشاه هو أن تنسحب وتغلق باب الحوار وتحرم القراء من ثمرات المناظرة.
    أخي الفاضل علي الصوفي: لطالما وصفت كلامي بأنه خارج عن الموضوع، لكن ما هذه الهلوسات التي وقعت فيها ؟ :
    شكك في قدرة مناظرك على الكتابة، رميه بالحيرة والخوف من الحوار، تشبيه أسلوبه الحواري بأسلوب اليهود… أهي من صميم الموضوع أم هي أعلام حرب نفسية سافلة ودنيئة ؟؟
    بعد هذا الكلام الناتج عما أثرته من تساؤلات مهلوسة، ألج صلب الموضوع وأناقش ما يستحق المناقشة، وأفتتح بمسألة الشيخ حيث قلت : “من قال من العلماء أن المريد يفنى في صورة الشيخ ؟” أجيبك بما يلي:
    قال عبد المجيد بن محمد الخاني النقشبندي في كتابه “السعادة الأبدية فيما جاء به النقشبندية” ص 22-23 اسطنبول 1401-1981: “اعلم أيها الأخ المؤمن أن الرابطة عبارة عن ربط القلب بالشيخ الكامل، … وحفظ صورته بالخيال ولو عند غيبته أو بعد وفاته، ولها صور؛ أهونها أن يتصور المريد صورة شيخه الكامل بين عينيه، ثم يتوجه إلى روحانيته في تلك الصورة، ولا يزال متوجها إليها بكليته حتى يحصل له الغيبة أو أثر الجذب… وهكذا يداوم على الرابطة حتى يفنى عن ذاته وصفاته في صورة الشيخ… فتربيه روحانية الشيخ بعد ذلك إلى أن توصله إلى الله تعالى، ولو كان أحدهما في المشرق والآخر في المغرب، فبالرابطة يستفيض الأحياء من الأموات المتصرفين”.
    ما أظنك تستطيع الاعتراض على هذا الدليل النقشبندي لأنه دليل دامغ، ثم إن صاحبه من بيت التصوف وشاهد من أهله.
    أما فيما يتعلق بقولك: “إن لب مراد ومقصود الأخ عبد الله الشارف هو هدم التصوف”، وقولك: “أنا أستغرب من فضيلتكم كيف تنكرون التصوف برمته”.
    أجيب بأنني لم أقصد قط في كلامي النقدي للتصوف هدمه برمته أو رفضه جملة وتفصيلا، ولا أظن أن عاقلا من المسلمين ينحو هدا المنحى. وأسوق لك نصا من نصوص التوبة في تجربتي الصوفية، التي ذكرت لي أنك قرأتها ومع ذلك لم تنتبه إلى موقفي من التصوف:
    ” بيد أن هذا لا يمنع الباحث الحصيف والناقد المنصف، من ذكر الصفحات المشرقة من أقوال وكتابات الجيل الأول من الزهاد والمتصوفة المسلمين أمثال الحسن البصري، والفضيل بن عياض، ووهب بن منبه، وبشر الحافي الحارث، والمحاسبي وأبو القاسم الجنيد وأبو سعيد الخراز، وغيرهم ممن عاشوا في القرنين الثالث والرابع للهجرة. فقد خلف هؤلاء الرجال من الأقوال حكما، ومن المعارف دررا ولآلئ جادت بها قرائحهم وترجمتها ألسنتهم وسطرتها أقلامهم، يتذوق قارِئها حلاوة معانيها، ويتنسم من خلال كلماتها صدق لهجة أصحابها، ومدى محبتهم لنبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ومجاهدتهم في سبيل تزكية النفس وتربيتها والسمو بها، ومدى شغفهم بالزهد والعبادة والتأمل والتدبر والمراقبة والمحاسبة. لقد كانت ألفاظهم كالتباشير مسموعة، وأزاهير الرياض مجموعة، ومعان كأنفاس تعبق بالراح والريحان، كلام كما تنفس السحر عن نسيمه، وتبسم الدر عن نظيمه، ألفاظ تأنق الخاطر في تذهيبها، ومعان عني الطبع بتهذيبها.
    إن هؤلاء الرواد الأوائل من الزهاد والمتصوفة قد أرسوا، بما خلفوه من تراث زاخر ينبض صدقا وحيوية، قواعد متينة وطرقا تتعلق بمجال تربية النفس وتزكيتها ومداواة أمراض القلوب، والحض على طرق باب التوبة ونبذ الرذائل والتحلي بالفضائل، ولزوم التقوى وتفيئ ظلال الأنس والمحبة، مستأنسين ومسترشدين بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين من فقهاء وعلماء السلف الصالح. ثم إن هذا التراث الثمين الذي يعبر عن أدب الزهد والرقائق، يتناغم وينسجم مع روح الوحي وأسس الهدي القرآني، إلا أنه لا يخلو من هفوات وأخطاء وانزلاقات، وجب على علماء الأمة وفقهائها التنبيه عليها وإصلاحها.
    أما فيما يخص التراث الصوفي المتعلق بالأجيال والقرون اللاحقة، فإنه قد ارتوى من عيون الفلسفة اليونانية، وعقائد اليهود والنصارى والفرس والهنود، ودبت في روحه نظريات الفيض والإشراق والحلول ووحدة الوجود، فأضحى تراثا لا علاقة له بزهد وتصوف الجيل الأول، وغدت الخيوط التي تربطه بالإسلام أوهن من خيوط العنكبوت. ثم نبتت نبتة التصوف الطرقي، وازدادت الهوة اتساعا حيث تعقدت التربية السلوكية بظهور نظام المشيخة الطرقية، فتعددت الطرق الصوفية، وتفنن الشيوخ في وضع القواعد والضوابط ذات الطابع التكليفي، وكذا إلزام المريد بأذكار وعادات وأعمال كثيرا ما تتنافي مع مبادئ السنة النبوية وروحها.
    كما واكب تطور التصوف الطرقي أدب نثري وشعري، ملئ بموضوعات تتعلق بمدح الشيوخ وتعظيمهم، وبشطحات تعبر عن حالات نفسية ووجدانية غير منضبطة؛ لا تخضع لعقل ولا شرع، أو موضوعات تركز على كرامات الشيوخ وقدرتهم على التأثير في النفوس، والتدخل في شخصية المريدين وتوجيه إراداتهم، بل التدخل والتصرف في أمور أخرى لا داعي لذكرها، أو أذكار وأوراد وأحزاب من وضع الشيوخ، يتلوها ويرددها المريدون في زواياهم أو في بيوتهم كل يوم؛ وهي كلمات وصيغ أو نصوص نثرية إذا عرضت على الكتاب والسنة اتضح زللها وانحرافها”.
    والخلاصة أنني أحببت التصوف واستفدت، وما زلت، من حكم وأقوال متصوفة الرعيل الأول رحمهم الله، الذين كانوا محل مدح وثناء من قبل جمهور العلماء والفقهاء، على مر العصور. ولقد تجدني بين الفينة والأخرى أتصفح بشغف كبير كتب ورسائل المحاسبي أو كتاب “صفة الصفوة” لابن الجوزي وغيرها من الكتب والرسائل الزاخرة بالحكم والمواعظ والوصايا الجليلة، بأسلوب سلس عذب رائق يتدفق من أعماق قائله مكلل بالصدق والإخلاص. نعم إن تلك الكتب والرسائل النقية الصافية لاتشبه الكتب والرسائل الصوفية الفلسفية التي وضعها أمثال الحلاج وابن سبعين وابن عربي والسهروردي، وغيرهم من أقطاب الصوفية المتفلسفة الذين أفسدوا التصوف بنظرياتهم في الحلول ووحدة الوجود وبالشطحات والهلوسات… كما أن تلك الكتب والرسائل لاتشبه أيضا ما سطره كثير من شيوخ الطرق الصوفية أو تلاميذهم من الطامات والمنكرات، تحت إسم الكرامات، وما وضعوه، وما فتئوا، من الأكاذيب والضلالات لاصطياد العوام والبله من الناس.
    هذا وإني تأسيا بثلة من الكتاب والمفكرين، قد شرعت بحول الله في المساهمة في توظيف المفاهيم الصوفية التربوية النقية في علم النفس الإسلامي: إن شئت فاقرأ في هذا الصدد مقالي بعنوان “بناء الذات بين الذكاء الوجداني والتربية الإيمانية” في موقعي الإلكتروني. وميدان توظيف المفاهيم والرؤى الصوفية البناءة في التربية وعلم النفس الإسلامي ميدان يشتغل فيه الآن مئات الدكاترة والباحثين المسلمين خاصة العاملين في المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
    والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

    علي الصوفي
    بسم الله الرحمان الرحيم
    والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله وصحبه أجمعين
    ” وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا “.


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: مناظرة صوفية

    مُساهمة  Admin في الإثنين أبريل 30, 2012 4:23 am

    الملثم أحمد

    بسم الله الرحمن الرحيم

    اقول وبالله التوفيق .. وعليه المعتمد
    اننى ساتوجه ببعض الكلمات للقارئ الكريم، وليس للاخ عبد الله الشارف الذى تعمد الهروب من كل سؤال يوجه اليه ..
    بعد متابعتى للنقاش الطويل، ارى ان سيدى على الصوفى كان ملهما فى الردود !
    اولا لأنه تنبه للسم الذى حاول الاخ عبد الله الشارف ان يضعه فى العسل ويسقيه للناس ..
    فقد كتب مقالا اوله رحمه ،واوسطه تدليس، واخره تضليل. وكان ظاهره الرحمه وباطنه من قبله العذاب اذ حاول الاخ بكل نعومة ان يشرب القارئ من نقيع ضلال ابن تيميه وتلميذه المسكين ابن القيم .
    وقد تفطن السيد الهمام على الصوفى لذلك وبدا رده بحدة .. تعجب منها البعض !!
    ولكن سرعان ما ظهر ان الحق معه .. حيث ظهر الاخ الشارف فى صورة غير ما بدا به من مراوغه وعدم اجابات مباشرة، وترك للموضوع الاصلى ثم راح يجادل فى التوقيعات !!!!!!
    ومع ذلك لا يعطى لنفسه مساحة من التروى للفهم والاقتناع ..

    واعلم ايها القارئ العزيز .. ان شيخ التربية هو الاصل فى الدين .. وليس شيخ التعليم.
    فرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الشيخ الاول للامة والمعلم الاكبر ..
    ولم يقل انى بعثت للعلم الجدلى رغم انه كان معلما ،ولكنه كان معلما للتربية فقال فى حديثه : انما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق .
    ومن يتأمل كيف كان الرسول يربى اصحابه يجد امرا عجيبا ..
    وهو ان النبى لم يكن يكتفى بالتعليم الكلامى او الدروس الفقهية،وانما كان يعتمد على التربية الروحية قبل كل شئ !!
    فاحيانا بالتوجه الغيبى للقلوب التى بين اصبعين من اصابع الرحمن ؛اللهم اعز الاسلام باحب العمرين اليك .وهو ما يعرف عند الساده العارفين .. بتربية السر .. وفيه قالوا شيخك من يأمر معناك .. لا من يأمر مبناك.
    واحيانا كان النبى يربى بالمدد الغيبى ، فيحمل من الهواء بيده ويضع فى حجر ابو هريره !! ويقول له خذ وخذ وخذ !! ثم يقول له اضمم رداءك , فيضم ابو هريره رداءه فيصير من اكبر الحفاظ وتتقوى ذاكرته حتى يصبح اعظم راو عن رسول الله ..
    وتلك امور تربويه روحيه لا دخل لها بالعلم النظرى ..فلينتبه القارئ !!
    ومرة اخرى يربى رسول الله بالضرب !!
    والضرب هنا ليس ضربا للقسوه .. ولكنه ضرب بقوة روحانيه يملأها المدد ..
    فنراه يضرب عمر ثلاث ضربات .. ثم يقول . اللهم اخرج ما فى صدره من غل وأبدله ايمانا.
    ومرة اخرى يضرب صدر رجل يستأذنه فى الزنا ويقول: اللهم حبب اليه الايمان وكره اليه الزنا، فيقول الرجل بعدها .. فقمت من بين يديه .ووالله ما من شئ احب الى من رسول الله ولا ابغض الى من الزنا !!
    وهنا نحن امام نوع من التربية لا علاقة له بالتعليم العقلى .. وانما ضرب من ضروب الغيب والامور الروحانية العجيبه التى تقلب الموازين .. وتحول الاعرابى الجلف الكافر الى صحابى يفتح العالم شرقا وغربا ..
    ومرة اخرى يربى رسول الله بالنظرة .. بل ويأمر الله المؤمنين ان يطلبوا من رسول الله النظرة .. ياايها الذين امنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا !!
    فلم يكن امر رسول الله قائم على القاء الدروس الدينيه فقط ..
    وتلك الاحوال النبويه هى التى ورثها من النبى السادة الصوفيه اهل الصفاء العارفين بالله ..
    وعليه كانوا يربون مريديهم بالعلم والتربيه الروحية معا !!
    وهذا هو الاصل الذى يفتقده الوهابيه .. فترى في دينهم الجفاف والمظاهر والقشور .
    وهى الامور التى حاول ابن تيميه وتلميذه فى نهاية اعمارهم ان يقتبسوا منها ولو سرقه !!
    فراحوا يسرقون علوم الصوفيه .. ويتكلمون فى احوالهم ومواجيدهم بدون ذوق .. وبدون ان يكونوا على احوالهم ومقاماتهم ،فخرجت علومهم ممقوته مكسوفه لا بركة فيها . تماما كما فعل صاحب الموضوع الاخ الشارف ..غفر الله له .
    وما يوجد عند شيخ التربية من الوراثة للاحوال المحمدية النبوية .. هو اغلى شئ فى الوجود .. لانه شئ الهى صرف ..!!
    ولذلك ترى العامة يقبلون على الشخص الذى يشمون فيه رائحة من تلك المواهب اللدنية. ولو كشف لهم على يديه ولو قطرة، ترى مدى تعظيمهم ومحبتهم له والقاء ارواحهم على عتبة اقدامه.
    وما هذا الا تعظيم لله ..وفرح بوجود المدد الالهى فى هذا العبد الصالح .
    وهذا ما غير مجتمعات واصلح امما وفتح مدائن على مدى العصور والازمان على ايدى الصالحين.
    ولذلك لا يعلو على شيخ التربية شئ .. ومهما اوتى الانسان من علم ظاهرى فهو يخضع بفطرته لمن عنده قطره من تلك المواهب اللدنية .
    وترى ذلك فى سيدنا موسى وهو على علم عظيم .. بل كان يكلم الله تكليما !!
    وانزلت عليه التوراة والالواح فيها من كل شئ .. موعظة وتفصيلا لكل شئ ..
    ومع ذلك كيف خضع وتذلل للخضر فى طلب العلوم اللدنيه منه .. وهى التربية الروحية الصوفيه ,,
    وكان ذلك بامر من الله لموسى ..
    فمن لا يطلب شيخا للتربية الروحية ..فهو يظن نفسه اعلم من موسى ..
    وقد صدق الله عندما وصف من لا يجدون الاولياء المرشدين بانهم على ضلال .. بل ان الله هو الذى اضلهم ..يقول سبحانه :
    “من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا”.
    عبد الله الشارف

    بسم الله الرحمن الرحيم

    حضرة الأخ الفاضل أحمد الملثم
    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد
    قرأت كلامك الموجه للقراء والمتعلق بشيخ التربية وشيخ العلم والتعليم موضوع المناظرة التي اهتم بها جمع غفير من زوار وقراء منتداكم الصوفي.
    ولقد أعجبني هذا الكلام لاتصاله الوثيق بصلب الموضوع. ولولا اشتغالي بما يرتبط بالدخول الجامعي، لتناولته بالمناقشة والتحليل فورا. لكنني سأفعل ذلك بإذن الله بعد أيام قليلة ،

    والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

    أحمد الملثم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    على الرحب والسعة اخى الكريم الدكتور عبد الله الشارف ،وانا منتظرك حتى تفرغ من كل ما يشغلك ..
    ولا تستوحش منا اخى الكريم ..فلا يوجد عندى ولا عند سيدى على الصوفى ما يسوؤك .. وما نريد الا الاصلاح ما استطعنا وتصحيح المفاهيم . على الطريق القويم ..
    ولك كل الاحترام الى شخصك الكريم برغم اى خلاف .!!
    فنحن أهل الصفا لا نقبل الكدرا ..
    .
    فتوجهنا اليك انما نريد وجه الله فيك ، وما انت ونحن الا صور وتراب !!
    والله من وراء القصد وهو الهادى الى سواء السبيل

    عبد الله الشارف

    بسم الله الرحمن الرحيم

    حضرة الأخ الفاضل أحمد الملثم، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد:
    إذا اطلعنا على تاريخ الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى نهاية القرن الثاني للهجرة، لن نجد ذكرا لمصطلح شيخ التربية لفظا أو مضمونا بما يحمله من الحمولات والمعاني التربوية الصوفية، وليتصفح القارئ مثلا كتاب “صفة الصفوة” لابن الجوزي رحمه الله، ثم لينظر هل يجد أن أحدا من مئات الرجال المترجم لهم نعت أو وصف ب: شيخ التربية. وذلك راجع لأسباب جوهرية منها:

    - 1 أن المسلمين، خلال هذين القرنين من الزمان، كانوا أحرص الناس على التقوى والاستقامة والتمسك بالكتاب والسنة،فلم يكونوا بحاجة إلى شيوخ التربية بالمعني الصوفي الذي أصبح متداولا في القرون اللاحقة. وبمعنى آخر، لم تكن هناك أزمات أومشاكل نفسية أوروحية متعلقة بضعف الإيمان. وإن وجدت فسرعان ما تعالج، إما عن طريق الصحبة الصالحة وما أكثرها في ذلك العهد، أو عن طريق اللجوء إلى شيخ فقيه عالم معروف بالصلاح والزهد، فيطلب منه النصيحة.
    2- أن روح التربية الروحية والإيمانية، كانت تسري بين المسلمين بطريقة تلقائية، لأن مظاهر الحياة الاجتماعية كانت تعبر أصدق تعبير عن الاستقامة وحب الدين ونصرته، الأمر الذي بدأ يتغير بعد انصرام العقود الأولى من حكم العباسيين، وظهور نفود الفرس.
    3- إن العلم أو الفقه والتربية كانا يشكلان وجهين لعملة واحدة، فالصحابي أو التابعي، أو من تبعه خلال تلك الفترة أو خلال تلك الحقبة الصافية، عندما ينفق أحدهم العلم، فإنه في الوقت ذاته يلقن التربية الروحية والإيمانية. فلم يكن هناك شيخ في العلم والفقه دون أن يكون شيخا في التربية.

    يستنتج مما سبق أن إسم شيخ التربية لم يكن ينعت به أحد في ذلك الزمن أو ينادى به عليه أو يخاطب به، بل كان الشيوخ العلماء والفقهاء يمارسون العلم والفقه تحصيلا وإنفاقا، كما يمارسون التربية الروحية والإيمانية، ومن هنا فإن مصطلح شيخ التربية من المصطلحات المستحدثة.

    والمسلم يحتاج في حياته إلى من يعلمه القرآن أو الحديث أو الفقه، أو يعلمه طرق وأساليب إصلاح النفس وتزكيتها. لكن ذلك المطلوب لا يتعين في شخص بذاته بحيث إذا انتسب إليه الطالب المستفيد يواليه وحده ولا ينفصل عنه، كما يفعل الصوفية مع شيوخهم، بل يستحسن أن يكثر من الشيوخ والعلماء، تماما كما يتغذى النحل وهو ينتقل بين الأزهار. وكل من قدم لمسلم فائدة فقهية أو تربوية فهو شيخه فيها، كما عليه أن يبحث عن الشيوخ والعلماء الربانيين الورعين الزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة، فهم وإن قلوا لم ينقطعوا ولله الحمد.

    وبهذه الطريقة يظل قلب المسلم معلقا بخالقه وبنبيه صلوات الله وسلامه عليه وسنته، مع الاستفادة من الشيوخ والعلماء. فلم يرتبط الصحابة ولا التابعون ولا من تبعهم بشخص واحد في العلم والتربية، وجعلوه محورهم ومستندهم الوحيد، لأن هذا الأسلوب أي أسلوب الاقتصار على شيخ واحد له عيوب كثيرة منها: أن أي شيخ أو فقيه أو عالم يعتبر غير معصوم، إذ قد تصدر منه أخطاء في الفقه أو التربية، تؤثر سلبا في عقيدة أو سلوك أتباعه أو تلاميذه وهم لا يشعرون،وذلك بسبب حبهم لشيخهم الوحيد وتعصبهم لطريقته أو لمذهبه. ولذا كان تعدد المشارب وموارد الفوائد بتعدد الشيوخ والعلماء، أسلم وأصوب وأهدى سبيلا.

    والخلاصة أن كل مسلم يكون على علم بفقه العبادات، مطلع على السيرة النبوية وسير الصحابة والتابعين والأئمة، متخلق بأخلاق، راغب في التقوى والاستقامة،… يعتبر مؤهلا، بالقوة والفعل، للقيام بدور الشيخ التربوي إذا دعت الضرورة لذلك، ودون حاجة لأن ينعت بوصف شيخ التربية، أو يسعى للاتصاف بها والتخصص فيها حتى يعرف بها ويشار إليه بالبنان، إذ عندما يصل الأمر إلى هذا المستوى، قد يلج صاحبه باب الفتنة، فيفتن نفسه وغيره.

    وبالمناسبة لا بأس من إطلاع القراء على أمر وقعت فيه دون قصد، له علاقة بقولي: أن كل مسلم …. يكون مؤهلا للقيام بدور الشيخ التربوي.

    ذات يوم، قبل عشرين سنة خلت، كنت في طريقي إلى البيت، فالتقيت بأحد طلبتي في كلية أصول الدين، فحياني بتحية الإسلام، وطلب مني أن أستمع لكلامه، فاستجبت، ثم قال : “لقد أحاطت بي المشاكل من كل جانب حتى هممت بالانتحار !! إني قد رسبت في الامتحان النهائي للمرة الثانية، وفقدت منحة الطالب، وتوفي أبي منذ سنة وأنا أكبر إخوتي، وليس لي مال أساعد به أمي، كما يصعب علي أن أعثر على عمل يليق بسمعة عائلتي … فأنا أفكر في الموت “، فقلت له تعالى معي إلى المنزل. وبعد تناول وجبة الغذاء، هيأت لنا أم أولادي إبريقا من الشاي مع بعض الحلويات، وكنت بين الفينة والأخرى أطمئن الطالب الحيران وأردد له قول الله تعالى: “فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا، ثم قلت له: سأساعدك في دراستك الجامعية هذه السنة كي تنجح وتحصل على المنحة من جديد. كما سأقدم لك بعض النصائح والإرشادات التربوية والإيمانية، وأهدي إليك إن شاء الله، بعض الرسائل والكتب المتعلقة بتربية النفس وتزكيتها. وكان ما قدمت له من النصائح كالتالي:
    _ احرص على صلاة الجماعة في المسجد.
    _ عليك بقراءة جزء من القرآن كل يوم.
    _ أكثر من الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
    _ اجتنب الحرام وقول السوء والغيبة والكبر… واجتهد في التحلي بالأخلاق الحميدة.
    _ أكثر من الدعاء مع الإلحاح، لا سيما في جوف الليل.
    _ الزم صلة الأرحام وأحسن إلى إخوانك المسلمين ولو بالكلمة الطيبة.
    بعد مرور شهر، زارني الطالب نفسه، وكان فرحا مسرورا جميل المحيا، وقال لي: لقد أنقدتني يا أستاذي من الهلاك، فقلت : أنقدك الله سبحانه وتعالى. يا أستاذي لقد بدأت الأمور تتحسن، إذ تغيرت رؤيتي لنفسي وللعالم، وبدأت أنظر إلى الأشياء والأمور نظرة تفاؤل، وقوي إيماني بالله، وصرت أحب الناس للصلاة والذكر، كما عثرت على عمل مؤقت، وسأجتهد في دراستي.

    وحصل الطالب بعد ذلك على شهادة الإجازة، ثم فاجأني بزيارة أخرى بعد ما يقرب من عشر سنوات، وأخبرني بأنه قد تزوج وله أولاد ويعمل مرشدا دينيا تابعا لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، كما أسند إليه خطبة الجمعة، فسررت لحاله.

    وقبل بضع سنوات، التقيت بأحد الإخوة من الأساتذة الجامعيين، وبدأنا نتجاذب أطراف الحديث حتى انتهينا إلى موضوع ضعف الإيمان الذي استشرى داؤه بين المسلمين، ثم قال لي: أسألك عن عمل يحبب إلي العبادة ويذيب قساوة قلبي. فأجبته قائلا: عليك بالقرآن وذكر الله ، فقال: أطلب منك أن تعلمني حب القرآن والذكر والسبيل إلى تزكية النفس، فقلت له: اسمع يا أخي، أنت أستاذ جامعي مثلي، فاجتهد كما يجتهد المسلمون الذين يرغبون في إزاحة غيوم الغفلة عن قلوبهم، فقال: أنا أريد منك نصائح عملية مكتوبة، أي برنامج عملي يتعلق بتقوية الإيمان وتزكية النفس، فقلت: لست شيخا تربويا صوفيا أوزع الأوراد وأعالج نفوس المريدين.. فما زال يلح حتى كتبت له نصائح وخطوات عملية على طريق تزكية النفس.

    وذات يوم، وهو يستعد لقضاء فريضة الحج، قلت له: بارك الله لك في حجك، ولا تنساني بالدعاء. ففاجأني قائلا: كيف أنساك وأنت لا تغيب عن ذهني يقظة أو مناما !! فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، قد يكون هذا من تلبيس إبليس، أو في أحسن الأحوال من أحاديث النفس، مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور في صحيح ابن حبان: الرؤيا ثلاثة، منها تهويل من الشيطان ليحزن ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في اليقظة فيراه في منامه، وهو محل الشاهد، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة. ثم قلت له: وهذا باب من الأبواب التي ينفذ منها الشيطان إلى قلوب كثير من العباد الغافلين، وينفث فيها فيغدو العبد من الدجالين وهو يحسب نفسه من الواصلين.

    هذا وقد حصل لي مع طلبة وأشخاص آخرين مواقف شبيهة بالموقفين المشار إليهما، حيث كنت أمام حالات متنوعة تستدعي العناية والتوجيه الإيماني.

    وخلاصة القول أن التربية الإيمانية وظيفة تلقائية في المجتمع الإسلامي يمارسها العلماء والفقهاء الربانيون والدعاة الصادقون والخطباء وأئمة المساجد ، وكل مسلم تتوفر فيه بعض أوصاف التقوى والصلاح، ويأنس من نفسه القدرة على القيام بها. وليست حكرا على شيوخ التربية من الصوفية.

    وليراجع القارئ مثلا المجلد السادس من كتاب “حلية الأولياء وطبقات الأصفياء” لأبي نعيم، يجد فيه من كبار علماء الفقه والحديث كحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري. وفي المجلد السابع هياك مثلا شعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة والليث بن سعيد وغيرهم. وفي المجلد الثامن هناك الإمام الشافعي، والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه وغيرهم من رؤوس علماء الفقه والحديث ممن أدخلهم أبو نعيم في جملة الأولياء من كتابه “الحلية” ، معنى هذا أن هؤلاء المذكورين وغيرهم كثير، كانوا علماء الفقه والحديث، وعلماء التربية والتزكية وإصلاح النفوس، أو علماء الظاهر والباطن، وهم في ذلك قد سلكوا طريق الصحابة والتابعين. والذين ساروا من بعدهم على دربهم ونهجوا نهجهم إلى يوم القيامة كانوا مثلهم في ممارسة علم الظاهر والباطن. حيث كانوا نماذج في العلم والفقه، وأئمة يقتدى بهم في التقوى والورع والزهد وحسن السمت. وقد كان تلاميذهم يعرفون كثيرا عن أعمالهم الروحية والإيمانية من ذكر وتلاوة وقيام الليل وصيام التطوع… وقد يخبرون عن بعض كراماتهم وأحوالهم الروحية، فيتأثرون بهم ويقتفون أثرهم بطريقة تلقائية، فيتبوؤون بدورهم منازل التقوى والصلاح والاستقامة دونما حاجة إلى أوراد أورسوم، أو طقوس وأعراف أو علوم لدنية وكشفية كما هو الشأن عند الصوفية.

    وأتساءل بهذه المناسبة: لماذا لم يهتم الصحابة ولا التابعون، ولا أولئك الأئمة والعلماء والفقهاء المشار إليهم آنفا ولا الذين اقتفوا آثارهم ظاهرا وباطنا، بما اصطلح عليه الصوفية بالعلوم اللدنية وعلم الغيب ومائه !! وعلوم الكشف والمكاشفة، وما إلى ذلك من بحار المعارف والعلوم الروحانية والمعارج في السماوات… ألأنهم كانوا أقل إيمانا وإحسانا وعلما من أوتاد الصوفية وأقطابهم وأبدالهم وشيوخهم؟؟ فكيف يعرج ابن عربي وأضرابه إلى السماوات ويرى ويسمع ويحس بالأحوال العجيبة مما ذكره رسائله وفتوحاته، حتى يغيب ويفنى عن وجوده، وهو القائل:

    يحمدني وأحمده ويعبدني وأعبده !!

    كيف يعرج هذا، ولا يعرج الخليفة أبوبكر الصديق، ولا عمر، ولا علي، ولا الإمام أحمد، ولا ولا. !!؟..بل كيف يفتح على أوتاد الصوفية وأقطابهم وشيوخهم في العلوم اللدنية وعلوم الكشف التي سطرت في مئات الكتب والمجلدات، ولم يفتح على الصحابة والتابعين ومن تبعهم، بشيء من ذلك ؟؟
    وإنما وصل إلينا من أخبارهم بعض الكرامات والفتوحات في فهم القرآن والسنة، وأحوال روحية إيمانية متعلقة بالزهد والتقوى والاستقامة. والتي لم يكونوا معجبين بها ولا سطروها في كتب، ولا ادعوا أن ذلك عنوان الاستقامة والمنزلة العظمى والوصول. ألا يسعنا ما وسعهم؟ ألا يكفينا شرفا ومنزلة أن نكون من المتقين فحسب، ونحظى بعدها بالولاية مصداقا لقوله تعالى: “ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون” . فلماذا التنطع في الدين؟ ولماذا الغلو؟ ولماذا التطلع إلى ما يسمى بالعلوم اللدنية ولم يسع إليها الصحابة والتابعون والسلف الصالح؟؟

    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا سواء السبيل، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

    عبد الله الشارف

    بسم الله الرحمان الرحيم

    حضرة الأخ الفاضل أحمد الملثم

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد:

    تتمة لكلامي المتعلق بموضوع العلوم اللدنية عند الصوفية، أقول:

    ولما أعرض المتصوفة عن العلم الشرعي، أو لم يتقيدوا بضوابطه وطرق تحصيله المعهودة، خالفوا وصية إمام الطريقة، أبي القاسم الجنيد رحمه الله، حيث يقول : “طريقنا مبنية على الكتاب والسنة….”، ووقعوا فيما أسموه : ” العلم اللدني”، الذي حسب رأيهم يقذفه الله في قلوب من يشاء من عباده المتقين الذين سلكوا درب التصوف، وأماتوا شهواتهم وأهواءهم بكثرة العبادة والرياضة النفسية، كما اجتهدوا في تخلية قلوبهم من الرذائل وتحليتها بالفضائل، كي تغدو محلا لورود الواردات، وتنزل العلوم والمعارف والنفحات.

    وبالمناسبة أضع بين يديك ويدي القراء مجموعة من النصوص الصوفية التي تعكس علومهم ومعارفهم اللدنية!!:

    يقول ابن الفارض متحدثا عن الذات الإلهية:

    ففي الصحو بعد المحو لم أك غيرها وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلـت !!

    ………

    ولولاي لم يوجد وجود ولم يكــن شهود، ولم تعهد عهود بذمـة !!

    فلا حي إلا من حياتي حياتـــه وطوع مرادي كل نفس مريدة !!

    ……….

    وكل الجهات الست نحوي توجهت بما تم من نسك وحج وعمرة !!

    لها صلـواتي بالمقام، أقيمـــها وأشهــد فيها أنها لي صلت[1] !!

    وقال عبد الكريم الجيلي في الموضوع نفسه:

    فمهما ترى من معـدن ونباتـه وحيوانه مع انسه وسجـــاياه

    ومهما ترى من أبحر وقفــاره ومن شجر أو شاهق طال أعلاه

    ومهما تـرى من هيئة ملكيـة ومن منظر إبليس قد كان معناه

    ومهما ترى من عرشه ومحيطه وكرسيه أو رفرف عز مجـلاه

    فإني ذاك الكل والكل مشهـدي أنا المتجـلي في حقيقته لا هـو !!

    وإني رب للأنــام وســيد جميع الورى اسم وذاتي مسماه[2] !!!

    وقال الشيخ الصوفي محمد الحراق التطواني في “تائيته”:

    أتطلب ليلى وهي فيك تجلت

    وتحسبها غيرا وغيرك ليست !!

    فذا بله في ملة الحب ظاهر

    فكن فطنا فالغير عين القطيعة

    …………

    كلفت بها حتى فنيت بحبها

    فلو أقسمت أني إياها لبرت !!

    ذهلت بها عني فلم أر غيرها

    وهمت بها وجدا بأول نظرة

    ولم أزل مستطلعا شمس وجهها

    إلى أن تراءت من مطالع صورتي !!

    ………

    وأصبحت معشوقا وقد كنت عاشقا

    لأن ظهوري صار أعظم زلتي

    ………

    ولي مقعد التنزيه عن كل حادث

    ولي حضرة التجريد عن كل شركة

    جلست بكرسي التفرد فاستوى

    من الله عرش لي على ماء قدرتي !!

    وقال في قصيدة أخرى:

    كنت ما بيني وبيني

    غائبا عني بأينــي

    والذي أهواه حقا

    لم يزل ذاتي وعيني !!

    فانظروني تبصروه

    إنه والله إنــــي. !!!

    إن قول ابن الفارض:

    ففي الصحو بعد المحو لم أك غيرها وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلـت !!

    يفيد الإمعان والإغراق في الحلول ووحدة الوجود، إذ هو لم يكتف بإثبات هذا الشعور في حال أو مستوى “المحو”؛ الذي هو امحاء الكثرة والغيرية، وفناء السوية، وتجلي الوحدة المطلقة، حيث الخلق عين الحق والمربوب عين الرب، وإنما أكده، بكل استعلاء، حتى في حال “الصحو”؛ فذاته هي ذات خالقه سواء كان حاله محوا أو صحوا. كما يأبى هذا الضال، وهو في نشوة الاستعلاء والتيه والتكبر، أن يثبت لربه ذاتا إذ يقول:

    وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلـت

    فلم يقل: وذاتي بذاته أو ذاته بذاتي، وإنما قال، ليحكم بالعدم الصوفي على رب الوجود،: وذاتي بذاتي؛ فليس ثمة إلا ذاته.

    وقريب من هذا المعنى قوله:

    فوصفي، إذ لم تدع باثنين، وصفها وهيئتها، إذ واحد نحن، هيئتي.

    ولا داعي للتعليق على الأبيات الأخرى، كما أن المجال لا يتسع للتعليق على أبيات عبد الكريم الجيلي أو محمد الحراق، ويكفي القول بأنها تستمد معانيها من معدن واحد.

    ويقول عبد العزيز الدباغ وهو يصف مظهرا من مظاهر “الحقيقة المحمدية”:

    “اعلم أن أنوار المكونات كلها من عرش وفرش وسموات وأرضين وجنات وحجب، وما فوقها وما تحتها إذا جمعت كلها، وجدت بعضا من نور النبي، وأن مجموع نوره لو وضع على العرش لذاب، ولو وضع على الحجب السبعين فوق العرش، لتهافت، ولو جمعت المخلوقات كلها، ووضع ذلك النور العظيم عليها لتهافتت ولتساقطت”[3].

    ويقول أيضا:

    “رأيت وليا بلغ مقاما عظيما، وهو أنه يشاهد المخلوقات الناطقة والصامتة، والوحوش والحشرات، والسماوات والأرضين، ويسمع أصواتها وكلامها في لحظة واحدة، ويمد كل واحد بما يحتاجه”[4]. !!

    ويقول أحمد التيجاني: “أخبرني سيد الوجود يقظة لا مناما: كل من أحسن إليك بخدمة أو غيرها، وكل من أطعمك يدخلون الجنة بلا حساب ولا عقاب…”[5] !!

    ويقول عن حقيقة القطبانية: “إن حقيقة القطبانية هي الخلافة العظمى عن الحق مطلقا في جميع الوجود جملة وتفصيلا، حيثما كان الرب إلها، كان هو خليفة في تصريف الحكم وتنفيذه في كل من له عليه ألوهية لله تعالى، فلا يصل إلى الخلق شيء كائنا ما كان من الحق إلا بحكم القطب، ثم قيامه في الوجود بروحانيته في كل ذرة من ذرات الوجود …ثم تصرفه في مراتب الأولياء، فهو المتصرف في جميعها والممد لأربابها، به يرحم الوجود، ذاته مرآة مجردة يشهد فيها كل قاصد مقصده”[6]. !!

    وعن علم القطب يقول التيجاني: “ومما أكرم الله به قطب الأقطاب أن يعلمه علم ما قبل وجود الكون، وما وراءه، وما لا نهاية له، وأن يعلمه علم جميع الأسماء القائم بها نظام كل ذرة من جميع الموجودات”[7].

    وكلام عبد العزيز الدباغ وأحمد التيجاني، الذي فاض من بحر “العلوم اللدنية”، أيضا غني عن التعليق.

    ولا أجانب الصواب إذا قلت بأن محيي الدين ابن عربي كان أكثر المتصوفة اهتماما بهذا المجال، بل يعتبره أهل التصوف إماما في العلم اللدني. ومن جملة أقواله الدالة على ذلك قوله :

    “وما قصدت في كل ما ألفته مقصد المؤلفين ولا التأليف، وإنما كان يرد علي من الحق تعالى موارد تكاد تحرقني، فكنت أتشاغل عنها بتقييد ما يمكن منها، فخرجت مخرج التأليف لا من حيث القصد، ومنها ما ألفته عن أمر أمرني به الحق في نوم أو مكاشفة”[8].

    وقوله في كتابه ” فصوص الحكم” : ” فإن حكم موسى كثيرة، وأنا إن شاء الله أسرد منها في هذا الباب، على قدر ما يقع به الأمر الإلهي في خاطري فكان هذا أول ما شوفهت به “[9]. (!!)

    ويقول عن كتابه ” الفتوحات المكية ” : “بنيت كتابي هذا، بل بناه الله لا أنا، على إفادة الخلق، وكله فتح من الله تعالى “[10].

    ويقو في الكتاب نفسه : “الحمد لله الذي جعلني من أهل الإلقاء والتلقي”[11]. !!

    ومن أشعاره في هذا المضمار، قوله :

    قلمي ولوحي في الوجود يمـده قلـــم الإله ولوحه المحفـوظ !!

    ويدي يمين الله في ملـكوتــه ما شئت أجري والرسوم حظوظ[12] !!

    ويقول في كتابه “فصوص الحكم” أيضا:

    “وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء. وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم. ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم، حتى إن الرسل لا يرونه، متى رأوه، إلا من مشكاة خاتم الأنبياء. فإن الرسالة والنبوة، أعني نبوة التشريع ورسالته، تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبدا. فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء؟ وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل في التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه، ولا يناقض ما ذهبنا إليه. فإنه من وجه يكون أنزل، كما أنه من وجه يكون أعلى. وقد أظهر شرعنا ما يؤيد ما ذهبنا إليه في فضل عمر في أسارى بدر بالحكم فيهم !وفي تأبير النخل ! فما يلزم الكامل أن يكون له التقدم في كل شيء وفي كل مرتبة. وإنما نظر الرجال إلى التقدم في رتبة العلم بالله. هناك مطلبهم. وأما حوداث الأكوان فلا تعلق لخواطرهم بها فتحقق ما ذكرناه”[13]. (!!)

    ويقول في كتا به “فصوص الحكم” أيضا :

    “أما بعد : فإني رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مبشرة أريتها في العشر الآخر من محرم سنة سبع وعشرين وستمائة بمحروسة دمشق، وبيده صلى الله عليه وسلم كتاب، فقال لي : هذا ” كتاب فصوص الحكم” خذه واخرج به إلى الناس يننتفعون به !!! فقلت : السمع والطاعة لله ولرسوله وأولي الأمر منا كما أمرنا، فحققت الامنية (أي أمنيته صلى الله عليه وسلم)! وأخصلت النية (لتنفيذ أمره) وجردت القصد والهمة (أي لم أربطهما بأي هدف دنيوي أو أخروي) إلى إبراز هذا الكتاب كما حده لي، رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير زيادة ولا نقصان”[14].!!!!

    ومما هو مسطر في كتاب ” الفصوص ” هذا من العلوم اللدنية الصوفية، قوله :

    “ولما أحب الرجل المرأة، طلب الوصلة، أي غاية الوصلة التي تكون في المحبة، فلم يكن في صورة النشأة العنصرية أعظم وصلة من النكاح، ولهذا تعم الشهوة أجزاءه كلها، ولذلك أمر بالاغتسال منه ـ فعمت الطهارة، كما عم الفناء فيها ـ عند حصول الشهوة، فإن الحق غيور على عبده أن يعتقد أنه يلتذ بغيره،(!!!) فطهره بالغسل؛ ليرجع بالنظر إليه فيمن فنى فيه، إذ لا يكون إلا ذلك، فإذا شاهد الرجل الحق في المرأة، كان شهودا في منفعل، وإذا شاهده في نفسه ـ من حيث ظهور المرأة عنه ـ شاهده في فاعل، وإذا شاهده في نفسه من غير استحضار صورة ما تكون عنه، كان شهوده في منفعل عن الحق بلا واسطة، فشهوده للحق في المرأة أتم وأكمل؛ لأنه يشاهد الحق من حيث هو فاعل منفعل، ومن نفسه من حيث هو منفعل خاصة؛ لهذا أحب صلى الله عليه وسلم النساء؛ لكمال شهود الحق فيهن، إذ لا يشاهد الحق مجردا عن المواد أبدا، فشهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله، وأعظم الوصلة النكاح “[15].(؟!!!)

    ولقد خوطب ابن عربي في نهاية معراجه بما يلي :

    “أنت كيميائي، وأنت سيميائي، أنت إكسير القلوب، وحياض رياض الغيوب، بك تنقلب الأعيان أيها الإنسان، أنت الذي أردت، وأنت الذي اعتقدت : ربك فيك إليك ومبعودك بين عينيك، ومعارفك مردودة عليك، ما عرفت سواك، ولا ناجيت إلا إياك”[16].(!!!)

    ومن أشعاره اللدنية التي يعبر فيها عن عقيدة وحدة الوجود، قوله :

    فلولاه ولـولانــا لما كان الذي كانــا !!

    فإنـا أعبـد حقـا وإن الله مولانــــا

    وإنــا عينه فاعلم إذا قلـت إنسانـــا

    ……

    فأعطيناه ما يبــدو بـه فينا وأعطانـــا

    فصار الأمر مقسوما بإيـاه وإيــــانـا[17] !!

    وقوله :

    لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن دينه إلى ديني دانـي

    لقد صار قلبي قابلا كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبـان !!

    وبيـت لأوثان وكعبة طائـف وألواح توراة ومصحف قـرآن !!

    أدين بدين الحب أنا توجهـت ركائبه فالحب ديني وإيمـاني[18] !!

    هذا غيض من فيض مما يتضمنه كلام ابن عربي من انحرافات وضلالات ومسوخات، يسميها علوما لدنية وفتوحات ربانية. ونظراؤه من الصوفية في هذا كثير؛ كالغزالي والسهروردي وابن سبعين والجيلي والتلمساني وغيرهم.

    وللعلامة الفقيه محمد بن قيم الجوزية كلام في العلم اللدني يستحسن الاستشهاد به :

    و”العلم اللدني” ثمرة العبودية والمتابعة، والصدق مع الله، والإخلاص له، وبذل الجهد في تلقي العلم من مشكاة رسوله، وكمال الانقياد له. فيفتح له من فهم الكتاب والسنة بأمر يخصه به، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ـ وقد سئل : ” هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس؟ ـ فقال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وما في هذه الصحيفة، وكان فيها العقل وهو الديات، وفكاك الاسير وألا يقتل مسلم بكافر”[19]، فهذا هو العلم اللدني الحقيقي.

    وأما علم من أعرض عن الكتاب والسنة، ولم يتقيد بهما: فهو من لدن النفس والهوى، والشيطان، فهو لدني. لكن من لدن من؟ إنما يعرف كون العلم لدنيا رحمانيا: بموافقته لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل. فالعلم اللدني نوعان: لدني رحماني، ولدني شيطاني بطناوي. والمحك هو الوحي. ولا وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأما قصة موسى مع الخضر عليهما السلام: فالتعلق بها في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني إلحاد، وكفر مخرج عن الإسلام، موجب لإراقة الدم.

    والفرق: أن موسى لم يكن مبعوثا إلى الخضر. ولم يكن الخضر مأمورا بمتابعته. ولو كان مأمور بها لوجب عليه أن يهاجر إلى موسى ويكون معه.. ولهذا قال له “أنت موسى نبي بني اسرائيل؟ قال: نعم” ومحمد صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى جميع الثقلين. فرسالته عامة للجن والإنس، في كل زمان ومكان. ولو كان موسى وعيسى عليهما السلام حيين لكانا من أتباعه. وإذا نزل عيسى ابن مريم عليهما السلام؛ فإنما يحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم.

    فمن ادعى أنه مع محمد صلى الله عليه وسلم كالخضر مع موسى، أو جوز ذلك لأحد من الأمة: فليجدد إسلامه، وليشهد شهادة الحق، فإنه بذلك مفارق لدين الاسلام بالكلية. فضلا عن أن يكون من خاصة أولياء الله. وإنما هو من أولياء الشيطان وخلفائه ونوابه[20].

    نستخلص من هذه الإشكالية المعرفية التي جادل فيها الفقهاء خصومهم الصوفية، أن العبد المسلم يمكنه الظفر ببعض الثمرات العلمية والمعرفية عن طريق العلم اللدني. بيد أن هذه المعرفة المحصلة عن هذه الطريق ينبغي تمحيصها والتأكد من صحتها، بعرضها على الكتاب والسنة، إذ لا وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمعرفة اللدنية الصحيحة لا تنبت إلا في رياض القلوب التقية السليمة من البدع والانحرافات العقدية، ومن الأهواء والشهوات النفسية، تلك القلوب التي تنورت بالبصيرة.

    إخواني، معشر الصوفية الأفاضل، لقد تبين لي من خلال هذا العمل أن المناظرة في القضايا المذهبية من أصعب أنواع المناظرات، لأن كلا المتناظرين يرى أن صاحبه أو مناظره غير متجرد من الأهواء والميولات . فالمعترض على التصوف البدعي الطرقي يعتبر لدى مناظره المتصوف، وهابيا أو جاهلا بالتصوف، ولو قدم هذا المعترض ألف حجة وبرهان. والأمر كذلك بالنسبة لمدعي التصوف إزاء مناظره المعترض.

    فلو قال المعترض مثلا: إن النبي صلى الله عليه وسلم تستحيل رؤيته يقظة بعد موته، بدليل أن ليس أحد من الصحابة أو التابعين ومن تبعهم بإحسان خلال القرون الأولى ادعى ذلك، وإنما ادعى تلك الرؤية شيوخ وأقطاب بعد ظهور وتطور بدعة التصوف، لأجابه مدعي التصوف: إنك جاهل بعلوم القوم وأذواقهم أو مصاب بآفة الوهابية. بيد أنني أتساءل: لماذا لم يقم أحد من هؤلاء الأدعياء بدعوة الناس لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم عندما رآه أو حضر معه حتى يقيم الحجة على المعترض أو الوهابي؟ أليس لأنه يفتري أو خيل إليه أنه يراه؟

    وكذلك إذا قال المعترض: إن المسلم لا يستطيع الطيران في السماء بدون آلة، ولا يستطيع إقامة صلاة الظهر في أقصى المشرق وصلاة العصر في أقصى المغرب دون الاستعانة بوسيلة نقل، ولا أن يستجيب، وهو ميت في قبره، لمستغيث يستغيث به، ولا أن يتصرف في أحوال الناس وأرزاقهم كما يفعل الأقطاب والأبدال والأوتاد، لأجاب مدعي التصوف أن كل هذا يستطيعه شيوخ التصوف وأقطابه وأوتاده، ولا دليل له على ذلك سوى أنه مسطر في كتبهم كما أنه يجري على ألسنتهم. وقس على هذا ما لا يتسع المجال لذكره من الترهات والطامات والمسوخات.

    وكذلك إذا قال المعترض: هذا الذي تسمونه علوما لدنية لم يكن موجودا عند الصحابة والتابعين، ولا يشبه من قريب ولا من بعيد إلهاماتهم وفتوحاتهم في فهم الدين وإدراك حقائقه. فمن من الصحابة أو التابعين تفوه بكلام من جنس كلام ابن الفارض في تائيته، أو الجيلي في كتابه؛ “الإنسان الكامل” أو في قصيدته المشار إليها آنفا، أو ابن عربي في “فتوحاته” أو “فصوصه”،أو الدباغ في كلامه الذي لم يحسن دباغته، أو الشعراني أو التيجاني أو ابن عجيبة أو الحراق…. لأجاب مدعي التصوف بالجواب نفسه، ولا دليل يستدل به سوى الهوى.

    ولوقال المعترض: ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا تجعلوا قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”[21]. وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: “لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”[22] .

    وقال صلى الله عليه وسلم: ألا وان من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أوليائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، اني أنهاكم عن ذلك.”[23]

    وعندما خالفوا أمره صلى الله عليه وسلم، جرهم ذلك الى مفاسد عظيمة، حيث اعتقدوا في أصحاب الأضرحة الضر والنفع وقضاء الحوائج، وتقربوا اليهم بالذبائح والقرابين، وطلبوا منهم ما يطلبه العباد من ربهم، واستغاثوا بهم الى غير ذلك من ألوان الشرك التي تفسد العقيدة. أقول: لو قال المعترض كل هذا لأجابه المتصوف الطرقي: أنت تنكر بركة الأولياء ونفعهم للعباد، وتنفي كراماتهم وما خصهم الله به، وما يشبه هذا الكلام.

    ولو قال المعترض: ان كل واحد من الشيوخ الطرقيين يزعم أنه تلقى ذكرا وأورادا خاصة بطريقته من الغيب، اما من الله مباشرة، أو من الرسول صلى الله عليه وسلم يقظة أو مناما، أو من الخضر عليه السلام، مثل ما هو موجود في الطريقة التيجانية، حيث يجلس المريد الذاكر جلسة التشهد، مغمضا عينيه، مستحضرا صورة الشيخ أحمد التيجاني، شيخ الطريقة، ويتخيل أن عمودا من النور يخرج من قلب الشيخ ويدخل في قلبه.

    ولهم ذكر آخر يوم الجمعة عند الغروب، حيث يرددون لا اله الا الله ألف مرة مع السماع؛ وهو انشاد شئ من الشعر بالغناء والترنم جماعة ، ثم يقولون: الله حي، والمنشد ينشدهم وهم قيام حتى يخلص عند الى لفظ : آه، آه، آه. ويسموه هذه الحالة: العمارة. ثم يصلون صلاة الفاتح لما أغلق خمسين مرة، ثم لا اله الا الله مئة مرة، ثم صلاة جوهرة الكمال اثني عشرة مرة. وبما أن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة، يحضرون، في زعمهم، عند قراءة جوهرة الكمال، لذا يجب التطهر بالماءن وليس التيمم، قبل قراءتها. ومن شروطها أيضا تهييئ الفراش الطاهر الذي يسع خمسة أشخاص، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يحضر ومعه الخلفاء الأربعة !!!؟[24] .

    ان العبادات التي شرعها الله توقيفية فلا مجال للرأي فيها، ومع كل هذا الانحراف لا يستحيي الصوفية الطرقيون ولا يردعهم عقل أو دين من الزعم الدائم أنهم يهتدون بالكتاب والسنة.

    أقول: لو قدم المعترض هذا الكلام وأثبته بالحجج والبراهين، فان المتصوف الطرقي لن يعدم جوابا من جنس الأجوبة السابقة التي تنبت في أرض الأهواء والشركيات والضلالات.

    اخواني الصوفية: قال عبد الله ابن مسعةد رضي الله عنه: “من كان منكم مستنا، فليستن بمن كان مات، أولئك أصحاب محمد، أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيهم واقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فانهم كانوا على الهدى المستقيم”.[25]

    فمن خالفهم زاعما أنه أتى بطاعة و قربة، فلا يخلو حاله من أمرين: اما أنه جاء ببدعة ظلما، واما أن يكون مدعيا فاقهم فضلا وعلما، بل كان مالك رحمه الله تعالى يقول: “من أحدث في هذه الأمة شئ لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الدين؛ لأن الله تعالى يقول: “اليوم أكملت لكم دينكم”، فما لم يكن يومئذ دينان لا يكون اليوم دينا”.[26]

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد”.[27] أي مردود على صاحبه غير مقبول. وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: “كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم، فلا تعبدوها فان الأول لم يدع للآخر مقالا”.

    اخواني الصوفية: ان التصوف الطرقي ملئ بالبدع والمخالفات والضلالات، بدءا من أخذ العهد وتقديس الشيوخ أحياء وأمواتا، والاستغاثة بهم، ومرورا بالقبورية والمواليد والمزارات، ثم طي الزمان والمكان والكشوفات والمعارج، وهم جرا ومسخا… كل هذه المظاهر البدعية المستحدثة وغيرها، يدين بها الصوفية الطرقيون، ويتقربون بها الى الله، وهم بذلك خالفوا أمر الله ورسوله، حيث أنهم أدخلوا في عبادتهم لله ما لم يأمر به. ومن هنا فاني أخشى أن يصدق عليهم أو يعمهم قوله تعالى: “فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم” (سورة النور: 63).

    إخواني المتصوفة الأفاضل؛ كلانا متمسك برأيه ومدافع عنه، فلا معنى للاستمرار في هذه المناظرة، ولذا فإنني قررت التوقف عن الحوار معكم في هذا الموضوع، وسوف أقوم، إن شاء الله، بطبع هذه المناظرة ونشرها كي يستفيد منها القراء.

    أسأل الله العلي القدير أن يرزقنا السداد في القول والعمل. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين.

    د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف.

    تطوان، صفر الخير 1432 هجرية يناير 2011 ميلادية.
    [1] – انظر “تائية” ابن الفارض.

    [2] – انظر “الإنسان الكامل” عبد الكريم الجيلي.

    [3] – عبد العزيز الدباغ: كتاب الإبريز الجزء الثاني، ص 84.

    [4] _ المرجع نفسه ج 2 ص 73.

    [5] _ علي حرازم؛ “جواهر المعاني في فيض التيجاني”، ص 97 وما بعدها.

    [6] _ المرجع نفسه ص 81.

    [7] – المرجع نفسه ص 79.

    [8] – ابن عربي : “التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية”، بيروت 1981، ص 17.

    [9] – ابن عربي ” فصوص الحكم “، تحقيق أبو العلا عفيفي، بيروت 1980، ص 197.

    [10] – ابن عربي “الفتوحات المكية ” المجلد 4، ص 47.

    [11] – المرجع نفسه، مجلد 1 ص 58.

    [12] – ابن عربي : “التدبيرات الإلهية …..”، ص 162.

    [13] – فصوص الحكم، ص 62-64.

    [14] – فصوص الحكم ص 47.

    [15] – عبد الرحمن الوكيل : ” هذه هي الصوفية، بيروت 1984، ص 39 – 40 “.

    [16] – ابن عربي : “الإسرا إلى مقام الأسرى، أو كتاب المعراج”، بيروت 1988، ص 168.

    [17] – المرجع نفسه، ص 143.

    [18] – ابن عربي : “ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق”، ص 39.

    [19] – رواه البخاري.

    [20] – المدارج، مجلد 2 ص 536 – 537.

    [21] - الموطأ 416.

    [22] - البخاري 1390

    [23] – مسلم 532

    [24] - انظر أحزاب وأوراد التيجاني، ص 13-14

    [25] – انظر شرح العقيدة الطحاوية، ص 383.

    [26] - أبو اسحاق الشاطبي؛ الاعتصام، ج2 ص 53

    [27] - رواه البخاري.
    منقول


    _________________
    خليفتي كذاتي

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد ديسمبر 10, 2017 9:01 pm