شباب الختمية

منتدى شباب الختم يتناول قضايا الشباب وفعالياتهم


    الرسائل الميرغنية

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    الرسائل الميرغنية

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أغسطس 17, 2011 10:47 am


    الرسالة الأولى
    تحريض الأغبياء على الاستغاثة بالأنبياء والأولياء


    تأليف



    سيدي عبد الله الميرغني المحجوب







    نبذه من ترجمة المؤلف

    هو عفيف الدين أبو السيادة عبد الله بن إبراهيم بن حسن بن محمد أمين بن علي ميرغني الحسيني النسفي البخاري الأصل المكي ثم الطائفي الحنفي المحجوب شيخنا القطب ، ولد بمكة وبها نشأ وحضر في ميادين دروس بعض علمائها كالشيخ النخلي وغيره واجتمع مع قطب زمانه السيد يوسف المهدلي وكان أوحد عصره فانتسب إليه ولازمه حتى رقاه ، وبعد وفاته جذبته عناية الحق وأورثه من المقامات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فحينئذ انقطعت الوسائط وسقطت الوسائل فكان أويسيا تلقينه من حضرة جده صلى الله عليه وسلم كما أشار إلى بعض ذلك ، وظهرت كراماته وبهرت إشاراته أول ما اجتمعت به بمكة برباط الزمامية ، وذلك في سنة 1163هجريه فلاحظني بأنظاره العلية وشملتني نوافح أنواره البهية ، ثم عدة إلى اليمن ثم وردة مكة سنة 1166 والمترجم له كان انتقل إلى الطائف بأهله وعياله وذهبت إليه ولازمته ملازمة العبيد للأسياد وتشرفت بسماع ما يلقيه من فوائده العالية الإسناد وأمرني بكتابة ما تيسر من مؤلفاته فكتبتها بخطي وحررتها بضبطي ، وقد أجازني بكل ما عنده ، فطلبت منه مرة إسناد كتب الحديث فقال عني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلمت أنه أويسي المقام ، ومآثره شهيرة ومفاخره كثيرة وأحواله في احتجابه عن الناس مشهورة ، وأخباره في زهده عن الدنيا على ألسنة الناس مذكورة فلا حاجة للإطالة بها .
    المقدمة
    الحمد لله الذي أبدع هذا النظام ، على أحكم وجود الانتظام ، وأتقن هذا الوجود ، لنظام الدر المنضود ، وجعل ظاهره عنون باطنه ، وباطنه جامع لأسراره ومعادنه .
    أحمده أن جعل قواعد ملكه الظاهر ، مظاهر معاقد ملكه الباطن الفاخر ، فما من شيء من لوازم الملك الموجود ، إلا مثله وأعظم في ملكه المشهود ، وما ذاك إلا لاقتضاء الملكين ، لزوم هاتين القاعدتين ، وأشكره أن جعل الوسائل والأسباب والأبواب ، مفاتيح للوارد والطلاب والرغاب .
    وأصلي وأسلم على الوسيلة العظمى ، والباب الأعظم الأسمى ، والسبب الأفخم الأحمى ، وعلى الوسائل والأسباب ، وسائر الأسباب والأنساب ، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة مؤمن بقوله تعالى ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ ( وأشهد أن محمداً رسوله شهادة موقن بنفع الوسائل وفضل ذي الفضيلة
    وبعد فهذه كلمات وضعتها في لزوم التوسل بالأنبياء والأولياء ووجوب الاستغاثة بالأتقياء والأصفياء ، كما مر عليه عامة السلف والخلف ، ومشى إليه أولي العلم والفضل والشرف ، وأصول منهجهم ثلاث آيات ، وكثير إشارات وأحاديث صينات ، وكثير أخبار وآثار زينات ، ونتكلم على كل آية بما يفتح الوهاب ، من هاتيك الأبواب ، وليس بواسطة تلك الأسباب فنقول :

    المقصد الأول من الآيات

    قال الله تعالى ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ ( أعلم أن الوسيلة قسمان : قديمة ، وحادثة ، فالقديمة هي ذات الله تعالى وصفاته وأسماؤه وكلامه ، فالتوسل بها لا يتوقف فيه إلا ملحد أو جاحد عنيد متمرد ، والحادثة العظمى منها : هو سيدنا رسول الله ، وأنبياؤه وملائكته وأصفياؤه وأولياؤه والتوسل بهم ثابت وواقع من ابتداء الوجود إلى انخرامه في تحليل كل خطب وانبرامه . والنداء لهم والاستغاثة بهم والنده لهم كذلك ، لا ينكره إلا أعمى البصر والبصيرة ، وكيف ينكر ما وقع من كثير لكثير من الصحابة والتابعين والعلماء الراسخين والأولياء العارفين ، وسيما ما نظموه ونثروه ، وهل هذا الإنكار إلا من عمى البصائر والأبصار ؟ أو من الجهل بالبراري والأبحار أو الشموس أو الأقمار ، ومعاذ الله أن ينكره معترف ، أو من بحار إيمانه مغترف ، ولا شك أن الأصل في الأمر الوجوب ، والتوسل لازم مؤكد محبوب ، ولا يتوصل إلا به إلى المطلوب فهو من المطلوب ، وفي نهج السعادة قال: صلى الله عليه وسلم ((توسلوا بي وبأهل بيتي إلى الله فإنه لا يرد متوسل بي وبأهل بيتي إلى الله لا يرد متوسل بنا )) وقد استغاث عمر بالعباس وكان ابنه ينده لسيد الناس أجمعين صلى الله عليه وسلم ، وإذا لم تقع الوسائل في الملمات والنوازل فما من ذي الوسيلة ، وما من هاتيك الحيلة ، وأي والله لها وأي فضيلة ، وقد ظهرت فضائلها وفواضلها في كل ذلك ظهور الشمس في ضاحية النهار ، حتى لم يكن على ذلك عند أربابه غبار .


    المقصد الثاني

    قال الله تعالى ) وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ( أعلم أن البيوت نوعان : حسية ومعنوية وهي أماكن القصد والأمنية ، فأبوابها كذلك ، ولا شك أن الباب الأعظم هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رسل الله وأنبيائه وملائكته وخواصه وأولياؤه والإتيان إليهم بوجوه : منها الزيارة ، ومنها الاستغاثة والنداء عند الغارة ، ومنها اللجأ والنده عند حلول الضيق في المحارة ، وإذا نفعت إغاثة اللهفان ولو كان من كان ، فلأن تنفع إغاثة ذي الشأن ، عند من ]كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ أولى ، وهذا الأمر أيضاً للوجوب ، وكيف لا يكون كذلك والسلطان المجازي الصوري العدمي مرتب ملكه على هذا الترتيب ، ومحدد بحدود وأساليب وأعاجيب وأبواب ودساتير ومحابيب ، حتى أن من جاء على خلاف مراده ، لا يرضاه ولو كان من أهل وداده لأن بغير هذا الترتيب والنظام لا يتم الانتظام ، ولا يكون التمام ، وهذا من بديع الاصطناع ، ورفيع الاختراع ، وعظيم شأن السلطنة وخطير شأو المشانة ، وكذا رأي كثير منا ما من طرق الباب الأكبر رده إلى الأصغر ، كما يقع كذلك من الملوك المحازية بالفعل وهل هذا يوجب نسبة الملك إليهم فضل عن الربوبية ، معاذ الله أن يقول بهذا إلا أخرق أو عديم حواس أكمه أحمق ، بل هذا أثبت في الإقرار بعظيم الربوبية ، وأعظم في الاعتراف بالشئون التوحيدية ، فإن الملك العظيم والسلطان الفخيم ، يهب من يشاء من خواصه من التصريف ، والحل والعقد والتحريف ، بقوة سلطانه وعزة قدرته وشأنه ، لتكثر سلاطينه ، وتظهر براهينه ، فتدبر في هذا بعين الإنصاف ، ودع التعصب والإعتساف .
    وإذا علمت ذلك وتحققت لما هنالك قطعت بأن خلافة خرق العادة وإكرام للسادة وإغواء وإملاء لذوي الجحادة ، وفقنا الله على الوقوف على حدوده ولا جعلنا ممن تعدها إلى جحوده ، وغمر في وحله وكفره ونكده كما قال سبحانه ) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون (

    المقصد الثالث

    قال الله تعالى ) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ( هذه الآية نظير الحديث القدسي ((كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف )) فانظر كيف علل الخلق في النوعين بالتعريف للتشريف لكل عين ، وما ذاك إلا أن الأتقى نائبه بخلافة ، وكذا ، خلق آدم على صورته ، وذلك ليعرف الخلق مقدار النواب وأنهم الوسائل والأسباب فيأتونه من هذه الأبواب ، ولا يأتونه من وراء حجاب ، ولا يبادرونه بخطير الخطاب ، فيردون إلى المخاف ولا يقفون على مطلب كما هو العادة فيمن جاء من غير باب وتدبر في قوله تعالى (( لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، إلى أن قال: ولئن سألني لأعطينه وإن استعاذ بى لاعيذنه )) الحديث القدسي تجده يقول : هو حضري فأندها ، وخليفتي فأربها ، وإن لم تدرك هذا فقل إنه مجاب ومعطى ، وباب فألجأ إليه لئلا لا تجاب ، وأنده في كل خطب عجاب : وهذا من عظيم تفضلاته وجليل مكارم هباتي : أجود بنفسي وبواسطاتي ، وأفيض محاسني وصلاتي ، فله الحمد على ذلك ، وله الشكر هنا وهنالك ، ولا يشكر الله من لا يشكر الناس ، ولا يعبده من بنى على غير أساس ، ولا يصله من سار في غير قسطاس ، )ولله مقاليد السموات والأرض ( ولا تفتع إلا بمفاتيحها ، فأفتح بصرك يا خفاش وقل )كل شيء عنده بمقدار( وله أبواب وسبل وأقطار ، فلا ينزل المدد المدرار إلا من قنواته في سائر الأماكن والأعصار ، فكم شوهد خيبة من فعل خلاف ذلك ، وتعسه من جهل ما هنالك ، وعن هذا قلت
    صاح مهما ضقت زرعا فاستغث بالأولياء
    ينزل القصد سريعاً راغماً للأشقياء




    ولهذا يتبين لك وجوب التعلق بالوسائل والأسباب ،وتأكد لزوم التزام الوسائط والأبواب فتعلق بالوسائل والأسباب وألجأ واستغث وأنده لخواص الله والأحباب ، واطرق لدى الخطوب ما شئت من الأبواب ، تنل بذلك من فيض فيض الوهاب ، ما لا يدخل في حساب ، ولا يرقم في كتاب ، مما ربطه الحكيم الوهاب ، بالوسائط والأسباب ، وتكن مؤمن كاملاً ، وموقناً تاماً يقيناً وصدقاً كما حكى الله تعالى عن أهله بقوله: ) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ( وتبرأ من كفر من حكى عنه بقوله )وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ( وهذا مذهب عامة السلف والخلف ، وعليه عمل الكل في كل وقت وحين وغرف ، فعليك به وبرهطه وحزبه ، وإياك ما ذهب إليه جلف العلماء وقلف القلوب ألو العمى ، ولا تفتتن بتزويفاتهم وتنميقاتهم واستدلالهم بالنقل والعقل ، وقوله : إن هذا من الشرك . وما ذاك منهم إلا أنواع من الكفر والإفك والحسد والأشر والكبر والبطر ، ويكفي أنه لا يوافق على ذلك إلا كل متكبر مجتري خائب محروم مما هنالك يكفر ، في الواقع تعرف البون هو الفرق بين الفريقين ، وتقطع بشرف فاعل ذلك ، وبتعس منكر ما هنالك ، ويكفي المحروم الحرمان ، ولو لم يكن إلا الرجوع إلى ذلك ، رغماً كما وقع لكثير لدى اشتداد الخطوب حتماً لكفى في فتح أبصار كل منكر أعمى ، لكن من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، ومن يقوى لعظم أنواع العذاب والطرد والضرب ؟ إذ قال تعالى (( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب )) إلا كل متكبر عنيد جبار كما قال سبحانه ) فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (
    فإن قلت: إن أردت الوجوب الثبوت فظاهر لكنه خلاف السياق والظاهر ، ولا قائل به . قلت: هو مقتضى قواعدهم وإن لم ينصوا عليه ، نعم تدور عليه الأحكام الستة كالدعاء ونحوه لاختلافه باختلاف المقاصد ، والله أعلم
    تنبه : لعلك تقول : التصرف من لوازم الحياة ، وبالموت يزول ، فكيف يمكن أن يدول ؟ فأقول: هم أحياء عند ربهم ، وحضور لدى ملهم ، فيتصرفون بحول من له الحول ، وله القوة والطول ، وكم شوهد مما لا يحصى ، ولا يعد فيستقصى ، حتى لقد خرج البعض من قبره جهاراً ، وقضى لقاصده ومناديه أوطاراً فإن قلت: هذا القطب الأكبر والغوث الأعظم الأفخم الشيخ شمس الدين الحنفي قدس الله أسراره يقول: إذا مات الولي انقطع تصرفه في الكون وعدم الإمداد للزائرين فإن حصل مدد للزائرين وقضاء حاجة فمن الله على يد القطب ، ومنه أخذ أجلاف العلماء انقطاع تصرف الأموات الأولياء الكرماء
    فأقول: لا شك في أنهم أحياء وتصرفهم أظهر من الممات والمحيا ، وكم وكم مما به الله أحكم ، وله في ذلك كم من حكم حتى أرشد بعضهم مريده جهاراً ، وصافحه ولقنه نهاراً ، كما خرجت اليد الشريفة للسيد الرفاعي ، وكم انتفع بعض المريدين من شيخه بعد مماته أكثر من حياته ، وكم دخل في طريقته كذلك ، وما ذاك إلا مما هنالك ، وكيف والشيخ نفسه يقول: من له حاجة فليأتي قبري ويطلب فإنها تقضى إلى أن قال: من حجبه عن أصحابه زراع فليس برجل ، وكم غيره قال ذلك وأعظم من ذلك ، وإنما قال بالانقطاع لما شوهد من خصوصيته بذلك في وقتها ولا مانع لكثير مزايا المعطي المانع ، لا أن ينقطع مطلقاً ، والمشاهد خلافه ، وفي الحديث عن أبي جرى جابر بن سليم t قال: (( رأيت رجلا يصدر الناس عند رأيه لا يقول شيئاً إلا صدروا عنه قلت: عليك السلام يا رسول الله مرتين ، قال: لا تقل عليك السلام ، عليك السلام تحية الموتى قل: السلام عليك ، قال: قلت أنت رسول الله ؟ قال: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك ، وإذا أصابك عام سنةٍ فدعوته أنبتها لك ، وإذا كنت بأرض غفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك )) ، الحديث ، فهذه الأوصاف يمكن أنه أراد بها الله ، وهو الظاهر ، ويمكن أنه أراد نفسه وأراد بذلك النداء له في الخطوب فيسرع بتفريج الكروب ، ومن هنا قال السيد الحبر t وأمدنا بمدده ، ونفعنا بجواره ومدده آمين آمين




    إذا طارقات الهم ضاجعت الفتى
    وباكرني في حاجة لم يجد لها سواي
    فرجت بمالي من همة من مقامه
    وكان له فضل علي بظنه










    وأعمل فكر الليل والليل عاكر






    ولا من نكبة الدهر ناصر





    وزايله هم طروق مسامر





    بى الخير إني للذي ظن شاكر





    وهذه الأبيات أثرها ظاهر في كثير الأوقات ، وكم كانت له بها كرامات ، وهي من المعجزات لسيد السادات صلى الله عليه وسلم



    خاتمة

    أعلم يا أخي هداني الله وإياك ، ولا أعماني ولا أصماك ، أن أهل البيت النبوي قسمان ، صوري حسي ، ومعنوي إنسي ، فالقسم الأول معروف ، وبالشرف بين الأنام موصوف ، والقسم الثاني هم أولياء الله الذين إذا رءوا ذكر الله ، وقد ألحقهم بالأول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفضل والشرف وبأهل البيت بقوله (( سلمان منا أهل البيت )) وقد جرت عادة الله في أجلاف العلماء والكبراء والعظماء بالحقد عليهم حسداً لهم بما أوتوا من الشرف الأعلى والمظهر الأغلى والظهور الأجلى والطهور الأحلى ، وكل ذي نعمة محسود وكل حاسد مطرود ، وعن الخير مبعود ، وفي الشر ممدود ، ومن آذى أولياء الله فقد حاربه الله ، ومن حاربه خسر دينه ودنياه ، وانقلب وجهه قفاه ، ورجع القهقرى إلى الوراء ، وأنشد لسان حالهم فيه :
    نحن بالله عزنا لا بمال ومنصب كل من رام ذلنا حسبنا الله والنبي




    وقال فيه تصديراً وتعجيزاً
    نحن بالله عزنا عز من كل مركب وبطه افتخارنا لا بمال ومنصب
    كل من رام ذلنا حطه الله فارقب والنبي إن سهمنا حسبنا الله والنبي




    وأرغمه بقولي منشداً على لسان حالهم
    نحن الملوك لا تنقص iiعزئمنا
    نحن الفوارس في العلياء بلا ريب
    نحن الأعزة عند الله iiأجمعنا
    نحن الغياث لمن ضاقت iiمذاهبه
    نحن الذين لهذا الكون ذو مدد
    نحن الذين من بداهم بالأذى iiله
    نحن الذين لهم جاه له iiسعة
    من رامنا في خطوب حل معضلها
    يا منكراً عاذلا من أحب لنا
    النعم تعرفنا ثم الجماد لها
    خير الوجود دعي كيف iiتنفعنا
    يكفي لنا شرفاً ما فوقه شرف
    تحية الملك الأعلى ورحمته
    والآل والصحب ما لاحت بروق ربا



















    فمن يكن في الناس أو iiيرم





    ميداننا لم يحمه كل iiمتهم





    فاقصد لنا إن ترمه غير منفصم





    فاهتف بنا إن تضق وإن تكن تضم





    يناله من دنا أو نأى فعمي





    حرب من الله من يقوى له يقم





    لكل من يخشى في الكون من إضم





    وما رامنا بسوء صاح واندمي





    يكيفيك حرماننا إذا كنت أنت iiعمي





    شوق إلى مربع كنا به قدم





    محيا مماتاً وحشرا ًفاستفق وهم





    فأبصر هديت لما أوليت من نعم





    على محمد المحمود في القدم





    وفاح نشر الحمى من ذلك العلم





    أولم يتأدب الحاسد الفاقد والجامد الخامد المطرود الراقد والمعبود الشاهد والمشاهد فيمن قال في حقه ) أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ( وقال ) لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبِّهِمْ ( وقال ) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (*) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ( وقال بلسان نبيه r (( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر )) إلى غير ذلك مما لا يذكر ، وما خفي كان أكبر ، وقد كانت هذه الكلمات في بعض السويعات ، وهي بحسب ما جرى على الخاطر ، وما ورد من الإله الفاطر ، وإلا فلو تتبعنا النقول لحار في تبيان سردها العقول ، ويكفي ذو اللب والإحساس آية ) ولو لا دفع الله للناس ( وعنها قال الأناس (( لا يشكر الله من لا يشكر الناس )) وبيان آية بأقصر الوجوه أن الدافع هو النفع وهو حسي ومعنوي ، والمدفوع الذي هو الفساد كذلك ، فالصوري ما عبر به بقوله تعالى ) لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ( والمعنوي ما أشار إليه بقوله سبحانه ) هُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ ( إلخ ، ومن المعلوم المشاهد المفهوم أن كل من حدث له شيء من نوائب الملك رجع إلى خاصته المخصوصة به ، وتوجه وتوسل بوسيلته وحزبه وهكذا فأفهم معاني النقول والمعقول ، لا كما احتج به الأجلاف واستدل به الأطراف ، فإنهم ما حاموا حوله فما عرفوا ، ولكن بعقولهم الفاسدة حرفوا وصرفوا ، فنعوذ بالله منهم ونعوذ ، ونلوذ إليه من أفعالهم ونلوذ ، أما علموا أن نتائج أفعالهم تكفير أكثر العلماء بأفعالهم ، فقبحهم الله تعالى وأخزاهم ، أما فهو أن آحاد أتباع الملوك المجازية لا يجتري أحد أن يقل أدبه معهم في قضية ، فكيف بخواصه السمية ، فضلا عن خواص الحضرة العلية ، لكن شأن الحمير والبقر ، أن تنفر وتنطح بلا نظر ، بل هي لو تدبرها العاقل لأراها في غالب أحوالها تتبصر ، وفي جل حركاتها وسكناتها تتمر ، فمن لا يساوي البقر والحمير ، لا ينفعه خمير ولا فطير ، ولا يفيد خطير ولا حقير .
    واعلم يا أخي أن إنكار ذلك من ضعف اليقين ، وسخف الإيمان والجرأة على اليمين ، وسيما في هذا الحين ، الذي ذهب فيه الدين ، وعودي وهي من الخلق المهين ، فإن غالب أدلة السوى عندهم الحلال والحرام والمحاسن والملام والخبيث والطيب والقبيح والحسن ، بل قد افتخروا بالفواحش ، وتكبروا بالدناءة والنواهش ، فلا بدع أن ينكروا ذلك ويشكروا ما هنالك ، وهذا الأمر مشاهد محسوس ، ولا ينكره إلا كل أعمى مطموس ، وممن في قبائحه وفضائحه منكوس مغموس وقد أخبر بهذا الصادق المصدوق بأحاديث لا تحصى ، و، أخبار لا تستقصى ، ويكفي ما رواه البيهقي في الشعب عن علي t قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يوشك أن يأتي للناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ولا يبقى من القرآن إلا رسمه ، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى ، علماؤهم شر من تحت أديم السماء ، من عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود )) وهذا مصرح برفع معالي هذه الأشياء وأسرارها والمقصود منها وإن وجدت صورته ، ومن تدبر أحوال هذا الوقت رأى الأمر كذلك بلا شك وأن ما هناك منفك ، وعنه قلت
    ما في الزمان من العكوس
    لم لا ودين أهيله



    ثم النحوس مع النكوس





    تلك الدراهم iiوالفلوس




    وقلت في بعض المنفرجات
    تباً لعباد قد عبدوا
    فالدنيا الدنيا دينهم
    آه منا ولنا ماذا



    صنم الأهواء على عوج





    والله وأحمد في الهيج





    يختار الأعوج من نهج





    واعلم أن قوة التعلق بالوسائل والأسباب ، شدة ربط القلوب بالأسباب والأبواب من قوة الإسلام والإيمان وصلابة الدين والإيقان ، ووهن هؤلاء ووهن ذلك ، عاد كل بضد كل ذلك ، وما زالت الناس بخير ما قوي الكل ، وما عظم الجزء مع القل ، وما أكثر شر الزمان وضره ودنسه وغثائه ومره إلا بوهن ذلك ، وهذا شاهد لمن تدبر وتفكر وتبصر ، فتدبروا يا ذوي الأفكار ، واعتبروا يا أولي الأبصار ، قولوا الأمر لله الواحد القهار ، اللهم أهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وقنا شر ما قضيت ، اللهم آمين هذا : وقد جرى الإلهام بتسمية هذا الكلام (تحريض الأغبياء على الاستغاثة بالأنبياء والأولياء ) وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم قال في الأم وكان الفراق من نسخها يوم السبت 19 ذي القعدة سنة * 1255 هجرية على يد أفقر الناس إلى ربه المجيد محمد صالح بن محمد عباس محمد سعيد سنبل بن محمد سنبل فقيه بالمروة غفر الله له ولجميع المسلمين آمين آمين


    بسم الله الرحمن الرحيم

    قال الشيخ الإمام الحافظ الخطيب أبو بكر أحمد بن على خطيب بغداد رخمه الله تعالى ، رسمت في هذا الكتاب لصاحب الحديث خاصةً ولغيره عامة ما أقول نصيحة مني له وغيرة عليه وهو أن يتميز عمن رضي لنفسه الجهل ، ولم يلزم فيه معنى يلحقه بأهل الفضل ، وينظر فيما أذهب فيه معظم وقته وقطع به أكثر عمره من كتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمعه . ويبحث عن علم ما أمر به من معرفة حلاله وحرامه وخاصه وعامه وفرضه وندبه وإباحته وحظره وناسخه ومنسوخه وغير ذلك من أنواع علومه قبل فوات إدراك ذلك فيه ، وروى بإسناده إلى الشافعي أنه قال: تفقه قبل أن ترأس فإذا ترأست فلا سبيل إلى التفقه . وروى بإسناده إلى أبي محمد المروزي قال: كان يقال إنما تقبل الطينة الختم مادامت رطبة ، أي أن العلم ينبغي أن يطلب في طرءة السن ، وقال جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عمر t أنه قال: تفقهوا قبل أن تسودوا ، ثم صاغه بإسنادين له أحدهما من طريق ابن سيرين عن الأحنف بن غيث عن عمر ، والآخر عن الحسن عن الأحنف عن عمر قال والصواب : عن ابن سيرين كما ذكرنا أولاً والله أعلم قال وقال أبو عبيدة في حديث عمر: تفقهوا قبل أن تسودوا ، يقول: تعلموا العلم ما دمتم صغاراً قبل أن تصيروا سادةً رؤساء منظور إليكم ، فإن لم تتعلموا قبل ذلك استحيتم أن تتعلموا بعد الكبر فبقيتم جهالاً تأخذونه من الأصاغر فيزري ذلك بكم ، وهذا شبيه بحديث عبد الله : ((لن يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم ، فإذا أتاهم من أصاغرهم فقد هلكوا )) قال أبو عبيدة : وفي الأصاغر تفسير آخر بلغني عن ابن المبارك أنه كان يذهب بالأصاغر إلى أهل البدع ، ولا يذهب إلى السن ، ثم ساق بإسناده إلى أبي أمية الجمحي قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشراط الساعة قال: لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم وعن أمنائهم علمائهم فإذا أخذوه عن صغارهم وشرارهم هلكوا )) وروى بإسناده إلى عبد الله بن مسلم بن قيبة الدينوري ((قال سألت عن قوله لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم ، يريد لا يزل الناس بخير مما كان علماؤهم المشايخ ولم يكن علماؤهم الأحداث لأن الشيخ قد زالت عنه ميعة الشباب وجدته وعجلته وسفهه ، واستصحب التجربة والخبرة ولا يدخل عليه في علمه الشبهة ولا يغلب عليه الهوى ولا يميل به الطبع ولا يستنزله الشيطان استنزال الحدث ، ومن المسن الوقار والجلالة والهيبة ، والحدث تدخل عليه الأمور التي أمنت على الشيخ ، فإذا دخلت عليه وأفتى هلك وأهلك : قال الخطيب رحمه الله : ولا يقتنع أن يكون راوياً حسب ومحدث فقط وروى بإسناده إلى على بن موس الرضا عن أبيه عن جده عن آبائه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((كونا دراة ولا تكونوا رواة حديث تعرفون فقهه خير من ألف ترونه )) وروى بإسناده إلى الربيع بن سلمان قال: سمعة الشافعي ، وذكر من يحمل العلم جزافاً ، فقال : هذا مثل حاطب ليل يقع حزمة حطب فيحملها لعل فيا أفعى فتلدغه وهو لا يدري . قال الربيع عنى الذين لا يسألون عن الحجة من أين ؟ وروى بإسناده إلى أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد قال: سئل بعضهم متى يكون الأدب ضاراً ؟ قال إذا انقطعت القريحة وكثرة الرواية قال: أخبر القاضي أبو العلاء محمد بن علي الواسطي ، أنا أبو لحسن محمد بن جعفر التميمي الكوفي قال: قال لنا أبو العباس بن عقدة يوماً وقد سأله رجل عن حديث فقال : أقلوا من هذه الأحاديث فإنها لا تصلح إلا لمن علم تأويلها ، فقد روى يحيى بن سليمان عن ابن وهب قال: سمعت مالكاً يقول : كثير من هذه الأحاديث ضلالة لقد خرجت من أحاديث لوددت أني ضربت بكل حديث منها سواطين وأني لم أحدث به ، ولعله يطول عمره فتنزل به نازلة في دينه يحتاج أن يسأل عنها فقيه وعسى أن يكون الفقيه حديث السن فيستحي أو يألف من مسألته ويضيع أمر الله في تركه معرفة حكم نازلته ، وروى بإسناده إلى عمر t أنه قال: قد علمت متى صلاح الناس ، ومتى فسادهم ، إذا جاء الفقه من قبل الصغير استعصى عليه الكبير وإذا جاء الفقه من قبل الكبير تابعه الصغير فاهتديا ، وإن أدركه التوفيق من الله وسأل الفقيه لم يأمن أن يكون بحضرته من يزري به ويلومه على عجزه في مقتبل عمره إذا فرط في التعليم فينقلب حينئذ واجماً ، وعلى ما أسلف من تفريط نادماً ، وروى بإسناده إلى محمد بن عبيد قال: جاء رجل وافر اللحية إلى الأعمش فسأله عن مسألة من مسائل الصبيان يحفظها الصبيان فالتفت إلينا الأعمش وقال: أنظروا إلى لحية تحتمل حفظ أربعة آلاف حديث مسألته مسألة الصبيان : قال وليعلم أن الإكثار من الحديث وروايته لا تصير الرجل فقيهاً وإنما تفقه باستنباط معانيه ، وإمعان التفكر فيه ، وروى بإسناده إلى مالك بن أنس أنه قال: لابن أخته أبي بكر وإسماعيل بن أبي أويس : أركما تحبان هذا الشأن وتطلبانه ؟ قالا: نعم ، قال: إن أحببتما أن تنتفعا به وينفع الله بكما فأقلا منه وتفقها ، وروى بإسناده إلى الأعمش قال: لما سمعت الحديث قلت : لو جلست إلى سارية أفتي الناس : قال: فجلست إلى سارية فكان أول ما سألوني عنه لم أدري ما هو . وروى بإسناده إلى ابن خلاد قال: حدثنا أبو عمر أحمد بن سهيل قلت : حدثني رجل ذكره أهل العلم ، قال خلاد فأنسيت أنا اسمه ، قال: وقفت إمرة على مجلس فيه يحي بن معين وأبو خثيمة وخلف بن سالم في جماعة يتذاكرون الحديث فسمعتهم يقولون : قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه فلان ، وما حدث به غير فلان فسألتهم عن الحائض تغسل الموتى ، وكانت غاسلة فلم يجبها أحد منهم ، وجعل بعضهم ينظر إلى بعض ، فأقبل أبو ثور فقالوا لها : عليك بالمقبل فالتفتت إليه وقد دنى منها فسألته فقال : نعم تغسل الميت لحديث القاسم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها (( إن حيضتك ليست في يدك ، ولقوله كنت أفرق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالماء وأنا حائض )) قال: أبو ثور : فإذا فرقت رأس الحي فالميت أولى ، فقالوا: نعم ، رواه فلان وحدثناه فلان وفلان ويعرفونه من طريق كذا وخاضوا في الطريق ، فقالت المرأة : فأين كنتم إلى الآن ؟ وإنما أسرعت ألسنة المخالفين إلى الطعن على المحدثين لجهلهم أصول الفقه وأدلته في ضمن السنن مع عدم معرفتهم بمواضعها ، فإذا عرف صاحب الحديث بالتفقه خرست عنه الألسن ، وعظم محله في الصدور والأعين ، وخشي من كان عليه يطعن . وروى بإسناده إلى وكيع قال: قال: لقيني أبو حنيفة فقال لي : لو تركت كتابة الحديث وتفقهت أليس كان خيراً ؟ فقلت: أفليس الحديث يجمع الفقه كله ، قال: ما تقول في امرأة ادعت الحمل وأنكر الزوج ؟ فقلت له حدثني عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم (( لا عن بالحمل )) فتركني فكان بعد ذلك إذا رآني في طريق أخذ طريق آخر ، وروى بإسناده إلى علي بن خشرم قال: سمعت وكيعاً غير مرة يقول: يا فتيان تفقهوا فقه الحديث فإنكم إن تفقهتم فقه الحديث لم يقهركم أهل الرأي ، وروى بإسناده إلى علي بن خشرم المروزي أيضاً قال: : سمعت وكيعاً يقول لأصحاب الحديث : لو أنكم تفقهتم بالحديث وتعلمتموه ما غلبكم أصحاب الرأي ، ما قال أبو حنيفة في شيء يحتاج إليه إلا ونحن نروي فيه باباً ، قال رحمه الله : ولابد للفقيه أستاذ يدرس عليه ويرجع في تفسير ما أشكل إليه ، ويتعرف منه طريق الاجتهاد ، وما يعرف به الصحة والفساد ، وروى بإسناده إلى سليمان بن أبي شيخ قال أخبرني بعض الكوفيين قال: قيل لأبي حنيفة : في المسجد حلقة ينظرون في الفقه ، قال: لهم رأس ؟ قالوا: لا ، قال: لا يفقهه هولاء أبداَ ، وروى بإسناده إلى إبراهيم بن إسحاق الزهري ثنا أبو نعيم قال : كنت أمر على زفر محتب بثوبه كتده فيقول يا أحول تعال حتى أغربل لك أحاديثك ، فأريه ما قد سمعت فيقول: هذا ويأخذ به ، وهذا لا يأخذ به ، وهذا ناسخ ، وهذا منسوخ وروى بإسناده إلى عبيد الله بن عمر قال: جاء رجل إلى الأعمش فسأله عن مسألة ، وأبو حنيفة جالس ، فقال الأعمش : من أين قلت هذا ؟ فقال: من حديثك الذي حدثتنا به ، قال: نعم نحن صيادلة وأنتم أطباء ، وفي رواية قال: كنا عند الأعمش وهو يسأل أبا حنيفة عن مسائل ويجيبه أبو حنيفة فيقول له الأعمش : من أين لك هذا ؟ فيقول : أنت حدثتناه عن إبراهيم بكذا ، وحدثتناه عن الشعبي بكذا ، قال: فكان الأعمش بعد ذلك يقول يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة ، وروى بإسناده عن إلى عطية بن بقية قال: قال أبي : كنت عند شعبة بن الحجاج إذ قال لي يا أبا محمد إذا جاءتكم مسألة معضلة : ممن تسألون عنها ؟ قال: قلت في نفسي : هذا رجل قد أعجبته نفسه ، قال: قلت يا أبا بسطام نوجه إليك وإلى أصحابك حتى يفتوه ، قال: فما كان إلا هنيهة إذ جاء رجل فقال يا أبا بسطام رجلا ضرب رجلا على أم رأسه فادعى عليه المضروب أنه انقطع شمه ، قال: فجعل شعبة يتشاغل عنه يميناً وشمالاً فأومأت إلى الرجل أن ألح عليه ، فالتفت إلي وقال يا أبا محمد ما أشر البغي على أهله ، لا والله ما عندي فيه شيء ولكن أفته أنت ، قال: قلت يسألك وأفتيه أنا ؟ قال فإني قد سألتك ، قال قلت: سمعت الأوزاعي والزبيدي يقولان : يدق الخردل دقاً بالغاً ثم يشم فإن عطس كذب ، وإن لم يعطس صدق ، قال: جئت بها باقية ، والله ما يعطس رجل انقطع شمه أبداً .


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: الرسائل الميرغنية

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أغسطس 17, 2011 10:48 am


    الرسالة الثانية
    الهبات المقتبسة
    لإظهار المسائل الخمسة
    والعطايا الدقيقة في أسرار الطريقة
    تأليف
    الشريف الميرغني السيد محمد عثمان بن السيد محمد أبي بكر





    وبه الإعانة بدءاً وختماً وصلى الله على سيدنا محمد ذاتاً ووصفاً واسما
    الحمد لله الذي جعل الطريقة محفوظة برجال متمكنين ، ودفع أهل التلبيس بأحباب أهل الشأن تعبير متعينين ، أحمده على أن جعل لنا الخلافة العظمى من حضرة رسوله الأمين وأشكره شكر من نال الرشد وطلب التكميل له ولإخوانه المنتسبين ، وأشهد أن لا إله إلا الله المنان على أوليائه بدفع إبليس عنهم اللعين ، المخاطب له بقوله : ) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ( وأشهد أن محمد عبده ورسوله خير من أرشد إلى الله بالطريق المبين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه المتقين :
    أما بعد: فأقول وأنا الفقير للفيض والإحسان ، الميرغني المكي ختم أهل العرفان ، السيد محمد عثمان ، أيدني في سائر اللحظات المنان ، آمين:
    إني لما دخلت أرض كردفان ، وأصلح الله على يدي من أحب من الرجال وفاض بحر المداد حتى عين خواص ، وأشرق عليهم شموس فتوحات وإخلاص وجرى سر الإمداد في كثير من إقليم السودان ، حتى امتلأ في عام واحد إلى أرض فور ، وبلغ المنتسبون إلينا فيه مئات الإخوان ، وتعين خلفاء من حضرة المصطفى وبان لهم حال وأنور وصلاح في كردفان إلا وزاد إلى دنقلا وورأها بديار ، وأصبح مقدم جيشه إلى بربر وشندي وسنار ، وبشرنا أنه يعم سائر الإقليم السوداني وفي عام واحد بلغ الآخذون طريقتنا فيه آلافاً ، والحال بفضل الله في الإكثار والحاصل أن التطويل ليس تحته طائل ، ولا هنا موضع له فأخشى الغوائل ، وأن المقصود من هذا التأليف ذكر خمس مسائل تحتوي على ما هو متعلق بالطريقة من لطيف وذلك بعد طلب جمل من الإخوان بل من خواص خلفائنا ممن أشرق عليهم نور الديان ، وتعينوا للخلافة في كردفان وهباً من المنان ، منهم العالم الفقيه الورع النبيه عين خلفائنا بالديار المشار إليها من إبتدأه من الحضرة بعض ما هو مركوز علها الخطيب محبنا عربي ، أيده الله بكمال القرب . ومنهم الشاب النبيه السالك الصادق خليفتنا بها صالح أنزله الله في مقام الحب ، ومنهم إبراهيم خليفتنا بدار فور من أشرق عليه نور الغفور . ومنهم خليفتا بها الفقيه بلوله ، ومنهم سرنا الحاج حماد صاحب الفيوضات المرسوله ، ومنهم الفقيه سلالة الأخيار ابن أبي صفية المشهور ، فأجبتهم رجاء أن يسعفني الحق وأوفق للوارد . وذلك دليل أنهم على قدم الصدق ، ووقع بعض الإلهام بتسمية هذا النظام :
    (الهبات المقتبسة لإظهار مسائل خمسة) ، والعطايا الدقيقة في الوجوه المحتوية على كثير من أسرار الطريقة ) نفع الله بها سائر المسلمين ، وجعلها خالصة لوجهه فإنه قوي متين ، ورتبتها على خمسة فصول ليكون قريب المراجعة لمن أراد الوصول ، فالفصل الأول في ما هو مطلوب لشأن الحضرة العلية ، والفصل الثاني فيما تعلق بالحضرة المحمدية وحقوق الشيخ البهية ، والفصل الثالث في متعلقات الطريقة ومن تحقق بها على حسب مراتبها إجمالاً ، وبعض أحوال المتشبهين ، وبعض أحوال المتشبهين بالمتشبهين ، وبعض أحوال المدعين نعوذ بالله المتين ، والفصل الرابع فيما يعامل به إخوان السلوك أهل الدرجة الرفيعة ، والفصل الخامس فيما كان أجنبياً وما يعامل به من حيث الطريقة ، ونسأل الله أن يكمل لنا أسرار الحقيقة آمين .


    الفصل الأول


    اعلموا معاشر الإخوان أن الله خلق العباد للعبادة ، وجعل لهم في ذلك كمال السيادة ) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ( وفي قوله )سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ( سر مكنون ، وأحاديث ((يا عبادي)) كما يعلمه المخلصون ، واعلموا أن حقوق المولى لا تحصرها طروس ، والعبد واجب عليه في كل وقت الشغل بمولاه ليذهب عنه النحوس ، فمن حقوقه حفظ شريعته ومراعاة أهل طريقته ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحضور في الصلاة ومراقبته في الإسرار والعلانيات ، والإقبال عليه في جميع الساعات ، وحمده الموجب للحقوق والخيرات ، وشكره لمزيد الهبات ، والقيام في خدمته بالنصح فإنه يورث النجح ، ومن أعظم ما يسند عليه ذكر الله في كل الحالات ، وقد أشار لذلك بقوله في كتابه الحاوي المحكم الآيات ، )الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ ( وفي الحديث (( أذكروا الله حتى يقولوا: مجنون )) فتنبهوا لشأنكم قال السيد أحمد البدوي الطنطاوي : كان لي وله الحق بالفيض الروي ، في هذا المقام : إنه تحقق به بيت شعر وقد سطرت البيت فا بصر :

    مجانين إلا أن سر جنونا
    تأمل لأذكار تعلمن سر شأننا


    غياب بذكر الله يشهده النقل


    منه فنون على أبوابنا يسجد العقل




    والحاصل أن الذكر مفتاح القلوب ، والموجب لمطالعة الغيوب ، والموصل لحضرة الفتاح ، والمهدي للنجاح ، ومن اشتغل به والاه سيما من الخلفاء المكملين فلابد أن يظهر عليه بركة سره المتين إذ به رقى من رقى إلى حضرة القدس ، وبه وصل من وصل إلى كمال الأنس ، وقد أطال فيه الصوفية الكلام إن شئت بعض ذلك فعرج على رسالتنا الحاوية للنظام المسماة ((بالفتح المبروك في كثير من آداب السلوك ، وفي قصيدنا السر الظاهر ، فثم ترى أسرار الأكابر ، ومن حقوقه التخلق بأخلاقه وإيتاء زكاته وصوم رمضان وحج بيته ، والحج مع الاستطاعة ، فكن منتبهاً ، ومن حقوقه الإيمان به وحفظ صفاته والإيمان بكتبه ورسله والعمل بما ورد فيها من أوامره ، ومن حقوقه أن تعبده كأنك تراه ، وهذا مقام الإحسان ، حققنا به الله ، وحقوق مولاك كثيرة ، والله بيده التوفيق للمعاني اليسيرة اللهم أرزقنا القيام بالعبودية والترقي إلى المشاهدة العلية آمين .


    الفصل الثاني
    فيما تعلق بالحضرة المحمدية وحقوق الشيخ البهية


    اعلموا معاشر الإخوان ، الطالبين لدخول الحان ، والطامعين لنيل مقام الإحسان ، الراجين للوصول للمشاهدة والإيقان ، أنه لا بد من الوسائط وأعظمها سيد ولد عدنان ، صلى الله عليه وآله وسلم ما سرت الركبان ، وكذلك لا بد من شيخ فمن لا شيخ له فشيخه الشيطان ، فما وصل إلى الله الرجال إلا بواسطة المصطفي ، وما وصل الأولياء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بواسطة المشايخ الخلفاء ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ () وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ( فهذه أسرار جليلة من قوله ) أنا فَرَطُكُمْ ( ترى أموراً عظيمة ، ورحم الله ابن مشيش حيث يقول في صلاته : فلا شيء إلا وهو به منوط ، إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط .
    اعلموا أن حقوقه لا يقدر على ضبطها القلم ، ولا يستطيع أن يحيط بها الفهم فلنذكر تزراً منها في هذا المكان تنبيها لكم يا أيها الإخوان .
    فمن حقوقه تصديقه في كل ما جاء به وإتباع ما حث عليه واجتناب ما نهى عن ارتكابه ، ومن حقوقه ، إتباع سنته والمحافظة على شريعته ، ومن حقوقه مراعاته في أهل بيته ، ومن حقوقه الصلاة والسلام عليه كلما ذكر ، ومن حقوقه سؤال الوسيلة له عند الآذان ، فأبصر ، وكذلك عند إقامة الصلاة فكن متدبراً ، ومن حقوقه كثرة الصلاة عليه الموجبة لنيل المقامات المرقية إلى عالي الحضرات ، ولا سيما إن جديت بصلاتنا (الجواهر المستظهرة) وفي الذكر بمثل راتبنا الأنوار المتراكمة ، وأساسنا الذي فيه الأنوار المعظمة ، ومن حقوقه أن لا تخليه من باطنك وإتباع أخلاقه لتكميلك ، ومن حقوقه ذوق أطوار سنته وتوجه قلبك لاستنزل منته وطلب القوة من عظيم تمكنه ، والحقوق التي لقدره الرفيع لا يقدر على حصرها الأنام جميعاً .
    وأما الشيخ فهو واسطتك إلى الحضرة الأحمدية ، وبه تصل إلى المجالي المحمدية ، وترقى إلى المخطبات السنية ، وتسجد في بسط القرب العلية ) وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ () قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ ( وفي الحديث ( أطلبوا العلم ولو بالصين ) وكذلك في حديث ( فانظروا عمن تأخذون دينكم ) أمر مبين
    وقال بعض العارفين

    ولا بد من شيخ يريك رسومها


    وإلا فنصف العلم عنك بمعزل



    وهنا كلام القوم كثير ، ومقصودنا في المحل التقصير ، فأعلموا أن حقوق الشيخ كثيرة ، ومن أراد كثيراً من ذلك فعليه بقصيدنا المذكورة سابقاً ، وكذلك رسالتنا المشهورة ، فمن ذلك التأدب بين يديه ، وحفظ ما لديه ، ومن حقوقه حفظ حرمته حياً وميتاً ، ومشاهدتك له في كل حال ورد عليك فإنه بواسطته إليك يا فتى ، ومنها أنة توالي من يواليه ، وتعادي من يعاديه ، ومنها أن تجلس جلوس الصلاة عنده ، وأن تفنى فيه ومريده . ومن حقوقه أن ترعى أهله وأقاربه وألا تقدم نفسك على من كان مقدمه عليك من إخوانك ومصاحبه ، ومن حقوقه ألا تجلس في سجادته ، وألا تتوضأ بإبريقه ، ولا تتكي على عكازه ، ولا ترتكب لخلافه ، وأسمع ما قال بعض الأصفياء أهل النجح : من قال لشيخه لم ؟ لا يفلح ، وأن تكن محضره في قلبك وخيالك ، فإن غفلت عنه وقتاً فهذا من مقتك ، وليكن تصورك بحسب ما تراه بحب من قبض وانبساط ، فالكل مقرب ، وأقلل الكلام بين يديه إلا إذا رأيت منه أنه يحب أنك تبديه ، واجتهد أن تنال مقام الفناء فيه فمن ثم ترقى إلى مقام البقاء به أمليه ،
    تنبيه أعلم أن الفناءات ثلاثة والبقاءات ثلاثة ، فالأول: الفناء في بالشيخ ، وذلك أن تخلص حتى يكون مرادك مراده ، فهذا إذهاب التوسيخ ثم البقاء به وبذلك ترقى إلى الفناء في الرسول وهو الفناء الثاني ، ومن ثم شطح بعض أهل الوصول ، ثم البقاء بالنبي العظيم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، وبه تقوى لسطوع الأنوار العلية ، والتجليات الجلالية ، والمباسطة الجمالية ، وكم غاب في المشهد كمل الرجال ، ومعلوم أن الأولياء يصلون إلى مقامات تذهب فيها قواهم فتظهر لهم روحانية هذا المجال ، وبهذا المشهد ترقى إلى الفناء في الرحمن ، وتصل إلى الوقوف في حضرة المنان ، فتارة تكون في شطح وبهت ، فتارة تكون في سكر ونعت ، ومن ثم ترقون إلى البقاء بالأحد المتين ، وهنا منزلة خواص الأنبياء والمرسلين ، ومحل كمل الأولياء المقربين .
    فعليكم يا إخواني بحفظ حقوق الشيخ المربي ، فقد قال بعض العارفين لولا المربي لما عرفت ربي . وهو في هذا الزمان أقل من الإكسير ، بل ومن قديم الزمن لا يجده إلا من سبق له حظ كبير ، ورحم الله الجد الغني بالله الميرغني سيدي عبد الله حيث يشير لهذا المعنى بقوله

    والشيخ في ذاك الزمان الأنور
    فكيف في هذا الزمان الأغبر


    أعز من كبريت سر iiأحمر


    يناله كل مجتر ومفتر



    وفي خبر الاجتماع به قول ابن عطاء في حكمه سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه .


    وأما حقوق الشيخ فكثيرة جداً ، ومن أجلها ألا تقدم عليه في ظاهرك وباطنك اللهم أرزقنا الأدب مع مشايخنا وقونا ب
    الفصل الثالث
    في متعلقات الطريقة


    ومن تحقق بها على حسب مرتبها إجمالها ، وبعض أحوال المتشبهين بالمتشبهين وبعض صفات المدعين ، نعوذ بالله من ذلك إنه قوي متين آمين
    اعلموا معاشر الإخوان أن الطريقة هي أشرف الأمور إذ هي المحتوية على أسرار وعليها الأنوار تدور ، ولكن حقيقتها صعبة لمن يتكاسل ويتغافل وثمارها قريبة لمن سهر وشد المئزر ، والطرق إلى الله تعالى بحسب أنفاس الخلائق: ومن قام على القدم المحمدي فقد سلك إكسير الطرائق ، فمن حقوقها أن تحثوا عليها الإخوان ، وأن تجعلوا اشتغالكم بها مقدماً على ما سواها باطمئنان ، وأن تعمروا أوقاتكم بالذكر ، والمراقبة للعلي البر ، ومن حقوقها أن تأتوا بوظائفها بالنشاط ، فإني أرى فيكم عن هذه الرتبة كثير انحطاط ، ومن أعظم ما يميز لكم من ذاق ومن لم يذق ، ومن اشتد حاله ، ومن هو في طعف يسبق ، فلأول يشتد في الرواتب والأذكار حتى كأنه جمل هادر ، فثم كمال المراتب ، ومن هذه الفتورات تأخر كثير من المتقدمين عن المتأخرين بالزمان ، كما أنه فعل مثل ذلك بقوم بقلة كمال الاشتغال بالشيخ وتخيله ، فسبحان المنان ، ومن حقوقها أنكم تعتقدون أن طريقتكم موصلة إلى الله تعالى .
    وإن حوججتم في ذلك أصلحكم الله ، وأُنبهكم يا معشر السالكين أن طريقتنا هي أعظم الطرق وأقربها إلى الله تعالى وهي من أسهل الطرق ، وفيها كمال الانتباه ، إذ صاحبها ما يشعر إلا ويرى نفسه دنا من الكمال بفضل الله فاحمدوا مَنْ مَنّ عليكم بهذه المنة العظيمة ، فاشكروا من اجتباكم بهذه الأسوار المتينة ، وقد بشرت أنها تملأ الأرض ، وذلك فضل لمن له البسط والقبض ،
    وأما إقليم السودان والحبشة : من كان منهم من الديار الإسلامية فلله كمال المنة ، فإنهم قد خلص سلوكهم لطريقتنا ، والمرشدون الذين ينزلون فيها من تلامذتنا وليس لأحد فيهم قدم من غير هذا المنوال إلا أن يكون قليل من الرجال ، ولم أعلم في وقت تأليفي لهذه الرسالة أن فيا من المشهورين أحد متمكناً في التربية سوى اثنين ، فواحد في الحبشة دنا من هذه المنزلة اسمه عبد القادر ، وقد أخذ عنا ليكمل ، وواحد في إقليم السودان من آل الممرحي يسمى الطيب ، وما عداهما أن يكون أحد مستوراً فحسب ، منهم قطب هذا الإقليم في وقته ، وهو من الأبدال من قرية نفاث بر نودبا قرية سيدي عبد الرحيم ، وأما الآخذون عنا في هذين الإقليمين فجمع غفير وفي غيرهما من الأقاليم كذلك كثير من دنا إلى مقام الإرشاد ، ومنهم من تحقق بأن يصلح العباد ، وله تلاميذ نائلون منه أمداد ، فكمال الحمد للملك الجود ، وأنبئكم عن بعض أوصاف المرشد ، وأترك كثيراً لئلا يدعيها من لم يسعد ، فمن أوصافه حفظ الشريعة وتعظيم أهل الطريقة ، له معراج روحي وسر سبوحي صاحب منزل في الحضرات العلية ، ومنهل في المشاهد الفردية ، ثم نزل في الحضرات الصمدانية وسجدت روحه على بساط القرب مع أهل المعاني السنية ، ذو مخاطبات أُنسية وتجليات جلالية ، يفرق بين تجلي الجلال ، وجلال الجلال ، ويعرف تجلي الجمال وجمال الجمال ، يفهم ما يظهر عن التجلي الكبرياء ، ويسمع ما يرد عليه من مقام النداء ، قد أمره الحق بالإرشاد للعباد وخلع عليه خلع الأنوار والاستعداد ، إن نطق فبالله ، وإن مد فمن الله ، وإن أخذ فعن الله ، وإن دعا فإلى الله ، أولئك أولياء الله ، أولئك خلفاء الله ، باطنه مستغرق في الحضرات ، وظاهره بارز للمكونات ، يدعوا الخلق بإمداده أكثر من دعائه بلسانه ، يستر ما كشف له منهم ، ولا يخبر بما يكشف له من حالهم ، إذا تكلم مع المريدين كان لسانه كالقلم يكتب في صورهم ما علم ، أكثر كراماته في حاله ، لا يلتفت لطي الأرض والمشاكلة قد سقط من نظره الالتفات إلى مقام الكرامات ، وينهى إخوانه عن الاشتغال بتلك الدرجات ، يأبى تتبع عورات المسلمين بصراً وبصيرةً ، حسن الخلق قائم على أحسن سيرة ، لا يبدءا الناس بالفحش والأذى ، بل يصبر على سوء أدبهم رجاء الهدى ، يسلّم لأهل الطريق في أحوالهم ويدعوا الله على منوالهم قد أذن له في التربية من حضرة الرسول صلى الله عليه الغفور ، له رقائق ممتدة إلى قلوب السالكين كما شهد ذلك كثير من إخواننا بالتنفيذ ، قليل الشطح دائم الفتح ، وأوصاف المربي تحتاج إلى كتاب :
    فأسألك اللهم أن تحققنا بهذه الأوصاف فإنك وهاب ، وأسألكم يا معشر الإخوان بمن له الملك والملكوت ، والعزة والجبروت ، الحي القيوم الذي لا يموت أن لا يدعي هذا المقام ما لم يتحقق به ويؤذن له من حضرة العلام ، والله من ادعاه يخشى عليه سوء الخاتمة :
    قال بعض العارفين أهل الإتقان : الدعوة بحق تطفئ نور المعرفة والدعوة بغير حق تطفئ نور الإيمان ، نسأل الله السلامة من لوبال والخسران : واخشوا يا إخواني من أنكم إذا وجدتم بعد حال تفتر همتكم فتفوتكم مقامات الرجال واخشوا يا إخواني من الدعوة ولو بشيء قليل فثم أكثر التعطيل ، والله لقد حجب قوم بعد الفتح عن أن ينالوا للسطح ، ولا يغرنكم معاش الإخوان من ترونهم من المتشبهين بل من المدعين الظاهرين ، فو الله أنهم من حقيقة الطريق أجانب ، بل هم في غابات ومصائب ، طالما وقع النظر على كثير من أهل هذا المنوال ، ولكن نسأل الله أن يخلصنا وإياكم مما للنفس فيه مقال ، ولا سيما في هذا الإقليم الذي بقي هدفاً للمدعين ، ولكن بعد دخولنا إليه بحول القوي المتين ، قد انطمست دعواهم ، وذهبت أهواؤهم فلا يجدون محلا فيه يتكلمون فيه الآن كثير من عرف الحقائق على ما هي عليه ، فعلى من يلبسون ؟ إلا من حجبه الله عن الانطواء في هذا الديوان فذلك تائه في خلاء . وبعد إن من أعجب ما رأيت في الكيان من أحوال المتلبسين يا إخواني رجلا معه بعض نور صلاح ، ولم يصل إلى مقام تلاميذ تلاميذ المرشدين أهل النجاح ، يأمر الناس ويسلك الطريق ولا يعرف حقيقة السلوك فضلا عن أن يعرف الدعاية لحضرت الملك ، ويدخل الناس للخلوات وهو تعبان في معالجة الشيطان فأينما هو أكثر معالجات النفس ، فنسأل الله الستران ، وأعظم من ذلك أن بعض الناس أجل منه حالاً ولكن معه حجاب يتبعه ، وكذلك بعض تلاميذ هذا الرجل يدعون السلوك ويدخلون الخلوات ، فكن منتبهاً بل حتى من تلاميذ تلاميذه ، فانظر إلى الحجاب وبنيانه ، والله إن الظن لا يغني من الحق شيئا ، وإن التلبيس لا ينتج عند الله فيئا ، فلما كشف لي عن حال الرجل الأول من هؤلاء وكونه في دعوا وشيخوخة ، بل في تلامذة تلاميذه ، هذا الذي نظرت إلى رقيقة نوره فوجدتها أضعف من بعض تلامذتنا ، بل من بعض تلامذة تلامذتنا ، فعجت من ستران الغفور ، وسألته السلامة و لإخواني فجل من ملك صبور :
    فيا إخواني من تحقق منكم بالتربية فليدع مطلقاً ، ومن لم يكن بهذه تحقق فلينبه ، على أنه ليس من هذا الشأن ، وليقل عند إعطائه لأحد : يا أخي توجه في طلب إمدادك من شيخي فلان ، أي لشيخه المرشد في أي مكان كان ولا تضيعوا أنفسكم كما ضيع نفسه من سقط من البنيان ، فكم رأينا من هذه المناويل أٌناساً ضيعوا أوقاتهم سبهللا ، ولم ينالوا شرفاً يوصلهم إلى المجلا ، نعوذ بالله من المكر والبلاء آمين:
    ثم اعلموا يا إخواني أن القائمين في هذا المنوال أربعة أصناف ، وبين كل صنف وصنف اختلاف ، فالصنف الأول صفت المتحققين الواصلين الأولياء المتكلمين ، وقد تقدم الكلام على صفتهم بالإفراد ، فاطلبوا منهم كمال الإمداد ، الثاني من الأصناف المسمون بالمتشبهين فالأنصاف ، وقد صنف الشعراني تأليفاً في شأنهم ، وأظهر كثير من نعتهم ، فأقول هنا فيهم عبارة بالاختصار ، خوفاً من الملل بالإكثار : هم قوم قلب عليهم الاشتغال بالطريق وأنفسهم فيها بحسب دعواهم بعض تعويق ، لاحت لهم مبادئ الفتح وقصرت همتهم عن طلب السطح ، فادعوا قبل أن يصلوا مع ذلك من لوامع الأنوار ولا يخلوا وكيف يكون خبيراً من لم يصل إلى الدار المطلوبة ، أم كيف يقود من لم يكن ناظراً الطريق المسلوكة ، فإنه لا يعرف مواضع المياه والكلأ ولا يدري محل الخوف من محل الأمان المعلا ، وحقيقة هذا الرجل أنه قد نال من أول الأسرار نائل ، ووقع على شيء من الأنوار ، ولكن ليس هو واصل وله كشف صحيح ، وحال سميح ، سطع معه أنوار الهدي النافعة ، وظهرت عليه إمدادات جامعة ، ذو مقامات في الولاية ، لكن لم يصل إلى الغاية ، ظن أن هناك مقام الوصول ، والظن في هذا المقام لا يجوز ، وتوهم أن الإرشاد ما وجده من حاله ، وكيف يكون ذلك إن لم ينل كماله ، أول ما يجد لائحة من السنا ، يقول ولا تمكن له : أنا أنا ، وسببه أنه طار عنه الوكر قبل أن يتم له وقت الطيران ، ظاناً أن ما وجده هو حال ذلك المكان ، مرة يجد وجداً يقيمه من غير مراده ، وأخرى يخلوا من إمداده . وأعلموا أن المتشبهين في وقتنا هذا قلوبهم الآن حالهم بالمناسبة إلى الذين بعدهم مجلو ، فإن كان في هذا الإقليم أحد ، فرجل واحد في دنقلا اسمه محمد ، وغيره لم أرى في الناس الظاهرين ، والعلم للملك المبين .
    تنبيه : اعلم أن المظاهر الحقية أربع : اثنان منها للكمال تجمع ، وأحدها رتبة السالك المجذوب ، والولي المحبوب ، وهو من توجه بالأعمال ولأذكار وأخلص في معاملة الملك الغفار ، حتى أتاه في الفتح مع الاستعداد ، وعمه النور أفوجاً أفوجا بفضل الجواد ، فهو متمكن في أحواله ، ممد، إذا كمل بأسراره ، فهذه طريقة الترقي من كون إلى كون ، وعن الكون إلى المكون ، حتى يقطع الكيان ، ويشرف على حضرة الملك الديان ، ثم يرجع متدلياً إلى الكائنات ، ويرشد إذا أذن له كمالات ، وقريب منه مجذوب سالك ، ومحبوب مالك ، ما هو في غفلاته ، ولا منكب على شهواته ، فجاءه الفتح وطاب ، وترقى إلى مراتب الأحباب ، فأخذه السكر زماناً طويلاً ، ثم تتابع عليه المحو والتجليل ، حتى اندهك بنور الأسماء ونال للري من ذلك الحمى ، فخلع عليه خلع القوة الإلهية ، ونزلت به مبادئ الصحو الهباتية ، فهو في متدليه مترقي ، وفي ترقيه مسقى ، أفاق من سكره فاسترشد ، وثبت على يد واصل فأرشد ، وهولاء الصنفان المذكوران هما اللذان وصلا إلى إرشاد السالكين ، وأما الصنفان الآتيان فلا يصلحان مدداً للمتعلقين ، وإن كانوا خيراً وتحسين ، فأحدهما هو ثالث المراتب الأربعة ، وهو المجذوب المحض ، والولي المحض ، بينما هو في الإعراض عن مولاه ، أو مشتغلا به شغلا ليس بكامل هداه أخذه الحق بوارده الأقدس ، وأنزل عليه من نوره المقدس ، فسكره سكرةً لا يفيق منها مدة حياته ، وغرق في لجة لا يبرز منها إلا بعد مماته ، محبوب في الحضرات الإلهية ، ومصحوب بالعنايات السرمدية ، قد ذهب عنه التحجير ، فهو ليس بنفسه بصير ، ولا يؤاخذ بشيء من الحركات وهو كالمجنون في الشريعة بإثبات ، لا يقد إن مر على حفظ الذات ، بل يعجز عن حفظ إمداده للغيبات ، يشترط أهل الطريق ، شروطاً من وجهته لمن طلب التحقيق : وذلك أن لا يتزوج السالك مجذوبة ولا يتزوج المجذوب سالكة ، وأن لا يأكل معه ، وأن لا يكثر الجلوس بين يديه لأن له أحوالاً بغير اختيار ، فلعله يضرك وحاله عظيم مع أنفاسه . والقسم الرابع في هذه الأقسام الأخيرة هو السالك المحض ، وأموره مخيرة ، وهو محل الزهاد والعباد ومن وصل إلى ذلك الناد ، وهو كذالك ليس له قدم إرشاد ، وليس من الرجال المعدين للمدد ، ومع ذلك أنهم كثيرو الأذكار ، دائمو الاستغفار ، في مجاهدات ومكابدات ، محافظين على كثير من الخيرات ، عامرين أوقاتهم بالرواتب العظيمات لهم مراعاة كثيرة للآداب والسنة ، قائمين ليلهم كثيرو الخدمة ، محبون للمولى صائمون النهار ، مجتنبون في مأكلهم ومشربهم الإكثار ) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ( نازلون تحت الأوامر طاعة وسمعاً ، لهم شأن عند ملاهم ، طالبون للعلام هم للأنوار ، كما أن الأولين لهم الأنوار ، لهم بعض لوامع قليلة يفرحون بقليل من الأسرار الجليلة ، فو الله إنهم لممدوحون محبوبون ، ولكن أين هم من أولئك الواصلين المحبوبين ، وغالباً يغلب عليهم تحكم نفوسهم ، وأما الرياسة وحبها فتتمنع عليهم . اللهم إنا نسألك الكمال ، ولحوق مراتب الرجال .
    وأما الثالثة من الأقسام السابقة فهم أشبه الناس بأهل هذه الدرجة الرابعة وسموا بالمتشبهين بالمتشبين ، لأنهم يتابعون المتشبهين ، وسبب ذلك ميلهم للمكاشفات والكرامات وكثير منهم عند أهل تلك المقامات ، ولا تظنوا أن المتشبهين هم المدعون والملبسون الظاهرون ، فأولئك القسم الرابع ليسوا في طور المتشبهين ، بل ولا في طور المتشبهين بالمتشبهين ، بل هم في تنكيس وتدنيس ، والله ما هم إلا خلفاء إبليس ، قد غلبت عليهم الغوايات النفسانية وظهرت عليم الأوصاف الشيطانية ، وقامت فيهم الأهواء ، وارتموا بما رمي به السوى ، فيا ليت شعري يا ليتهم شٌغلوا بأنفسهم . ويا ليتهم ثم ويلهم من بارئهم ، يا أيها المدعون لهذا المكان ، والله أن هذا هو الخسران ، أفضاق عليكم الكون وما فيه ، أم سبقتكم السابقة فكل ظهر بما فيه ، أم جعلتم الطرائق موضعاً لهواكم ، وحاربتم في الحقيقة مولاكم ، قد خسر هناك المبطلون ، وتعس بهذه الدعاوي المزبرقون ، وهذا الصنف في وقتنا هم الكثير فاخشوهم يا إخواني ، وليكن كل منكم حذير ، ولتحسن الظن في الناس ، مع البعد عنهم ، فنعم هذه الأساس ، وهذا بعض الكلام على سنن الطريقة ومن تحقق ومن تشبه بزيغه ومن تشبه بالمتشبهين ، والتحذير من الفئة المدعين ، وللقوم هنا مجالات تركنا كثيرها خوف الملل ، وذكرنا نزراً منها في هذا القالب ، المعتدل : اللهم حققنا بما حققت به الواصلين ، واكفنا شر ما تلبس به المتدلسون آمين .



    الفصل الرابع
    فيما يعامل به إخوان السلوك أهل الدرجة الرفيعة


    اعلموا معاشر الإخوان المحبين ، والأصفياء السالكين ، المشار إلى شأن أمثالكم في الحديث القدسي عن ربي المعين ، وذلك في قوله (( المتحابون في جلاله على كراس من نور يغبطهم الأنبياء والشهداء )) فاعملوا للسعي المشكور ، حققنا الله وإياكم به مع الانتباه ، وفي حديث (( الحب في الله والبغض في الله )) كمال هذه )إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ( في كتاب الله (( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا )) ورد عن رسول الله ، وآخى رسول الله r بين الصحابة ، وأخوة الطريقة كأخوة القرابة ، أو ما ترون ما قال في مثل ذلك بعض الصالحين ، في الفرق بين الشيخ والأب متواضعين :

    أرى فضل أستاذي على فضل والدي
    فهذا مربي الروح والروح iiجوهر


    وإن زادني براً وإن كان بي iiلطف


    وذاك مربي الجسم والجسم كالصدف




    فجعل الأبوة التي من جهة إمداد الأرواح ، أعظم من الأبوة التي للأشباح وكذلك الأخوة فأعلموا أسرار النجاح ، ونبهوا بعضكم بعضا بحب الفلاح فاعلموا أن حقوق الأخوة كثيرة ، وسنذكر من شأنها جملا يسيرة ، فمن حقوقها النصح فيما بينكم ، وتحريك الهمم لذكر ربكم ، ومن حقوقها التنبيه على شأن شيخكم وذكر أحواله الموجبة لترقيكم ، ومن حقوقها تذكير تفقد روحانية الشيخ في ذكركم بل في أغلب وقتكم ، ومن حقوقها إذا وقعت الغفلة من أحدكم أزعجه بعبارة ممزوجة لطفاً بعنف ، وليكن أعظم الإخوان عندكم ، من يحرككم إلى للاشتغال بشأنكم وينبهكم على ما يعليكم وعلى محبة شيخكم يجمعكم ، فو الله ثم نبأ الخيرات ، وهناك تجنون ثمار البركات ، ومن رأيتموه انقطع عن طريقتكم فاحسبوه من المبعدين عن المتمكنين ، ونعوذ بالله من السلب بعد العطاء ، فإنه حافظ الصادقين ، فاحفظنا اللهم بحفظك وإخواننا المخلصين آمين .
    ومما ينبغي لكم تعطف خواطركم بعضكم بعضا ، والتودد فيما بينكم فإنه يوجب الحفظ والمراسلات بينكم من البعد ، لأجل النشاط ، وزجر من رأيتموه وهو معه انحطاط ، ومنها المزاورة كثيراً ، وتقديم من كان شيخكم مقدمه فثم تدبير ، وهو نظر الأعلى لمن هو دونه بعين الكريم ، ونظر من هو أدنى إلى من هو أعلى منه بعين التعظيم ، ومنها الاجتماع كثيراً على قراءة كتاب ولا سيما إن كان من الكتب المحتوية على الآداب ، وحقوق الأخوة تقصد فيها الأفكار ، ونسأل الله لنا ولكم كما الإبصار ، آمين .


    الفصل الخامس
    فيمن كان أجنبياً وما يعامل به من حيث هذه الطريقة
    حققنا الله بها ولا سيما طريقتنا الرفيعة آمين


    اعلموا معاش الإخوان والأجانب في عوائد الطريق ليس لهم الثقات ولا تزويق لكونهم عظيمي الحجاب ، مبعدين عن الباب ، وهم على صنفين ، وكل صنفٍ محتوٍ على أنواع مخربطين ، فأحدهم كان من أهل الانتساب في طريقة أخرى ، ولم يعرف آداب الطريق ، بل في تعبدات كبرى ، يحب أن يدفع غير طريقته من الطرق ، وهو بالمناسبة إلى الجميع أجنبي محقق ، إذ الطرق كلها داعية إلى سنن المصطفى ، وجميعها تستمد من حضرته الحاوية للصفات ، فيا ليت شعري هل أنكر عارف محقق عارفاً محققا ، أم نفى صحابي سنن صحابي مدقق ، ومن هذا المحل طالت ألسنة كثير من الفقهاء في الإنكار ، لاستماع بعض جهلة المدعين السلوك والفخار .
    أم الصنف الثاني فهم بعض فقهاء جاهلين الطريق أن ليس له تحقيق ، وما سمعوا ، (( إن من العلم كهيئة المخزون المكنون لا يناله إلا أهل العزة بالله )) فاسمعوا وبعضهم قد ينكر شيئا من ذلك المنوال ، وإذا تأملت ذلك وجدته قصير نظر عن علوم الكمال ، وأما من ينكر بعض الأحوال من بعض الآكلين الحرام والمالئين بطونهم من أموال السلطنة العظام ، وأمثالهم من جهال عوام وممن لامس العلم مع غير معرفة كما سمعنا مثل ذلك في بعض الأعوام ، وسبب ذلك إما كبر سنٍ خذله أو حسد أو حرمان ، من حضرة الحق وبعد فأولئك ليس لهم إلا الخسران ، وما جزاؤهم إلا ما يفعل بكثير الكلاب في كثير الأحيان من أمثال ما قال بعض أهل الإحسان :


    لو كلب عوى ألقمته iiحجراً


    لأصبح الصخر مثقالا بدينار




    ثم هذه فوائد جمة ، في مسائل مهمةٍ ، منها ما بلغنا عن بعض من لم يتمكن في العلوم ، وليس عنده قدرة على توجيه المسائل علو بعض مذاهب أهل الدقائق والفهوم ، ولا سيما إن كان البحث ليس في أمرٍ شديد ، بل في منواله يجيز العلماء التقليد ، وهو قولهم : الفاتحة للنبي r فيها كراهة ، فانظر إلى ضعف هذه النباهة ، فهنا أذكر عن طريق الاختصار هذا البحث ، والمؤمن من طور إيمانه يقبل بقليل حث ، فقد قال بعض العلماء بالكراهة ، واحتجوا أن الكامل لا يحتاج إلى زيادة ، ورد عليهم كثير بأن المقصود زيادة شرفه يا مسعود ، وقال: إن الصلاة عليه قريبة من هذا المنوال ، إذ الكل رحمة من الوال ، وقد مشى على هذا النسج كثير من العلماء والصالحين ، كمثل ابن العربي في حزبه المسمى بالدور الأعلى ، فإنه وضع في أوله فاتحة لروح للنبي r كامل الجلاد من ذلك ما وضعه الجد في راتبه المسمى بالكوكب الثاقب لنيل أعلى المراتب ، حيث أتى بفاتحة للنبي r في أول ترتيبها ، وكذلك فعل ذلك في آخر منوالها فقال : ولنختم بالفاتحة لروح سيد الكونين ، وعين حياة الدارين ، سيدنا محمد سيد المرسلين ، عليه أفضل الصلاة والسلام من رب العالمين ، ولو بحث في هذا البحث فقيه ، لوجد من كلام أئمة المذاهب ما فيه تنبيه :
    انظر في نفس الفاتحة في الصلاة ، تفهم خلاف العلماء وتسكن بحول الله فالأحناف قائلون في قراءة المؤتم للفاتحة كراهة تحريم ، والشافعية يقولون إن نقص حرفاً منها بطلت الصلاة ، فهذا أقرب ما يهون عليك إن كنت ذا فهم من المسائل ما قال بعض الغافلين ، ما معنى تلقيب هذا الشيخ يا محبون بختم أهل العرفان ، فقلنا : يا بني كن يقظانا ليس فيه إدعاء ، ما فيه تحجير ، إذ هو إشارة لذوق في الولاية يستوفيه وهو في الدليل ما قيل : ما يقال المزية ما تقتضي الأفضلية ، وليس دعوى : أن ليس بعدي ولي ، فأفهم لهذا الإكسير الجلي ، ومنها ما بلغنا من بعض المتفقهين أن الخلوة إذا لم يظهر فيا إبليس اللعين فليس فيها تمكين ، قلنا : الطرق إلى الله بعدد أنفاس العباد ، والشيطان قل أن يتعرض إلى لكامل أو لتلميذه بإبعاد .
    واعلموا أن أعظم الخلوات الثلاثة إذ ذكرت في القرآن في موضعين سنية . أما الاشتغال بالأذكار جماعة ، فذلك أكبر النفاعة ، إذ مثله الرسول برياض الجنة ، وكم ثم أسرار ومنة ، والحاصل أن المتكلم إما قصير باع في العلوم ، أو شقي محروم ، اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك ونعوذ بك من السوء ، ونسأل سر النجوى آمين سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم .
    وهذا ورد عن الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم ، وآله وصحبه وما انتفع بهذا الرقيم ، وقد أمليتها من الصدر ، ولم أعتمد على حضور كتاب بفضل البر ، صلى الله على النبي وآله وصحبه ، وأسأل ببركته أن يجعلها خالصةً لوجهه ، وينفع بها عبده آمين . انتهت هذه الرسالة في يوم 29شوال سنة 1332 من الهجرة النبوية ، على صاحبها أفضل الصلاة والتحية ، تحرك لهمم السالكين وتبين لأشياء عاضدةً لبعض ما في هذه الرسالة من تفنين ، ومن ذلك لما تمت هذه الرسالة ، رأيت ثاني يوم إتمامها أو ثالثه شيخنا أحمد بن إدريس ومعهم رجالا من الأفراد المناظرين للقطب من حيث المعرفة بالله ، ورأيت معهم كذلك رجلاً من الأوتاد ، كأنهم يشيرون إلى أن الرسالة هذه كملت لوجه الله ، وأنها أٌلقي عليها خلع القبول من المولى وأن الله سينفع بها الخلق ، نفعاً عاماً ، وأنها ستملأ الأرض ، وإشارات مثل هذه وفي هذين اليومين رأى تلميذنا الشيخ محمد النبي r وأثبت إليه خلافة من أشرت إليهم ، وخصوصية سائر أهل مجلسنا ، وإمداد النور في سائر من تعلق بنا ، وأيد كثيراً مما في هذه الرسالة من مثل هذه المذكورات ، ومن مثل أن إقليم السودان خلص لطريقتنا ، نبه بذلك عليه السلام ، ومن مثل أن جميع ما تكلمنا به حق ، ثم كذلك في تلك الليلة رأى كذلك الشريف الهادي مثل ذلك ، وتكرر عليه في ليلة واحدة منه r خمس مرات حتى قال في عموم إمدادنا في إقليم السودان رأى أنه عم حتى في قوم يئسوا بحسب العقول أهل قباحة ، بل حتى من بعض من لم يكن من أهل كما الاعتقاد فينا ، والحاصل أنها أمور كثيرة ، والله بيده الهبات الفخيرة ، وصلى الله على النبي المصطفى وآله وصحبه الحنفاء آمين .
    قوله تعالى ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (*) وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (*) يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾
    ذكر شيخنا العارف بحر المعارف ، ختم أهل العرفان ، وحامل لواء الإيقان ، وسلطان أهل الشهود والعيان ، سيدنا السيد الشريف المكي الميرغني السيد محمد عثمان ، أيده المنان ، إشارة بديع لمن يسبق بها فيما علمنا وسمعنا ، لما قرأ هذه الآية في صلاة التراويح ونحن جماعة كثيرة خلفه في بلاد التاكا ، فالتفت إلينا بعد سلامه وقال لنا: لما قرأت هذه الآية خاطبني الحق جل جلاله وقال: أنت تذكرة لعبادي يا محمد عثمان فمن أراد طريقاً يوصله إليّ فليتخذك سبيلا ، وما يفعلون ذلك إلا أن أيريد إن كل من أحبك وأخذ عنك وتعلق بك هو الذي خلد في رحمتي وكل من أبغضك وتباعد عنك فهو الظالم المعدود له العذاب الأليم .




    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: الرسائل الميرغنية

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أغسطس 17, 2011 10:49 am

    الرسالة الثالثة






    الفتح المبروك


    في


    كثير من آداب السلوك


    تأليف


    الشريف الميرغني / السيد محمد عثمان بن السيد محمد أبي بكر















    المقدمة


    وبه الإعانة بدءاً وختماً ، وصلى الله على سيدنا محمد ذاتاً ووصفاً واسما
    الحمد لله الملك الكبير ، الذي ليس له نظير ، الجاعل من عباده الهدى إلى حضرة وداده ، المرشد من أراد منهم الوصول ، إلى حضرته وحضرات الرسول ، وجعل لهم آداباً يسلكون بها ، ومشايخ يقتدون بنسلها ، والأصل إتباع سيد السادات الجامع للكمالات ، صلى الله وسلم عليه ، ما لاحت بوارق الشهود لديه ، الناطق بجوامع الكلم ، والحائز للفيض المعمم ، والرمز الذي لا ينحل ، والطلسم الذي لا يعلمه سوى الأجل ، صلى الله وسلم عليه وآله وصحبه ومن آل إليه .

    وبعد : فقد سألني بعض السالكين ، أن أبين له بعض آداب المتوجهين ، فأجبته إلى ذلك ، راجياً لثواب ما هنالك ، قائلاً ما قاله الكليم الفخير : ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ ووقع الإلهام قبل التمام :


    (بالفتح المبروك في آداب السلوك)

    فأقول وأنا الحقير السني ، محمد عثمان بن محمد أبو بكر السيد عبد الله ميرغني : إن مبنى طريق أهل الله ، على كتاب الله وسنة رسول الله ، وإن الحقيقة والشريعة متلازمان ، وليس بينهما فوات عند أهل العرفان ، كما قال بعضهم مشيراً لشأنهم :
    وما في طريق القوم بدءاً ولا انتها
    وخلّ مقالات الذين تخبطوا



    مخالفة الشرع فاسمع وأنصتي





    ولا تخلي عن حكم كتابي وسني





    واعلم أن أول ما يجب على المريد ، معرفة المبدئي المعيد ، وأن يصحح عقيدته لكي يرث حال أهل طريقته ، ثم ما يقيم به الفروض ، يوم لا ينفع الجواهر ولا العروض ، ثم يعرف آدابنا ، وما ينبغي له معناه ، فأولاً لا بد من معرفته بشيخ به يعرف الطريق ، كامل التحقيق ، مأذون له بالتربية من الحضرة الإلهية له معرفة بالشريعة ، متوغل في علوم الحقيقة ، وأعني بمعرفة الشريعة ، ما يقوم به فروضه ، له معرفة بالمنازل ، وتحقق المناهل ، وله به المقابلة والأحوال مفهومة : ويعرف القواطع في الطريق ، وأحوال التعويق ، وهذا أقل من القليل ، إلا إن ساعف به الجليل ، بل إذا وجد الإخلاص قد شذ فقال :
    وذا بنياس الزمان الأنور
    فكيف في هذا الزمان الأغبر



    أعز من كبريت سر أحمر





    يناله كل مجتر ومفتر




    ويقول الجيلي كان لي وله العلي:
    فإن ساعف المقدور وأنجزك القضا
    فقم لرضاه واتبع لمراده
    وكن عنده كالميت عند مغسل
    ولا تعترض في ما جهلت من أمره
    وسلم له في ما تراه ولو يكن










    إلى حي شيخ في الحقيقة بارع





    ودع كل ما من قبل كنت تصانع





    يقلبه ما شاء وهو طائع





    عليه فإن الاعتراض تنازع





    على غير مشروع فثم iiقواطع





    فعبر بحرف (إن) الذي يقتضي الوجود وعدمه ، فأمعن ، فإذا وجدته فتب توبةً نصوحاً ، واصدق تنل فلاحاً ، وصل ركعتين وأنو فيهما التوبة عما لا يقتضيه نظره المتين ، وخذ عنه شيئاً من الذكر . واشغل به الفكر ، وإذا جلست بين يديه ، فأجلس جلوس الصلاة لديه ، وإذا تعبت فاجلس قريباً منه غاية النظر بالأدب فيها ، ولا تلتفت لغيره ، وما أمرك له فأفعله تنل خيره ، وكن بين يديه ومعه كالميت بين يدي مغسله ، يقلبه كيف يشاء ، ولا يخالفه فيما يشاء ، قائماً معه بالخدمة ، وغاية الحشمة ، مٌفد له بروحك ومالك ، وجسمك وجميع أحوالك ، تسعى فيما يرضيه ، ولا تلتفت لمؤذيه ، معامله بالصدق ، وهذا الذي عليه الحال ينطبق . إذ قال بعض الرجال : الصدق سيف قاطع ، وما له من دافع ، لا تتكلم معه إلا بحسب الحاجة ، إلا إن أفيضت عليك بعض المادة ، وأما أحواله مع ربه ، فأوله إذا جاء للطهارة ، يفعل ما يقوله صاحب الشفاعة ، فإذا جاء إلى الصلاة استحضر عظمة الله ، إذا قال الله أكبر ، شاهد عظمة البر ، وإذا رفع يديه عند استفتاح الصلاة التي عليه يشير لرفض الأكوان ، وتخلصه من رق الألوان ، فإذا قرأ الاستفتاح ، شاهد الإخلاص للفتاح ، فإذا بسمل شاهد الفعل ، بمن له القدرة والحول ، ثم يشاهد كذلك ذكره لله وذكر مولاه له : فإذا قرأ الفاتحة يشاهد : حمدني عبدي ، مجدني عبدي ، وهؤلاء بيني وبين عبدي ، هذا في أول الأقدام ، ثم بما يفتح به المتعال ، إلى أن خلص الصلاة وهو مستغرق في عظمة الله ، وإلا لم يفز بصلاته ، واستحق أن ترمى في وجهه ، ولو خوطب بعض السالكين وهو في الصلاة خطر له الخاطر حشيش ، فقيل له كما ذكره يا عبد الحشيش ، وكذلك من قلب عليه التحشيش ، وكل من غلب عليه شيء فهو عبده ، إن الله ينزل العبد من نفسه حيث أنزله العبد من نفسه ، ويحذر أن تلقى وترمى في وجهه ، فإذا فرغ من الصلاة استغفر مولاه مما جناه في الصلاة من الخواطر والنظر القاصر ، يسبح بالتسبيح ، ويقرأ ما له من راتب سميح ، ويشغل أغلب أوقاته بالذكر والحمد لله والشكر لله كما قال الله تعالى: ((أذكروا الله يذكركم واشكروه يكرمكم ))
    وليكن أغلب أوقاته ملازماً للوضوء ، فإن سلاح المؤمن الوضوء ، وليقل عنده : بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليشغل عينه بالنظر فيما أمر به ، مثل التفكر في موضع سجوده ، وكذلك سمعه لتلاوة كتاب الله ، وأمثاله من المواعظ ، وحديث رسول مولاه ، ورجله يمشي بها إلى المساجد ، ويقف بها بين يدي الواحد ، مستمطر الفيوض والمعارف ، ويقول : يا إلهي ها أنا العبد الضعيف واقف بين يديك ، ومثل زيارة المريض ، والمشي وراء الجنائز له شأن عريض ، ويديه يقضي بها حوائج المسلمين ، ولا يصرفهما إلا فيما أمره المبين ، وفكره في ما أوجد الحق ، ويأخذ من كل شيء خُلُقا ، فمن الكلام التوكل ومن البحار وُسع الخلُق بالتأمل ، ولسانه يذكر ربه به ، وتلاوة كلامه وكلام نبيه مع التدبر ، لتظهر له الأبحر ، والوقوف على رأس كل آية ، والخشوع عند التلاوة ، وإذا مر بآية عذابً يستعيذ ، أو بآية رحمة يسأل المجيد ، يعتزل عن الخلق يقصد كفاية شره لهم ، ويحسن الظن بهم ، يشكر الله لإسداء نعمه ، ويتخلص من ريائه عجبه ، فإذا فتح له الباب فليحذر من الدعوى ، وليخف من الجلوى لأن فيها البلوى ، فإذا لاحت له بوارق الأكوان ، فليحذر من الوقوف مع سوى الديان ، وليقل : لا أريد سواه ، وليكن متأدباً مع شيخه ناظراً إمداده منه مُشاهداً حاله عنه ، لا يشكر الله من لا يشكر الناس ، وإياك والوقوف مدى الأنفاس ، واسمع ما يقول بعض أهل الله كان لي وله مولاه قال : كل حسنً تجلى بى تملى ، فقلت قصدي وراك ، ويعبر على شيخه حاله وما فتح له وعند ذلك يحذر من عبادة الأحوال ، حتى يجوز مناهل الرجال ، وعليه بالقمة الحلال ، فإنها رأس المال ، ويستمد ممن رآه من الصالحين ، ويواظب على قيام الليل فإن فيه كثيراً من التمكين ، والمشي إلى المساجد في الظلمة ، فإنه يورث النور التام يوم القيامة ، وبالتسليم لأهل الله ، فإن لهم في كل أمر دليل يعرفه أهله كما قال بعضهم
    وسلم لأهل الله في كل مشكل



    لديك لديهم واضح بالأدلة




    وزيارة المقابر ، فإنها تفكر اليوم الآخر ، وليحذر فيها من الضحك فإنه يورث الظلمة في القبر وفيه الضنك ، ومن الجلوس على القبر فلأن يجلس على جمرة فتحرقه جسمه وتحرقه خير له من الجلوس على المقابر ، وليجاهد نفسه ، فمنها يظهر الأنس ، فإنها رأس الدعوى ، وفيها الجلوى والبلوى ، رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر : قال سيد البشر : والمقصود به جهاد النفس لتخرج إلى فضاء القدس ، والخواطر ثلاثة أنواع ، وأقرب ضابط به وأنفع ، ما وافق الشريعة فخذه ، وما خالفها فدعه ، فالشيطان يدعوا إلى لرجس والملكي يدعوا إلى القدس ، والرحمانى إلى أن يكون بالكبير الأنس ، والنفس ما دامت أمارة ، فاتبعها بالمجاهدة حتى ترجع لوامة كما قلت :
    فإن جاهدة نفسك صرت فرداً
    وزد خلي تزد ذاك iiإطماناً



    وترقى من أمارتها إلى اللوم





    فراضية فمرضية iiلقوم




    فإذا خرجت من اللوم ، جاء الاطمئنان بالذكر دوام ، فإذا صارت راضية ، جاءت الفيوض طامية ، فإذا صارت مرضية ، فقد جاءت المحبوبية ، وذهبت الأنانية ، وصحت العبودية ، وهي المقصود عند خيار البرية ، وليكن نظرك إلى الأرض بين يديك ، متفكراً فيما منك وعليك ، عن الشَبهِ والشبهة ، وأزهد في الدنيا الدنية ، وخذ الله وكيلا ، وطريق الكسب فيه الخير الجليل ، فإن كنت من أهل الكسب ، فاتق الله يأتيك الوهب ، وانصح في معاملتك مع الخلق ، وسر معهم على قدم الصدق ]كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [ وعلى ما أظهرت من الغش حزينة ،
    وأما التجريد فيحتاج إلى صنديد لا يشوف للخلق ، ولا ينظر إلا إلى الحق ولا تتشوف نفسه إلى شيء ما أتاه هكذا قبله ، وما أتام من الشوف تركه وواظب على الصلاة مع الجماعة ، فإنها رأس البضاعة ، وإذا أرت الحج فمن مالً حلال حج ، وإلا فهو مردود عليك ، يقال لك : لا لبيك ولا سعديك فعند تجردك للإحرام ، تجرد عن الانتقال بسوى الملك العلام ، فإذا لبيت فكن ناظراً مجاوبة الحق وكن إلى الخير ممن سبق ، فإذا شاهدت البيت ينزل بك حال فإن لم تراه فما بلغت مناهل الرجال ، أقدم مقبلا يمين الرحمن ، وبايعه أن لا تعود إلى شيء من العصيان ، وطف سبعاً مهرولاً في الثلاث الأول ، إشارة لمسارعتك لحضرة الأجل الأكمل ، وفي الأربع أمشي رويداً مجاهداً مشاهداً لوصول مرادك والمقاصد ، وصلى ركعتين عند المقام ، ومسابقة للخلة والإنعام ، فإن شأنها عظيم ، ومقامها سليم وتخيلها فخيم ، كما قيل
    قد تخللت مسك الروح مني



    ولذا سمي الخليل خليلاً




    ثم أشرب ماء زمزم ، وأغسل باطنك الحاضر المذم ، ثم أسعى بين المروة
    والصفا فإذا نلت سر ذلك ظهر لك حال الاصطفاء ، وهرول بين الجبلين الأخضرين ، إشارة إلى أنك تخلصت من الرين ، ومن المروءة تمسك بالمروة ولقد ذهب كمل أهلها دواماً لقوة كما قال :
    مررت على المروءة وهي تبكي
    فقالت كيف لا أبكي وأهلي



    فقلت لها وما تبكي الفتاةُ





    جميعاً دون أهل الناس ماتوا




    ثم تسرولت في منى ، ظاهراً عليك أثر السنا ثم توجه صباحاً إلى عرفة ، وقف لتنال كمال المعرفة ، ثم ارجع إلى مزدلفة ، بأدب صحيح لإرشاد خلقه ، ثم بت وسر عنها صباحاً فهناك شعائر وإفلاحا ، وخف السير في مجسرِ ، إشارة لذهاب عن الاقتداء بكل ناجزة ، ثم أنزل بمنى لتحظى بكمال المنى ، وارم جمرات نفسك ، وأخلع عنك رجسك ، وأذبح مراد نفسك ، بسكين مخالفته وأحذر الإغواء وكن لها منتبها ، فإذا تممت بهذه الصورة المذكورة فقد حججت حج أهل المعرفة المذكور ، وإن لم تكن على هذه الكيفية فحجك حاله الضعف ، وإن قدرت فحج بعده ، فكل حج نشأةٌ أخرى يجدها اللطيف ثم توجه إلى المدينة لتخمر لك العجينة وهذا بعض آداب الحج ، لمن استطاع أن يحج ،
    وأما آدابك مع رسوله r فإنك تعظمه ، وتصلي عليه كلما أحد ذكره وتحبه هو وأهل بيته غاية المحبة وكذلك أصحابه ، وتتبع سنته ، وتسأل له عند قيام الصلاة والآذان ، الشفاعة ، والوسيلة وتحسن على من أحبه ، وتفنى فيه وفي محبته ، والآداب التي لشأنه كثيرة ، وأن لا تخليه من خاطرك هو وشيخك في أوقات كثيرة ، وصل عليه في كثير الأحيان ، وأبدأ بها دعائك وأختمه بها فإنه يقبل كما جاء عن أهل العرفان ، ولتغسل قبل الأكل وبعده يديك ، وتأتي بالمضمضة ، وتبسمل قبله ، وتحمد بعده ، ولا تأتي الصلاة وأنت تجري فيذهب الحضور المتين ، وإذا دخلت إلى المسجد فصلي ركعتين ، وواظب على الصف الأول وتعمم ، ولا تصل وحدك خلف الصف فتندم ، وطالع في كتب القوم كثيراً ، تحز مقاماً كبيراً ، فإذا أفيض عليك شيء فأكتم ، فمن أفشى لا شك يندم ، ولقد أفشيت بعض شيئاً في الابتداء ، فأوذيت بعض الإيذاء ، وأما إن تكلمت بعد التوسيط ، لذهب بعض مالك فتبسط ، ولا تزال تطلب الكمال فلا ، انتهاء عند الرجال .
    هذا بعض ما حضر من آداب السلوك ، بحسن ما أفاضه مالك الملوك ، لأني ما جمعت شيئاً بالمطالعة ، بل بحسن ما أفاضه الله ، ومن أراد التوسيع ، فعليه بكتب أهل الترفع ، وأما هذه ففيها ما يكفي للمبتدى ويستضئ به المتوسط المقتدى ، وأريد أن أتى بخاتمة في بعض ما يحتاج إليه السالك من الأدعية في بعض اللمحات والله بيده الهدايات .








    خاتمة

    تحتاج إلى إجابة المؤذن ، وبعده الدعاء للسيد المحسن ، وعند الخروج من الخلاء تقول : الحمد لله الذي أذهب عني الخبث والخبائث ، وعن الوضوء تقول : بسم الله والصلاة على رسول الله ، وعند الخلاص منه تقول : اللهم اجعلني من التوابين وأحعلني من المتطهرين ، وتقرأ سورة القدر ، فإن فيها غاية الخير ، وتشرب بعده وتصلي ركعتين وتدعو بما تيسر فإن فيه أُنساً بالمتين وعند الدخول إلى المسجد تقول : أعوذ بالله العظيم ، وبوجهه الكريم وسلطانه القديم ، من الشيطان الرجيم ، بسم الله والصلاة على رسول الله ، اللهم أفتح لي أبواب رحمتك . وعند الخروج كذلك ، لكن تقول بدل أبواب رحمتك أبواب فضلك ، وعند الدخول تقدم اليمنى ، وعند الخروج تقدم اليسرى ، واترك الغيبة والنميمة ، والبهتان والأفعال الذميمة ، وعند هذا الموضع سيقف البنان . وتستغفر الله مما يكون وما قد كان .
    ولنختم كل مجلس بما نختم به هذه الرسالة وهو الحديث الوارد عن صاحب الشفاعة ، سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك ، عملت سواً وظلمت نفسي ، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه بقدر عظمة ذاتك يا أحد آمين . تمت هذه الرسالة على يد كاتبها ومالكها ، الراجي الدخول من فيض مولاه اللطيف ، إلى حضرته وحضرات رسوله المنيف ، وبجاه نبيه المصطفي ، وبجاه كل سيد عفيف ، الحقير الراجي عفو ربه الملك القدير ، وشفاعة نبيه البشير النذير ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ، وأحبابه وذريته وأهل بيته وسلم .


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: الرسائل الميرغنية

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أغسطس 17, 2011 10:50 am

    الرسالة الرابعة


    الزهور الفائقة


    في


    حقوق الطرية الطريقة الصادقة


    تأليف


    السيد محمد عثمان الميرغني




    الحمد لله الذي جعل خيار العباد الذين لا يفعلون أمراً إلا ويحسبون السؤال عنه في يوم المعاد ، أحمده على جزيل النعم ، وأشكره على مزيد الكرم ، وأصلي وأسلم على نبيه المحترم ، وآله وصحبه والخائفين من هول يومِ المزدحم
    أما بعد : فيقول رق الجناب المحمدي ، والمقام الأوحد ، الختم محمد عثمان بن السيد محمد أبي بكر رحمهما المنان ، تلميذ العارف ذي التقديس ، القدوة إلى الحضرتين مولانا البركة ، ولي نعمتنا الشريف أحمد بن إدريس : إني لما دخلت أرض التاكة ، ورأيت بها أقواماً على سبيل القوم أفاكة ، لم يميزوا بين شيوخ البركة والإرشاد ، ولم يعلموا مراتب الأخوة وحكم الإجازة في اصطلاح الأسياد ، ولم يخافوا أهوال يوم القيامة الشداد ، ولم يقيموا الوزن بالقسط ، على أنفسهم وغيرهم من العباد ، وهم معذورون وليسوا معذورين فعذرهم أنهم لم يجتمعوا قبلنا بعارف ، وغير معذورين لعدم نظرهم في سؤال ولي اللطائف ، أما بعد دخولنا إليهم ، فلا عذر لهم مطلقاً ، ومن تعد الحد بعد مشاهدة العارفين استوجب المقت وعدم الارتقاء ، فجعلت هذه الرسالة لتبين ما التبس عليهم وسميتها :
    ]الزهور الفائقة في حقوق الطرية الطريقة الصادقة [
    وجعلت فيها ثلاثة قواعد : القاعدة الأولى في الشيوخ وما يعاملون به ، وما يعاملون به ، وكيفية إذنهم وإجازتهم ، القاعدة الثانية في حقوق الإخوان وما يتعاملون به بينهم من خواص وعوام وخواص الخواص : القاعدة الثالثة في الطرائق وآدابها .
    القاعدة الأولى : اعلوا معاشر الإخوان الكائنين ، في جميع البلدان
    أن الدعوة فشت في الديار ، وملئت جل الأقطار ، وكل ذلك وقع منهم لعدم مراقبة سؤال القهار ، وعدم النظر في كل ما يقومون عليه من مناقشة الجبار ، فاعلموا إخواني حفظني الله وإياكم من المقت والطرد ، ومنحني معكم الأدب معه ومع أوليائه ذوي النور الفرد ، إن مراتب الشيوخ ثلاثة ، وفي كل مرتبة قسمان ، فكن أيها الفطن بآدابها متأدباً
    المرتبة الأولى : مرتبة الشيوخ المتحققين بالمشيخة الذين عليهم الاعتماد في الدنيا والآخرة ، السادة أهل الإرشاد والإمداد ، والرجال الذين بهم يحصل عند الله بهم الإسعاد القائل فيهم العظيم الجواد ] أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [ أي من سواه ] وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [ بفراق أحد عداه ] لَهُم البُشرَى [ منه ومن رسوله ]في الحياةِ الدٌنْيا[ مناماً ويقظةً كما يعلمها أهل الإيقان ، وفيهم يقول الرسول الباذل في مرضاة الله همته (( الشيخ في قومه كالنبي في أمته )) (وً) لهم البشرى كذلك ]في الآخرةِ [ بشفعاتهم ومُداناتهم لحبيبهم في الدار الآخرة ، وهم قسمين : شيخ جمالي ، وشيخ جلالي ، فالجمالي عبد اختطفته يد العناية ، وخلصته من الجناية ، فتح له فتح جليل ، فكشف الكون بلا تطويل ، بداء بالرؤيا ثم الكشف الخيالي ، وارتقى بعد ذلك للكشف الحقيقي المتوالي ، سطعت عليه أنوار شيخ إرشاده ، فحظي بإسعاده ، عرف المقامات وخباياها ، وميز المنازل وخفاياها ، واطلع على الحضرات ومخادعها ، فرق بين الحضرة المحمدية وآدابها ، وعرف الرؤيا الحقيقية وخيالها ، علم أدب مناجاتها بحسب أنواع كمالها ، يعرف طرق حضراته علواً وسفلاً ، ويعرف سر كمالها مظهراً ومجلى ، لا يقدم على أمر إلا بإذن منها ، ويعرف من دخل حضراتها بحسب تنوع الحضرات ، ويتأمل فيعقل من وقف عندها من الثقاة ، وغير ما ذكرناه يعقلها مما لها من خفي الإشارة ، التي لا تصل إلي العبارات . وكذا يرقى إلى الحضرات الإلهية ، ويفرق بين التجليات الجمالية والجلالية والكبريائية ، يعرف من حضرات الحق الكثير ، ويعلم أن الله به في جميع أحواله بصير ، ويعلم آداب الحضرات وخصائصها ، ويميز بين مشاهداتها ومعانيها ، أخذ منها علمه بلا واسطة ، ورقم عنها ِحكمة عارف مقدار الواسطة ، شهد التجليات فانبسط من الجمالي بالأدب ، ووقف مع الجلالي ، وهو بالخوف مرتقب ، شطح ناظراً إلى ] وَأّمّا بِنِعْمًةِ رًبِكَ فَحَدِثْ [ وانكسر متأمل في ]وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَان[ فتورث ، أي في غيبته في حبه دائم الحضور في الحضرات ، صاحي الظاهر في جل الأوقات ، إن أمر فبالله ، وإن أمد فمن الله ، وإن أخبر فعن الله ، وإن دعا فإلى الله لا يشتغل بظاهر حركاته عما هو مشاهدة في باطنه من هباته ، يفتح له على فراشه كما يفتح له في صلاته ويمد في فتراته كما يمد شطحاته يعلم أحوال المريدين فيربيهم بأنواع من قبض وبسط وحلو وعذب ، وفي هذه الأحوال يستوي الجلالي والجمالي ، ويختلفان في حال واحد ، فالجمالي يغلب عليه من الحضرات البسط وشهود الرحمة ، فيظهر بتلك النعمة ، والجلالي يغلب عليه من الحضرات ، القبض والتجليات الجلاليات ، فيظهر منقبضاً لما يشاهده من الهيبات ،
    وأما مريدهم فآدابهم معهم عن العارفين قد ذكرناها في بعض رسائلنا والحاصل أن مريدهما ينتفعان في مثل التسليم للشيخ وعدم الجلوس على سجادته والتوضؤ بإبريقه ، والاتكاء على عكازه والتحدث في النفس بمخالفته وحرمة أهله إلى آخر ما ذكرناه في تأليفنا الآخر ، ولكن إتباع الجمالي يطلب لهم التجلي بالبسط والفرح بالله ، وإتباع الجلالي يطلب لهم التجلي بالقبض وكثرة الخوف من الله ، الذي يتخلص به المريد عند الله بعد أن يتحقق مقام كل منها وتظهر له ولايته بالأدلة المعلومة من كرامة تقوى له إيمانه ، وعلم حقائق وشهود أسرار ورؤية كثير من الشروط الموجودة في كتب القوم ، ومن أجلها استقامته ونشاطه في القيام لله ورؤية إشراق الحال والتقوى على أتباعه فثم ينبغي للمريد أن يعتقد أن الشيخ عارف كامل متحقق داعي إلى الله بإذنه في أعلى المشاهد الإلهية ، ولا يعين له مقاما لم يشهده له أو يخبره وليُ تحققت ولايته عنده بأدلة معلومة .
    أما الشيخ فالذي ينبغي له مع المريدين النصيحة الدائمة وهو أعرف بما يناسبه فلا تخاطبه لأنه متأدب بين يدي نبيه واقف لسؤال ربه ، وهذه الشيخوخة ليس محلها إذن الأولياء ، وإنما هي إذن من الله ورسوله ،يحظى بها بعد الوصول إلى مظانها الأبرياء الذين قال فيهم وليهم المربي : أوليائي تحت قبائي لا يعلمون أحد غيري
    وأما المرتبة الثانية ، وهي شيخوخة التبرك فهي أيضاً على قسمين وأصلها إذن العارفين ، وذلك أن يأذن العارف لبعض مريديه بالنيابة عنه في نصيحة الإخوان مُحبيه ، وذلك أن ينال المريد بعض فيض من تقوى وأما أن يكون تقياً بلغ في الخشية الغاية القصوى ، فإذا كان المريد كذلك فحينئذ يأذن له العارف ، وأدبهُ أن يتقي الله ويأمر أتباعه بملازمة الذكر والخشية والوعظ ، ويتحلى بحلى الشيخ من حيث الزجر والردع ، وينبه إخوانه على أنه ليس صاحب مدد ، ويعلمهم أن مددهم من شيخه ويعرفهم أنه أخ لهم محجوب مثلهم ، ولا يتركهم يمدحونه ويصفونه بأوصاف الأولياء فيستوجب هو وهم المقت من الله ولا يسمح من مادح له أو ينظر في كتاب رسم إليه فيه ما لم يستحقه إلا وشن الغارة على من رسمه ، ويُعلم إخوانه أنهم مسئولون بما يتكلمون به فيه ، كما أنهم مسئولون عن جميع أعمالهم ، وينبغي له أن يؤازر بعض إخوانه الذين يراهم ناصحين له غير مستحيين منه ، مشفقين عليه من سؤال الله .
    وأما آداب أتباعهما فذلك أن يتأدبوا مع كل واحد منهما ويحترموه ويراعوه ، ولا يمدحونه بما ليس فيه ، ولا يمنعونه ما هو له ولا يجعلوه كالعارفين .
    أما الإجازات ، فحكمها أنها تصح لكل سالك ، لكن ليس حكمها أن كل من أجيز مُشَيّخ ، بل شيخوخة تبَرُكٍ ، إذ قد يجيزون شيوخ التبرك ، ولكن القصد بها معرفة السلسة فقط ، وصاحبها لا يصح أن يتصدر على مؤمن واحد ، وهذه الإجازة على قسمين : قسم يأذن له العارفون ويجيزونه ويأمرونه بتلقين الذكر ويحث الإخوان ، ويعمر الخلوات ، ولا يدّ عي ويُعرف نفسه للناس دائماً حتى لا يظن أحد من أتباعه بغير ما عنده لإخباره لهم بذلك أنهم إن فعلوا غير ذلك فالله سائلهم لا محالة ، وهؤلاء هم شيوخ التبرك الذين ذكرتهم آنفاً ، وليسوا بشيوخ ، وإنما هم إخوان ناصحون لإخوانهم ، ولا ينبغي الترجمة لهم بالشيخوخة ، وإنما يقال لهم خليفة فلان ، أو نائبه أو نقيبه أو الخليفة أو النائب أو النقيب ، فإن رأى الإخوان نسبوه إلى الولاية والإرشاد ، وهم راكنون إلى ذلك ، ولم يكثر الزجر عليهم في وسط الملأ والتشنيع والتبرّى من أفعالهم فأولى له أن ينقطع ويتركهم ولا يتصدر عليهم ، فإن فعل مع الرضا بما سبق مُقِتً وطُردً . القسم الثاني من هذين ، وذلك كعامة المؤمنين أو أهل الفضل الذين لم يتمكنوا من أنفسهم ولم يؤذن لهم العارفون الذين تحققوا بالإرشاد فلا يصح لهم التصدر على فرد من أفراد المؤمنين وهذا هو المُجاز منهم في نفسه ، غير المأذون له في إعطاء غيره ، وهذا حال حال أغلب أهل الإجازات فعميت بصائرهم فجعلوا محض الإجازة إذناً وتصدروا ، والعجب كل العجب من قومٍ جعلوها إرشاداً ، والله ما ذلك إلا مقت وطرد وإبعاد أسأل الله الحفظ لي ولإخواني من الإبعاد ، وأما الشيخوخة الأولى التي هي الإرشاد والإمداد فتلك ليست إذن ولي ولا إجازته ، بل هي إذن من الله ورسوله بعد تحصيل الشروط التي تقدم بعضها ومنح الله ومنته فيا معشر إخواني أسألكم بالعزيز المتين ، والقوي المبين ، أن تتقوا الله ولا تدعوا مقامان العارفين ، فو الله إن إدعاءها يوجب سوء الخاتمة والطرد ، يا مجنون ؟ اسمعوا وأقيموا الميزان بالقسط ، فقد تبينت حجة إما لكم أو عليكم بضبط .
    أما المرتبة الثالثة من الشيخوخة فهي مشيخة القراءة ، وهي على قسمين شيوخ قرآن ، وشيوخ علم ، وهؤلاء ينبغي أن ينصحوا أتباعهم ، ويأمروهم بالتقوى وتحقيق المقروء ، وإتقانه والعمل به من قرآن وكتب الظاهر ، وأما كتب القوم فأمرها إلى أهلها ويحثهم على التعلم ومجاهد أنفسهم حتى لا تألف التكبر ويوصي بحسن الخُلقِ ليقتدوا بإخوانهم
    وأما آداب أتباعهما لهم فالمراعاة لهما ، وتميزهما على غيرهما من الإخوان ويحفظوا لهم محل شيخوختهما ويناطحوهما ، ولا يمدحوهما بما ليس لهم .
    أما القاعة الثانية في حقوق الإخوان فيما بينهم ، فذلك أن يعظموا كبيرهم ويرحموا صغيرهم : ويتناصحوا ويتحاببوا ويتواصلوا ، ومهما رأى أحد منهم أحداً رد عليه السلام وتبسم له ، ويتساءلون عن أحولهم في أمر دينهم وصحتهم ولا تفوت أيام قليلة إلا وقد وصل كل أحد منهم إلى أخيه إما في بيته أو مسجد ويتفقدون كل غائب منهم فإن مريضاً وبلغ زمن مرضه ثلاثة أيام عادُوه ولو كان عبداً أو ابن سبع سنين ولا يجتمعوا في موضع ويتفرقوا عن غير ذكر قربة إلى الله ورسوله هذا إذا كانوا في بلدة واحدةٍ فأن تفرقوا كاتب بعضهم بعضا في كل أيام قليلة ، وكل مكاتبة تكثر على حسب عظمته في عين إخوانه ونصحه لهم ، وتتضمن مكاتبتهم من حقوق الله ورسوله والتزام حرمتها ، والمحافظة على القرب والتنشيط في الدين ، هذا حق عامة الإخوان في الطريق فيما بينهم وإعطاء كل منزلته من ذي حال ومن ذي تقوى ومن مقدم من عند شيخهم وأمين ملازم لحفظ الشيخ كأبناء البيت مثلاً ومعرفة حق المتقدم في صحبة شيخهم والمؤانس له ومراعاة كل بإعطاء ماله .
    أما الخاصة كأهل المجلس عند الشيخ الملازمين أو أهل مسجد واحد عند خليفة من خلفاء الشيخ ، فلا تمضي عليهم ثلاثة أيام إلا وقد تفقد كل منهم صاحبه إن بعد ، وجالسه وناصحه وآكله وجدد معه محبة أخص من الأولى ، ذاكره في الوقوف بين يدي المولى وإتعاب السؤال ومشقته وأعلم كل صاحبه بالاعتماد على جزيل فضل ربه وشفاعة نبيه ، والثبات على ما كان الشيخ عليه من أنواع القربات .
    أما الأخوان الخوص خواص الخواص ، وهم المتآخون مثلاً فحقوقهم أن لا يمضي عليهم يوم إلا ويجتمعون فيه مع بعضهم ويتذاكرون ويتناصحون ويتساءلون عن أحوال بعضهم من تيقظاتهم وغفلاتهم ودنياهم وآخرتهم ، فإن بعدوا أكثروا المكاتبات بينهم وتواصوا بالصبر وتواصوا بالحق ، ولو قيل لأحدهم : هل يموت فلان أو تموت أنت لاختار موت نفسه عن أخيه ، فإذا وقعت بينكم معشر الإخوان المحبة بمثل هذا في هذه المراتب الثلاث فأنتم في زمرة قوم قال الله فيهم ] أُلئِكَ حزب الله ألا أن حزب الله هم المفلحون [ وإن لم تكونوا كذلك فأنتم في زمرة قوم قال الله فيهم : ] أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون[
    وأما القاعدة الثالثة التي هي في الكلام على الطريق وآدابها فقد ذكرنا جل أحكامها في رسالتنا المسماة بالهبات المقتبسة ، فمن ذلك أن الطرائق إن تعددت عند المريدين من شاذلية مثلاً ونقشبندية وقادرية وغير ذلك فالمتقدم في الأساس منها ما أنت آخذه عن شيخ تربيتك وعلى طريق السلوك الآخر تبرك ، ولا تترك شيئاً من ذلك ، وينبغي لكل الإكثار من الأذكار والأوراد من الطريقة التي أنت سالك بها ، وإن كانت لشيخك هذا كيفية توسلات وصلوات واستغاثات مرقومة فعليك بها لأنها من أشد ما يقوي لك المدد منه ، واشتغل بمطالعة تآليفه وتصانيفه في أي مهم كان فإن السر موضوع فيها ، إن كنت من أهل التصدر فحث إخوانك على ما أنت عليه من ذكر ، والله سبحانه ولي النعم واسع الفضل والجود والكرم ، هذا وأخبر الإخوان أني قد نصحت لكم وأنا مثلكم مسي مذنب متعد مفتري مجترِ غير سالك لمسلك مقربه ، فاتقوا الله واتبعوني فيما ترون فيه متبعا للأثر ، وإياكم مراعاتي فيما لا يصح به الخبر فاتقوا الله أن تنسبوا إلي ما لست متحققاً به وراقبوه في جميع أحوالكم لتفوزوا ببره ، وانظروا قوله r ((حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا )) واعلوا أن الله سائلكم عن كل ما تفعلونه حتى عني ، فإما مثيبكم أو معاقبكم فاتقوا الله وأقيموا الوزن بالقسط علي وعلى أنفسكم واحفظوا الحرم ولا تتركوا ميراث إخوانكم هذا وأسأل الله أن يصلحني وإياكم ويوفقني معكم لما يرضى وأوصيكم بالخوف من الله ، والخوف هو خير ، وأختم هذه الرسالة بقول مدار الجلالة صلى الله عليه وآله وصحبه وأولي نعمته (( كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته )) وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم .


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: الرسائل الميرغنية

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أغسطس 17, 2011 10:50 am

    الرسالة الخامسة


    الحضور في الصلاة للسعداء من أهل حضرة الله


    تأليف


    السيد محمد عثمان الميرغني الختم رضي الله عنه





    المقدمة


    به الإعانة بداء وختماً وصلى الله على سيدنا محمد ذاتاً ووصفاً واسما
    الحمد لله جاعل الحضور في الأعمال هو الذي عليه مدار ثوابها بلا إمهال والصلاة والسلام على رسوله كامل الحضور ، وآله وصحبه أهل النور .
    وبعد : فيقول بواب الغني ، السيد محمد عثمان الميرغني ، أبا محمد وزينب المكي ، كان له الحنان : هذه رسالة سميتها :

    { الحضور في الصلاة لمن أراد أن يكون من أهل حضرة الله }

    اعلموا أيها الإخوان جعلنا الله وإياكم من أهل حضرة من اسمه الرحمن الرحيم أنه ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يقبل الله من عبد عمل عملاً حتى يشهد بقلبه من بدنه )) وجاء (( إن الصلاة لا يقبل منها إلا ما يثاب عليه ))
    فينبغي لكل مؤمن إذا جاء الصلاة أن يفرغ قلبه من شغل الدنيا فإذا كبر للاستفتاح يستحضر أن عظمة الله اكبر من كل شيء فيشتغل به سبحانه وتعالى وإذا قرأ الاستفتاح يستحضر تنزيه الله ويحمده على ذلك التوفيق وكذلك التنزيه ويستحضر أن لا معبود إلا الله فإذا قال : (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) يستحضر رحمة الله له بالإيمان والإسلام ، وجواب الحق بقوله : ذكرني عبدي ، وإذا قال (الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) يستحضر تربية الله للعالم . وهو من جملتهم وإمداده له بالسمع والبصر والقوة وغير ذلك ، وقوله : (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) يستحضر رحمة الله له بالتوفيق للصلاة والحضور فيها ، وقول الله : أثني علي عبدي ، وإذا قال ، (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) يستحضر وقوفه يوم القيامة بين يدي الله ويسأله عن تلك الصلاة هل أحسنها وحفظها أم ضيعها ؟ وقوله : مجدني عبدي وإذا قال (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) يستحضر أنه أعانه الله على الأعمال ، والقيام في صلاته هذه حضوره فيها بالله ، وقول الله : هؤلاء بيني وبين عبدي . وإذ قال : (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) يستحضر الدين القويم والإقامة على الحق ، وإذا قال : (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ) يستحضر طريق الرسل والأولياء ويطلب من الله الوقوف معه ويستحضر قول الله : هؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل ، وإذا قال (غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) فيستحضر في الصورة مثل معانيها وخضوعه للحق وطلبه القبول والمغفرة ، وإذا ركع يقول : سبحان ربي العظيم (ثلاثا) ويقول بعد الثالثة : عدد خلقه ، ورضا نفسه ، وزنة عرشه ، ومداد كلماته ، ويستحضر تعظيم الحق عن كل ما يخطر بباله ، وأن الاشتغال بما للحق أولى ، ويقول مع الرفع بعد ربنا ولك الحمد : ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد ، ويستحضر الحمد والثناء على لله بما أنعم عليه من أنواع النعم التي لا تحصى من مأكله ومشربه وملبسه وذكره وتسبيحه وتهليله وتحميده وتكبيره وغير ذلك ، ثم يسجد ويقول : في سجوده سبحان ربي الأعلى (ثلاثا) ويقول بعد الثالثة عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته ويستحضر أن الحق أعلى من كل شي وأنه ينبغي أن يطلب رضاه وإتباع أوامره واجتناب نواهيه ثم إذا قعد بين السجدتين يقول : رب أغفر لي (ثلاثا) أو الدعاء الآخر ، ويستحضر طلب المغفرة والستر والجبر من الحق ، ثم إذا قعد يتشهد يستحضر أن الأعمال الطيبة الزكية الصالحة لله ، وإنما هي التي تقبل عنده سبحانه وتعالى ، وإذا قال : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، يستحضر أنه حاضر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وأن شيخه هو الواسطة بينه وبين جواب النبي صلى الله عليه وسلم ، ويطرق رأسه ويتأدب ، ثم إذا قال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، يستحضر أنه سلم على كل عبد صالح في السماء والأرض ، وردهم له ، وإذا قال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله ، يستحضر إتباعهما لأوامرهما واجتنابه لنواهيهما ، وإذا أقام الصلاة ، يستحضر طلب الرحمة للنبي صلى الله عليه وسلم زيادة في شرفه وعلو درجته ، وإذا قرأ الدعاء يذكر عذاب القبر وما معه في الدعاء ويطلب الإعاذة من ذلك ، ويكون آخر تشهده غالباً : اللهم أغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت ، أنت المقدم وأنت المؤخر ، لا إله إلا أنت ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم لأنها غالبا كان يختم بها النبي صلى الله عليه وسلم صلاته ويستحضر طلب المغفرة لذنوبه المتقدمة والمتأخرة ، ثم يسلم على يمينه ويساره ، ويقصد بسلامه الإمام ومن على جانبه وجميع المخلوقات ويستحضر تأمينهم من شره وخديعته ، ثم يقول استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه (ثلاثا) لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان يقول بعد الصلاة ، ويقول : من قالها ثلاثاً غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البر ) ويستحضر عند الأولى منها استغفاره من صلاته وما نقص وفرط وغفل فيها ، وعند الثانية استغفاره أي عدم أهليته وقيامه بأركان الاستغفار ، ثم يقرأ آية الكرسي لما ورد أن من قرأها بعد الصلاة تولى الله قبض روحه بيده ويأتي بالباقيات الصالحات ويقرأ أساسه ، والجميع بحضور قلب ويتخيل شيخه ، وإذا ترقى يشهد أعلى من ذلك بحسب فتحه .
    قد انتهت هذه الرسالة في مقدار نحو ساعة ضحى يوم الثلاثاء أحد وعشرين من شهر ذي الحجة سنة 1239 ه ببندر حرقيقو وصلى الله على سيدنا محمد وصحبه وسلم


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: الرسائل الميرغنية

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أغسطس 17, 2011 10:51 am

    الرسالة السادسة


    منحة الأصحاب لمن أراد سلوك طريق الأصفياء والأحباب


    تأليف


    أحمد بن عبد الرحمن الشهير بالرطبي


    تلميذ السيد محمد سر الختم الميرغني


    رضي الله عنه





    المقدمة

    الحمد لله الذي منح أحبابه حسن لأدب ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المنتخب من خلاصة العرب .
    وبعد : فيقول راجي غفران ربه القادر القوي ، أحمد الرطبي بن عبد الرحمن العدوي : هذه نبذة لطيفة في السير إلى الله ، والسلوك في طريق أهل محبته وأصفياه ، جمعتها من كتب القوم ، لينتبه بها من كان مثلي كثير الكسل والنوم ، وذلك بعد الإذن من الأستاذ الأعظم والملاذ الأفخم سيدنا السيد محمد بن القطب السني ، سيدي السيد محمد سر الختم الميرغني ، أمدنا بمددهم الغني ، وجعلنها تبصرت للإخوان ، وتذكرة للأصحاب والخلان ، خصوصاً إخواننا أهل الطريقة الختمية ، المشهورين بالميرغنية ، نفعني الله وإياهم بأهل محبته ، وسقانا من كؤوس مودته ، وسميتها

    (منحة الأصحاب لمن أراد سلوك طريق الأصفياء والأحباب )

    ورتبتها مقدمة وثلاث فصول وخاتمة ، نبلغ بها إن شاء الله المأمول وحسن الخاتمة

    المقدمة في بيان ما يطلب من المريد ابتداءً

    اعلم يا أخي أن من أراد سلوك طريق القوم فليتزود بالتقوى ويصحب الأدب ولا بد من دليل لئلا يخشى عليه العطب قال الله تعالى ]وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [ وقال تعالى ]إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [ فانظر يا أخي قول الله تعالى : أتقاكم ولم يقل أعلمكم ولا أنسبكم ولا أشجعكم ولا أفصحكم إلى غير ذلك . والتقوى هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي ، فإذا حصل ذلك منه كان مطمئناً في سيره ، وإذا كان يعلم آداب السير والسلوك كان ذلك أنيسه ، وإذا تلقى عن شيخ كامل كان دليله وجليسه ، فأول ما يجب عليك معرفة الله تعالى ، وهي الجزم المطابق للواقع عن دليل ، لأن العبادة لا تصح إلا بمعرفة المعبود ، فكيف يعبد من لا يعرف ؟ ومعرفته أن يعرف أسمائه وصفاته ، فيجب عليك أن تجزم بأن الله موجود قديم باقي مخالف للحوادث قائم بنفسه واحد في ذاته وفي صفاته وأفعاله ، متصف بالقدرة والإرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام ، ومتصف بكل كمال ، ومنزه عن أضدادها ، وعن كل نقص ، وأنه تعالى يجوز عليه فعل كل ممكن وتركه ، ووجود هذا العالم البديع الشكل هو الدليل على كل ذلك ، لأن كل صنعة لابد لها من صانع ، فإذا علمت ذلك فعليك الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبما يجب للرسل ، وهو الصدق والأمانة والتبليغ والفطانة ، وتنزيههم عن كل ما لا يلق بمقامهم الشريف ، وبما يجوز في حقهم من الأعراض البشرية التي لا تودي إلى نقص في مراتبهم العلية ، وأن تعتقد أن جميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم حق ، وتؤمن بذلك : أي تصديق بقلبك وتقر به بلسانك ، وتعمل بجوارحك بحيث يكون الظاهر مبنيا على الباطن ، أي العمل يكون موافقاً للتصديق ، كما قال سيدي أحمد الدرديري في تحفته : فإن الله تعالى قد أمرنا بأعمال باطنية تتعلق بالقلب ، وأعمال ظاهرية تتعلق بالجوارح الظاهرية ، ونهانا عن أمور باطنية وأمور ظاهرية ، فالباطنية التي أمرنا بها : الإيمان بالله تعالى وبرسوله ، وهو تصديق النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما جاء به مما علم من الدين بالضرورة ، والإسلام ، هو انقياد القلب وخضوعه لقبول الأحكام الشرعية ، والرضا بالقضاء ، والتسليم لله تعالى ، والصبر على البلوى ، واعتقاد أن كل نعمة عليك فهي منه تعالى ، والاعتماد على الله تعالى في جميع الأمور ، وحسن الخلق مع إخوانه والتواضع والخضوع والخوف والرجاء في الله تعالى والإخلاص في العمل وحب الله ورسول وأوليائه ، وبغض أعدائه من حيث أنهم أعداؤه ، وكف النفس عن إتباع الهوى والشهوات ، ومحبة العبد لأخيه ما يحب لنفسه ، ومحاسبة النفس على ما وقع منها من المخالفات . والباطنية التي نهانا الله عنها كالكبر ، والعجب ، والرياء ، وحب المحمدة ، والسمعة ، وحب الرياسة ، والجاه ، والتفاخر ، والحقد ، والحسد ، وهو تمني زوال نعمة الغير ، والمكر ، والشح ، والبخل ، وضد جميع ما تقدم ، لأن ذلك كل ذلك قواطع عن الله ، ووردت الأحاديث بذمها ، وعقاب من اتصف بها كما هو مقرر في محله .
    وأما الظاهرية التي أمرنا الله تعالى بها فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ، وجميع الفروع المتعلقة بها كفرائض الوضوء والغسل والصلاة وغير ذلك وبغية الأحكام المذكورة في الفقه ،
    وأما الظاهرية التي نهانا الله تعالى عنها فكثيرة ، كالزنا وشرب الخمر وأكل أمول الناس بالباطل وقتل النفس وأذية الناس ، ومنها الغيبة والنميمة والسب والطعن في الأعراض وما يتعلق بذلك كله مما بينه الشرع الشريف ، فمن لم يتمسك بذلك كله فليس بمتقي فتجب عليه التوبة والاستغفار والرجوع إلى الله تعالى من جميع الأوزار ، ومن تمسك بها كان من المتقين الفائزين .
    ولما رأى أهل الله أن التمسك بالتقوى على الوجه الأكمل لا يتيسر للنفس إلا بأصول وآداب شرطوا على من أراد أن يتمسك بها تلك الأصول والآداب ، فلأصول ستة : أولها الجوع اختياراً بأن لا يزيد على ثلث البطن عند شدة الجوع ، قال سيدي وأستاذي السيد محمد عثمان الميرغني في حكمه من أعظم ما ينتج الخشوع لدى معشر السالكين : الجوع ، الجوع أحكم حاكم للنفوس ، وأعظم قائد لها إلى حضرة القدوس . لا كن المبتدى لا قدرة له على ذلك ابتداءً ، فيلزم الصوم في الابتداء أمره حتى ترتاض نفسه على ذلك ، ففي الحديث (( يكفي ابن آدم من الطعام لقيماتُ يقمن صلبه )) أو كما قال ، فبالجوع تنكسر النفس وتخضع وتذل ، والله تعالى عند المنكسرة قلوبهم . والثاني العزلة عن الخلق إلا لضرورةٍ من علم أو بيع أو شراء لمن احتاج ذلك . والثالث الصمت ظاهراً وباطناً إلا عن ذكر الله تعالى . والرابع السهر للذكر والفكر في مصنوعات الله ، فالتفكر في ذلك لحظة خير من عبادة سبعين سنة ، وأقله ثلث الليل الأخير إلى طلوع الشمس وارتفاعها ، ويصلي صلاة الشروق ، فعلم من ذلك أن من شأنهم ترك فضول الطعام والكلام والمنام ، الزائد عن الحاجة ، والخامس دوام الذكر الذي لقنه له شيخه ولا يتجاوز إلى غيره إلا بإذنه والأوراد المخصوصة بطريقة شيخه فإنها طريق الفتح . والسادس الشيخ الذي سلك طريقه وعلم ما فيها الذي قال في وصفه السيد الميرغني في حكمه : الشيخ من تواضع ، ووسع خلقه كثير من العالمين ، وحلاه الله بالبسط ، فذلك النافع للمريدين ، إي فلا تجد عنه كبراً ولا تجبراً ولا حسداً ، يرحم الضعيف ، ويعظم الشريف ، ذو معروف وسياسة وفهم ، يحب الفقراء والمساكين ، ويعلم الفرائض والسنن والتوحيد للمريدين .
    وأما الآداب فهي كثيرة جداً اقتصرنا منها على المهمات ، بعضها يتعلق بحق الشيخ ، وبعضها يتعلق بالإخوان الذين معه في الطريق ، وبعضها يتعلق بحق العامة ، وبعضها يتعلق بالشخص في نفسه ، وبالتي نذكرها يتيسر له إن شاء الله تعالى ما لم نذكره .


    الفصل الأول


    في آداب المريد مع شيخه

    وهو معظم هذه النبذة ، فأوجب آدابه تعظيمه وتوقيره ظاهراً وباطناً ، وعدم الاعتراض عليه في أفعاله ولو كان ظاهراً أنه حرام ، ولا يؤول ما أنبهم عليه ، بل ويسلم له فعله ، ولا يقل له لما فعلت كذا لأن لمن قال لشيخه لمَ ، لا يفلح أبدا . ومنها تقديمه على غيره وعدم الالتجاء إلى غيره من الصالحين ، فلا يزور ولياً من أهل العصر ، ولا صالحاً ، اللهم إلا بإذنه ، ولا يحضر مجلس غيره ، ولا يسمع من سواه حتى يتم سقيه من كأس شيخه ، وذلك لئلا يطلع على كرامة من أحد منهم فيرى أنه أعلى مقاماً من شيخه فلا ينتفع من شيخه ولا من غيره قال سيدي محي الدين : كم فسد من الزيارة ناس . وخطابي هذا للصادقين المجدين ، لا من تلقن الذكر عنه بقصد التبرك ، ومنها أن لا يقعد وشيخه واقف . ومنها أن لا يسأل شيخه من مسألة ولا تعبير رؤيا طالباً للجواب ، بل يسأل ويسكت ، فإن أجابه وإلا أعرض بقلبه عن طلب الجواب لئلا يصير شيخه محكوماً عليه تحت حُكمه بإلزام ، الجواب لأن طريق القوم تعلم العلم للعمل ، بخلاف غيرهم ، لأنه إذا اطلع الشيخ على أن هذا الأمر يعسر على المريد العمل به في ذلك الوقت ترك تعليمه له ومنها أنه لا يكثر الكلام بحضرته ولو باسطه ، ولا يكلم من بجانبه ، ولا يجيب أحداً دعاه ولو أحد والديه ، ولا ينظر في وجه الشيخ ولا يكلمه إلا همساً ، ولا ينام بحضرته إلا بإذنه في محل الضرورات ككونه معه في مكان واحد ، ولا يجلس على سجادته ، ولا يسبح بسبحته ولا يتوضأ بإبريقه ، ولا يجلس في المكان المعد له ، ولا يلح عليه في أمر ، ولا يسافر ، ولا يتزوج ، ولا يفعل فعلاً من الأمور المهمة إلا بإذنه ، ولا يمسك يده للسلام مثلاً ويده مشغولة بشيء كقلم ، أو أكل أو شرب ، بل يسلم بلسانه ، وينظر بعد ذلك ما يأمره به ، وأن لا يمشي أمامه ، ولا يساويه في مشي إلا بليل مظلم ليكون في مشيه أمامه صوناً له من مصادفة ضرر ، وأن لا يذكره بخير عند أعدائه خوفاً لأن يكون وسيلة لقدحهم فيه ، وأن لا يفشي له سراً ولو نشر بالمناشير ، ولا يستدبره بظهره ولو في الصلاة ، بل يقف في الصف الذي خلفه ، ولا يشير عليه برأي ، إذا استشاره شيخه فإنه غني عن استشارته ، وإنما استشاره تحبيباً وسياسةً ، أو غير ذلك ، وأن لا يستو هب من شيخه شيئاً ، ابتداءً ، ولا يلبس له ثوباً قبل أن يهبه إياه ، فإذا وهبه له فليظهر توقيره ذلك الثوب إظهاراً عظيما . ومنها : أن يحفظه في غيبته كحفظه في حضرته ، وأن يلاحظه بقلبه في جميع أحواله سفراً وحضراً لتعمه بركته ، وأن ولا يعاشر من كان الشيخ يكرهه أو من طرده الشيخ عنه ، وبالجملة يحب من يحبه الشيخ ، ويكره من يكره الشيخ ، وأن يرى كل بركة حصلت له من بركات الدنيا والآخرة فببركته ، وأن يصبر على جفوته وإعراضه عنه ،وأن لا يقول لم فعل بفلان كذا من الخير ، ولم يفعل بي ، وإلا لم يكن مسلماً له قياده ، وإذ من أعظم الشروط تسليم قياده له ظاهراً وباطناً ، قال الجيلي

    وكن عنده كالميت عند مغسل


    يقلبه كيف يشاء وهو مطاوع


    أخاطب بذلك المريدين الصادقين . ومنها أن يحمل كلامه على ظاهره ويسعى فيه وإن كان ظاهره مخالفاً فإن الشيخ أعلم ، ومأخوذ عليه من الله النصح ، ولو أنه غلط بُورك للمريد فيه بالاقتداء به ، ولا يعدل المريد عن الظاهر إلا لقرينه صارفةٍ عن إرادة الظاهر ، إذا قال له : اقرأ كذا وصل كذا أو صم كذا ، وجب عليه المبادرة ، وكذا إذا قال له وهو صائم افطر وجب عليه الفطر ، أو قال له : لا تقيم الليل إلى غير ذلك فإنه يطيعه في الأمر والنهي لأنه طبيبه وحكيمه . قال سيدي أبو يزيد البسطامي لتلميذه افطر ولك أجر يوم فأبى ، قال ولك أجر جمعة فأبى ، قال لك أجر شهر فأبي ، قال ولك أجر سنة فأبى ، فقال له بعض الحاضرين مخالفتك هذه تضرك وهذا نفل . فقال لهم الشيخ : دعوا من سقط من عين الله .
    واعلم أن الشيخ العارف ربما باسط تلاميذه وخفف عليهم العبادة ، إذا شم منهم رائحة الصدق والاجتهاد ربما شدد عليهم وأعرض عنهم ، وأظهر لهم الجفوة لتموت نفوسهم عن الشهوات وتفنى في حب الله تعالى ، وربما اختبرهم هل يصدقون معه أولا .
    ومنها أن لا يوثر أحداً بشيء أعطاه له شيخه ، وأن لا يتغير على شيخه إذا نقصه بين إخوانه أو نهره ، وأن لا يرد على شيخه كلاماً ، ولو كان الحق بيد المريد ، فإن الشيخ إنما يتكلم بحسب السامعين فليقف عند قوله ، ولو سمع من غيره قبل ذلك لا يقول له : سمعت منك أمس غير هذا فإن ذلك جدال ومنازعة وهو حرام في حق المريدين ، ولا فرق أن يكون التنازع بالظاهر أو بالباطن ، وأن لا يفعل ما يغير خاطره ، كأن يسب عبده أو خادمه فضلا عن أن يضربهما ، ولو هرة رآها تتردد إليه فلا ينهرها كرامة لشيخه .
    ومنها ملازمة الورد الذي رتبه شيخه فإن مدد الشيخ في ورده الذي رتبه ، فمن تخلف عنه حرم المدد ، وهيهات أن يصح في الطريق ، وأن لا يتجسس على أحوال شيخه من عبادة أو عادة ، فإن في ذلك هلاكه ، وأن لا يدخل عليه خلوة إلا بإذنه ، ولا يرفع الستارة التي فيها شيخه إلا بإذنه وإلا هلك كما وقع الكثير ولا يزوره إلا على طهارة ، لأن حضرة الشيخ حضرة الله وأن يحسن به الظن في كل حال ، وأن يقم محبته على محبة غيره ما عدا الله ورسوله فإنها المقصودة بالذات ومحبة الشيخ وسيلة لها ، وأن لا يكلفه شيئاً حتى ولو المريد قدم من سفر لكان هو الذي يسعى ليسلم على الشيخ ، ولا ينتظر أن الشيخ يأتيه للسلام أو تهنئته أو عزاء أو غير ذلك . واعلم أن من لم يصحب المشايخ بالاحترام والأدب التام عدم فوائدهم وبركات نظرهم ، فلا يظهر عليه من آثارهم شيء ، وكان الجنيد t يقول : من حرم احترام الأولياء ابتلاه الله بالمقت بين العباد ، وقال شيخنا ختم أهل العرفان في حكمه : من أساء الأدب مع شيخ تربيته استحق أن يسقط من عين الله وحضرته . فمن شروط المريد أن لا يصحب من الشيوخ إلا من يقع له حرمة في قلبه ، فإنه أسرع في الانقياد له ، بشرط أن يكون موافقاً للعلماء وأصحاب الحديث في أصولهم واعتقادهم ، وأن يجانب الفقراء الجاهلين والفقهاء الغافلين والوعاظ المداهنين ، ولا يحضر لهم مجلساً فإن مشاهدة أحوالهم توقفه عن مقصوده ، فلا يصحب غير شيخه ، فإذا كمل حاله صح له أن يصحب ما يشاء ، وأن يسمع لشيخه إذا نهاه عن الاجتماع بإخوانه الذين في زاويته فأولى غيرهم ، ومتى طلب المريد أن يجتمع بغير من في حضرة الشيخ زجره وهجره حتى يرجع ، فعلى الشيخ الأمر ، وعلى المريد الاستماع ، وفي هذا القدر كفاية .

    الفصل الثاني


    في آداب المريد مع إخوانه

    منها أن يكون محباً لهم كبيرهم وصغيرهم ، وأن لا يخصص نفسه بشيء دونهم وأن يحب لهم ما يحب لنفسه ، وأن يعودهم إذا مرضوا ، ويسأل عنهم إذا غابوا ، ويبدأهم بالسلام وطلاقة الوجه ، وأن يراهم خيراً منه ، لأنهم قالوا في كمال مقام التواضع : هو أن يشهد العبد في نفسه أنه دون كل أحد من المسلمين ، وأن ما على وجه الأرض أكثر عصياناً ، ولا أقل أدب وحياءً منه فإن من رأى نفسه فوق أحد من عوام المسلمين على غير وجه الشكر لله تعالى فقد شرع في درجات الكبر ، وقد انعقد إجماع العارفين على أن من كان عنده شيء من الكبر لا يصح له دخول حضرة الله تعالى أبداً ، ولو عبد الله تعالى في الظاهر عبادة الثقلين ، وكان الشيخ القصار رحمه الله تعالى يقول : من رأى نفسه خيراً من فرعون فقد أظهر الكبرياء ، لأن خاتمته مغيبة فقد يختم له ، والعياذ بالله بالكفر ، ويكون مثل فرعون . ومنها أن يحسن الظن بهم ، بل بالخلق كلهم ، وكان سيدي على الخواص t يقول : عليك يا أخي بحسن الظن بالمسلمين ما استعطت ، فإن الله تعالى لا يسألك في الآخرة لم حسنت ظنك بعبادي ، وإنما يسألك عن سوء الظن بهم ، فلو دعاك أخوك إلى وليمة وأجلسك عند النعال وقدم إليك فضلة العبيد والغلمان ، فمن الواجب عليك حمله على أنه ظن فيك الخير والتواضع وزوال الكبر والرعونات النفسانية ، ولو لا أنه ظن بلك ذلك لأخذ حذره منك وصدرك في المجلس وأكرمك كل الإكرام في الطعام ، وقد وقع لسيدي عبد الله المنوفي أنه دعي إلى وليمة فأجلسوه عند النعال هو وأصحابه ، وقالوا له ولأصحابه اصبروا عن الأكل حتى يفرغ الناس فقالوا سمعاً وطاعةً ، وقدموا لهم فضلة العبيد والأطفال صار سيدي عبد الله المنوفي t يلحس الأواني ويقول : اغتنموا بركة جميع من أكل ثم قال لأصحابه : تعلموا حسن الظن بالناس ، فإن هؤلاء لو لا أحسنوا بنا الظن وجعلونا من الصالحين الذين ماتت نفوسهم ما أجلسونا خلف النعال ولا أطعمونا الفضلة . وسمع سيدي أفضل الدين شخصاً يحكي أن أشعب الطماع كان يفت الخبز على دخان جاره فقال شيء لله من مدده فإنه لولا حسن ظنه بجاره ما فت خبزه على دخانه . فاستعن على تحصيل مقام حسن الظن بصحبة الأخيار وترك صحبة الأشرار ، وقد أغوى إبليس خلقاً كثيراً حين ظنوا بأنفسهم الخير والصلاح فوقعوا في أكبر الفواحش . وكان سيدي علي الخواص رحمه الله تعالى يقول : ليس لإبليس حيلة يوقع بها الفقراء في المعاصي أكبر من حسن ظنهم بأنفسهم الخير والصلاح فيصرعهم من حيث لا يشعرون لأمانهم وعدم حذرهم منه ، فلا تعشق يا أخي نفسك فما أحد عشق نفسه إلا عشقه الكبر والحسد والذل والإهانة . وكان سيدي عبد العزيز الديرني t يقول : من أراد أن الوجود كله يمده بالخير فليجعل نفسه تحت الخلق كله في الدرجة ، فإن المدد الذي مع الخلق كالماء ، والماء لا يجري إلا في المواضع المنخفضة دون العالية ، فاعلم ذلك واعمل على زوال الظن السوء من باطنك وذلك بمجاهدة النفس ورياضتها والرجوع عليها باللوم مع ملازمة التوحيد حتى تصير لا ترى في أحداً نقصا . وبالجملة لا يسلم من سوء الظن بالناس إلا من طهر الله باطنه من سائر المخالفات بحيث يصير لا تخطر الفاحشة على باله فإنه حينئذ يصير يعتقد في الناس كلهم الخير قياساً على نفسه هو .
    ومنها أن لا يذكر أحداً بعيب يراه ، وأن وقع أنه رأى في أحد عيباً يقول في نفسه : إنما ذلك العيب في ، لأن المسلم مرآة المسلم ، ولا يرى الإنسان في المرآة إلا صورة نفسه . ومنها أن يقبل عذر أخيه إن اعتذر إليه ، ولو كان كاذباً ، لحديث الترمذي (( من أتاه أخوه متنصلاً من ذنبٍ فليقبل اعتذاره محقاً كان أو مبطلاً ، فإن لم يفعل لم يرد على الحوض )) وأنشد في المعنى
    أقبل معاذير من يأتيك معتذراً
    فقد أطاعك من يرضيك ظاهره


    أن بر عندك فيما قال أو فجر


    وقد أجلك من يعصيك مستترا


    وكان سيدي علي الخواص رحمه الله تعالى يقول : من طلب أن الناس لا يقولون فيه من ورائه إلا ما يواجهونه به فقد رام المحال ، فإن السلطان لا يصح له ذلك ومعلوم أنه لا بد للإنسان من محب ومبغض ولو كان في فضل الإمام علي t . ومنها أن يستر عوراتهم فمن ستر عورة أخيه ستر الله عورته كما في الحديث (( من ستر عورة أخيه ستر الله عورته ومن كشف عورة أخيه كشف الله عورته )) ولا يخفى أن من جملة سترنا للمسلم أن نغلق عليه بابه إذا رأيناه خارجاً وهو سكران ، ونأمر الزانية مثلاً أن تنزل من حائط الجار إن خفنا أن أحداً ينظرها إذا خرجت من بيت الزاني ، كل ذلك حتى لا يعلم أحد بعصيان ذلك الرجل ، لاسيما إن كان جاراً لنا ، فأعلم ذلك يا أخي واستر عورات إخوانك ولا تبحث عنها ، وكان الحسن البصري رحمه الله تعالى يقول والله لقد أدركنا أقوماً لا عيوب لهم فتجسسوا على عيوب الناس فأحدث الله لهم عيوباً ، ومعلوم أن أكثر الناس خطايا أكثرهم لذكر خطايا الناس ، ولا يقدر على العمل بذلك إلا من طهر الله باطنه من سوء الظن وإلا من لازمه البحث عن عورات الناس . ومنها أن يطلب منهم الرضا عنه ، وأن لا يزاحمهم على أمر دنيوي بل يبذل لهم ما فتح عليه به ، يوقر الكبير ، ويرحم الصغير ، يعضدهم ، أي يقويهم على ذكر الله تعالى ، ويتعاون معهم على حب الله ، ويرغبهم فيما يرضي الله ، كافاً عن عيوبهم ، مسامح لهم فيما وقع منهم ، وليجعل رأس ماله مسامحة إخوانه ظاهراً وباطناً ، ولا يعاتبهم على شيء صدر منهم ، يعادي من يعاديهم ، ويحب من يحبهم ، يرشدهم إلى الصواب إن كان كبيراً ، ويتعلم منهم إن كان صغيراً ، لا يوسع على نفسه وهم في ضيق ، يخدمهم ولو بتقديم النعال لهم ، وأن يكون بشوشاً لهم في مخاطبته ومجاورته ، وأن يكون خادماً لنفسه ولإخوانه فيما يحتاجون إليه ، وبذلك يقدمه الله تعالى في الدنيا والآخرة ، فإن من خُدم خدَم ، وأن يكون مع إخوانه دائماً على نفسه فلا ينتصر لها ، وليحذر من حسد أحد من أقرانه وغيرهم ، والوقيعة فيهم ، فإن احتقار الخلق مرض عظيم ، فاتح لباب النغم ، نسأل الله العفو والعافية .

    الفصل الثالث


    في آداب المريد مع نفسه

    وهو أن يكون مشغولاً بالله ، زاهداً فيما سوى الله ، يحب ما يحبه الله ويكره كل ما نهى عنه الله ، غاضاً طرفه عن المحارم كريماً سخياً ، ليس للدنيا عنده قيمة ، تاركاً لفضول الحلال كالتوسعة في المأكل والملبس والمنكح ، مقتصراً على قدر الكفاية ، إذ المسافر لا يشتغل إلا بقدر الضرورات، مديم الطهارة لأنها نور ، لا ينام على جنابة ، لا يفضي بيده على عورته إلا في ضرورة استنجاء أو غسل ، ولا يكشف عورته ولو بخلوة في ظلام ، ولا يطمع في ما في أيدي الناس ، يفرح لإعراضهم عنه أكثر من إقبالهم عليه ، يحاسب نفسه على الدوام ، يداوم على ذكر الله سراً وجهراً ، ولا بد له من مجلس لنفسه يذكر الاسم الذي تلقته من شيخه بهمة ونشاط ، يوبخ نفسه ويحاسبها على اليسير كلما وقفت ، لا يأكل إلا حلالاً وهو ما جهل أصله ، وأكل الحلال منشأ كل خيرٍ ، وأكل الحرام لا ينشأ منه إلا المعاصي واسوداد القلب ، وأكل الشبهات لا ينشأ عنه إلا أفعال مشوبة بالرياء والكبر ، يكابد نفسه عن النظر إلى الصور الجميلة من النساء والأحداث ، لأن ذلك كله قواطع عن الله تسد باب الفتوح ، أجارنا الله من ارتكابها ، ولا ينكر على طريق أحد الفقراء والفقهاء لأن الإنكار فرع من النفاق ، فلا يجوز الإنكار على أحد الفريقين ، ولا يحتقر مسلماً ولو بلغ في الفسق ما بلغ ، بل يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر بقول لين ، لأن الكلام اللين يلين القلب الذي أقسى من الحديد ، والكلام الخشن يخشن القلب الذي أنعم من الحرير ، ففي الحديث (( كفوا عن أهل لا إله إلا الله ، ولا تكفروهم بذنب فمن كفر أهل لا إله إلا الله فهو إلى الكفر أقرب ، طب .
    ومنها: أن يأخذ بالا حوط في العبادة ، ولا يقصد بذكره وعبادته ثواباً ولا فتحاً وإنما يعبد الله لله ، لا يرجع عن ذلك فتح عليه أو لا ، وأن يكون متواضعاً ، لأن التواضع يزيد العبد رفعة ، نظيفاً في ظاهره وباطنه ، صابراً شاكراً عابداً ، لكنه لا يشغل إلا بأوراد الطريق ، أو ما أذن له فيه الشيخ ، خائفاً من الله راجياً عفوه ، لا يرى لعبادته ولا ذكره وجوداً ، بل يرى أنه يستحق العقاب لولا فضل الله عليه ، وذلك لما فيه من رياء وسهو .
    ومنها : أن يكون تواباً عن الخطرات والهفوات حتى يرتقي إلى مقام المتطهرين .

    تتمه

    لا يستحق المريد الطرد إلا بذم الشيخ وطريقته ، أو بقلة احترامه للشيخ ، أو بعدم حضور مجلسه من غير ضرورة ، وتكرر ذلك منه ، والشيخ ينهاه وهو لا يمتثل الأمر أو النهي ، أو بترك الفريضة كالجمعة وجمع الصلاة مع الأخرى اختياراً ، وتكرار ذلك منه ، أو بتأمره على الشيخ ، أو بمجادلته ومعاندته له أو لمن ينبه الشيخ مكانه ، فإذا حصل منه شيء من ذلك لم ينته عنه ، فعند ذلك يجب طرده وهجره حتى يرجع ويتوب ، وسندهم في ذلك هجر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة الذين خلفوا ، وأمر الصحابة بهجرهم ، وكان سيدي محمد القمري إذا أساء الأدب أحد الفقراء يأمر النقيب ينادي عليه : فلان مهجور فلا يجالسه أحد حتى يتأدب وتنكسر نفسه ويطلب الصفح عنه ، ثم إذا طرده الشيخ أو إخوانه فالمحققون لا يطرون بالقلب بل في الظاهر لأجل الأب لأنهم لا يحبون إتلاف الإنسان إلا إذا خرج عن دين الإسلام ، والعياذ بالله تعالى .
    وأما الآداب التي تطلب في حق العامة فالتواضع والتعظيم لهم لأنهم عبيد الله تعالى وقد كرمهم وفضلهم على غيرهم ، وقد كان الإمام علي t يقول : أعلم الناس بالله تعالى أشدهم حباً وتعظيماً لأهل لا إله إلا الله . ومن كلام الشافعي رحمه الله تعالى : ليس بعد الشرك ذنب أعظم من السخرية بالناس ومن عظم الناس لله عظمه الله تعالى بين الناس ، وصاحب العكس بالعكس : أي ومن أهانهم أهانه الله بين من يحب رفع قدره عندهم ، وكان الشيخ علي البحيري رحمه الله تعالى ينزل عن دابته ويسوقها أمامه كلما مر على ناس يتحدثون تعظيماً لهم . ومنها أن يحب المسلمين لله تعالى ويحفظ لهم الود القديم ففي الحديث : (( إن الله تعالى يحب حفظ الوٌد القديم ))
    وقد صار ذلك من أغرب الغرائب في صلحاء هذا الزمان فضلا عن غيرهم فربما أكل الواحد منهم عند صاحبه أردب من العيش ، ثم إذا وقع بينهما شيء يصير كل واحد منهم يحط في الآخر لا بكيل ولا بميزان ، وما هكذا درج أهل الإيمان إنما كانوا يحفظون مقام من أكلوا عنده خبزاً أو ذاقوا عنده ملحاً ، ولا يخونونه ولو بالغيب ، حفظاً للخبز والملح ، حتى أن اللصوص كانوا لا يسرقون من بيت ذاقوا فيه ولو ملحاً ، وقد اتفق أن اللصوص نزلوا بيتاً وأيقظوا صاحبه وأخذوا منه ما طلبوه من الدنانير فلما هموا بالخروج وجد أحدهم حقاً فيه شيئا أبيض فذاقه فوجده ملحاً فنادى على إخوانه ردوا ما أخذتم فقد ذقت ملحاً فردوه له ، وقالوا لصاحب البيت : إن أخانا ذاق ملحك ونحن لا نأخذ شيئا ممن ذقنا طعامه ، وخرجوا بلا شيء فتأمل يا أخي ذلك ترَ اللصوص أفضل من صلحاء هذا زماننا مراراً . ومنها حسن الظن بهم وبذل الطعام لهم وإفشاء السلام والصدق معهم في جميع الأحول . ومنها كثرة الشفقة على خلق الله تعالى بأن يعطيهم من نفسه ما يطلبونه ، ولا يحملهم مالا يطيقونه ، ولا يخاطبهم بما لا يعلون ، وأن يعفوا عنهم إذا وقعوا في عرضه رحمة لهم من الوقوع في الإثم لا خوفاً من تنقيصه في أعين الناس ، وإن أحسن إليهم عند ذلك كان أعلى وأشرف ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحسن لمن يسيء إليه وفي الحديث (( ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً )) ومنه أن يستغفر لهم فقد ورد (( من استغفر للمؤمنين والمؤمنات فله بكل مؤمن ومؤمنة حسنة )) ويدعوا لهم عند صفاء وقته لما في الحديث (( أفضل الدعاء أن يقول العبد : اللهم أرحم أمة سيدنا محمد رحمة عامة )) وفيه أيضاً (( أسرع الإجابة دعاء غائب لغائب )) وفي صحيح مسلم : (( دعوة الرجل لأخيه بظهر الغيب تعدل سبعين دعوة مستجابة ويوكل الله تعالى بها ملكاً يقول
    آمين آمين ولك مثل ذلك )) ودعاء الملك لا يرد . ومن فوائد الدعاء للمسلمين الوفاء بحقوقهم خصوصاَ إذا كان بهذه الصيغة وهي : اللهم أغفر لي ولولدي ولأصحاب الحقوق علي ، وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات ، فإذا قال ذلك فقد أدى حقوقهم ، فاغتنم يا أخي ذلك لتكون من الناجين يوم لا ينفع ندم النادمين ، وأكثر ما تقدم من الآداب المتعلقة بالإخوان تجري هنا ، وفي هذا القدر كفاية .
    تنبيه : فإذا حصل من المريد الإخلال بشيء من الآداب المتعلقة بحق الشيخ أو الإخوان ، أو صدر منه تنقيص لهم أو لأحدهم فليأتي إلى النقيب ليستأذن له في الدخول على الشيخ أو الخليفة أو الإخوان ، ثم يدخل إليهم خاضعاً ذليلاً نادماً على ما صدر منه ، ويقف في صف النعال مكشوف الرأس واضعاً يده اليمنى على اليسرى ، ويتضرع إليهم ، ويسألهم الصفح عنه ويمتثل لأمرهم بما يحكمون به عليه ، ولا يقعد حتى يحصل منهم الصفح عنه والرضا عنه ويجب عليه أن يرجع على نفسه باللوم ويقول : اللهم إن هذا من شؤمي وخبث طبيعتي .
    واعلموا : أن اتخاذ المشايخ النقباء له أصل في السنة المحمدية ، بل وفي السنة الموسوية ، فقد اتخذ صلى الله عليه وسلم نُقبا من الأنصار : تسعة من الخزرج ، وثلاثة من الأوس ، وقال لهم : أنتم كفلاء على غيركم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم ، وكان من جملتهم أسعد بن زُرارة ، كان نقيباً على أخواله صلى الله عليه وسلم بني النجار ، ولما مات أسعد قالوا له صلى الله عليه وسلم : اتخذ لنا نقيباً فقال : أنا نقيبكم . فينبغي أن يكون النقيب على الجماعة حسن الخلق ، مديم الذكر ، ينزل كل واحد في مرتبته ، كثير الود ، جميل الصفح عن إخوانه ، لا يغضب عليهم ، ولا يؤاخذهم بما يقع منهم في حقه بل يحسن إليهم ، وأن يكون ذا همة علية ونزاهة كلية ، يسأل عن إخوانه إذا غابوا ، ويتواضع لهم إذا حضروا ، وكذا كل من ولي رتبة في طريق الفقراء . ويجب عليهم احترامه وتعظيمه وامتثال أمرة ولو كانوا أكبر منه سناً ، وأن يتحمل أذاهم ، ويصبر على جفاهم ، ويخلص النية من شوائب الأغراض النفسانية ، ولا يستنكف عن الخدمة للصغير فضلا عن الكبير ، وقد قيل : من تعزز عن خدمة الإخوان ابتلاه الله بالذل والامتهان ، ولا ينفك عن ذلك حتى يموت ، فاحذر أيها النقيب ، من التقصير فتخيب : فاجعل سعيك لإخوانك لله وتحبب إلى إخوانك وحببهم لبعضهم ، وأصلح بين المتشاحنين والمتباغضين ، ولا يكن في قلبك غلا لأحد وعاملهم باللطف والرفق ، وأحذر من الكبر والحسد ، وحب الرياسة والحقد والغيبة والنميمة فإنها المهالك ، وتسد المسالك ، لا بد للمريد الذي يكون أهلا لمطالعة الكتب أن يطالع كتب القوم الموضوعة في الآداب ليتعلم منها أخلاق القوم ، ويعرف الخواص من العوام ، فيسير بسيرهم ، فيغترف من بحرهم ، وذلك كحكم شيخنا ختم أهل العرفان ، سيدنا السيد محمد عثمان الميرغني ، وحكم ابن عطاء الله السكندري t ،وكتب الشعراني و الغزالي ، ورسالة الغشيري وغيرهم .

    الخاتمة


    نسأل الله حسنها في آداب الذكر

    اعلم : أن طريق القوم سدُداها هذه الآداب ، ولحمتها الذكر فلا يتم نسجها إلا بها ، وللذكر آداب لا بد من ملاحظتها ، وهي أن يكون على طهارة كاملة من حدث وخبث ، وإن يستقبل القبلة إن كان وحده ، وإلا تحلقوا ، فإن ضاق بهم المكان اصطفوا ، وأن يستحضر شيخه ويلاحظه ليكون رفيقه في السير إلى الله تعالى ، وهذا من أهم الآداب ، وأن يفرغ قلبه عما سوى الله تعالى حتى لا يطلب دنيا ولا أخرى ولا ثواباً ولا ترقياً ، إنما يذكر الله حباً في الله ، قالت السيدة رابعة العدوية : ما عبدتك خوفاً من نارك ، ولا طمعاً في جنتك ، فكانت عبادتها خالصة لله تعالى ، وأن يغمض عينيه حال الذكر لأنه أسرع في تنوير القلب ، وأن يكون المكان مظلماً حتى ولو كان هناك سراج أطفأوه أو أخرجوه إن كانوا في خاصة أنفسم ، وإلا أبقوه للحاضرين والواردين ، وأن يذكر بهمة قوية بحيث لا يبقى فيه متسع قط ، فمن فعل ذلك قرب فتحه ، وطويت له مراحل الطريق طياً ، وكل من لم يغب عن الحاضرين لم يحضر مع ربه عز وجل ، ومن لم يحضر مع ربه لم يكن له ترقّ ولا درجة ، فذكره حسنات لا درجات ، والذكر مع الجماعة ورفع الصوت له تأثير كبير في دفع الوسواس ، واشتغال الحواس عن الخواطر الذميمة التي تعتري غالب الناس حال الذكر ، والدليل على طلب الذكر مع الجماعة الحديث القدسي (( من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه )) وقوله صلى الله عليه وسلم (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا ، قالوا : وما رياض الجنة ؟ قال حِلق الذكرِ) وعن جابر بن عبد الله t (( أن رجلاً كان يرفع صوته بالذكر ، فقال رجل لو أن هذا خفض صوته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعه فإنه أواه ، أي ولا نظر لخوف الرياء في الذكر لأن ترك العمل لأجل الناس هو الرياء ، وفي كلام بعضهم : أجمعوا على أنه يجب على الفقير أن يذكر الله تعالى بقوة تامة وعزم شديد بحيث لا يبقى فيه متسع ، وأن يهتز من فوق رأسه إلى أصابع قدميه . وذكر سيدي أبو المواهب الشاذلي ، أن الذكر بالجهر مشروع مأمور به ، بل اقتضى حديث (( أذكروا الله حتى يقولوا مجنون )) استجابةً لأنهم لا يقولون مجنون حتى يسمعوه ، وذلك أعم من أن يكون السامع ممن يلي الذاكر أو أبعد من ذلك إلى مدى صوت الذاكر ، قال وذلك ظاهر عند من أنصف ، ولا عبرة بمن أتعب نفسه فتعسف .
    ومن فوائد رفع الصوت بالذكر تنبيه الغافلين عن ذكر الله تعالى ، فإذا سمعه غافل ذكر الله تعالى فصار أواها ، وذكر الحافظ أبو النعيم عن الفضيل بن عياض كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر الله تعالى تمايلوا يميناً وشمالاً كما يتمايل الشجر في الريح العاصف إلى قدّام ثم يرجع إلى الوراء . عند التلفظ بالذكر يميل برأسه إلى الجهة اليمنى بلآ ويرجع بإله إلى جهة صدره ، وبإلا الله إلى جهة القلب ، وهي اليسار ، وينعتها من سرته إلى قلبه حتى تنزل بالجلالة على القلب لتحرق سائر الخواطر الرديئة ، ويحقق الهمزة ويمد الألف مداً طبيعياً أو أكثر ، ويفتح الهاء من إله ويسكن الهاء من الله .
    وأما الاسم الثاني : وهو الله ، وكذا بقية الأسماء فينعتها من سرته وينزل بها إلى قلبه ، وأن يصغي حال الذكر إلى قلبه مستحضراً المعنى حتى كأن قلبه هو الذاكر وهو يسمعه ، ولا يختم حتى يحصل له نوع من الاستغراق بأن يحس من نفسه بحلاوة الذكر ، ويحصل له تشوق وهيام ، ثم إذا ختم سكت وسكن واستحضر الذكر بإجرائه على قلبه مترقباً لوارد الذكر فعله يردُ عليه وارد فيعمر وجوده بما لم تعمره المجاهدة ثلاثين سنة ، وهذا الوارد وارد زهد أو ورع أو تحمل أذى أو سخاء أو كشف أو محبة أو غير ذلك ، فإذا سكت وسكن وكتم نفسه مراراً دار الوارد في جميع عوالمه ، فيجب عليه التمهل حتى يتمكن ، وإلا ذهب قال الغزالي : ولهذه السكتة ثلاثة آداب : مراقبة الله تعالى حتى كأنه بين يديه ،وأن يجمع حواسه بحيث لا تتحرك منه شعرة كحال الهرة عند اصطيادها الفأر ، وأن يزم نفسه مراراً حتى يدور الوارد في جميع عوالمه ويجري على قلبه معنى الله ، وينبغي تطييب المكان والبدن والفم بالروائح الزكية وبُعد الروائح الكريهة لأن الروحانين لا يقبلون الروائح الكريهة فبانقطاع التطيب من مجلس الذكر ينقطع المدد كما هو مشاهد بالذوق
    ومن آدابه المؤكدة عدم شرب الماء إثر الذكر ولا في أثنائه لأن للذكر حرارة تجلب الأنوار والتجليات والواردات ، وشرب الماء يطفئ تلك الحرارة واقل ذلك أن يصبر نحو نصف ساعة فلكية ، وكلما كثر كان أحسن حتى إن الصادق لا يشرب إلا عن ضرورة قوية ، هذا ما يتعلق بطريق القوم على العموم .
    وأما ما اختصت به طريقة شيخنا ختم أهل العرفان سيدنا السيد محمد عثمان الميرغني المكي نفعنا الله به في الدارين وهي الطريقة الختمية المشتملة على الطريقة النقشبندية والشاذليه والقادرية والجنيدية والميرغنية المنسوبة إلى سيدي عبد الله الميرغني جدّ الأستاذ ختم أهل العرفان شيخنا السيد محمد عثمان ، فقد اغترف t من أبحر هذه الطرق الخمس وشرب منها حتى روي فصار كل من أخذ عنه وسلك طريقته يكون سنده متصلاً بأسانيد تلك الطرق ، ومشربه من أبحرها ، وتمده رجالها ، وقد رتب لها أوراداً وأذكاراً كثيرة لا تتحملها هذه النبذة ، ولكن نذكر البعض منها لأجل التعلم .
    فأول ما يطلب من المريد فيها أن يغتسل غسلاً كغسل الجنابة وينوي به التطهر ظاهراً وباطناً ، ثم يصلي ركعتين قريباً من محل الغسل ، وينوي عندها التوبة من جميع الذنوب ، وشروط التوبة : الندم والإقلاع والعزم أن لا يعود فلا بد من هذه الشروط ، وإلا لم تقبل توبته ، ثم بعد أن يسلم من الركعتين يستغفر الله تعالى بأن يقول : استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ، سبعين مرة ، ويصلى على النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول : اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم مائة مرة ، ثم يشرع في الذكر بلا إله إلا الله حتى يتم سبعين ألفاً . ثم يغتسل ثانياً ويفعل كما فعل أولاً ، ثم يشرع في قراءة الصمدية حتى يتم مائة ألف مرة ، ثم يغتسل ويفعل كما فعل أولا ، ثم يشرع وهو في مجلسه في قراءه البسملة حتى يتم أربعة آلاف مرة وهو في مجلسه بخلاف الأولين ، ثم يلقنه الشيخ أو الخليفة أساس الطريقة ، وهو أن يذكر الله تعالى بعد كل صلاة لا إله إلا الله مائة نصفها بالقلب ونصفها باللسان ، ثم يقول : الله الله كذلك ثم يقول : هو هو كذلك ، ثم يقول : حي قيوم كذلك ، وكل مائة نصفها باللسان ونصفها بالقلب ، وذلك لأن الطريقة النقشبندية أذكارها قلبية ، فالذكر القلبي بالنظر لها ، وذكر اللسان لغيرها من باقي الطرق الخمسة ، ثم يقول : الصلاة الذاتية ثلاث عشرة مرة ، وهي اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه بقدر عظمة ذاتك يا أحد ثم يقول : الفاتحة لقطب أهل الوصال مولانا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام من الكبير المتعال ، ثم يقول الفاتحة لشيخ الطريقة ومعدن الحقيقة ختم أهل العرفان سيدي السيد محمد عثمان ، وشيخه العارف بربه القطب النفيس سيدي السيد أحمد بن إدريس وأتباعهما أجمعين ، ثم يقول : الفاتحة لأهل بيت رسول الله أجمعين ، ثم يلازم صباحاً ومساء قراءة حزبه المسمى بالراتب ، وبعده توسل أسماء الله الحسنى ، وتوسل الرجال ، ثم ما تيسر من بقية أوراده كصلواته المسماة بفتح الرسول كل يوم حزب مخصوص منها ، وأوراد الليل ، ومنها الاستغفار الكبير ، وهو : استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه من كل ذنب أذنبته عمداً وخطأ ظاهراً وباطناً سراً وجهراً قولاً وفعلاً ، في جميع حركاتي وسكناتي وأنفاسي كلها داماً أبداً سرمداً من الذنب الذي أعلمُه ، ومن الذنب الذي لا أعلَمُه عدد ما أحاط به العلم وأحصاه الكتاب وخطه القلم وأوجده القدرة وخصصته الإرادةُ ومداد كلمات الله ، وكما ينبغي لجلال وجه ربنا وجماله وكماله ، وكما يحب ربنا ويرضى ، سبعين مرة ، والأساس الكبير وأوار السحر ، وغير ذلك مما رتبه t ، وهي مشهورة عند أهلها أطلبها تجدها ، فتمسك يا أخي بهذه الطريقة الختمية ، وتلبس بهذه الآداب المحمدية ، وتعلق بأذيال أهلها لترد موار فضلها ، وتغترف من بحرها الزاخر ، وتشرب بالكأس الأول والآخر ، فمن تمسك بها واشتغل بأورادها نال سعادة الدارين ، وانجلى عنه الرين والغين ، لأن طريق القوم هي تقوى الله تعالى أي أساسها التقوى ، فالمتقون هم أولياء الله تعالى ، والذاكرون هم أحبابه فليحذر المعترض عليهم مقت الله وغضبه لأن من اعترض إنطرد كما قيل :
    لا تعترض واعتقد تكتب من الأحباب
    الأولياء في الورى أخفاهم الوهاب


    ولا تكن منكرا يغلق عليك الباب


    كليلة القدر أخفاها على الطلاب


    اللهم أجعلنا ممن يصدق بأقوالهم ، ويسلم لهم سائر أفعالهم ، ولا تجعلنا من المنكرين عليهم فإن الله تعالى لا يتركهم لغيره لأنهم أحبابه ، ولا يعيبهم ذكر الله قياماً وقعوداً وهزتهم في الذكر والإنشاد الذي يقع منهم ، وليس هذا بخفة كما يزعمه المنكرون ، فإن للذكر حلاوة ومخامرة باطنية يعلمها أرباب القلوب تقتضي هذه الحالة من شدة الذكر وشدة الهز ، كما أشار له الغوث سيدي مدين في بعض إنشاده :
    أيا حادي العشاق قم وأحد بنا
    وصن سرنا في حال سكرنا عن حسودنا
    فإنا إذا طبنا وطابت نفوسنا







    وزمزم لنا باسم الحبيب وروحنا


    وإن أنكرت عيناك شيئا iiفسامحنا



    وخامَرنَا خمر الغرام تهتكنا


    وقد ورد في الخبر الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما استنشد حسان بن ثابت أنش له أبياتاً منها ،
    اكشف حجاب التجلي بيننا سحراً


    لا شك أنك معبودي وخلاقي


    فتواجد النبي صلى الله عليه وسلم فسقط الرداء عن منكبه الشريف ، فهو دليل السماع فلا يجوز الإنكار على الفقراء بما يحصل منهم عند سماع كلام القوم من الوجد ، فإن ذلك سر من أسرار الله تعالى تحركه رياح الأنس من بحار القدس متفرقة في الأعضاء ، فما وقع في اليد كان منه التصفيق ، وما وقع في الرجل كان منه الرقص ، وما وقع في القلب كان منه البكاء ، وما وقع في الروح كان منه الصراخ ، وما وقع في سويداء القلب كان منه الغثيان ، وقد ترى الإنسان يكون هادياً فيضطرب عند السماع ، لأن الله تعالى لما خاطب الذر ]أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى[ استغرقت عذوبة سماع الكلام والأرواح ، فإذا سمعوا السماع حركهم ذكر ذلك ، أي ممن قال من ذلك شيئاً في ذلك العالم الذري ظهرت عليه آثاره في هذا العالم الصوري ، قال الشيخ أبا مدين : السماع جوهر لا يطلع عليه إلا الفضلاء ، فإذا حضرتم إلى السماع فأغلقوا أبوابكم ، وإذا حضرتم الطعام فافتحوها لأن طريق القوم مبنية على الستر عمن لم يكن من أهل طريقتهم . ولا ينبغي أن يكون تلقين الذكر بحضور من لم يكن على طريقتهم وسنتهم ، وأهل السماع في أحوالهم مختلفون في الصفات والحركات ، فمنهم من تأخذه الأحوال وهي تمر مر السحاب وهو قاعد لا يتحرك ، كما قال الله تعالى ]وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ، ومنهم من يأخذه الضحك والبكاء والشهيق ، والأحوال مختلفة حسب المقامات والدرجات ، والسماع كالبرق يلوح ويخفي وهو ذو صدق وحقيقة ، فمن سمع بقلبه تحق ، ومن سمع بنفسه تزندق ولا يشك فيه إلا جاهل به معاند ، لأن من جهل شيئا عاداه ، وقال الشاعر :
    لا يعرف الشوق إلا من يكابده


    ولا الصبابة إلا من يعانيها


    وقال الشيخ الأمير في حاشيته على عبد الباقي : كلما جمع قلبك على الله فلا بأس به ، أي لا بأس في تعاطيه إذا ازددت به حباً في الله ، والسماع مع غير أهله حرام لا يحل حضوره حتى يجاهد نفسه بالصيام والقيام والوصال ، فحينئذ يحل حضوره ، قال الجنيد : السماع لا يليق إلا من أهله مع أهله .
    واعلم أن طريق أهل الحق مدارها الصدق ، ورأس مالها الذل ، قال العارفون حكم القدوس أن لا يدخل حضرته أرباب النفوس ، فمن رأى نفسه على أحد من إخوانه فقد خسر خسراناً مبينا . وقال سيدي أبو يزيد البسطامي t قال لي الحق ، تقرب إلي بما ليس من صفتي : الذل والانكسار ، والله عند المنكسرة قلوبهم ، وقال سيدي مصطفى البكري t : {إلهي بأهل الانكسار وحقهم } فتخلق يا أخي بأخلاقهم ، وتأب بآدابهم ، وسر بسيرهم لتشرب من بحرهم ، وعليك يا أخي بمجاهدة النفس فإنه الجهاد الأكبر حتى تتخلص من الصفات الذميمة وتتصف بالصفات الحميدة ، لأن النفس الأمارة من أوصافها الجهل والبخل والحرص والكبر والغضب والشهوة والحسد والغفلة وسوء الخلق والخوض فيما لا يعني من الكلام وغيره والبغض والاستهزاء والإيذاء باليد واللسان وغير ذلك من القبائح ، فهي نفس خبيثة ، فإذا جاهدها ترقت إلى الثاني الذي تكون فيه النفس لوامة ، وصفاتها اللوم والفكر والعجب والاعتراض على الخلق والرياء الخفي وحب الرياسة ، فأوصافها ذميمة أيضاً لأنها أمراض لا دواء لها ، إلا كثرة الذكر والمجاهدة حتى يتخلص منها ، ويرتقي إلى المقام الثالث الذي تكون فيه النفس ملهمة فتتصف نفسه بالصفات الحميدة لأن صفتها السخاء والقناعة والعلم والتواضع والصبر والتحلم وتحمل الأذى والعفوي عن الناس وقبول عذرهم وشهود أن الله تعالى آخذ بناصية كل دابة فلم يبق له اعتراض على مخلوق أصلاً غير ذلك ، وسميت ملهمة لأن الله تعالى ألهمها فجورها وتقواها ، فشد مئزرك وأهجر النوم ولازم التهجد والذكر في الأسحار حتى ترتقي إلى المقام الرابع الذي تكون فيه النفس مطمئنة ، ومن صفاتها الجود والتوكل والحلم والعبادة والشكر والرضا بالقضاء والصبر على البلاء ، ومن علامات دخول السالك في المقام الرابع الذي تسمى فيه النفس مطمئنة أنه لا يفارق الأمر ألتكليفي شبراً ولا يلتذ إلا بالتخلق بأخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم حتى يرتقي إلى المقام الخامس الذي تسمى فيه النفس راضية ، ومن صفاتها الزهد فيما سوى الله تعالى والإخلاص والورع والرضا بكل ما يقع في الوجود من غير اختلاج قلب ولا اعتراض أصلاً ، وذلك لأنه مستغرق في شهود الجمال المطلق ، وصاحب هذا المقام غريق في بحر الأدب مع الله تعالى ، ودعوته لا ترد إلا أنه لا ينطلق لسانه بالسؤال حياءً وأدب إلا إذا اضطر فإنه يطلب ويدعو فلا ترد دعوته ، وذكر هذا المقام (حي) فأكثر منه ليزول فناؤك ويحصل لك البقاء بالحي فتدخل في المقام السادس الذي تسمى فيه النفس مرضية ، ومن صفاتها حسن الخلق وترك ما سوى الله تعالى واللطف بالخلق ، وحملهم على الصلوات والصفح عن ذنوبهم وحبهم والميل إليهم وإخراجهم من ظلمات طبائعهم وأنفسهم إلى أنوار أرواحهم لا كل الميل الذي في النفس الأمارة لأنه مذموم ، ومن صفات هذه النفس الجمع بين حب الخلق والخالق ، وهذا شيء عجيب لا يتيسر إلا لأصحاب هذا المقام ، وسميت وهذه النفس بالمرضية لأن الحق تعالى قد رضي عنها سيرها عن الله ، بمعنى أنها أخذت ما تحتاج إليه من العلوم من حضرة الحي القيوم ، ورجعت من عالم الغيب إلى عالم الشهادة بإذن الله تعالى لتفيد الخلق مما أنعم الله به عليها ، فإذا ارتقى إلى المقام السابع تسمى فيه النفس كاملة ، وصفاتها جميع ما ذكر من الأوصاف الحسنة للنفوس المتقدم ذكرها فقد كمل ، والاسم الذي يشتغل به هذا الكامل ((القهار)) وهو الاسم السابع وهو أطهر المقامات لأن اسم القهار من أسماء القطب ، قال المشايخ : ومنه يمد القطب المريدين الطالبين الأنوار والهدايا والبشارات ، قالوا : إن ما حصل في قلوب المريدين من الفرح والسرور والجذبات الكائنة بغير سبب فهو من مدد القطب عوضا عن أذكارهم وتوجهاتهم لربهم وصاحب هذا المقام لا يفتر عن العبادة ، وذلك إما يجمع البدن أو باللسان أو بالقلب أو باليد أو بالرجل ، وهو كثير الاستغفار والتواضع .
    وإياك أيها المؤمن الكامل أن تأمن للنفس في مقام من المقامات لأن العدو الذي غرست في طبعه العداوةُ لا يؤمن مكره وإن صار صديقاً قال صاحب البردة t
    وخالف النفس والشيطان واعصهما


    وإن هما محّضَاك النصح فأتهم


    فيبغي للفقير أن يزجر نفسه وينهاها عن إتباع هواها ، وقد قيل : من لم يستحي من العيب ، وير عوى عند الشيب : أن ينزجر ، ويخش الله بظهر الغيب ، فلا خير فيه . وأن لا ينظر إلى عيب أخيه ، فقد قيل : خير الإخوان من إذا رأى عيب ستر ، وإذا رأى فضل شكر ، بل إذا نظر إلى عيب أخيه اتهم نفسه وقال إنما هذا العيب في لأن المسلم مرآة أخيه المسلم ولا يرى الشخص في المرآة إلا صورة نفسه وقد قيل : من ظن أنه خير من فرعون فقد أظهر الكبرياء كما تقدم ، ولا عقل لمتكبر ، وفي الحديث (( اجتنبوا الكبر فإن العبد لا يزال يتكبر حتى يقول الله تعالى : اكتبوا عبدي هذا من الجبارين )) وقد قيل للحسن : من شر الناس ؟ قال : الذي يرى أنه خيرهم . وقد قيل : لا يكون الفقير فقيراً حتى لا يذكر أحد بغيبة ، ولا يشمت في أحد بمصيبة وقد جاء لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك ، وفي الحديث (( من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يفعل ذلك الذنب )) وقال الحسن البصري : عيرت شخصاً بذنب فابتليت بذلك بعد عشرين سنة عقوبة لي ، ولا يغضب الفقير بغير حق فقد قيل : من أخرجه الغضب أخرجه إلى العطب ، ومن أطاع غضبه أضاع أدبه ولا يحقد ولا يحسد ، فقد قيل : من لا يفارقه الحزن والكآبة الحقود والحسود فهما في الهم والغم دائماً أبداً . وأن يكون الفقير متواضعاُ ، وقد قيل : التواضع يرفع الخسيس ، والتكبر يضع النفيس ، ومن طلب الرياسة أعيته ، ومن فر منها تبعته ، فجاهد يا أخي نفسك واستعن عليها بالجوع فإنه زمام قاهر لها فقد ورد : لما خلق الله النفس أقامها بين يديه وقال لها : من أنا ؟ فقالت : من أنا : فأقامها في نوع من العذاب كذا وكذا من الأعوام ثم أخرجها وقال لها : من أنا ؟ فقالت : من أنا ؟ فأقامها في نوع آخر من العذاب ، وهكذا وهي تجيبه بهذا الجواب إلى أن أدخلها في بحر الجوع كذا وكذا من الأعوام ، ثم أخرجها وقال لها : من أنا ؟ فقالت : أنت الله ، فلم يقهرها إلا الجوع ، فبه تتذكر ما حصل لها أولاً من العذاب به فتنقاد وتخضع وتذل وترتاض .
    واعلم أن جميع ما ذكر من الأوصاف المذمومة وهو بعض القبائح التي ينطوي عليها الإنسان . وأما ذكر جميعها لا يمكن ، لاكن من سلك الطريق على الصدق خلص من جميع الرذائل والآفات الباطنية والظاهرة ، لأن السالك الصادق في سلوكه يقطعها من أصلها فلا يبغي لها أثر أصلا . وأما من أراد التطهير من الأوصاف القبيحة بغير سلوك الطريق المذكورة فقد طلب المحال ، لذا ترى الأبرار وإن سعوا في الخلاص فهم على خطر وإن أخلصوا لقوله صلى الله عليه وسلم (( المخلصون على خطر عظيم ))
    وتمسك يا أخي بالشريعة ، فإنك لا تصل إلى الطريقة إلا بالشريعة ، ولا تصل إلى الحقيقة إلا بالطريقة ، كالبيضة فإن لها ظاهراً هو القشرة ، وباطن هو اللب الأبيض ، وباطن الباطن هو اللب الأصفر ، فلا يمكن الوصول إلى اللب الأبيض إلا بعد تقشير القشر ولا الوصول إلى اللب الأصفر إلا بعد أخذ الأبيض من فوقه ، فكذلك ينبغي للمريد أن يتعلم أولاً الأحكام الشرعية وهي أقواله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث (( الشريعة أقوالي ، والطريقة أفعالي ، والحقيقة أحوالي )) فأفهم ، فمن تتبع أقواله وأهمل أفعاله فهو من أفسق الفاسقين ، ومن تتبع أفعاله وأهمل أقواله فهو زنديق متين ، ومن ادعى أحواله وأهمل أقوله وأفعله فهو من الضالين المضلين ، بل هو من إخوان الشياطين ، لأن الشريعة باب ، والحقيقة دار ، ولا يتواصل للدار إلا من الباب ، والشريعة أصل والطريقة فرع ، والحقيقة ثمر ، فلا يكون الثمر إلا بوجود الأصول والفرع ، ولا الفرع إلا بوجود الأصل ، فمن تشرع ولم يتطرق فقد تفسق ، ومن تطرق ولم يتشرع فقد تزندق ، وقد قيل : الطريقة معاملات والحقيقة مكاشفات ، الشريعة هي الأحكام الشرعية ، والطريقة تتبع الأخلاق المحمدية ، والشرف في العلم والكمال في الحلم ، لا يتطهر من الرعونات إلا من خالف نفسه في الشهوات ، وذكر الله في جميع الحالات ، وأكثر من الصلاة والسلام على سيد السادات ، فبذلك تدخل إلى الحضرات ، وترفع لك الدرجات ، وتظهر أنوارك ، وتشرق أقمارك ، ويفاض عيك من السر المخزون ، وينادي المنادي ]أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ[ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً إلى يوم الدين .
    وهذا آخر ما يسر الله جمعه على يد الفقير المعترف بالعجز والتقصير ، خادم نعال السادة الميرغنية ، المتعلق بأذيال أهل الطريقة الختمية ، أحمد الرطبي بن الشيخ عبد الرحمن ، ابن الشيخ يوسف العدوي ، ابن العارف بالله تعالى سيدي عيسى الشهير في مصر بالعدوي بباب الشعرية ، وذلك في شهر رجب الأصم سنة ألف ومائتين واثنين وتسعين ، بلغه الله في الدارين أمله مع من أحب آمين ، وغفر الله له ولوالديه الخطايا وصرف عنه وعن محبيه البلايا آمين فائدة : اعلم أن مراتب الشيوخ ثلاثة : الأولى مرتبة المتحققين بالمشيخة الذين عليم الاعتماد في الدنيا والآخرة ، وهما شيخ جلالي ، وشيخ جمالي ، فالجمالي يغلب عليه من الحضرات البسط وشهود الرحمة ، فيظهر بذلك النعمة ، والجلالي يغلب عليه من الحضرات القبض والتجليات الجلاليات ، فيظهر منقبضاً لما يشاهده من الهيبات ، والثانية شيخوخة التبرك ، وأصلها إذن العارفين ، وذلك أن يأذن العارف لبعض مريديه بالنيابة عنه في نصيحة الإخوان ، وذلك إما أن ينال المريد بعض فيض من تقوى ، وإما أن يكون تقياً بلغ في الخشية الغاية القصوى ، فإذا كان المريد كذلك فحينئذ يأذن العارف له ، وأدبه أن يتقي الله ويأمر أتباعه بملازمة الذكر والخشية والوعظ ، ويتحلى بحلى الشيخ من حيث الزجر والردع ، وينبه إخوانه على أنه ليس صاحب مدد ، ويعلمهم بأن مددهم من شيخه ويعرفهم أنه أخ لهم ، محجوب مثلهم ولا يتركهم يمدحونه يوصفونه بأوصاف الأولياء فيستوجب هو وهم المقت من الله ، ويعلمهم أنهم مسئولون بما يتكلمون به ، وينبغي له أن يزور بعض إخوانه الذين يراهم ناصحون له غير مستحين منه لأجل أن ينبهه إذا غفل ، ويذكره إن جهل ، وأتباعه يتأدبون معه ويحترمونه ويراعونه ، ولا يمدحونه بما ليس فيه ، ولا يمنعونه ما ليس له ، ويقال له خليفة فلان أو نائبه أو نقيبه ، ويلقن الذكر إن أجيز به من الشيخ ، وأما غيره فلا يجوز به التلقين لأحد ، ولا يصح له التصدر على فرد من أفراد المؤمنين ، فإن فعل كما هو حال بعض المتصدرين ، فلا يحصل لمن تلقن منه نفع ، والثالثة شيخوخة القرآن والعلم : فينبغي لهم أن ينصحوا أتباعهم ويأمروهم بالتقوى وتحقيق المقروء وإتقانه والعمل به من قرآن وكتب ظاهر ، وأما كتب القوم فأمرها إلى أهلها .


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: الرسائل الميرغنية

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أغسطس 17, 2011 10:52 am

    الرسالة السابعة


    الإيضاحات المنهجة


    في


    شرح المبتهجة


    تأليف


    السيد جعفر بن السيد محمد عثمان الميرغني الختم





    رضي الله عنه


    به الإعانة بداء وختماً وصلى الله على سيدنا محمد ذاتاً ووصفاً واسما .
    الحمد لله الذي جعل مخ العبادة الدعاء ، وجعل التوسل من أحبابه للنيل من جنابه ملء الوعاء ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أعظم من تقضى به الحاجات وعلى آله وصحبه القادات ،

    وبعد : فيقول عبد الغني المقتدر الراجي إمدادات ربه الحقير جعفر ابن العارف بالله الأعظم ، الدال على الله الطود الأفخم سيدي الوالد الأكبر الختم الميرغني المكي محمد عثمان كان لي وله من المنان بالفيض خصا وعما ، هذا شرح جعلته على منظومته المسماة بالمبتهجة التي تقرأ في وقت السحر ، وبعد إذن سيدي الوالد وطلب جملة من الإخوان كان لي ولهم البر ، وجعلته كالحل للمتن ، فقلت مستمداً من المؤلف ، والتمست من بحر المنان مسمياً لها ] النفحات المنهجة ، لدفع النفوس المنعوجة [

    المقدمة

    بداً بها اقتداء بالقرآن ، وتبعاً لقول سيدنا محمد بن عنان ، كُلٌ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أشل ) أي قليل ناقص البركة (اشتد) بصورة الماضي تحكم وتسلط ، (هوي) أي خواطر نفسي) (على المهج) بضم الميم المهملة جمع مهجة وهو القلب (يا رب) أي يا مالك (فعجل) أي أدركني سريعاً بخلاص نفسي من هذه الآفات (بالفرج) أي بخلاصي من هذه الحالة (وتولت) أي تحكمت (نفسي) وهذه النفس الجنية الأمارة بالسوء (يا سندي) أي يا رب لأنه المستند إليه (بدر) أي عجل (بخلاصي) أي خروجي من هذه الحالة (من زهجي) من شدة الزعل وتحكم النفس (وخصيم السوء) وهو الشيطان لعنه الله (يعالجني) يراودني ويشاغلني (لهلاكي) أي لعداوتي وطلب هلاكي كما قال تعالى ]إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [ أي أذهب وأرفع (عن وهجي) بفتح الواو والهاء الهاء معاً ، أصله لهب النار ، ثم استعير هاهنا لتوقيه نار النفس بالمعاصي والمخالفات ، (عن كل) أي جميع كل مبعد عن جنابك الأقدس وكمالك المقدس (يا مولايا) أي يا إلهي (أبعدني) أي أبعدني عنه (وفي التقريب) أي إلى حضرتك المشرفة (ألج) أي أدخلني وهبني لكل عمل مقرب لديك (من لحظتي) أي من ساعتي (ذي) أي هذه (لمماتي) إلى جنب وفاتي (أيا معطي) وهو اسم من أسمائه تعالى يا موهب (المقصود) أي المراد (لمنزعج) أي لذي الخاطر المشتد والانزعاج هو حال الشدة (كملني) أي رقني (في قدم) أي في طريق (المرقى) وهو النبي صلى الله عليه وسلم وهو المرقي لكل نبي وولي (وأجب) أي أقبل يا معتمدي (لدعائي) أي ندائي (زل) زح (عوج) أي اعوجاجي والعوج عدم الاستقامة (بجمال الوجه) أي وجهك العظيم (سألتك ذا) أي طلبت وتوسلت (وبسر جلال) أي بسر جلالك الفخيم (مبتهج) أي مضيء ومنير والابتهاج الإضاءة (بكمالك) المنور المشرف يا كريم ، والضمائر مما هنا لله سبحانه وتعالى (يا مولي) يا سند (العظماء) جمع عظيم (يا سيد كل عظيم ) (بالذات) أي بذاتك الجميلة وأنوارك المعظمة (عج) أي جد (بصفاتك) المليحة الحسنة سألتك وتوجهت إليك (يا قدوس) وهو من أسمائه تعالى ومقام في الولاية (وبالأسماء) الطاهرة الزكية الهنية المرضية سألتك (وأسرار الدرج) سألتك بالأسرار العظيمة (بحظائر تقديس) أي بحظائر تقديس أسمائك التي هي أعظم وأشرف القربات (ومع) أي كذا (سبحات الوجه) أي سبحات وجهك التي لا يعرف حقيقتها أحد ، كما قال عليه الصلاة والسلام (( لو كشف عن سبحات وجهه لأحرق ما أدركه بصره من خلقه )) (بمبتهج) بمضئ (بأملاك) عظام (و) بجميع (إرسال) فخام (ب) وبجميع (أصحاب النور) العظيم (السبج) المظلم (وبكل (أهل البيت) أي بيت النبي صلى الله عليه وسلم (جميعهم) أي كلهم (وخصوص) أي خصوصا منهم (الزهراء) التي هي سيدة نساء الدنيا والآخرة ، ومعناه أتوسل إليك بجميع الأنبياء والرسل ما تقدم سابقاً من التوسل ، وأتوسل إليك بأهل البيت ، وخصوصاً منهم السيدة فاطمة أشرف أهل البيت (ومندرج) ومن اندرج في سلكها وانتسب إليها وهم ذريتها آل بيت المصطفى الحبيب عليه الصلاة والسلام (وبنور الكون) العالم كله علوي وسفلي (منوره) مضيئه ومبهجه (مختارك) يا الله وصفوتك وهو المحبوب صلى الله عليه وسلم (أحمدنا) بدل وعطف بيان لمختارك (البهج) ذي النور (وبما أودعت) أي الذي أودعت ، أي وصفته به صلى الله عليه وسلم ، والضمائر من هنا للرسول عليه الصلاة والسلام (أيا ربي) أي يا رب منادى محذوف منه حرف النداء (من علمك) يا الله المكنون ، وسرك المصون ، المخزون ، (مع سر) أي محبة (الفلج) وكان صلى الله عليه وسلم أفلج الأسنان ، فتوسل بالعلوم التي أودعها فيه مع فلجته (بكماله) صلى الله عليه وسلم النفيس (يا سبوح) هو من أسمائه تعالى (كذا بجلاله) العظيم (يا مهدي) إلى الطريق المستقيم (بجماله) الفخيم العالي (بعظمة الاسم) الكريم (الأسنى) العالي النور الجالي (وبكل ولي) أي جميع أوليائك (ذي) أي صاحب (رهج) أي نور أصل الرهج هو المتلألئ من بعيد ، ثم استعير هنا لمعنى النورانية ، والأسرار البرهانية وسألتك يا باسط (ب) نور (بيت الخلوة) وهو مقام مفرد يختص به صلى الله عليه وسلم لا يصل إليه ولي ولا نبي ولا ملك مقرب (عمدتنا) أي معتمدنا ومقصودنا الذي هو ذو القدر الشريف والمقام العالي المنيف (وبعرش المجد) وهو الفلك العاشر (وكل شج) محب إلى جنابك مرغب إلى رحابك وسألتك يا سميع (بكرسي) وهو فوق الفلك الأطلس الثامن والكرسي التاسع ، كذا (بسدرتنا) أي سدرة العباد التي تنتهي أعمار وأعمال العباد إليها ، وسألتك يا مانح (بيت العز) العزيز الذي هو للكمالات حائز وهو البيت المعمور ، وفي الحديث (( يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ولا يعودون )) بل كل يوم يدخله آخرون ، كما ورد (( أن جبريل عليه السلام ينغمس كل يوم في بحر الحياة فإذا أخرج ينتفض ويأتي بكل نقطة ملك ثم تدخل تلك الملائكة فيه )) (و)كذا (من) أي ملك (يلج) يدخل فيه هؤلاء المذكرين (وبكل كيانك) أي عوالمك العلوية والسفلية معاً (يا مددي) أي ممدني (يسر) أي سهل (بالنصر) على الأعداء (وبالدرج) أي الترقي لأعلى الدرجات ، لنيل الإمدادات وكمال الفيوضات (وأغب) أي غيب (لفؤادي) الذي هو قلبي (في) محض (نور يحضره) المضمر للفؤاد (صومي) أي صيامي (مع حججي) بكسر الحاء جمع حجة (وكذاك صلاتي) سواء كانت فريضة أو نافلة (يا أملي) أي رجائي (مع كل مقرب) حضر على كل مقرب إليك من ذكر أو تلاوة قرآن وغيرها (لا حرج) أي لا تعقبه غفلة ولا حجاب (وأشهدني) أي أرني (نور) عظيم (جمالك في كلتا) مقصود المؤلف t بالتثنية (الدارين) أي دار الدنيا ودار الآخرة (وطب) أي زين وطيب وحسن يا مولاي (أرج) أي حالي (و) كذا (حبيبك) أي مصطفاك (أشهدني) جماله (دواما) أي دواما (لا يأتين ) أي يصحبني (حجاباً في السرج) بضم السين وهي الأنوار المضيئة المنيرة (وأنلني) أعطني (منك) يا رب (رضا) لا ينفك ينمو أي يزيد (في كل زمان منبلج) أي مبتهج (وأفدني) أي علمني (علما) نافعا (في شرع) أي شرع المصطفى عليه الصلاة والسلام (وكذاك) اجعلني إماما في علم (الباطن زد) أكثر (حجج) بضم الحاء جمع حجة أي قوني وولني على نفسي وعزني (وأقيني) أي اكفني (شر معادني) أدفع عني شره فإنك الكافي (وكذاك الظلم) أي بغير حق كاذبة وبطش وغير ذلك (مع الهرج) أي الفتن كذلك اكفينها (واشغل) يا إلهي (أعدائي) أي كل من عادني (بأنفسهم) أي أشغلهم بها عني (وابليهم) أي ابتليهم (ربي) يا ربي وخالقي (بالمرج) بفتح الميم كالحرج ، أي أبلهم بالفتنة والتعب والمحنة والإحنة بجاه نبيك المؤتمن (وأعني) أي أعني بعونك يا معيني (بالتقوى) لا تباع أوامرك واجتناب نواهيك (وأزح) أي أزل (ظلم الأبعاد) أي كل شيء مبعد من حضرتك المكرمة (عن المهج) عن القلوب (واتبع) في جمع (أولادي) سواء ذكوراً أو إناثاً (مع صحبي) أي كل من صحبني ، واتبع طريقتي ، وسلك على نهجي ، ودخل في سلكي ، (لطريق) أي سبيل (القرب) أي المقرب إلى الله (كذا زوج) من أحرار وسريات (واشمل) أي عمم (للجمع) هؤلاء المذكورين (بتمهيل) وسعة وراحة (في الرزق) منك ما يجب (يكون من) عظيم (اللجج) أي اللجة في الأنوار (واختم لي رب) وسيدي بهذا المقام الشريف العظيم الذي هو أعلى الدرجات (كذاك لهم) كذلك المذكورين سابقاً من أبناء وأزواج وأصحاب وغيرهم من المحبين الداخلين في سلك المنبهين بالصدق (الحسنى) أي بحسن الخاتمة والإيمان الكامل الذي يكون للجميع شاملاً (وحسن) أي زين (منعرج) منقلبي إليك (وصلاة من يا أحد) تامة عظيمة تغشى سيد الكونين ، وممد العالمين ، إلى العرش والفرش (وسلام) أي سلام تام (يغشى) كما ذكرنا (ذا) صاحب (الدعج) أي عينين مكحولتين متوج مدعجتين ، وهو صلى الله عليه وسلم عيناه مكتحلتان بنور الله لا مثيل لهذا الحبيب (طه) صلى الله عليه وسلم (المحبوب) المطلوب المرغوب (وأصحاب) أي جميع أصحابه وهو من تواجد به صلى الله عليه وسلم (وكذا) آل بيت المصطفى صلى الله عليه وسلم (ما) مصدرية ظرفية بمعنى مدة أي مدة دوام (الختم) وهو مؤلف هذا الكتاب t شهر بالختم (نج) من جميع الآفات والبلايا والعوج .
    واختم الكتاب بما ورد عن عالي الجناب بسبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب أليك ، عملت سواء وظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت .
    تم بعون الله وحسن وتوفيقه ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وتابعيه إلى يوم الدين . وأختم لنا ولإخواننا المسلمين أجمعين بخير آمين يا رب العالمين .


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: الرسائل الميرغنية

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أغسطس 17, 2011 10:53 am

    الرسالة الثامنة


    منوال الطريقة النورانية





    به



    الإعانة بدءاً وختماً وصلى الله على سيدنا محمد ذاتا ً ووصفا ً واسما ً

    وبعد فيقول رق مولاه الغني محمد عثمان الميرغني ، الراجي من وهب مولاه فيضه الأعزب ألهني ، هذا ترتيب الأستاذ الأكبر الجد في طريقته الختمية ، الطاهرة النورانية ، أردت أن أوضحه لإخواننا الصادقين ، وأخلائنا الأخلصين ، ليتمثلوا به ويقوموا بوفائه ، ويعملوا به ظاهرا وباطنا ، ويواظبوا عليه حتى يحوزوا سواطع أنواره ولوامع أ سراره ، و يتحققوا بما وضع إليه ، وذلك أن خليفة الخلفاء هو كبير الإخوان كلهم من خلفاء وأمناء و نقباء و مقدمين في مناصبهم تدور به وتنهل عليه ، وأمرهم كله راجع إليه ، وهو صاحب التقدمة المطلقة فيهم : في الصلاة والراتب والمولد والأذكار وغير ذلك من الأمور الدينية والدنيوية ، المنطوية بالطريقة ، ومن بعده النائب عن خليفة الخلفاء فهو الذي يقوم مقامه إذا غاب أو مرض أو حصل له عذر في كل ما ذكر ، ومن بعده النائب العام على جميع الإخوان ، ووظيفته النظر في حالة الإخوان من خليفة الخلفاء إلى أدناهم ، وإذا حصل من أحدهم مغايرة ينهاهم ويلزمهم الطريقة المثلى ولو خليفة الخلفاء نفسه ، وإذا حصل خلاف بين الإخوان يصلح ذات بينهم ويزيل ما بينهم من الشقاق والخلاف ، وإن صعب الأمر عليه يكاتبنا ويعرفنا بذلك ، وفي كل محل يكون مع الخليفة واحد نقيب ومقدم فالنقيب وظيفته الحث على الأذكار وتنبيه الإخوان على ذلك ، وتعديل الصفوف في الصلاة وما أشبه ذلك ، فكل محل من محلات الإخوان يكون فيه واحد نقيب ومقدم ، وكل واحد منهم يقوم بوظيفته على الوفاء والكمال ، ويلزم الإخوان أن يمتثلوا لهما فيما هو منوط بوظيفتهم ، وملاك الأمر الذي عليه المدار هو تقوى الله تعالى في السر والعلانية وكثرة ذكره بالقلب واللسان ’ فبذلك تتنزل البركات ، وتفتح من سماء العلو سحائب الرحمات ، فالوصية لكل خليفة و صاحب وظيفة وكل فرد من الإخوان ، بتقوى الله والله المستعان ، تولاني الله وإياكم الجميع بكمال التوفيق وأخذ بناصيتنا إلى طريقه المستقيم وصلى الله على سيدنا محمد صاحب المجد العظم ، والمنهج الأقوم وآله الطيبين الطاهرين ، وسلم تسليماً إلى يوم الدين .
    قال رضي الله عنه : خليفة الخلفاء أن يعطوه حقه في التقديم عليهم في جميع أمورهم، ويمتثلوا أمره ونهيه ، ومن حق الخلفاء عليه أن يجمعهم ويشاورهم ، ولا يعمل أمرا إلا بمشورتهم ، وإن حصل اختلاف في المجلس في فهم المنوال يحكم بقول الأكثرين ، ويستقروا عليه من غير نزاع ، وإن استووا فخليفة الخلفاء يحكم بمقتضى نظره على خصمهم ، وإن لم يتيسر حضور الخلفاء يحكم خليفة الخلفاء بما يجده ، ولا يكن للغائبين نزاع وأما خليفة البلد أو الناحية فلا يخالفه أحد في أمره ونهيه ،فإن خالفه منهم أحد يُعلِم خليفة الخلفاء والخلفاء ، ويحضرونه الجميع ويزجرونه ، وإن كان له منصب وأبى مطاوعتهم يأخذوا منصبه ويرموه ولا يحضروه معهم في شيء ، وأما الأمناء فيفتقدون أهل المناصب كلهم : خليفة الخلفاء والخلفاء كلهم في الأحكام ، ومقيد الجميع عن حصل منهم تفاتر في دينهم وأمرهم يخبرهم الأمناء ، وإن تفا تروا يحكمهم الأمناء في أمر الدين فقط . و أما الحكم العامي فهو للحكام ، وأما المقدم فمنواله أن يقدموه عليهم في جميع أمورهم وترتيب الأمور ، وتنزيل الضيوف ، و أما ما يليق بالضيوف فيساعدونه ، وإن كان من الضيوف قليل له ، وإن كان كثيرا على الخلفاء ، وأما النقيب فمنواله أن يكون ملازما لخليفة الخلفاء إن طلب جميع الخلفاء يرسله ، كان له التقدم مع الأمناء في أمر دينهم ورواتبهم كافة الخلفاء وترتيب مجلسهم وتعديل صفوفهم ، وأما الحكام فمنوالهم الحكم العامي في كافة البلدان حكم زواج أو قتال أو تعد على شيء ما هو منوالهم . وأما منوال الطريقة فالتحابب فيما بينهم ، والمزاورة في كل جمعة ، والتفقد فيما بينهم من التغافل عن حضور الجماعة وفي كل شهر آخر جمعة منه يكون الراتب في الجامع من غير أن يتخلف أحد منهم من كافة المحبين ، ومن المنوال أن يتناصحوا ولا يتحاسدوا ويتفقد بعضهم بعضاً في دينهم ودنياهم وأن يمضوا أمر الحاكم عليهم ، وأما خدم الجامع فعليهم كنسه وفرشه القليل من عوجة الجامع يعد لها ، والكثير من العوجة على الخلفاء الكثيرين ، وأما خدام الهدايا فمنوالهم أن يقدموا في أمورهم بكليتهم ويساعدهم الخلفاء فيما يحتاجون إليه ، وإن تفاتر منهم أحد من خدمته يعزله الخلفاء ويولوا غيره .
    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه بقدر عظمة ذاتك يا أحد .
    تم والحمد لله أولا ً وآخرا ً .


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: الرسائل الميرغنية

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أغسطس 17, 2011 10:54 am

    الرسالة التاسعة


    مناقب صاحب الراتب


    رضي الله عنه



    وبه الإعانة بداء وختماً وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ذاتاً ووصفاً واسما ، ما تحلت صدور سطور الأوراق بعهود جوهرية ، بأبدع من قلائد فرائد الحمد لله . وما تحلت نحور حور الألفاظ بسلوك درية ، بأبرع من زواهر جواهر بواهر شكر الله ، أحمده حمداً أجتبي به غروس آمال أظل بها أُظل تحت ظل رياضها الأريضية الندية ، لا أرى فيها شمس ولا زمهريرا ، متكئاً على الأرائك أسنى العيش وأهناه ، وأشكره شكراً أجتلي به عروس نوال تجلي على منصات التفضلات الربانية ، مقلد جيدها بقلائد منن ولئن شكرتم لأزيدنكم من جزيل الفضل وأسناه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله تنزه في ذاته وصفاته الأحدية ، عن الأشباه والنظائر بلا ريب ولا اشتباه شهادة نجمت نجومها في سماء الإخلاص ورجمت رجومها كل رجيم بسواطع قواطع شهبها النورانية ، وأشرقت شوارقها في مشارق القلوب فاستنارت بنورها ظلم الشك ودجاه ، وأشهد أن محمد عبده ورسوله نور حدقة الوجود ونور حديقته الزاهية ، وأصل درجة السعادة ، المتفرع منها فروع كل شرف طاب عوده وشذاه ، صلى الله عليه وعلى آله سفن النجاة التي يأمن بها المرّوع من غرق تيار طمطام كل مدلهمة ورزية ، المتوجه مفارقهم بدرر تيجان آية ] إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ [ وآية ] قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا [ ، إظهاراً لشأنهم وعلاه ، وأصحابه نجوم الهدى المستنيرة بهم ظلم الضلال الغيهبية ، واليانعة بهم من روض الدين قطوف أقصانه فطاب لمن جناه وجناه ، وما تزينت سماء المحافل من مناقب السادة الأولياء الكمل بكواكبها الدرية ، سيما المولى العارف ختم المعارف مولانا السيد محمد عثمان الميرغني ، نفعنا الله به ، ورضي الله عنه وأرضاه

    وأمدنا الله بإمداداته السنية


    ونفع كل منا في دينه ودنياه


    محمد عثمان بن السيد محمد أبي بكر بن عبد الله المحجوب بدر الأولياء وقطب دائرتهم الفلكية ، ابن إبراهيم بن حسن بن محمد الأمين على ما أودعه الله تعالى من الأسرار وحياه ، ابن علي مرغني ومنه لقب بذلك من بعده من البنين والذرية ، ابن الحسين بن مير خورد بن حيدر بن حسن الذي بلغ مناه بن عبد الله بن علي بن حسن ابن مير خورد بن حسن بن أحمد بن علي ذي الصفات السنية ، بن إبراهيم بن يحي بن عيسى بن أبي بكر بن علي بن محمد ملجأ القاصد ومنجاه ، بن إسماعيل بن مير خورد البخاري بن عمر بن علي بن عثمان بن علي التقي بن الحسن الخالص من المشوبات النفسية ، ابن علي الهادي بن محمد الجواد ، الذي فاض جوده وعطاه ، ابن علي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر زين العابدين بدر أفق السعادة السرمدية ، ابن سيدنا الحسين بن سيدنا علي بن أبي طالب وابن السيدة فاطمة البتول بنت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    نسب تسامى رفعة وفخارا
    نسب أضاء الكون من أنواره
    نسب تنظم عقده من سودد
    نسب بخير الخلق أشرف مرسل
    نسب له جبريل حاز تشرفا









    وعلا على أوج العلا مقدارا


    وسمت ببهجة حسنه الأقمار



    وزها جمانا سمطه ونضارا



    كل الدنا قد أشرقت أنوارا



    إذا صار يخدم شأوه المعطارا



    أمدنا الله بإمداداته السنية


    ونفع كل منا به في دينه ودنياه



    ولد رضي الله عنه بأرض الطائف في قرية السلامة إشارة لسلامته عن كل دنية ، في شهر ربيع الخير بعد الألف ومائتين وثمانية من هجرة حبيب الله ومصطفاه وماتت أمه في سابع ولادته أو قريباً من ذلك وتربى في حجر السعادة الأزلية وكان ترضعه أمه قبل موتها مع غيره فإذا أعطته ثدي صاحبه يمتنع عنه رحمة له ويأباه ، حفظ القرآن قبل المراهقة وحضر العلوم فانبجست له عيون المعرفة من صخور معانيها الخفية ، وكرع من زلال معانيها العذب فارتوى بما رواه ، ثم بعد البلوغ اشتغل بالطريق فسطعت عليه سواطع أنوار التجليات الإلهية ، وانفرد بالخلوة والانقطاع بالوصول لمولاه ، أخذ الطريق عن شيخه العارف القطب سيدنا أحمد بن إدريس نفعنا الله به وأمدنا بإمداداته السنية .
    وقد أمره المصطفي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات أن يمده ويرشده وهو يقول صغير ففي الثالثة قال أمده ويدي ويدك في إناه ، وكان يقول من باب التحدث بالنعم والتشكر لمولاه بما أولاه من المزية ، لو قلنا بما أعطينا لخفنا الافتتان مما يجهل حالنا ويخفاه ، وكان نفعنا الله به بارعاً في العلوم الظاهرة والباطنة له مؤلفات كثيرة أودعت غرائب الأحكام الحكمية تتفجر منها ينابيع فيوضات الفتوحات ويستنير بها ديجور الجهل دجاه ، وقد اشتهرت طريقته في جميع أرض السودان والأرياف والأقطار الحبشية ، وانتشرت نفعها في الناس وتداولها كبار العلماء والصلحاء التقاة ، وكان إذا خطر بباله تأليف أبرزه في أقل مدة كصفائح ذهبية ، ترصعت بجواهر عيقان فاق حسنه وبهاه ، وكثيراً ما ينشد قصائد نبوية ويقول هذا الخليل عليه السلام مثلي يتواجد لأحوال غيبية ، وجمعت له في ذلك دواوين يفوح زهر روضها ورياه ، فسر القرآن بتفسير كبير ، وألف في الحديث كتاباً اختصره من جامع الأصول جمع فيه أنواع العبادات الدينية ، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسميه ]رحمة الأحد في اقتفاء أثر الرسول الصمد[ ، فسماه ، ونظم عقيدة التوحيد بنظام كعقود درية ، وشرح مشكاة الأنوار لجده عبد الله وله كتاب في الوعظ ، وشرح ألفية بن مالك في خمسة عشر يوماً بشرح كشف عن مخدرات معانيها البهية ، وشرح الآجرومية وزاد عليه بما تبتهج النفوس بمرآه ، وأما تأليفه في علم التصوف فروض لا يمل النظر من التنزه في محاسنه الزاهية ، وقد أنبع الله على لسانه ينابيع الحكمة والأسرار فيتكلم بغير تأمل فسبحان من حياه ، فمنها الكتاب ]المسمى بالخزانة القدسية[ . أتى فيه بالعجب العجاب فما سمع أحد بمثله ولا رآه ، وله حكم تجاري حكم ابن عطاء الله سماها الفيوضات الإلهية ، شرحها بنفسه مستدلا بالأحاديث فكشف به عن غوامض الأسرار ما دق خفاه ، وله جملة من رسائل في هذا المنوال ، ]كالفتح المبروك والهبات المقتبسة السنية[ ، وغير ذلك مما تحل جيد الدهر بحلاه ، وله النظم المسمى بالبراق في المدائح النبوية ، فما قرئ في محل إلا ويشاهد فيه روحانيته صلى الله عليه وسلم وروحانية النبيين والصديقين بالخصوصية وبشره صلى الله عليه وسلم بحضوره عند قراءته ، ومن واظب على قراءته ولو بيتاً واحداً : ينشده بين يديه في الجنة ، وتحسن له عقباه ، وله المولد الذي يحضر عند قراءته المصطفى صلى الله عليه وسلم وتستجاب عند ختمه الدعوات الخيرية ، وهو شهير غني عن وصفه وذكراه ، وغير ذلك من الصلوات والتوسلات والمناجاة والكلمات الحكمية . ومن بعض أقوله المنظومة رضي الله عنه وأرضاه :

    عليك بتقوى الله إن رمت أن تكن
    فمن لازم التقوى ير السر كله


    من الأولياء أهل المعارف والسنا


    ومن حاد عنها فهو في الويل والعنا


    وقال أيضاً :
    مهما ذكرتك أبقى منك في قلق
    وإن يمر على فكري جمالك لا
    أنت الطعام وأنت الري يا سندي
    وأنت سر فؤادي أي وأنت لنا
    جد لي بوصلك يا روح الكيان وقل









    يا غاية القصد يا سمعي ويا بصري


    يلذ لي غيره في سائر العمري



    وأنت روحي وجميعي مطمح النظري



    نسكي وحجي وكذا والله iiمعتمري



    خذ المرام أيا عثمان من بحري



    أمدنا الله بإمداداته السنية


    ونفع كل منا به في دينه ودنياه



    وأما كرامته نفعنا الله به فتكل عنها الألسنة والأقلام وبطون الأرقام العددية ، فيكفي من بحر فيضها قطرة يروي بها أوام السامع وينشر من عليها نشر طيبها وشذاه ، منها أنه لما قدم جزيرة سنار في قرية مملكتهم هرعت إليه الناس من الأكابر والأصاغر لما رأوا من كراماته وتصرفاته الجلية ، وتلقى عنه العلماء الأعلام والفضلاء الثقاة ، وكان في تلك القرية رجل بارع في جميع العلوم انتهت إليه الرياسة في الأقطار السنارية ، فحسد الشيخ على ما حصل له وأراد أن يسأله بسؤالات يفضحه بها فعند قدومه إليه أنشب المنون مخلبه فيه وأرداه ، ومنها أن أهل كردفان لما أقبلوا على الشيخ بجملتهم ووجهوا وجوههم إليه بالكلية خاف الملك على ملكه منه ، ومنع الناس عنه فلم يستطيعوا فحبس أعيان أتباعه واتبع هواه ، فتكدر الشيخ من ذلك وقال إني رأيت العرب وكل ولي غاروا على هذا الظالم الفاجر بكل مصيبة وبلية فخرج مسرعاً من البلد فبعد ثلاثة أشهر سلط عليه الدولة المصرية فأهلكته وأخذت بلاده وأمواله وكل من سعى في ذلك ووشاه ، ومنها أن في براري تلك البلاد أتاه رجل عظيم من أبناء الأولياء الكمّل ومعه ما يبلغ المائتين من جماعته فأناخوا بباب الشيخ بصدق نية ، وطلب السلوك فتوجه إليه الشيخ وأرشده ، وأدرك في المدة القليلة ما لا يدرك في المدة الكثيرة وصار من الكمّل السراة ، فأذن له الشيخ وخلفه فعند ذهابهم لم يجدوا ركابهم ، وفي تلك الأرض من اللصوص والقطاع ما تخشاه الأبطال والأسود الضيغمية ، فلما أخبر الشيخ بذلك أشار بيده وإذا بقائل يقول : وجدة الجمال في موضعها فتعجب كل من القوم بما رآه ، ومنها أنه كان مع غافلة عظيمة وفرغ الماء من الغافلة ، واشتد بهم العطش وكانوا في مغارة من فلاة برية ، فاستغاثوا بالشيخ فرفع بصره إلى السماء متضرعاً وأمرهم برفع أمتعتهم من مجاري السيول ، فما أتم دعائه إلا وقد أمطروا ، وسالت السيول فروي كل منهم وملأ إناه ، ومنها أنه مر بأرض كل أهلها كفار يخاف الناس من المرور عليهم لشدة ما يحصل لهم من الأذية ، فأسلم كل من في تلك الأرض والبلاد على يد الشيخ واتبع هداه ، ومنها أنه لما قدم المدينة زائراً أتاه أتباعه وقالوا له : عزمنا على السفر إلى الرحاب المكية ، فقال لهم قال لي جدي : لا بد من إيداع ثلاثة مقابر فما مضى شهر إلا وقد دفن ثلاثة من أولاده في البقيع بقرب سيدنا إبراهيم بن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا ولم يجتمع عليه مريد صادق إلا وبعد ثلاثة أيام تشرق عليه أنوار الفيوضات الربانية ، وما مر ببلدة إلا وقد حصل لأهلها من البركة والإمداد ما يعجز عن حصره وإحصاه ، وله ما ينوف عن ألف خليفة كلهم صاروا من أهل المشاهدة الحقية ، وأما غير المفتوح عليهم من الخلفاء فحصرهم لا يرام وفاه ، فلا غرو في ذلك فإنه كان يقول : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صحبك ثلاثة أيام لا يموت إلا ولياً ، فيالها من مزية ، وكان يقول : قال لي جدي : من قبل جبهتك فكنما قبل جبهتي ، ومن قبل جبهتي كانت الجنة مأواه ، ومن رآني أو رأي من رآني إلى خمس لم تمسه النار ، قال لي جدي عليه أفضل الصلاة والتسليمات الزكية ، ويقول ما قلت في جل صلاتي : السلام عليك أيها النبي إلا وقال لي : وعليك السلام أيها الابن الطاهر الزكي الأواه ، ولما قدم المدينة المنورة قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : من زارنا في سنتك هذه والتي قبلها والتي بعدها قبلناه وحطت عنه الخطية ، وسمع أيضاً بمنى في قبول الحج ما يقرب من ذلك فالله ما أرفع مقام هذا الغوث وأعلاه ، وقال له بعض مريديه : كيف نبقى بعدك يا سيدي في هذه الدنيا الدنية ؟ فقال ليس العارف من حجبه ذراع من تراب وأشار إلى أن من قصد عند ضريحه تقضي حاجته ، ويستجاب دعواه .
    أمدنا الله بإمداداته السنية


    ونفع كل منا به في دينه ودنياه


    وكان نفعنا الله به صبيح الوجه يتنفس عنه صبح الجمال بأنواره الجلالية مربوع القامة معتدل القد ألبسه الله تعالى حلل الوقار وكساه ، أسمر اللون لحيته أقرب إلى الطول كثيفة ، شعرها كالسلاسل الفضية ، واسع العينين طويل الأنف مع استقامة أقناه . باهر الخدين مع السهولة الحسنة البهية . حلو المنطق كأن منطقه ضرب من ضرب راق وصفه وصفاه . وكان t حسن الخلق متخلقاً بالأخلاق المحمدية . يمزح حقاً ويخاطب كل بما يليق به ويلاطفه ويرعاه . له لطف تستغرق له البكائم وعرف تستغرق منه طيبه النفحات المسكية . يجلس مع الغني والفقير ويماشي كل على ممشاه . يحب الضعفاء ، ويألف الشرفاء ، ويشيع الجنائز ، ويعود المرضى ، ويعامل كل بحالة مرضية سخي الطبع إذا وكفت أكفه كف وكف الحيا ولزم حياه . شجاعا ً مهيباً لا يهاب الأمراء ولا تهزه مصادمة الكماة الغضفرية . لا تحركه عواصف مطارحة الطغاة . إذا ابتسم كأنما ابتسم عن عقود جمانية . وإذا تكلم كأن النجوم الزهر تنظمت في سمط لفظه ومعناه . كثير الخوف والخشية إذا أخذ في الوعظ يغير لونه واشتدت أحواله الجلالية . طالما أخذ بلحيته بصوت كصوت الثكلى وإذا أرخى الليل سدوله شمر مئزره للصلاة . لا يغفل عن غيبة المشاهدة لحظة زمانية . ليس له هم سوى تلاوة القرآن ، وله اهتمام بشأن هذه الأمة وحسن مرعاة . والحاصل فمناقب هذا الحبر لا يمكن إدراك نزر منها ولا تحيط بها الأفكار الجلية . فحدث عن البحر ولا حرج ومهما أطلت قصرت في مدحه وحلاه .

    أمدنا الله بإمداداته السنية


    ونفع كل منا به في دينه ودنياه



    ولما أراد الله تعالى له بالقدوم إليه في دار النعيم ليتحفه بتحف التفضلات الإحسانية . ويمتعه في دار السلامة بالشهود ويشهده مقامه الرفيع ومرقاه . قبضه إليه يوم الأحد لاثنين وعشرين خلت من شوال عام ثمانية وستين ومائتين وألف من الهجرة النبوية . فحين خروج روحه خرج نور من عند رأسه وخرق السقف شاهده كل من حضره ورآه . توفي بالطائف وصلي عليه في مسجد جده المحجوب ذو الكرامات السنية . ثم نقل إلى مكة وصلى عليه أيضاً تحت باب الكعبة خلق كثير لا يحصرهم إلا الله . ودفن بعد عصر الاثنين بالمعلا في شعبة النور وقبره معروف عليه السواطع النورانية . ويقصد ويتبرك به ويستجاب عنده للسائل دعاه . وقد رؤى بعد وفاته بمراء كثيرة تدل على علو مقاماته العلية . ومنها أنه رؤى ليلة دفنه أنه مستقبل القبلة على فراش مرفوع بحذاء المصطفى t وتجاهه روائح زكية . فقيل له : ما فعل بك ؟ فقال غفر لي وأكرمني وغفر لمن شهد جنازتي ودفني ومشى معها ولكافة أهل طريقتي ومحبتي شرقاً وغرباً ، وذلك فضل الله . ورأى بعض من المدينة أن النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه خارجون من المدينة النبوية ، فقال : يا سيدي يا رسول الله إلى أين تذهب ؟ فقال إن السيد محمد عثمان قد توفي وخرجنا للملاقاة . وأيضاً رأى بعض القاطنين بالمدينة أن الحجرة النبوية مفتوحة وصاحبها صلى الله عليه وسلم مع جمع من الآل والأصحاب أولي الخصوصية ، ومعهم سيدي الشيخ فأرخت تلك الليلة فكانت ليلة الوفاة . ورآه بعض مريديه العارفين في خيمة جليلة وهو على سرر ونعيم ومشاهد جمالية . وهو ينشد قصيدة طويلة منها هذان البيتان البديع لفظهما ومعناه :

    وقد هدانا وهداكم لطريق مستقيم
    أمدنا الله بإمداداته السنية


    وحبانا وحباكم بشهود من كريم


    ونفع كل منا به في دينه ودنياه


    ورثاه بهذه القصيدة الدرية السيد محمد الميرغني الملقب من والده بسر الختم رفع الله قدره وعلاه .
    رزء يفتت الأكباد شامخ الأطواد
    ومصيبة لو أنها صبت على
    خطب بكت منه السموات العلى
    وبليت عظمت على كل الورى
    مذ قيل مات الختم قطب زمانه
    من قوام النهار وهاجراً
    من كان صواماً عن الفحشاء وعن
    من كان يتلو الذكر في أحواله
    من كان يهدي السالكين لربهم
    يدعوا إلى سبيل السلام وكل ما
    متسربلا بلباس تقوى يقتفي
    أحيا طريق القوم بعد دروسه مازال في نصر الكتاب وسنة المختار
    حتى أتاه من الإله يقينه
    فأجاب دعوته ولبى مسرعا
    فالله يخلفه على أولاده
    فالله يعطيه مناه وقصده
    يؤتيه في الفردوس أعلى رتبة
    صلى عليه مسلما رب iiالعلا
    وينيل نسل الختم حسن iiخلافة
    فهو الكريم وليس يحصر فضله





























    ويؤثر الأحزان في الأكباد


    ضوء النهار لعاد لون سواد



    والأرض حتى آذنت بنفاد



    وأشدها كانت على الأولاد



    غوث العباد وغيث كل iiبلاد



    في طاعة الرحمن طيب رقاد



    قول الخنا في حاضر أو iiباد



    متفرق الأوقات في الأوراد



    ويدلهم بالرفق في الإرشاد



    فيه رضا الباري وكل سداد



    في هديه أثار أكرم العباد



    وأبان طرق السادة الزهاد


    في الإصدار والإيراد


    أعاده مولاه لخير مراد



    للقا كريم مكرم الوفاد



    وعلى محبيه مدى الآباد



    مع سيد السادات وسيد العباد



    في زمرة المختار أشرف هاد



    والآل والأصحاب iiوالأولاد



    متوليا لهم بحسن وداد



    فأحسن ختام الكل خير جواد



    أمدنا الله بإمداداته السنية


    ونفع كل منا به في دينه ودنياه



    وهنا وقف بنا طرف القلم عن ركض حلية الطرس البيانية ، عجز عن الوصول بميدان الإيضاح إلى منتهاه فلنرفع أكف الضراعة إلى الله تعالى بخلوص النية . سائلا كل منا ما أمله ورجاه . فنقول : اللهم يا من هو المرجو لبلوغ كل رجوى وأمنية . يا من إذا رفع إليه كف فارق نزل ملآنا بما يتمناه يا من إذا سأله سائل سال عليه سائل سيبه بكل عطية ، وجود جوده على الوجود سحبه منهلة بجزيل فضله وعطاه . نسألك بأشرف مرسل رقى في معارج الكمالات القدسية . واخترته حبيبا وصفيا وجعلته إليك أجل وسيلة وأعظم جاه . وبآله وأصحابه مصابيح سماء الوجود ونجومها الشهبية . وبكل ملك ونبي عالم وصفي وبهذا القطب الذي دار به فلك الولاية وسطعت بسواطع الأنوار سماه . أن تنجح لكل من الحاضرين مقاصده الدنيوية والأخروية . وتحسن له عاقبته في دنياه وأخراها . وأن تغسل درن ذنوبنا بذنوب العفو والتفضلات الإحسانية . وتهب سيئنا لمحسننا وتحقق لنا ما منك ظنناه . واختم لنا اللهم بخاتمة السعادة ، وأوردنا مناهل محبتك الهنية ، واسلك بنا طريق الهداية ، ولا تجعلنا ممن أهواه في الضلالة هواه . اللهم وأحفظ هذا البلدة وجميع بلاد الإسلام من كل خفية وأذية . وعم قطرها بقطر غمام تبتسم ثغورها ببكاه . ووفق ولاة الأمر لإتباع سنن العدل وإقامة الشريعة الأحمدية وآمن الرعاة وأصلح الرعية والرعاة . واجر اللهم بحار مكارمك الفيضية ، على من أجرى هذا الخير وأعظم له أجرا ينال منه مناه . اللهم أغفر لنا سبح برود هذه المناقب العثمانية عبدك السيد حسن تاج المدني الكملخي . وأجعل مع المقربين سكناه وولديه وأولاده وإخوانه والعصبية . وقارئها وكاتبها وسامعها وأشياخه وأتباعه وكل من انتمى إليه ووالاه . وصل وسلم على مظهر سر طلسم أسرار التجليات الإلهية ، وآله وأصحابه وكل من نصره واتبع هواه . ما تعقبت المحافل من مناقب الأولياء الكمل بنفحات عبقرية . وفاح من عرف وصفهم الشذى مسك ختامه وطيب رياه .

    أمدنا الله بإمداداته السنية


    ونفع كل منا به في دينه ودنياه



    سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين .

    بسم الله الرحمن الرحيم
    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصبه وسلم


    إلهنا أنت الخبير بحالنا
    وألطف بنا فيما قضيت نزوله
    متوسلين إلى جنابك سيدي
    بمحمد وببنته وببعلها
    بالأنبياء والمرسلين جميعهم
    وبزينب بنت الرسول المصطفى
    برقية ذات المقامات العلا
    بخديجة أم الخلائق والملا
    بحليمة الدارين وهي سعيدة
    وهي الأمان لمن أتى iiمتوسلا
    وبسيد الصديق صاحب iiأحمد
    ورفيقه لما لطيبة هاجرا
    وبحرمة الفاروق حين هديته
    وبحق سيدنا علي صهر النبي
    وأقام يتلو العلم جهرا راقبا
    وبحق ذي النورين عثمان الذي
    والتابعين والصحابة كلهم
    وبعبدك النعمان ثم بمالك
    وبالشافعي نور العلوم iiولينا
    بالقادري وبالرفاعي أحمد
    بالسيد بالبدوي باب المصطفى
    وبقطب أهل الله في التقوى أبي
    بالسيد المرسي أبي العباس من
    وكذا الدسوقي الذي خصصته
    بالسيد المحجوب بحر علومنا
    قطب الزمان ومعدن العرفان من
    وبحرمة الغوث الكبير ومن رعى
    هو شيخنا وملاذنا عثمان iiمن
    جمع الولاية للأنام فأثمرت
    من قال حقا من رآني أو iiرأى
    يحفظ من النيران إكراما له
    بالسيد الحسني ثم بجعفر
    أستاذنا سر الختم محمد
    والجن تخدم نعله iiوحذاءه
    بالقطب إبراهيم ثم بهاشم
    بوزيرهم الختم عثمان الذي
    وبشيخنا وملاذنا
    بالطائفي كنز العلوم ولينا
    بالأولياء بالصالحين جميعهم
    الله ينفعنا بهم وبحبهم
    فرج بفضلك يا إلهي كربنا
    وبسر سر الختم فهو محمد
    وأدم صلاتك والسلام عليهم






















































    فكن غوثا مغيث في الشدائد والردى


    نحن العبيد وأنت رب سيدا



    في صرف ما نخشاه من مكر العدا



    وابنيهما الحسنين أقمار الهدى



    وكذا الملائكة الكرام السجدا



    ذات المكارم والهدى تفني iiالعدا



    فهي الذخيرة في الشدائد في iiغدا



    من زارها نال المنى والسوددا



    كم أسعدت ممن أتى iiمستنجدا



    نور الرسالة والمواهب والندى



    من أنفق الأموال فيه وساعدا



    في الثور يا رب العباد وسيدا



    فعلا بإظهار العلوم تعبدا



    ساقي رجالات الكفر كاسات الردى



    ونصرته وبسيفه هلك العدى



    جمع الكتاب وثالث الخلفاء هدى



    الآمرين بعلمهم لمن اهتدى



    بحر الشريعة عمدة لمن iiاقتدى



    بالحنبلي نعم الإمام المرشدا



    في الروضة الغراء قد لثم اليدا



    ليث الأفاضل والمواهب والندا



    الحسن الإمام الشاذلي علم الهدى



    نال الكرامة أولا وتفردا



    من نور جودك يا إلهي iiسرمدا



    وكذا بتاج الختم فردا iiمرشدا



    السيد بن إدريس ذاك الأحمدا



    درس العلوم وكان شمسا مفردا



    ختمي قطب للطريقة iiأيدا



    نفحاته وجلت عن القلب iiالصدا



    من قد رآني مؤمنا موحدا



    يا رب أمددنا به طول المدا



    حاز الكرامة والولاية والهدى



    الميرغني علم الهدى جالي الصدا



    ويراهم من أم هذا المشهدا



    بحر الطريقة غرة من اهتدى



    حاز الولاية بعدهم والسوددا



    سيدي عثمان قطب مفردا



    بالسيد المحجوب قطب مفردا



    من جاءنا التبيان عنهم مرشدا



    دنيا وأخرى لا يزل iiمؤيدا



    يا خير من مد الأنام له يدا



    بحر الشريعة والحقيقة منجدا



    أضعاف مخلوق إلى يوم الندا


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: الرسائل الميرغنية

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أغسطس 17, 2011 10:55 am

    الرسالة العاشرة


    رسالة الختم


    في


    بعض المبشرات


    تأليف / السيد جعفر بن السيد محمد عثمان الميرغني الختم


    رضي الله عنه




    وبه الإعانة بداء وختماً وصلى الله علي سيدنا محمد ذاتاً ووصفاً وسما

    هذه مبشرات الختم

    الحمد لله الملك القديم ، والصلاة والسلام على المورد العظيم ، وآله وصحبه الواصلين .
    أما بعد فهذه رسالة في بعض مخاطبات الختم رضي الله عنه ونفعنا به آمين وأعني به الختم الذي مقامه دون مقام المهدي الذي ليس فوقه أحد من الأولياء إلا المهدي المنتظر ، وأما الختم الذي هو آخر ولي فذلك من تحت مقامه .
    في مخاطباته التي خوطب بها ، قال الختم : قيل لي إن من صحبك يموت على الولاية . قال الختم : قيل لي من سلم عليك تحاتت ذنوبه ، قال الختم : قيل لي إن مقامك الوسيلة مع النبي وفاطمة والحسن والحسين والمهدي وأنت السادس وليس أحد معكم فيها بالسكنة ، ومن دخلها غيركم فنما يدخلها على سبيل الزيارة ، قال الختم : قيل لي من رآك ورأى من رآك أو رأى من رأى من رآك إلى خمسة لم تمسه النار ، قال الختم : من سلم فوق جبهتي أعني قبلها ، وقيل لي : من سلم عليك في هذا الموضع دخل الجنة ، قال الختم : قيل لي إن معنى الختم على أربعة أوجه : الأول الختم النبوي ، والثاني الختم المهدي ، والثالث ختمي والرابع الختم الذي لا ولي بعده ، وهو في آخر الزمان ، فعلمت من ذلك شأني ، قال الختم : قيل لي إنه لم يقدر على معرفة حقيقتك أحد من كبار الأولياء العارفين وكم عالج ذلك كثير من الأغواث وكبار الأفراد فلم يعرفوا حقيقة ذلك ، وأعظمهم معرفة بك محي الدين بن العربي قال في عنقا مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب : إن الصديق الأكبر تحت لواء الختم ، وإن أول اسمه عين التعين ، وآخره قيومية التمكين ، قال الختم : قيل لي إن كرسياً لك حول العرش بعد كرسي المهدي ، وأغلب هذه المبشرات لي وللمهدي , قال الختم : قيل لي إن كل الأولياء ينظرون إليك وهم لا يبصرون حقيقتك لأنك قطعة من النبي ، قال الختم : قيل لي إنك تعطى راتباً لم يقدر على قراءته أحد غير النبي والمهدي ، قال الختم : قيل لي ما أعطيناك لك فلا يعطاه غيرك لا مانع لما أعطيناك ، ولا معطي لما منعناه من حالك لغيرك ، قال الختم : قيل لي إنك أعطيت الأرض فأفعل ما شئت ، واحكم ما تريد ، ومثل هذا وارد عند أهل الله كثيراً ، وله معان مطابقة للشريعة ظاهراً وباطناً ، إذ أوضحوها لمن يسأل عنها ظهرت له مطابقتها كنور الشمس في الظهيرة ، فمن فاته التحقيق بأحوالهم فلا يفوته التسليم لأقوالهم ، قال الختم : قيل لي إن موضعك في الكثيب بعد المهدي وهو بعد النبي ، قال الختم : قيل لي تارة تذهب في النبي فلا ترى إلا إنك هو ، وتارة تغيب أنت والمهدي وهو في الحق فلا تظهر إلا أنكم هو ، قال الختم : قيل لي لا تموت حتى تحل في الغوثية ، قال الختم : قيل لي لو كان بعد النبي نبي لم تكن إلا أنت والمهدي ، قال الختم : قيل لي إن جميع الأولياء يتمنون مقامك ، وكثير من أكابرهم يتمنون أن يكونوا من أصحابك قال الختم : قيل لي إن من له عليك يد لم تجازه بها نجازيه نحن عنك واقبل ما يأتيك ، قال الختم : قيل لي إنه يقع من الحق تجلي يوم القيامة عام بك ، قال الختم : قيل لي إن جميع ذريتك يخرجون صالحين وبشرت بواحد منهم يكون في رأس الدواوين الإلهية ، قال الختم : قيل لي إن صورتك ما تزال بجانب النبي من أول الزمن ، ولم تزل كذلك إلى ما لا نهاية له ، قال الختم : قيل لغوث من الأغواث هل تعلم أحدا كمل منك ؟ فأشار إلى صورتي وصورة المهدي ، قال الختم : قيل لي لم تزل الواردات والمبشرات لك ، والمخاطبات ، وقيل لجدي : فالحمد لله الذي جعل هذا من ذريتك ، فحمد الله وسجد ، قال الختم : قيل لي إنك مختطف من نور النبي من ابتداء ما كان نوره ، قال الختم : قيل لي إنه معتنى بك من قبل وجود أبيك آدم بكذا وكذا سنة ، قال الختم : قيل لي إن من صليت عليه غفر له ، قال الختم : قيل لي أنت خاتم أعلا مقام في الولاية ، وليس فوقك إلا المهدي أكمل داع بعد النبي إلى الهداية ، ونظيرك المهدي وهذه بعض مخاطبات للختم t وكلها له هو والمهدي إلا شيء قليل . وقد تركنا بعض الكلمات الكبار خوفاً من عدم التسليم بعض الجهال بمقامات الأولياء رضي الله عنهم ونسأل الله أن ينفعنا به آمين يا رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

    رؤية الختم مناماً بالحجرة النبوية


    على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التحية


    وبه الإعانة بداء وختماً وصلى الله علي سيدنا محمد ذاتاً ووصفاً وسما
    أما بعد : فهذه هدية الأستاذ ختم أهل العرفان الشريف ، المتحوف بعناية الملك اللطيف ، السيد محمد عثمان الميرغني ، الحسني الحسيني ، رضي الله عنه وأرضاه مما وقع له ولأتباعه مناماً من حضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ، وبشره جده صلى الله عليه وسلم بها ، وخاطبه وباسطه ، وشفعه في أصحابه وأتباعه ، وأتباع أتباعه وجملة أهل طريقته إلى يوم القيامة ، فما أصبح من ذلك المنام إلا وقد رسمه ، وأرخه بيده الشريفة في ضحوة يوم ليلة لاثنين في شهر الله ذي الحجة سنة 1253من هجرة من خلقه الله على أكمل وصف ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين هم بالله أخوف ، ثم بعد رسمها من الأستاذ t تداولت من ذلك الوقت في أيادي المحبين ، أهل الفتح المبين ، وقد نقلها الشيخ عبد الرحمن كاشف ، تلميذ الأستاذ الميرغني ، وهو نقلها من الشيخ الشريف محمد الحريري ، وهو عن الشيخ الفضيل قطب العارفين وقدوة أهل اليقين ، وتاج المحققين ، شيخ الإسلام بمصر ، حسن القويسني ، أتحفه الله واختاره لمحل الإنعام آمين ، فقال t معنى حديث مسند عن النبي صلى الله عليه وسلم : اعلم أن المنام الصالح من الرجل الصالح ، جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة ، فمن كذب منام الرجل الصلح ، يقضي به إلى التكذيب بالحديث الشريف ، الله الله في الاعتقاد والتصديق بالنية الخالصة في مقامات الصالحين في مصباح كل مصباح ، فلا تعجب من فعل الملك الفتاح .
    صورة المنام الذي حصل للشيخ ختم أهل العرفان السيد محمد عثمان أنزل الله على ضريحه سحائب الرحمة والرضوان ، وأمدنا بمدده كل وقت وأوان :
    بينما هو في زيارته للروضة الشريفة عام ثلاثة وخمسين فبعد ما صلى صلاة العشاء الأخيرة يوماً من رمضان وكانت ليلة عيد الفطر رأى في منامه وهو نائم بين القبر الشريف والروضة t أن القيامة قد قامت ، والناس في شدة من التعب والحر والهول ، وإذا برجل راكب على جواد كصورة الياقوت فقلت له من أنت يا سيدي ؟ فقال : أنا عروس القيامة ، فقلت له شفعني في أصحابي وأحبابي ، فقال لي شفعتك بإذن ربي في أصحابك وأحبابك والذين يحبونهم فقال t : فتماشيت إلى المحشر فرأيت أهل الطريقة الختمية في صعيد من المسك والعنبر يسبحون الله ويهللونه وهم مشغولون بعضهم بعضا فناد فيهم مناد وقد ملأ السماء ذاك النداء : أبحت لكم جنتي فأنتم أحباب حضرتي قال : t فلما سمعوا النداء تنوعوا كأنهم نجوم وأخذتهم العبرات والسكرات خوفاً وهيبة من الله تعالى فما كان بعد درجة إلا وقد أقبلت إليهم سفن نوح عليه الصلاة والسلام من الجنة وصارت إلى الملائكة يخطفونهم واحد بعد واحد حتى امتلأت السفن وحلت قلاعها وطارت كما الطير حتى وصلت إلى حضرة القدس ثم بعد ذلك امتد الصراط ونصبت الموازين ودعيت الناس إلى الحساب وسئل من سئل ، وعوقب من عوقب ، واستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ، وبغي في وسط المحشر أناس قليلون يقول بعضهم لبعض يا ويلكم دخلت الجنة أقوماً وأقوام في النار ، وأنتم ما بالكم هلموا إلينا نتقارب نحو الصراط ، فإن كنا من أهل الجنة يؤمر بنا إلى الجنة ، وإن كنا من أهل النار يؤمر بنا إلى النار ، فدنوا من نواحي الصراط وإذا برجل أقبل إليهم وقال لهم إنكم كنت في الدنيا تكذبون بفعل أهل الله أعوذ بالله من ذلك فلستم اليوم منا ، ولا لكم ما لنا ولا عليكم ما علينا ولا حظ لكم معنا ولا فينا ولا عندنا قال : وإذا بكلاب سود كثيرة قد أقبلت إليهم من نواحي الصراط فاختطفهم واحد بعد واحد وألقتهم على وجوههم في النار واللهب فصاحوا بأجمعهم وبكوا وقالوا نحن توسلنا بالنبي المصطفى ولد عدنان ، وبك يا سيدنا محمد عثمان ، قال t : فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في إخراج هؤلاء القوم من العذاب ، فقبل مني وشفعني فيهم ، فسأل الله تعالى فأجابه بالغفران لهم : فاطمأنيت بإعطاء الملك الحنان وبشفاعة النبي ابن عدنان ، ثبتني الله وأحبابي وأهل طريقتي ومحبيهم أجمعين على محبة أهل الله المتقين .
    وصورة هذا المنام أصبح مكتوباً على قميصه بهذه الصورة بخط مكي وعنبر أخضر ورائحة كالزعفران ، فلما أن رآه العلماء وأهل البصيرة غشي عليهم من كثرة البكاء والنحيب تأسفاً ، ومات منهم إذ ذاك الوقت جماعة : مما حل فيهم منهم السيد محمد اليماني ، وسيدي علي القوع ، وسيدي حسين الغيرواني ، وسيدي مصطفى الصفاوي ، عجل الله بأرواحهم إلى جنة المأوي آمين ، وكان سبب موتهم الاطلاع على صورة هذا المنام الشريف ومن الخط الذي أصبح مكتوباً على قميص السيد المذكور مهدي المهديين ، وقدوة المحققين ، وتاج العارفين ، قطع الله بسيفه بنان المكذبين والكافرين ، وأيضاً حكى t وهو في محفل مملوء من الأحباب والأصحاب وكل من لكلامه أصغى وأصاب بشره ببشارة عظيمة رآها مناماً وضمها في أبيات وترج بعضها خوفاً من التطويل والنسيان فقال :

    قد رأيت الحبيب ليلا تجلى
    لابساً حلة تكل عيوني
    وجمالاً لم ترى عيناي مثلا
    فقد تحلى أساورا من نضار
    ولديه نادى أكابر iiرسل
    وأمامي شيخي بجنب جليسه
    ثم قال الحبيب إن إلهي
    نو المتعال ومن ذاك أبرزن
    بإشاراته إلى iiشيخي
    هما في دنية وأخرى لدي
    أقرب الناس إلي في كل منزل
    وكذا جنة كثيب ومأوى
    وظهور ومن يحب لهما
    من يحب زينا قد أحب جنابي
    من بغضني بغضته وأطال
    فعليه الإله صلى وسلم



















    بجمال يسبي أطواراً ويهيل


    أن تراها ويفضل التجميل



    له والصوت ليه يميل



    والجينا والشأن ثم جليل



    والملائكة والأنبيا كخليل



    ومفيض النظام صبا نزيل



    أول الخلق أبرزن يا جليل



    نور نبي زين وهو يميل



    ثم قال الصفي ذاك النبيل



    أحب الخلق أي هما يا فضيل



    ونية آخرة وحشراً مهيل



    من بطون بطونا يا خليل



    أقرب الناس مني نعم الوصيل



    من بغضهم لبغض الشأن الجليل



    في الكلام العظيم الجميل



    ما أفاض المداد وجاء هطيل


    وقال أيضاً محدثاً لنعمة أنعمها عليهم :
    نحن مفاتيح للحضرات iiأجمعها
    نحن متكآت المصطفى طه
    ونحن برزخه بين النبوة والولاية
    فمن يريد لماذا نحن قلناه
    نعطيه ما خوله ونوله فوقا
    ومن يقافي نسد الباب دونه iiلا
    فقم مريد الغني ودم فينا فناً












    ونحن باب الإله الواحد الصمد


    ونحن أيضا فراش الرجل إلى للأبد



    العظمى أي وبابه الحمد



    يأتي إلينا بإخلاص بلا iiبدد



    وذا بفضل مرقينا العلا سند



    يجد دخولا ولو قد قام iiبالجهد



    تلقى علوماً تنوف الحصر والعد


    قال أيضاً بعض مريديه مادحاً له رضي الله عنه وأرضاه آمين :
    أيا برزخ حاجزاً بين الرسل
    وكم مرة بك جدك iiباهى
    في أمم لكموا مثل هذا
    وكم قال عثمان قرة iiعيني
    ولو كان يأتي بعد نبي
    وسأل المصطفى غوث وقت
    فقال وهل تعلم إلا أن شخصاً
    فقل له الغوث لا غير هذا
    من أحب عثمان قد أحب جنابي














    ومن كان في الأوليا حل شطحا


    خليلا وموسى وعيسى ونوحا



    أجابوا فقالوا له لا صريحا



    حبيبي يكفيك ما قد مدحا



    فعثمان كان له أوحي



    وأنت ذا أحدث الناس iiفتحا



    يزيد عليك كمالا ومنحا



    مشيراً إليك وقد قلّ نصحا



    ومبغضه أبغضني قبحا




    وقال أيضاً أستاذنا الختم السيد محمد عثمان t لما يسر الله له الفتح بتفسير القرآن وبحمده شرعت في تفسير كلام الله تعالى القديم ، فلما وصلت إلى قوله تعالى : ] وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [ في سورة الأنعام رأيت في تلك الليلة المصطفى صلى الله عليه وسلم في محفل من الرسل الكرام ، وهو يقول لي الأنبياء كلهم نقطة من نوري وطارت نقطة فتخلق منها صورة سيدنا إسماعيل الذبيح صلوات الله عليه وعلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء والمرسلين ، فقال هكذا خلقوا من نوري والأولياء من نورك يا ختم . قال t : ثم نظرت ورأيت عن يمينه جبريل ، وعن يساره ميكائيل ، وأمامه الصديق وخلفه الإمام علي كرم الله وجهه ، فدنوت منه إدناء جيداً وقبلت جبهته الكريمة . ثم قال لي صلى الله عليه وسلم يا ابني ما قام بأمر الله في المؤمنين أحد بعدي مثلك ، شكر لله سعيك فقلت : كيف يا رسول الله ؟ قال تعبت في باقي المؤمنين ، ونصحتهم ، ما تعب فيهم أحد بعدي مثلك ، فقلت له : أرضاك ذلك ؟ فقال : أرضاني ، وأرضى الله فوق سبع سمواته وعرشه وحجبه ثم نادى يا رضوان عمر جنانا ومساكن لابني محمد عثمان وأتباعه وصحبه وأتباع أتباعه إلى يوم القيامة ، وقال يا مالك فحضر ، وقال عمر في النار مواضع ومساكن لأعداء ابني محمد عثمان ، وأطال الكلام في الواقعة ومن هنا اقتصرنا في الكلام خوفاً من الإطالة والنسيان .
    اعلوا إخواني كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته ، ثبتني الله وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل ما يشاء ونسأل الله التوفيق لشكر النعم الجليلة إنه على ما يشاء قدير ، وبالإجابة جدير . ونختم هذه الرسالة بقول : لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله .



    رؤيا


    سيدي السيد محمد الحسن الميرغنيرضي الله عنه


    ونفعنا بهم في الدارين رسول الله صلى الله عليه وسلم




    وبه الإعانة بداء وختما وصلى الله على سيدنا محمد ذاتاً ووصفاً واسماً

    أما بعد : فإنه لما كانت الليلة المباركة خمسة وعشرين من شهر شوال سنة ألف ومائتين وستين وثلاثة من هجرته صلى الله عليه وسلم ، رأى نادرة الزمان ومنبع الأنوار سيدي ومولاي السيد محمد الحسن الميرغني t رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا منامية في الساعة الثانية عشر من الليل أنه صلى الله عليه وسلم جالس في حجرته على كرسي من الذهب الأحمر وعليه نور أشد من نور الشمس وهو نور أحمر لا يكاد يطيق أحد النظر إليه وبجانبه كرسي ثاني دون كرسيه الأول فأمر بي أن أجلس على ذلك الكرسي ، وكذلك أمر رجل آخر أن يجلس معه ، ثم رأيت كرسياً آخر ثالثاً مثل الكرسي الثاني وهما أحمران فأمر ملكين يمسكاني من يدي ويجلساني على ذلك الكرسي ، ثم أمر بأسورة من الذهب أن يلبساني إياها ثم أمر بعقد من الجوهر بأن يوضع في عنقي وأن يجعل على رأسي تاج من الدر وفي رجلي حجلان من الياقوت ثم أمر أن يلقيا علي خلعتين خلعة من ذاتية صف وخلعة فوقانية حمراء ، ثم أمر أن يزفوني كما تزف العروس ثم أمر إسرافيل أن يصيح في أول الجيش ويقول : إن فلان عريس الحضرة الإلهية وعروس الحضرة المحمدية ، وفي آخر الجيش ميكائيل ليصيح كذلك ، وأن الجيش فيه مائة ألف وأربع وعشرون ألف من الملائكة وأولياء الأنس وأولياء الجن : شيء لا يحصى عددهم إلا الله تعالى .
    ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم بشرني ببشارة لا يمكن إبداؤها إلا في وقت وقوعها ورأيت كثيراً من رجال ونساء منهم في وقتنا هذا ، ومنهم من يسألني في المستقبل وهم ينوفون عن مائتي ألف فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلبسوهم خلعاً من نور أخضر وأبيض وأصفر ، وأبي t جالس معي ، ونحن شركاء في البشارة ومعنا ثالث وهو شريكنا في البشارة لا في الجماعة وطريقته شاذلية وشيخه الخضر عليه السلام ، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤتى بملائكة السماء الرابعة فأتوا وهم يقولون : يا حي يا قيوم بصوت واحد ، ووقفوا صفاً ، وملائكة كل سماء كذلك ثم أمر بثلاثة خيول أحدهما من نور أخضر ، والثاني من نور أصفر ، والثالث من نور أحمر فركبت أولاً على الجواد الذي من النور الأخضر ، والرجل الثالث على الجواد الثالث الذي من النور الأحمر ، والنبي صلى الله عليه وسلم راكب على جواد من النور الأبيض ، وأنا على يساره وأبي على يمينه ، والثالث أمامه حتى وصلنا حضرة مالك الملك ، والأنبياء كلهم راكبون على خيول بأنواع الأنوار ، والملائكة وأولياء الأنس ، وأولياء الجن يمشون حولنا ، فأتى من خلعة هذه الخلعة الإلهية نحو سبعون ألف خلعة فوضعت كلها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومكتوب على الخلع كلها يا حي يا قيوم ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تخلع منه تلك الخلع وتلقى علي فخلعت على يد الروح الأكبر ، وخلع على أبي كذلك من الحضرة الإلهية سبعون ألف خلعة ومكتوب عليها يا حي يا قيوم ، وكذلك الثالث خلع مثل القدر المعلوم ثم أتى مناد من قبل الحق وقال أسكتوا يا أهل هذه الحضرة وأنصتوا فسكتوا ثم قال المنادى : إن فلان رئيس الحضرة الإلهية ، وعروس الحضرة المحمدية ، والإشارة للوالد رضي الله عنه ، ثم قام أهل المجلس جميعاً ، وباركوا لنا ذلك ، ثم أجلسني رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذه الأيسر ، وأبي على فخذه الأيمن ، ولقنا : يا حي يا قيوم ، ثلاث مرات وقال إن مددي ومددكما بهذين الاسمين ، ومقدارهما كذا وكذا ، وتعمل مابين النهار والليل سبعون ألفاً ثم التفت إلى أبي وقال : أكثر من هذا الذكر ، وإن كنت مكثراً منه ، ثم التفت إلي وقال لي بعد الخلوة : أعمل كذا وكذا وروح إلى محل كذا وكذا ويكون لك فيه كذا وكذا . ثم مسك خالتي ست البنات من يدها وقال : هذه أمك في الدنيا وفي الآخرة ثم صاح وقال لي : يا ابن ست البنات فكأنها في تلك الحالة أقرب لي من أمي ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تخلع عليها خلع من نور وتجلس مع أمهات المؤمنين ،
    ثم رأيت أربعين رجلاً من أصحابي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تخلع عليهم خلع من نور ولكل واحد منهم سبعون ألف خلعة أتت من الحضرة الإلهية مكتوب على خلعهم كلها اسم : يا حي يا قيوم ، ثم قال رسول صلى الله عليه وسلم : إن هؤلاء الرجال كلهم ينالون الغوثية بحياتك ، فمنهم من أخذ العهد على أبي ، ومنهم من أخذ العهد علي ، ورأيت في ذلك الوقت كلهم منسبون إلي ، فمنهم من بلغ الرجولية ، ومنهم من هو صغير دون البلوغ ، ثم صاح مناد من قبل الحضرة الإلهية وقال : إن فلان وفلان إلى تمام الأربعين إنهم رءوس الحضرة الإلهية وعروس الحضرة المحمدية ، ثم جعلوا كلهم على كراسي من نور شبه الكرسي الذي أنا عليه جالس ، ثم لقنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا حي يا قيوم ثلاث مرات ، وقال لهم ستنالون مقام شيخكم في حياتكم قبل مماتكم ثم إني التفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسكت عني ثلاثاً ، وأنا أكرر عليه ثم أشار إلي بالسكوت فسأل أبي مثل سؤلي له مرتين ، وفي الثالثة التفت إليه وقال : هذا الجمع هم أولادك ، وأشار إلى الأربعين رجلاً فسكت أنا ، وبشر أبي الأربعين رجلا أنهم ينالون مقام السطو حية حتى يصلوا النبوة وأنهم يكونون معه في منزل في الجنة ، وأنهم ينالون مقاما ما ناله أحد من قبلهم غير الأنبياء ولا يناله أحد بعدهم ، وأنهم رءوس هذه الأمة ويزيدون على رءوس الأولياء ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: الرسائل الميرغنية

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أغسطس 17, 2011 10:56 am

    الرسالة الحادية عشر


    الأصول العشرة


    في


    طريق القوم


    تأليف


    أبي الجناب نجم الدين البكري





    الحمد لله الذي وضع الأصول لتأسيس بناء الأصول ، والصلاة والسلام على حضرة الرسول ، الذي هو مفتاح كل مسئول ، وعلى آله وصحبه المبشرين ، لا سيما العشرة
    أما بعد فهذه ]الأصول العشرة[ المنسوبة للشيخ العالم العارف المشتهر بأبي الجناب نجم الدين البكري ، قدس الله سره وعمم بره ، فأعلم ذلك واعمل حتى يتيسر لك الوصول إلى الله عز وجل ، وطريقنا الذي نشرع في شرحه ، هو أقرب الطرق إلى الله وأوضحها وأرشدها ، وذلك لأن الطرق من كثرة عددها محصورة في ثلاثة أنواع : أحدهما طريق أرباب المعاملات بكثرة الصوم والصلاة وتلاوة القرآن والحج والجهاد وغيرها من الأعمال الظاهرة وهو طريق الأبرار ، والواصلون بهذا الطريق أكثر من ذلك الفريق ولكن الوصول بهذا منهم على النوادر كما سأل أبو منصور إبراهيم الخواص في أي مقام تروض ؟ فقال أروض نفس في مقام التوكل منذ ثلاثين سنة . وثانيها طريق السائرين إلى الله وهو طريق الشطار من أهل المحبة ، الواصلون بهذا الطريق في البدايات أكثر من غيرهم في النهايات _ فهذا الطريق المختار مبني على الموت بالإرادة كما قال عليه الصلاة والسلام (( موتوا قبل أن تموتوا . وعد نفسك من الموتى )) وهو محصور في عشرة أصول
    الأصل الأول التوبة
    وهي الرجوع إلى الله تعالى بالإرادة ، كما أن الموت رجوع بغير الإرادة كقوله تعالى )ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً (وهو الرجوع عن الذنب وهو ما يحجبك عن الله من مراتب الدنيا والآخرة ، فالواجب على الطالب الخروج على كل مطلوب سواه حتى الوجود كما قيل : وجودك ذنب لا يقاس عليه ذنب آخر الأصل الثاني الزهد في الدنيا
    وهو الخروج عن متاعها وشهواتها قليلها وكثيرها مالها وجاهها كما أن الموتى يخرجون منها وحقيقة الزهد : أن تزهد في الدنيا والآخرة كما قال عليه الصلاة والسلام (( الدنيا حرام على أهل الآخرة ، والآخرة حرام على أهل الدنيا وهما حرمان على أهل الله ))
    الأصل الثالث التوكل على الله تعالى
    وهو الخروج عن الأسباب والتسبب بالكلمة ثقة بالله تعالى كما هو بالموت قال تعالى )وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ(
    الأصل الرابع القناعة
    وهو الخروج عن الشهوات النفسانية والمتمتعات الحيوانية إلا ما اضطر إليه من الحاجة الإنسانية ، فلا يسرف في المأكول والملبوس والمسكن ، ويقتصر على ما لابد منه لقوله تعالى )وَلاَ تُسْرِفُواْ(
    الأصل الخامس العزلة
    وهي الخروج عن مخالطة الخلق بالانزواء والانقطاع كما هو بالموت إلا عن خدمة شيخ واصل مربّ له أو أستاذ نافع مشفق لأنهما كالغاسل للميت فينبغي للطالب أن يكون بين يديهما كالميت بيد يدي الغسال المتصرف فيه كيف يشاء ليغسله بماء الولاية عن جنابة الأجنبية ولوث الحدوث ، وأصل العزلة: عزل الحواس بالخلوة عن التصرف في المحسوسات ، فإنها كل آفة وبلاء وفتنة تبتلى الروح بها وكانت تقوية النفس وتربية صفاتها وإنما دخلت من رزونة الحواس استتبعت النفس الروح إلى الأسفل سافلين وقيدته بها واستولت عليه ، فبالخلوة وعزل الحواس ينقطع مدد النفس عن التصرف في المحسوسات كما أن الطبيب في معالجة المريض يأمر أولا بالاحتماء مما يضره ويدبره في علل مرضه فينقطع بذلك عنه مدد المواد الفاسدة التي ينبعث به المرض وتنقى به المواد ، وقد قيل: الحمية رأس كل داء ، ثم يعالجه بالمسهل ليزل عنه المواد الفاسدة وتقوى به القوة الطبيعية ، والحرارة الغريزية فيزول عنه المرض بدفع الطبيعة ويحدث الصحة ، فالمسهل هاهنا بعد الاحتماء وتنقية مواد الذكر الدائم .
    الأصل السادس ملازمة الذكر
    وهو الخروج عن ذكر ما سوى الله بالنسيان ، قال تعالى )وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ( أي غير الله كما هو بالموت فأما نسبة مسهلية الذكر وهو كلمة لا إله إلا الله فإنه معجون مركب من النفي والإثبات فالنفي يزيل المواد التي يتولد منها مرض القلب ، وقيد الروح وتقوية النفس ، وتربية صفاتها ، وهي الأخلاق الذميمة النفسانية ، والأوصاف الشهوانية الحيوانية وبإثبات إلا الله تحصل صحة القلب وسلامته عن الرذائل من الأخلاق ، وانحراف مزاجه الأصلي ، واستواء مزاجه وحياته بنور الله تعالى فتتحلى الروح بشواهد الحق ، وتجلي ذاته وصفاته )وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا (وزالت عنها ظلمات صفاتها ، وتحلى )يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ( الذي أهلك بتجلي جلاله كل الموجودات ، وبرزوا لله الواحد القهار فقد نبهتك إلى أمر عظيم إن كنت من أهل القلب السليم الفهيم فعلى قضية )فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ( الذاكرية بالمذكورية ، والمذكورية بالذاكرية ، فيفني الذاكر في الذكر ، ويبقى المذكور خليفة للذاكر فإذا طلبت الذاكر وجدت المذكور ، وإذا طلبت المذكور وجدت الذاكر ، فإذا أبصرتني أبصرته ، وإذا أبصرته أبصرتني ، ولا تكن ممن قيد الحق بالخلق فإنه إلحاد وهذا مني لك إرشاد ،
    الأصل السابع :
    التوجه إلى الله تعالى بكلية وجوده ، والخروج عن كل داعية تدعوا إلى غير الله تعالى كما هو بالموت ، فلا يبقى له مطلوب ولا محبوب ولا مقصود ولا مقصد إلا الله ، ولو عرضت عليه مقامات جميع الأولياء والمرسلين لا يلتفت إليها بالإعراض عن الله لحظة . قال الجنيد قدس الله سره: لو أقبل الصديق على الله ألف ألف سنة ، ثم أعرض عنه لحظة فما فاته أكثر مما ناله .
    الأصل الثامن الصبر :
    وهو الخروج عن حظوظ النفس بالمجاهدة كما هو بالموت والثبات على فطامها عن مألوفاتها ومحبوباتها لتزكيتها والاستقامة على الطريقة المثلى ، قال الله تعالى )وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (
    الأصل التاسع المراقبة :
    وهي الخروج عن حوله وقوته كما هو بالموت مرقباً مواهب الحق متعرضاً لنفحاته بالطاعة ، معرضاً عما سواه ، مستغرق في بحر هواه مشتاق إلى لقائه قلبه يحن لديه ، وروحه بائن به يستعين عليه ، ومنه يستغيث إليه ، حتى يفتح الله باب رحمة لا ممسك لها ، ويقلق عليه باب إيلامه لا مفتح له بنور ساطع من رحمة الله على النفس تزول به أمارية النفس في لحظة ما تزول في ثلاثين سنة بالمجاهدات والرياضات ، كما قال الله تعالى )إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ( ، وهم الأخيار بل يبدل سيئات النفس بحسنات الروح لقوله تعالى )فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ( وهم الأبرار . بل تكون حسنات الأبرار سيئات المقربين بحسنات ألطافه تعالى لقوله تعالى : )لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ( فهذه الزيادة حسنات ألطاف الحق وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
    الأصل العاشر : الرضا
    وهو الخروج عن رضا نفسه بالدخول في رضا الله تعالى بتسليم الأحكام الأزلية ، والتفويض إلى التدبيرات الأبدية ، بلا منازعة ولا اعتراض كما هو بالموت كما قال بعضهم : وكلت إلى محبوبي أمري كله إن شاء أحياني وإن شاء أماتني ، فمن يموت بإرادته عن هذه الظلمانية يحيه الله بنور عنايته كما قال جل ذكره : )أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا( أي من كان ميتا عن أوصافه الظلمانية في شجرة الأنانية ، فأحييناه بأوصافنا الربانية ، وجعلنا له نورا من أنوار جمالنا يمشي به في الناس بالفراسة ، ويشاهد أحوالهم ، كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها : أي كمن لا ظهر له بزهرة المؤمنية ، وإثمار الولاية والنبوة .
    تم والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف الخلق أجمعين وآله وصحبه والمقتدين والمهتدين والمسلمين آمين .
    قال السيد أبو حريبة نجل سليمان صاحب المقام المشهور بالدرب الأحمر بمصر تلميذ الأستاذ ختم أهل العرفان السيد محمد عثمان الميرغني مقرظاً لكتاب ((الزهور الفائقة في تعريف حقوق الطريقة الصادقة )) تأليف الأستاذ المذكور . أجزل الله لهما الأجور :

    رسالة حوت من المعارف جلها
    يا لها من نبذة قد أبهجت
    فتأمل في رسمها تلقى العلا
    وتحقق في المعاني يا أخي
    فلقد شذا من أريج نسيمها
    بخصوصية ختمية من iiأحمد
    عليه الصلاة مع السلام وآله










    أبرزت من صدر شيخنا ختم العارفين


    سراً سرى في قلوب العاشقين



    وتصبح في مجال الرجال البارعين



    فهذه أصول نهج السائرين



    عبيق مسك فاح في جميع العالمين



    حبيبنا الصافي إمام المرسلين



    وأصاحبه وأتباعه iiالسالكين



    وقال مقرظاً كتاب (( الهبات المقتبسة ))

    شيخنا الختمي كز المعالي
    هو قطب وفي المعارف فرد
    هو ختم أحيا لملة دين
    من فتوحاته فيوضات لطف
    خاتم الأولياء ختام خصوص
    كم علوم أتى بها من غيوب
    إن سألتم متى كان اجتماعي
    قلت مؤرخاً طيب غريب











    ذخرنا فخرنا حميد الخصال


    جامع الفضل عين الكمال



    بعلوم درت كدر اللآل



    وردها للصدود صفو الزلال



    مسكه فاح ما عبير iiالغوالي



    يحكي الدر نشرها في المعالي



    بالختم ذخر مجلى المجالي



    بالفتح أرجو الجلالي جمالي


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: الرسائل الميرغنية

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أغسطس 17, 2011 10:57 am

    الرسالة الثانية عشر


    الصلاة الحسينية


    أو


    الصلاة اليسيرية


    تأليف


    السيد عبد القادر الجيلاني




    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
    ومما ذكر من فضائل هذه الصلاة : ما روي عن صاحبها سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني t أنه قال: من أراد أن يتقرب إلى الله دنيا وأخرى فليقرأ هذه الصلاة ، ومن قرأ هذه الصلاة مرة واحدة غفرت له ذنوبه ولو كانت بعدد أيام الدنيا ، وقال t : من أراد أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم فليقرأ هذه الصلاة دبر كل صلاة مرة ، فإنه يراه بعين الحقيقة حتى يخاطبه ، وقال t : من قرأها سبعة مرات غفر الله له ذنوب سبعين سنة ، ويوم القيامة يكون جوار النبي صلى الله عليه وسلم وقال t : إذا نزل بأحدكم هم أو غم أو ضاقت به معيشته فليقرأ هذه الصلاة فإن الله تعالى يفرج عنه همه وغمه ويسهل له معيشته إن شاء الله تعالى ، لأن هذه الصلاة أفضل من دلائل الخيران بسبعين درجة ، ومن قرأ هذه الصلاة مرة واحدة لم يخرج من الدنيا حتى يرى مقعده في الجنة ، ومن أراد قضاء حاجة عند سلطان أو أحد من الخلائق فليتوضأ ويقرأ هذه الصلاة خمس مرات ، ويطلب حاجته ، فإنها تقضى سريعاً بإذن الله ، وقال t : بشرني النبي صلى الله عليه وسلم أن في الجنة اثني عشر مدينة في كل مدينة اثنا عشر ألف دار في كل دار اثنا عشر ألف بيت وفي كل بيت اثنا عشر ألف فراش من سندس واستبرق من الفراش ستون ألف زراع ، على كل فراش حورية ، في عنق كل حورية ستون قلادة مفضضة بالدر والجوهر هذه لمن قرأ هذه الصلاة ، ومن قرأها فكأنما عتق سبعين رقبة من ولد إسماعيل u ، أو كأنما حج واعتمر ، وهذه الصلاة تكفي عن كل الصلوات ، ولا تكفي الصلوات عنها ، سريعة الإجابة في أقرب حين ، ومن كان عليه دين وقرأها على نية خلاص دينه فإن الله تعالى ييسر له خلاصه بإذنه تعالى انتهى وهو كلام عجيب والله الموفق للصواب .

    P

    اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للمؤمنين بما قال الله العظيم ) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ () وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ( اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للذاكرين بما قال الله العظيم )فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ()اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا() وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً () هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا()تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا ( اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للعاملين بما قال الله العظيم ) أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى()
    وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ( اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للأوابين بما قال الله العظيم ) فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا() لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ( اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للتوابين بما قال الله العظيم ) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ() وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ( اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للمخلصين بما قال الله العظيم ) فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا() مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ( اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للمصلين بما قال الله العظيم ) وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ () أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ( اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للخاشعين بما قال الله العظيم ) وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ() الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ () الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ() اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للصائمين بما قال الله العظيم ) إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ () أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ () اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للخائفين بما قال الله العظيم ) وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ()وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى () اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للمتقين بما قال الله العظيم ) وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ()الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ () لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ () اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للمخبتين بما قال الله العظيم ) وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ()وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ()أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ () اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للصابرين بما قال الله العظيم )وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (*) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ () إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ () اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للكاظمين بما قال الله العظيم ) وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ() فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
    لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ () اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للمحسنين بما قال الله العظيم ) وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( - مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ () اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للمتصدقين بما قال الله العظيم )وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ()إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ () اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للمنفقين بما قال الله العظيم ) وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ()وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ () اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للشاكرين بما قال الله العظيم ) وَاشْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ () لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ () اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للسائلين بما قال الله العظيم )فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ()وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ() اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للصالحين بما قال الله العظيم )أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ() أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ()الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ() اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للمحبين بما قال الله العظيم )إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ()يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للمبشرين بما قال الله العظيم ) وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ()لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ( اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للفائزين بما قال الله العظيم )وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ( اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للزاهدين بما قال الله العظيم ) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً ( اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للمؤمنين بما قال الله العظيم ) كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ( اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للمصطفين بما قال الله العظيم ) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ( اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للمذنبين بما قال الله العظيم ) قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للمستغفرين بما قال الله العظيم ) وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ( اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للمقربين بما قال الله العظيم )إِنَّ الَّذِينَ سلقت سبقت سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (*) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ ( (*) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ( اللهم صل وسلم على سيدنا محمد البشير المبشر للمسلمين بما قال الله العظيم ) إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ( وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى (*) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (*) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأَوْفَى (*) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى


    _________________
    خليفتي كذاتي

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أغسطس 18, 2017 1:53 pm