شباب الختمية

منتدى شباب الختم يتناول قضايا الشباب وفعالياتهم


    زِيـَـادَةُ البَـــــسْــطـَـــةِ في بَيَانِ العِلْم نُّقْطَ

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    زِيـَـادَةُ البَـــــسْــطـَـــةِ في بَيَانِ العِلْم نُّقْطَ

    مُساهمة  Admin في الخميس أغسطس 18, 2011 7:24 am

    تأليف
    الشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي
    (1043)هـ






    الحمد لله الذي جعل العلم أشرف الفضائل، وأكمل المزايا التي أعز بها الأواخر والأوائل، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أجمد بنوره نقطة الكون السائل، وجعل الوسيلة به إلى حضرته العلية من أقرب الوسائل، ورضوان الله تعالى عن آله الأبرار، وأصحابه الأخيار، والتابعين لهم بإحسان في شهود شمس الأحدية عند الظل المائل.

    أما بعد...

    فيقول شيخنا، وأستاذنا، وبركتنا، وملاذنا، أحدية الوجود، وعلم علم العيان والمشهود، ذو المعارف اللدنية، والحقائق المقدسة العلية، صاحب المقام القدسي، والمجد الأنسي، الشيخ عبد الغني النابلسي، الحنفي مذهباً، القادري مشرباً، النقشبندي سنناً، الدمشقي وطناً -دفع الله عنه وعن المسلمين كل بلاء وعنا-:
    قد سألتني وفقك الله تعالى للعلم النافع، والعمل الرافع، وأوقفك في حضرة المشفوع بالتجلي الشافع؛ أن أتكلم لك على حسب فتوحي، مما يكتبه قلم القدرة الأزلية في لوحي، في بيان معنى الكلمة المشهورة، بل الجوهرة الموروثة عن حضرة باب مدينة العلم، ونجم سماء الكرم والحلم، الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه وعمن تقدم عليه بالفضيلة أو تأخر عنه في المشارق والمغارب- وهو قوله في حكمه الجوامع، وكلماته التي هي كالبروق اللوامع:

    {العلم نقطة كثرها الجاهلون}. وما أعظمها من كلمة تبتهج بمعانيها العاملون، وتنشرح بإشارتها العارفون؛ وقد أجبتك عما سألت على حسب الوقت والساعة، وبمقتضى القدرة والاستطاعة. وسميت ما أكتبه: [[ زيادة البسطة في بيان العلم نقطة ]] والله ولي الهداية، ومنه التوفيق والعناية، وهو حسبي ونعم الوكيل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.




    اعلم أن المراد بالعلم في قوله رضي الله عنه : "العلم نقطة". إما العلم القديم، أو العلم الحادث. والعلم حقيقة واحدة لا تختلف ولا تتعدد، ولكن تكثر بكثرة متعلقاتها من غير انقسام، والحكم عليها بالقدم إنما هو من جهة إطلاقها، وعموم تعلقاتها بالحدوث من جهة خصوص تعلق من تلك التعلقات الكثيرة.
    وبيان ذلك أن ذوي العلم من الخلق هم الملائكة والإنس والجن، وكذا الحيوانات بأنواعها، والنباتات، و الجمادات عند أهل المعرفة، بل كل شيء عندهم له علم يليق به حتى المعاني والأعراض الزمانية. وجميع ما تعلمه هذه المخلوقات المذكورة بعلمها الحادث يعلمه الله تعالى قبلها، بعلمه القديم مع زيادة معلومات لانهاية لها، أما الزيادة فهي مخصوصة بالعلم القديم فلا كلام لنا فيها، وأما هذه المعلومات التي تعلمها هذه المخلوقات المذكورة فقد تشارك علمها الحادث بها مع علم الله تعالى القديم، فنتكلم على معنى المشاركة ليتضح المطلوب.

    فنقول لولا علم الله تعالى القديم بهذه المعلومات ما ظهر العلم الحادث، لأنه مخلوق لله تعالى، والشيء ما لم يعلمه الله تعالى كيف يخلق للحوادث العلم به، كالمشيئة الحادثة لا يخلقها إلا الله تعالى، إلا على حسب مقتضى المشيئة القديمة، كما قال تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله}.
    وكذلك قال في مسألتنا هذه: {وما يعلمون إلا أن يعلمه}، فعلم الله تعالى سابق كل حال.
    ثم نرجع إلى علمنا بالأشياء فنجده عرضاً قائماً بنا، والعرض لا يبقى زمانين كما هو في علم الكلام، فإن كل عرض ببال متكرر الأمثال ولا تأثير لنا مطلقاً في إدراك الأشياء و معرفتها، وإنما الله تعالى يخلق في نفوسنا إدراك ما أراد أن ندركه، فنسمي نحن هذا الإدراك المخلوق فينا علماً لنا، وهو في الحقيقة ظهور علم الله تعالى متعلقاً ببعض ما هو متعلق به من المعلومات التي لانهاية لها، وهذا الظهور هو المعبر عنه عند أهل المعرفة بالتجلي العلمي، وهو كناية عن رفع حجاب العدم عن المعلوم العدمي، وهو يختلف باختلاف المعلومات العدمية، فعلم الملك ليس كعلم مطلق الإنسان، ولا علم الإنسان كعلم الحيوان، ولا علم الحيوان كعلم النبات الجماد، وهكذا فاختلافات هذا العلم الواحد هي اختلافات تجلياته و ظهوراته الكثيرة بالمتعلقات، وباستعدادت المعلومات العدمية فظهوره في عالم الإنسان بالحجر مثلاً ليس كظهوره في علم الفرس بذلك الحجر ونحو ذلك، فالعلم واحد على كل حال، وإن كثر بكثرة معلوماته، وتعدد بتعدد تعلقاته.

    ولهذا عرفه بالألف واللام التي للعهد الذهني، أي العلم المعهود عند كل شيء الذي هو علم كل شيء، الظاهر فيه بحسب استعداده. ولما كان الأمر على ما ذكرنا قال الله تعالى: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون}. يعني لأن علمكم في الحقيقة ظهور علمه تعالى على حسب استعدادكم، فلا علم لكم علماً مستقلاً من أنفسكم. وقال تعالى: {إنما العلم عند الله}. يعني لا عند غيره، وإن ظهر في غيره فليس هو ظهور حلول ولا اتحاد، بل ظهور تأثير وتأثر.
    و قال الخضر لموسى -عليهما السلام - كما ورد في الخبر: "ما علمي وما علمك في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور بمنقاره من ماء هذا البحر". ولا شك أن الذي أخذه العصفور جزء من ماء البحر، لكن لا يسمى بحر لقلته، وتميزه بصورة فم العصفور. وكذلك العلم الحادث لا يقال إنه هو العلم القديم، لأنه مقيد بما تعلق به من المعلومات القليلة على هذه الدرجة العلية، وإن كان هو ذلك العلم القديم بعينه في حقيقة الأمر؛ وقصوره باعتبار ظهوره بالنسبة إلى بعض معلوماته على حسب ما أراد تعالى.

    إذا علمت هذا فاعلم أن قوله -رضي الله عنه -: (العلم نقطة) يعني العلم واحد الذي لا عدد له بوجه مطلقاً هو تلك النقطة، التي وقعت في قلب كل عالم من أهل السماوات والأرض من جميع المخلوقات، وهو الخاطر المتصور في الخيال بصورة المعلوم، ظهر ذلك العلم الواحد مقيداً بذلك المعلوم الخاص على حسب استعداد ذلك العلم. وإنما سمي نقطة لأنها جزء لا ينقسم لصغره وحقارته، والقطرة أكبر من النقطة، وقد أشير بذلك إلى أن بحر العلم الأزلي إذا ظهرت منه نقطة باعتبار تعلقه بكل جزء لا يتجزأ ولا يتبعض، ولكن يتعلق مع وحدته الحقيقية بما لانهاية له من المعلومات، فهو كله بتمامه في أداء كل جزء، لا يتجزأ من أجزاء معلوماته.

    ولعل هذا القول موافق لما ذكرناه من مقالة الخضر لموسى -عليهما السلام- فإن الذي أخذه العصفور بمنقاره قطرة من بحر، والقطرة نقطة وزيادة نقط أخرى، وجميع النقط حيث كانت هي عين ذلك العلم الواحد كانت نقطة واحدة في نظر العارف، وإن كثرت وتعددت كثرة الأجناس، وتعددها كتعدد الإنسان وكثرته بالأشخاص مع وحدة جنسه. ومن نظر إلى كثرة المتعلقات لذلك العلم الواحد حكم بكثرة النقط، فيجره ذلك إلى الحكم مباشرة بكثرة ذلك العلم الواحد، وهو جهل محض بحقيقة ذلك العلم الواحد.

    ولهذا قال رضي الله عنه: (كثرها الجاهلون) أي حكم الجاهلون بتلك النقطة أنها كثيرة متعددة، فحكموا بتعدد العلم وكثرته، مع أنه واحد في حقيقة الأمر، وتلك النقطة الكثيرة نقطة واحدة في حقيقة الأمر.
    وبيان هذا أنا نقول أن جميع المخلوقات العلوية والسفلية نقطة كثيرة في نظر الجاهل وبصيرته، ومختلفة لا تدخل تحت حصر لأنها أجسام وأعراض كما ذكره علماء الكلام؛ والأعراض أوصاف الأجسام، فهي تابعة لها على حسب مقتضيات تراكيبها المخصوصة، والأجسام مركبة من الجزء الذي لا يتجزأ، كما برهن عليه أهل السنة في كتب الكلام، وكل جزء لا يتجزأ نقطة، فهي ذلك العلم القديم الواحد ظهر بمقتضى خصوص معلومه العدمي، فكل نقطة شيء، وكل شيء هالك أي معدوم إلا وجه الحق تعالى إليه وهي علمه تعالى به، قال تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه}، وعلمه تعالى لانهاية له، لمتعلقاته مع وحدته الحقيقية، فالكثرة في الأشياء واحدة في العلم، والكثرة هالكة معدومة، والوحدة هي الموجودة الباقية الأزلية، وأول جزء لا يتجزأ ظهر من معلومات العلم القديم، تكرر وتعدد برؤية نفسه في مراتب ظهوراته، وهو نور نبينا -عليه الصلاة والسلام - كما ورد: "أن أول ما خلق الله تعالى..." وهو مذكور في كتب الحديث، وقد خلق الله منه كل شيء. وفي بعض الروايات: "أول ما خلق الله العقل فسماه عقلاً" وهو الجزء الذي لا يتجزأ، وهو المدركة لكل شيء. وفي رواية: "أول ما خلق الله القلم فسماه قلماً وأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة". بعد أن خلق الله تعالى اللوح منه. ولا اختلاف بين هذه الروايات في حقيقة المعنى المراد، وهو الشيء الأول هو النقطة التي هي العلم الواحد، وقد كثرها الجاهلون بالإدراك العقلي من حيث هي القلم، وفاتتهم وحدتها الحقيقية من حيث هي نور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا التكثر سواء أدركوا ذلك فقط، أو أحسوا به، وتكلموا بالسؤال عنه، والتفحص عليه كما روى أبو نعيم عن علي رضي الله عنه قوله: (العلم خزائن الله ومفاتيحها السؤال).
    وإذا سألوا عنه يسألون إما جاهلاً فيجيبهم على قدر سؤالهم، أو على قدر علمه هو، وذلك نادر.
    كما سئل بعض المولهين: ما اسمك؟
    فقال: هو.
    قيل: من أين أنت؟
    قال: هو.
    قيل: ومن أين جئت؟
    قال: هو.
    قيل: ما تعني بقولك هو؟
    قال: هو.
    وما سئل عن شيء إلا قال هو. قيل له لعلك تريد الله؟ فصاح صيحة عظيمة فمات -رحمه الله تعالى - فهذا هو الذي كان جوابه للسائلين الجاهلين بقدر علمه، وهو لا على حسب سؤالهم.

    وسبب هذا التكثير من الجاهلين أنهم نظروا جميع الأسباب العقلية والعادية والشرعية، وتمسكوا بها دون مسببها، مع أنها كلها في حقيقة الأمر نقط على حروف التجليات الإلهية.
    فالسكين نقطة على حرف التجلي القاطع وهو الله تعالى، والنار نقطة حرف التجلي المحرق وهو الله تعالى، والطعام نقطة على حرف تجلي المشبع والمغذي والمقيت وهو الله تعالى، وكذلك الخواص نقط على حرف تجليات المسمع والمبصر والمذيق والمشم والملمس وهو الله تعالى، وهكذا الصلوات والعبادات نقط على حروف تجليات المثيب الراحم وجميع الأشياء على هذا.

    فلولا هذه النقط ما تميزت حروف التجليات الرضائية من حروف التجليات الغضبية، والحرف في اللغة: الطرف. ومنه حرف الجبل لطرف منه وكل تجلي إلهي طرف، وحضرة مخصوصة فهي حرف قديم ونقطته حادثة لبيانه عند الجاهل به، ومن هنا كانت كتابة القرآن في زمان الصحابة رضي الله عنهم من غير نقط حتى أحدث النقط له الحجاج بن يوسف الثقفي كما صرح به العلماء فتميزت به حروفه عند الجاهل ولم يحتج إلى ذلك في زمان رسول الله ولا في زمان الصحابة رضي الله عنهم لعلمهم الوافر.
    ومعلوم أن هذه التجليات كلها وإن كثرت واختلفت لا توجب تعدداً في ذاته تعالى، ولا انقساماً، ولا تركيباً فيه تعالى؛ بل هو -عز وجل- على ما هو عليه من التنزيه المطلق، الذي اقتضى في الظهور كثرة التجليات المختلفة، فكثرت النقط عند الجاهلين لظهور هذه التجليات الكثيرة، التي هي مقتضى التنزيه المطلق، فلو فهموا التنزيه المطلق، الذي هو أصل لظهور هذه التجليات الكثيرة المتميزة بالنقط الكثيرة، ما عددوا هذه التجليات بالنسبة إليه تعالى، ولا حكموا بكثرة النقط، وكانت النقطة الواحدة منشأة لهم ما هو المقصود والمراد، والله بصير بالعباد، وإليه المرجع والمآب. ولنا من النظم سابقاً ما يناسب هذا:


    أيا من وقع من صدود الحب في ورطة *** ودام يــزداد في عرفانه بسطة
    عين الحبيب تراها غين في غلطــة *** إن طلبت الوصل فاسم هذه نقطة


    والله أعلم بالصواب.




    انتهى


    _________________
    خليفتي كذاتي

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت أكتوبر 21, 2017 6:59 pm