شباب الختمية

منتدى شباب الختم يتناول قضايا الشباب وفعالياتهم


    كتب السيد احمد ابن ادريس استاذ الختم

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    الفصل الخامس :أبجدية التصوف

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 2:02 am

    وقد هيأت روحك لتسبح فى بحر سبوحك ، لتتلقى :

    علم ( ألف) الأحدية التى غيبتها كمن سواه.

    وعلم ( باء) البقاء لتكون باقية الباقى " بك أبقنا".

    وعلم ( تاء ) التوجه لتكون كتوجهة إلى وجه واحد من جميع الوجوه.

    وعلم ( ثاء ) ثواب أهل العبودية بالتباع المحمدى منزلة منزلة.

    وعلم ( جيم ) جمال النور المحمدى عند الاجتماع الأعظم ، بالنبى الأكوم ، صلى الله عليه وآله وسلم.

    وعلم ( حاء ) حياتك الطيبة بإيمانك وعملك الصالح ]من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة[.

    وعلم خاء خوفك من جلال ربك عند قربك ]يدعون ربهم خوفا وطمعا[.

    وعلم ( دال ) دنوك من حظيرة القدس الأعلى ، حين سجودك وقولك :" سبحان ربى الأعلى ".

    وعلم ( ذال ) ذكائك عند اتصال روحك بأزكى الحليفة ، لتتنزل على قلبك الرقيقة من فيض فيضان علوم الحقيقة.

    وعلم ( راء ) رحمة ربك التى تجعلك رحمة للمؤمنين.

    وعلم ( زاى ) زكاة نفسك وفلاحها ]قد افلح من زكاها [.

    وعلم ( سين ) سعادتها الأبدية قال تعالى : ]وأما الذين سعدوا ففى الجنة خالدين فيها [.

    وعلم ( شين ) شكرها على نعم ربها لتحظى بزيادة قربها ، قال تعالى : ]وإذ تأذن ربك لئن شكرتم لأزيدنكم [.

    وعلم ( صاد) صدقها فى معاملة ربها ، قال تعالى : ]يا أيها اللذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين[.

    وعلم ( ضاد) ضياء قلبها بنور ربها عند الطمأنينة بذكره ، قال تعالى : ]ألا بذكر اله تطمئن القلوب[.

    وعلم ( طاء) طهر ربها من رجسها لتحظى بعالم قدسها ، قال تعالى : ]ولكن الله يزكى من يشاء [.

    وعلم ( ظاء) ظفرها على عدوها لاعتمادها على ربها ، قال تعالى : ]إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد[.

    وعلم ( عين ) علمها باكرام ربها الأكرم ، قال تعالى : ]علم الإنسان ما لم يعلم [.

    وعلم ( غين ) غيرتها على دينها ؛ لتنال الغاية القصوى فى الاتباع المحمدى ، قال تعالى : ]لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة[.

    وعلم ( فاء ) فلاحها ، فى عالم تزكيتها ، قال تعالى : ]قد افلح من زكاها [.

    وعلم ( قاف) قربها ، فى عالم حبها عند مشاهدة حبها ، قال تعالى : ]ونحن أقرب إليه من حبل الوريد[.

    وعلم ( كاف) كفايتها شر غوايتها وشر أعدائها. قال تعالى : ]فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم [.

    وعلم ( لام ) لومها لنفسها من هيبة ربها ، قال تعالى : ] ولا اقسم بالنفس اللوامة[.

    وعلم ( ميم ) موتها قبل أن تموت لتحيا بالحياة الملكية. قال تعالى: ] الله نور السموات والأرض[.

    وعلم ( هاء ) نورها بنور ربها الذى هو نور السموات والأرض. قال تعالى : ]والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا[.

    وعلم ( واو ) ولاية ربها لها فى عالم النور والبهاء. قال تعالى : ]الله ولى الذين آمنوا [.

    وعلم ( لا ) من لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

    وعلم ( ياء ) يسرها ، قال تعالى : ]فسنيسره لليسرى[.

    فهذه تسعو وعشرون علما التسعة بمنزلة التسعة أشهر التى يترلبى بها الجسد فى البطن ، والعشرون بمنزلة العامين ]لمن اراد أن يتم الرضاعة[. فإذا أتم الرضاعة لزمته القناعة ، وصحبته الطاعة ، فالقناعة تورث الزهد ، والطاعة تورث التقوى.

    ( فزاى) الزهد زكاة ، ( وهاؤه) هداية ، ( وداله ) دلالة ، فيلازم الزكاة وهى طهارة الظاهر والباطن ، ويلازم الهداية لنفسه وللناس ، ويلازم الدلالة على الله فيدل نفسه وغيره على الله.

    ( وتاء) التقوى توكل ، ( وقافها) قرب ، ( وواوه) ورع ، ( وياؤها) يقين ، فيحصل على القناعة والطاعة والتقوى والزهد والدلالة والتوكل والقرب والورع واليقين.

    فهذه التسعة تضاف إلى تسعة وعشرين فيكون العدد ثمانية وثلاثين ويضاف إليها الإسلام والإيمان تبلغ أربعين بمنزلة أربعين ليلة التى هى الميقات]فتم ميقات ربه أرعين ليلة[.

    وبعد ذلك يكون قد تهيأ للمكالمة الإلهية التى أشار إليها السيد أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه بقوله :" غاية مكالمتك".

    وتلك المكالمة الروحية الذوقية الغيبية هى التى عليها مدار الولاية ، وهى من باب خرق العادة مما لا تصل إليه الإشارة ، ولا تومئ إليه العبارة ، أمرها مفهوم ، وسرها مكتوم ، وشربها مختوم ]ختامه مسك وفى ذلك فليتنافس المتنافسون[.



    موقف عز عن أكون نؤوم
    وكسول قد غره الدينار

    ومحب لنفسه وهواها
    شغلته عما يراد الديار




    ولقد جعلتك فى الفؤاد محدثى
    لما رآك القلب بالتقديس

    والروح مسور بخير مورث
    وأبحث جسمى من أراد جلوسى


    قال سيدى الشفاء مولانا السيد أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه :" وغاية مكالمتك " يعنى واسالك يارب غاية مكالمتك ، وهى التى بها بعلو النور والبهاء فى حضرة الأنس من وراء عالم الحس ، حيث تتلاشى الغايات بغاية المكالمة للذين يريدون وجهه ، وقد أرادهم قبل أرادتهم له ، وسبقت إليهم منه الحسنى ، قال تعالى : ]ان الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون[ أى مبعدون عن نار القطيعة فى الدنيا ، وعن نار الحميم فى الآخرة ، فقد فارقتهم إرادة ، وغشيتهم إرادة ، شغلتهم عن شواغل العبادة ، تكاثرت عليهم الآيات ، فتزاحمت فى ساحتهم الواردات ، تشتاق قلوبهم لحبيبهم إذا اشتاقت القلوب إلى أحبابها ، مروا على أهل الجنة فوجدوهم عاكفين على بابها ، فقالوا لهم ما أردنا هذا النعيم ، ولكن أردنا وجه الكريم ، فبشرهم سبحانه بقوله :]وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة [.

    فصبروا أنفسهم فأمر الحق سيدهم عليه الصلاة والسلام أن يصبر نفسه معهم ، فتشرفوا به حيث أرادتهم مع أرادته صلى اله عليه وآله وسلم]واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه[.

    قال صاحب العلم النفيس رضى الله تعالى عنه:

    وقال الله عز وجل : ]وما لأحد عنده من نعمة تجزى * الا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى[.

    استدل السيد رضى اله تعالى عنه بهذه الآيات ليفيدنا بأن الذى يريد بعمله وجه اله تعالى جزاؤه على الله أن يرضيه. لأنه أرضى الله تعالى بالإخلاص بالعمل ، فوعده الله تعالى بالرضا فى الجنة ، وبالرضا فى الدنيا بجنة المشاهدة بعد الفتح ]إذا جاء نصر اله والفتح[.

    اعلم أن الفتح بالنصر ، وأن النصر بالهداية ، وأن الهداية بالجهاد ]وجاهدوا فى اله حق جهاده[. ]والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا[. فإذا وصلت إلى الفتح فتحت لك أبواب جنة المشاهدة الثمانية: جنة المراقبة. وجنة المحاسبة. وجنة المشاهدة. وجنة التجلى. وجنة التلذذ بالذكر. وجنة الوحشة من الغير. وجنة الأنس بالله. وجنة الفناء لما سواه.

    قال البوصيرى رحمه اله تعالى :

    ودعوا أن تلكموا الدار لكم
    فادخلوها بسلام آمنينا


    قال اله تعال عن أهل الجنة : ]ادخلوها بسلام آمنين [ ، وقال تعالى : ]لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى [.

    كذا أهل الشهود الذين أماتوا أنفسهم وشهواتها فأحياهم الله ، فأمنوا موت القلوب ، لما شربوا من ماء سماء الغيوب ، ما تلاشت به عنهم الغفلة والعيوب.

    وقال تعالى : ]وما كان الله ليضيع إيمانكم[. وقال تعالى : ]صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة [.

    وقال تعالى : ]إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون[. وكما أنه سبحانه وتعالى حفظ القرآن العظيم حفظ مقره ومكانه تكرمة له ، قال تعالى : ]بل هو قرآن مجيد * فى لوح حفوظ[. وقال عليه الصلاة والسلام :" فإن النار لا تحرق قلبا وعى القرآن " فبشرى لحفظة القرآن بحفظ اله لهم ولقلوبهم لأجل القرآن.

    فهو السور المنيع ، والحصن القوى ،؟ والصاحب الوفى ، ان حفظته حفظت ، وان تلوته أثبت ، وأن علمته به نجوت ، وان دعوت إليه هديت ، وان حكمت به عدلت ، وان حكم عليك سعدت بقبول الشهادة لك إن أحسنت العشرة وراعيت الصحبة وقدست الحكمة.

    من جاهد به فقد جاهد ، ومن تدبر آياته فقد شاهد ، له السلطان القاهر ، والحجة البالغة ، وآيات الجامعة ، إذا جهلت علمك ، وإذا أظلمت نورك ، وإذا تكاسلن نهضك ، قول فصل يفصل بين الحق والباطل ، ويرد ببلاغته كل ملحد ومجادل ، ما أكثر ثمار أشجاره لا تنقطع ثمارها كلما دنوت قطفت ] إنه لقرآن كريم [.

    فكما ربيت جسمك بأنواع الثمرات الأرضية ، فلا تحرمن روحك من أنواع الثمرات السماوية ، فعرج على كل ثمراته لتحيا بها حياة أهل الذكرى.

    فإذا تدبرت آياته رأيت حكمه عليك تترى ، فتحييك كما أحيت الذين من قبلك ، قال تعالى : ]وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا[. وقال تعالى : ]وإنه لذكر لك ولقومك[.

    اعلم أن للجسد روح الحياة ، وللروح روح البينات ، فالجسد يجيا بروحه ، والروح تحيا بروحها ، والحى من جمع بين الروحين ، وروح الحياة لا كسب له فيها ، وروح القرآن له فيها كسب ولكن الأولى بعد خلق ، قال تعالى : ]فإذا سويته ونفخت فيه من روحى [.

    والثنية بعد اصطفاء قال تعالى : ]ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا[ ، وما أحسن الخلق والاصطفاء إذا اجتمعا.

    ولما أرضى سيدنا ابى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه بلابلا بن رباح الحبشى رضى الله تعالى عنه ، رضى الله تعالى عنه كمت فى الحديث الوارد.

    وقد لقب بالصديق والرفيق والعتيق لأنه أنفق ماله ابتغاء وجه الله الكريم ، فنال من اله تعالى الرضا والتكريم ، وكان بلال حينما يعذبه الكفار يقول: " أحد أحد " ولما حضرته الوفاة قيل له : نأتى إليك بطبيب؟ وهو يقول:

    غدا نلقى الأحبه
    محمدا وحزبه


    وهكذا الاحباب إذا دنت ركائبهم تذكروا أحبابهم ، وودوا ذهابهم.

    وكانت آخر كلمة قالها سيدى عبد العالى الإدريسى رضى اله تعالى عنه :" الله "ومدها فخرجت روحه الشريفة معها.

    وهكذا الأحباب لا يخرجون من الدنيا حتى تغيب عنهم الدنيا بمشاهدة محبوبهم ، قلوبهم تشكره ، ولسانهم يذكره ، قد نسوا جميع الوجوه لتعلقهم بوجه واحد ]كل شئ هالك إلا وجهه * له الحكم وإليه ترجعون[.

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الباب الثالث

    القاعدة الثالثة :" الرحمة "

    قال سيدى أحمد بن إدريس رضى اله تعالى عنه:

    أن يوطن قلبه على الرحمة لجميع المسلمين كبيرهم وصغيرهم ، ويعطيهم حق الإسلام من التعظيم والتوقير ، فإن رسخ فى هذه القاعدة واستقام فيها قلبه أفاض الله سبحانه وتعالى على سائر جسده أنوار الرحمة الإلهية ، وأذاقه حلاوتها فنال من الإرث النبوى حظا وافرا عظيما من قول الله عز وجل : ]وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين[ وهذا معنى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :" إن لله عز وجل ثلاث حرمات ، فمن حفظهن حفظ الله عليه أمر دينه ودنياه ، ومن لم يحفظهن لم يحفظ اله له شيئا : حرمة الإسلام وحرمتى وحرمة رحمى " وفى هذا المعنى قول النبى صلى اله عليه وآله وسلم لأبى بكر الصديق رضى اله تعالى عنه " لا تحقرن أحدا من المسلمين فإن صغير المسلمين عند الله كبير".

    قال صاحب العلم النفيس مولاى الشريف السيد أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه:

    " أن يوطن قلبه على الرحمة لجميع المسلمين كبيرهم وصغيرهم ويعطيهم حق الإسلام من التعظيم والتوقير".

    قال صاحب العلم الثرى سيدى صالح الجعفرى رضى اله تعالى عنه : وقد أشار النبى صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذه المعانى بقوله: " ليس منا من لم يوقر كبيرنا ، ويرحم صغيرنا ، ويعرف لعالمنا حقه ". أى ليس على سنتنا السمحاء.

    ومن يكون كذلك فله حظ وافر فى الإرث المحمدى ، قال تعالى : ]وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين[ ، وقال عليه الصلاة والسلام: " إنما بعثت رحمة ".

    فمن أراد الرحمة لنفسه فليرحم غيره ، قال عليه الصلاة والسلام: " من لا يرحم لا يرحم".

    وقد رويت هذا الحديث المسلسل بالأولية عن شيخى الشيخ على محمد إمام مسجد دنقلا المتصل إلى الشريف السيد أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه إلى نتهى السند ، وكان ذلك فى عام 1345هـ ، وأيضا قد تلقيته بإسناد آخر عن السيد عبد الحى الكتانى بالمسجد الحسينى بمصر ، وذلك فى عام 1360هـ.

    عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :" الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى ، ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء ". ومن جعل قلبه رحمة للمؤمنين فقد استجلب الرحمة الإلهية إليه ، وفتح أبوابها نحوه ، فينال من الإرث المحمدى على قدر تمكنه فى هذا المقام.

    قال تعالى فى وصفه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم :]بالمؤمنين رؤوف رحيم[ ، وعلى قدر الإرث يكون الاتصال بالموروث ، وعلى قدر الرحمة تكون المنفعة للعباد ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : " أحب الخلق إلى الله تعالى أنفعهم لعباده" فتدخله الرحمة فى مظهر اسمه تعالى " النافع " فلا يتعرض لضرر المؤمنين بوجه من الوجوه ، بل يتسبب فى جلب النفع إليهم.

    قال عليه الصلاة والسلام:" من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل " ، وقال سيدى أبو الحسن الشاذلى رضى الله تعالى عنه: " الولى فى زماننا هذا الذى ينتفع به أعداؤه يؤذونه ويدعو لهم بالخير" ، وهذه أيضا فى التراث المحمدى.

    قال البرعى رحمه الله تعالى :

    ودعوة أحمد رب اهد قومى
    فهم لا يعملون كما علمنا


    والعفو والتجاوز ومقابلة السيئة بالحسنة إنما يكون بسبب الرحمة.

    وكل من كان كذلك ينطق عليه قول سيدنا الشفاء صاحب العلم النفيس مولاى الشريف السيد أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه فى أحزابه:

    " ثم تصب ياإلهى على ذاتى فيوضات بحر محيط الرحمة الإلهية ، حتى أكون كلى رحمة إلهية فى جميع عوالمك الإطلاقية والتقيدية ، ويكون لسان رحمة ذاتى فى جميع جهات الخلق آية الرحمة الإلهية المطلقة ]ورحمتى وسعت كل شئ[.

    وسبب انصباب فيوضات بحر الرحمة الذاتية على ذاتك هو إعراضك عن لذاتك ، وتخليها عن أنا والأنانية ، بتحلى إخلاصها بصدق النية ، وانغماسها فى بحر عين الوحدة ، وبحر]إنما المؤمنون إخوة[ ، فرحمت النفس نفسها لما رحمت إخوتها ، فصارت فى حضرة الإطلاق آية الرحمة ، فنالت جزاء رحمتها بانصباب الفيوضات من بحر الرحمات.

    فاهتزت أرض جسمها وربت ، فصارت كلها رحمة إلهية وأينعت فى جميع العوالم: لاغطلاقية مع اهل الإطلاق ، والتقييدية مع أهل التقييد ، ثم يوفق لسان رحمة ذاتى من جميع جهات روحى يتلو بلسان روحى فى جميع جهات الخلق آية الرحمة الإلهية المطلقة : ]ورحمتى وسعت كل شئ [ التى عمت الإيجاد بعد العدم والرزق والعافية والذرية والآجال وتأخير العقوبات ، كل ذلك لم يدخل فى التقييد.

    وقد جهل إبليس فظن أنه يدخل فى الرحمة ، واحتج بهذه الآية على بعض العارفين ، وقد جهل إبليس أن الرحمة مطلقة ومقيدة ، فالمطلقة عمت كل شئ حتى الكافر ، والخاصة فى قوله تعالى :]فسأكتبها[.

    وقد امتن الله على الخلق مؤمنهم وكافرهم بقوله :]ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم أزواجا[ وغير ذلك فى الآيات ، وقد أشار إلى المقيدة بقوله تعالى :]وكان بالمؤمنين رحيما[.

    فمن ذهب إلى بلاد الكفار ليدعوهم إلى الإسلام ، وذهب إلى مجالس الفساق ليدعوهم إلى التوبة ، وإلى بلاد الجهال ليعلمهم أمور دينهم ، وإلى العاملين المؤمنين ليذكرهم ، فقد أخذ بالرحمتين وتخلق بالخلتين ، قال عليه الصلاة والسلام :" تخلقوا بأخلاق الله " يعنى التى يجوز للخلق أن يتخلقوا بها ، كالرحمة والعفو والكرم والرأفة والعلم والعدل والإحسان وغير ذلك.

    ]إن اله يأمر بالعدل والإحسان[ ، ]وليعفوا وليصفحوا[.

    أخرج صاحب هذه القواعد فى رسالته المسماة " روح السنة " ، وروح النفوس المطمئنة " هذه الأحاديث:

    وربما تعرضت لشرح بعض كلماتها على وفق الإلهام والمدد الإلهى فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

    فأقول بالسند المتصل على السيد أحمد بن إدريس رضى اله تعالى عنه عن رسول الله صلى اله عليه وآله وسلم انه قال:

    " والذى نفسى بيده لا يدخل الجنة إلا رحيم. قالوا : كلنا رحيم ، قال: لا ... حتى ترحم العامة ".

    قلت: وهذا ما أشرت إليك آنفا من الرحمة المطلقة التى يكون صاحبها كالبحر يروى كل من يرده.



    والجنة جنتان : معجلة وهي جنة المشاهدة الإلهية في الدنيا ، ويكون التلذذ فيها بذكر الله تعالى كما يتلذذ أهل الجنة بنعيم الجنة ، ولذلك كان r تقر عينه بالصلاة ، وللعارفين على قدر درجاتهم في الإرث المحمدي ، وجنة المشاهدة في الدنيا لها أبواب كثيرة من أجلها : أن يوطن قلبه على الرحمن لجميع المسلمين ، فإن كان من ارباب الترقي الروحي وصلت به رحمته إلى جمعية عيون الحقائق الرحموتية r فينال في ذلك على قدر أهليته ، ثم يتلو لسان رحمة ذاته من جميع جهاته في جميع جهات الخلق آية الرحمة الإلهية المطلقة ، وبلسانه الذي يتكلم به في مقام إجابة لسانه إذا ترجم عن جنانه ، وعند ذلك تقول الروح للسان : الله حسبك : (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) فيستطيع أن يتلوا من جميع جهاته في جميع جهات الخلق على طريق التراث المحمدي لمن على جميع الخلق علا وسما المشار إلى مقامه r بقول ربه تعالى : (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)

    واعلم يا أخانا في الله تعالى أن مدارك الإدراك تشبه دورة حركة الأفلاك ، فنظم مدار حركة إدراكك ، بعد تنظيم حركة دورة أفلاكك ، حتى لا ينبغي لشمس حقيقتك أن تدرك قمر شريعتك فيقع خسوف التخليط ، ولا لليل غيب سرك أن يسبق نهار روحك في الوجد والشهود

    فإذا انتظمت أفلاكك ظهرت أنوارك ، فتكون ذاتك كلها نوراً ذاتياً صرفاً من جميع الوجوه ، فتجلس روحك على منبر قدسك منورة بنور ربك ، وقد أشرقت شمس نهارك على أرض جسمك ، فتنزلت الرحمات على قلبك ، فتوطن على الرحمة لجميع المسلمين ، وصرت رحمة بين عباد الله ، ملحوظاً بعين الله ، مرحوماً برحمة الله (سيجزيهم وصفهم) (وما ربك بظلام للعبيد)

    وبالسند المتصل إلى الشريف مولاي السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه قال : وعنه r أنه قال : " يقول الله عز وجل : إن كنتم تحبون رحمتي فارحموا خلقي "

    انظر كيف جعل ربك وصول رحمته تعالى إليك متوقفاً على رحمتك لخلقه ؟! فإذا رحمت الخلق فإنما أنت في الحقيقة ترحم نفسك ، وإذا حرمتهم رحمتك فقد حرمت نفسك ، كالذي يسقى الأشجار بالماء لتثمر فينتفع بثمرها ، فهو في الظاهر يسقي الأشجار ، وفي الحقيقة إنما هو يسقي نفسه ، وإذا ترك سقيها فقد ترك مصلحة نفسه ورحمته إياها

    وبالسند المتصل إلى سيدي الشريف مولاي السيد أحمد بن إرديس رضي الله تعالى عنه أنه قال : وعنه r أنه قال : " ليس منا من لم يبجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه " أيش تبجيل الكبير ؟ احترامه وتوقيره لكبر سنه ، وذلك من عادة الأشراف والعرب إلى يومنا هذا ، ورحمة الصغير : الشفقة والعطف عليه لضعفه وصغر سنه وعقله ، ويعرف للعالم حقه من الإرث المحمدي ، قال عليه الصلاة والسلام : " العلماء ورثة الأنبياء "

    وحق الأفضلية ن قال عليه الصلاة والسلام : " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم "

    فمعرفة حق العالم واجبة على كل مسلم ، ويجب احترامه لأجل الخلافة ، قال عليه الصلاة والسلام : رحم الله خلفائي ، قالوا : ومن خلفاؤك يا رسول الله ؟ قال : الذين يأتون من بعدي يبلغون الناس سنتي "

    والأمة بخير مادام العلماء فيها ، والأمة بخير ما وقرت علماءها واستمعت لأقوالهم وعملت بها ، قال البوصيري رحمه الله تعالى :

    كيف نخشى الضلال من بعدك . وفينا وارثوا نور هديك العلماء

    وبالسند المتصل إلى صاحب العلم النفيس رضي الله تعالى عنه أنه قال : وعنه r أنه قال : " من سره أن يقيه الله من فور جهنم يوم القيامة ويجعله في ظلله فلا يكن بالمؤمنين غليظاً وليكن بهم رحيما "

    ايش ؟ لأن الجزاء من جنس العمل ، فالذي يرحم المؤمنين في الدنيا يرحمه الله تعالى بالنجاة من عذاب جهنم ويظله تحت العرش يوم القيامة

    وبالسند المتصل إلى صاحب العلم النفيس أنه قال : وعنه r أنه قال : " إن العبد ليقف بين يدي الله تعالى فيطيل الله وقوفه حتى يصيبه من ذلك كرب شديد فيقول : يا رب ارحمني اليوم ، فيقول : هل رحمت شيئاً من خلقي من أجلي فأرحمك ؟ هات ولو عصفوراً "

    ايش ؟ كن رحيماً بخلق ربك يرحمك يوم لا ينفعك مال ولا بنون ، واعلم أن الرحمة تنفعك ولو لحيوان أو طير أو بهيمة ، لأن الله تعالى خلقهم مثل ما خلقك ، قال تعالى : (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلى أمم أمثالكم)

    قال صاحب العلم النفيس رضي الله تعالى عنه :/

    ويعطيهم حق الإسلام من التعظيم والتوقير ن فإن رسخ في هذه القاعدة واستقام فيها قلبه افاض الله سبحانه وتعالى على سائر جسده أنواره الرحمة الإلهية وأذاقه حلاوتها ، فنال من الإرث النبوي حظاً وافراً عظيماً من قول الله عز وجل : (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وهذا معنى قول رسول الله r : " إن لله ثلاث حرمات فمن حفظهن حفظ الله عليه أمر دينه ودنياه ، ومن لم يحفظهن لم يحفظ الله له شيئاً : حرمة الإسلام وحرمتي وحرمة رحمي "

    وفي هذا المعنى قول النبي r لأبي بكر رضي الله تعالى عنه : " لا تحقرن أحداً من المسلمين فإن صغير المسلمين عند الله كبير "

    الحرمات : الحقوق ، فمعنى حرمة الإسلام : أي ما يطلبه الإسلام من المسلم ، وهي أمور كثيرة لا يكمل الإسلام إلا بها كقوله r : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " وكقوله r : " المسلم أخو المسلم " وكقوله r : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " وكقوله r : " أمرت أن اقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا غله إلا الله وأني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله " وكقوله تعالى : (بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان)

    وبالجملة : فمن راعى ما وجب في الإسلام ففعل ، وما حرم فترك ، فقد عظم حرمة الإسلام ، ويدخل في قوله r : " احفظ الله يحفظك " ومن لم يكن كذلك فلم يعظم حرمة الإسلام وحينئذ فمن أضاع فجزاؤه الضياع

    وفي الحديث : تدعو الصلاة على من اضاع وقتها فتقول : ضيعك الله كما ضيعتني "

    وحرمة النبي r : حقه الذي أوجبه الله تعالى علينا ، كطاعته في قوله وفعله ، واحترامه وتوقيره وتكريمه ، والاعتراف بفضله وشفاعته ، وجاهه ورفع ذكره وعلو درجته ، وأنه موصوف منذ خلقه الله تعالى بالزيادة في الإيمان والعلوم والأنوار والدرجات والبركات والأسرار والنفحات والخيرات

    وكذلك يكون بعد أن لحق بالرفيق الأعلى أعلى مقاماً وأجل إكراماً وأوسع علماً وإدراكاً وكشفاً وشهوداً وسماعاً ورداً للسلام ، ولا يجوز لمؤمن أن يعتقد فيه غير ذلك ، أو أنه قد مات كموت الخلق ، بل أحياه الله تعالى بعد موته بحياة تفوق حياة النبيين والمرسلين عليه وعليهم الصلاة والسلام ، وحياة الشهداء ، وحياة الملائكة الكرام ، وحياة الأحياء من أهل الدنيا

    ويجب عليك أن تحبه r أكثر من نفسك ، وأن تصلي وتسلم عليه ، وأن تزور روضته الشريفة لتحظى برد سلامه r عليك ، وتحصل لك بركته r وبركة نظره إليك ودعائه لك

    وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل أهل بيت النبوة رضي الله تعالى عنهم . ومن أعظم الصلة لهم زيارتهم بعد مماتهم ، والتسليم عليهم والترضي عنهم

    " لا تحقرن أحداً من المسلمين " احتقار المسلم هو الازدراء به والتكبر عليه ، قال عليه الصلاة والسلام : " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم "

    وقد نادى الله تعالى في القرآن عباده بما يدل على الأخوة والمساواة فقال : يا عبادي . يا بني آدم . يا أيها الناس يا أيها الذين آمنوا

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الباب الرابع

    القاعدة الرابعة : مكارم الأخلاق

    قال سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه :

    مكارم الأخلاق التي بعث رسول الله r لتمامها ، وهو قول النبي r " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " وهذه القاعدة هي زبدة الدين ، وحقيقتها أن يكون العبد هينا لينا مع أهل بيته وعبده ومع جميع الخلق ، قال رسول الله r : " أهل الجنة كل هين لين سهل قريب ، وأهل النار كل شديد قبعثري " قالوا وما قبعثري يا رسول الله ؟ قال : الشديد على الأهل ، الشديد على الصاحب ، الشديد على العشيرة

    وقال مولانا العظيم : (وقولوا للناس حسنا) أي لا قبحاً ، وقال عز وجل : (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) والأحسن هو الذي جمع الحسن وزيادة

    وبالجملة فالذي تحب أن يواجهك الناس به من الكلام الطيب والقول الحسن والفعل الجميل فافعله مع خلق الله تعالى ، وما تكره أن يعاملك العباد به من الكلام الخبيث والقول القبيح والفعل الكريه فاتركه ، فإن الله يعامل العبد بوصفه وخلقه الذي يعامل الخلق به ، فإن المجازاة على الوصف بالوصف (سيجزيهم وصفهم) (جزاء وفاقا) فمن كان للخلق جنة ورحمة وظلا ظليلا يستريحون فيه كان الله له كذلك ، فمن أكرم عبدا لمراعاة سيده فإنما أكرم السيد ، وكذلك جاء في الحديث عن الله عز وجل أنه يقول للعبد يوم القيامة : جعت فلم تطعمني واستسقيتك فلم تسقني ، ومرضت فلم تعدني . فيقول العبد : كيف تجوع وأنت رب العالمين ؟ وكيف تمرض وأنت رب العالمين . وكيف تستسقي وأنت رب العالمين ؟! فيقول له سبحانه وتعالى مفسراً لذلك : أما إنه مرض عبدي فلان فلو عدته لوجدتني عنده ، وجاع عبدي فلان ، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي ، واستسقاك عبدي فلان ، أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي . مفسراً سبحانه نفسه في قوله : جعت ومرض واستسقيت بقول : جاع عبدي فلان ، ومرض عبدي فلان ، واستسقاك عبدي فلان . فمعاملة العبد لملاحظة سيده هي معاملة السيد بلا شك

    فمن رسخ قدمه في هذا المقام صارت معاملته مع الحق جل جلاله في كل شئ فلا يراقب غير الله تعالى

    ومجمع مكارم الأخلاق مع الله تعالى ومع عباده قول النبي r " أكرموا الله أن يرى منكم ما نهاكم عنه " وهو أن لا يراك سبحانه حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك

    والأمر الذي يبعث العبد على الحياء من الله تعالى هو أن يعلم علم حضور أن الله على كل شئ رقيب ، وعلى كل شئ شهيد ، وهو قوله تعالى : (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) فإذا شغل العبد قلبه بهذه المراقبة واستعملها حتى اعتادها وألفها لزمه الحياء من الله تعالى أن يقول قولا أو يفعل فعلاً لا يرضاه الله ولا يليق بجلاله وهو حاضر القلب (وهو معكم أينما كنتم) فإن الله تعالى معه وناظر إليه

    فإن العبد إذا أراد أن يزني مثلاً أو يسرق والناس ناظرون إليه لا يقدر أن يقدم على ذلك مع علمه بنظر الناس إليه ، فإنه يستقبح ذلك من نفسه ويستخبثه ، فإذا كان الحال هكذا مع المخلوق الذي لا يملك ضراً ولا نفعاً ، والحامل له على ذلك كله مخافة أن يسقط من أعين الناس ويحط قدره عندهم ، ولا شك أنه إذا كان حاضر القلب عند الشروع في الفعل الذي لا يرضاه الله تعالى ترك ذلك الفعل قطعاً ، وهذا معنى قول النبي r في الإحسان " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك "

    فمن كان بهذه الحالة لزمه أن يحسن تلك العبادة ويتقنها على قدر قوة علمه أن الله ناظر إليه . وبالله التوفيق

    وصلى الله على مولانا محمد وآله وسلم في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله

    قال بحر العلوم الغوالي والد السيد عبد العالي الشريف مولاي السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه :

    " مكارم الأخلاق التي بعث رسول الله r لتمامها وهو قول النبي r : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق "

    ايش ؟ اعلم أيها الإنسان الذي أنس بأورادنا ، وصار من أولادنا ، وروحه من روحنا ودنا وملأ قلبه بودنا ، وإن تناءت بلادنا ، أ، لهذا الحديث معنى أعز معنى وهو أنه عليه الصلاة والسلام أول من نبأ عن الحق سبحانه فهو أساس مكارم الأخلاق بنبوته والمتمم لها ببعثته

    وهو أول من عرف الحق بالحق ، وأول مظهر للقدرة والإرادة ، فهو أول المفاض عليهم وآخر الموحي إليهم

    فهو r فاتحة الموجودات ، ومجمع بحري الحقائق الأزليات والأبديات ، (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) النبوات والولايات في أزليات (ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم) ، وفي أبديات : (لقد جاءكم رسول من أنفسكم)

    فهو r متمم النبوءات في عالم (لتؤمنن به ولتنصرنه) ومتمم مكارم الأخلاق في عالم (قم فأنذر وربك فكبر)

    وفي عالم الأتباع المحمدي منزلة منزلة على سبيل (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)

    مكارم الأخلاق

    جاء r بمكارم الأخلاق التي أبدلت الظلمة نوراً ، والشرك توحيداً ، وحولت الجهالة علماً ، والعداوة صلحاً ، فصار الناس في عدالة بعد ظلم . وقوة بعد ضعف . وعلم بعد جهل . وكرم بعد بخل . وتواصل بعد تقاطع . وشجاعة بعد جبن . وجهاد بعد استسلام . وعزة بعد ذلة . وتعاون بعد تخاذل . واجتماع بعد افتراق . وائتلاف بعد تنافر . وشعور بعد لا شعور . وإحساس بعد لا إحساس . وحياة بعد موت . ونور بعد ظلمة . (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس)

    فغرس r في قلوب المؤمنين شجرة طيبة ثمارها التواضع والسخاء والعفة والوفاء ، يتواضع أميرهم لفقيرهم ، ويوقر صغيرهم كبيرهم ، ويرحم كبيرهم صغيرهم ، الملهوف بينهم يغاث ، والمريض يعاد والميت تشيع جنازته ، والسائل لا ينهر ، واليتيم لا يقهر ، والأمانة لا تضيع

    والعالم يسمع قوله ويعرف حقه ، والقرآن يكتب ، والعلم يطلب ، والحقوق موفورة ، والمساحد معمورة ، هاجرين قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال ، أمرهم شورى بينهم ، ولم يختل في شعوبهم أمنهم ، كل ذلك من مكارم الأخلاق التي جاء بها r

    واعلم بأن من أجل أخلاقك . دخولك في حضرة خلاقك وسبحك في عالم المكارم والتكريم . حتى يضئ بذكرك الليل البهيم جادا في أمورك على المنهاج القويم . جانياً من غرس المكارم النبوية ثمارها . راداً من نفسك شيطانها وعارها ، جالساً على كرسي " واجمع بيني وبينه " زائراً كالسبع ن رافعاً لراياتك السبع ، متقلداً سيف (جاء الحق وزهق الباطل) ، متوكلاً على ربك فلا يتعرض لك في طريقك إنس ولا جن إلا أعدمته بسيفك . متلقياً درر معاني جواهر نفائس غوالي العلوم والمعلومات . من فيض من طارت منه رشاشات فاقتسمتها بحكم المشيئة الإلهية جميع المبدعات ، ناظراً بعيني قلبك إلى مقر قرار الفهوم والقراءات ، الذي من لوح كنهة قرأ المقربون كلهم حقية التجليات ، شجرة الأصل النورانية فلا نور إلا منها استنار سناه ، ولمعة القبضة الرحمانية التي بنضرتها تنضر كل نضر مرآة ، معدن الأسرار الربانية فلا سر إلا من سره مسراه ، فتعرض لذلك السر بكثرة الصلاة والسلام على سر الخلوة الإلهية ليلة الإسراء ، لعل قلبك مما فيه يبرا . وتتزاحم على بابه نفائس الدرر الغوالي التي عزت على غير عزيز بربه . مكين في قربه : مديم لحزبه

    قال سيدي صاحب المقال العالي أبو الشريف عبد العال سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه :

    " وهذه القاعدة هي زبدة الدين " :

    يعني قاعدة مكارم الأخلاق لأن العمل بالدين ينتج مكارم الأخلاق . فهي زبدته وثمرته وبالتجارب : الرجل التقي يوفق لمكارم الأخلاق ، وغيره يظهر منه سيئ الأخلاق

    ثم شرع السيد رضي الله تعالى عنه في بيان حقيقة مكارم الأخلاق فقال :

    " وحقيقتها أن يكون العبد هينا لينا مع أهل بيته وعبده ومع جميع الخلق "

    في العبد للكمال وهو العبد الكامل الذي وصفه السيد أحمد رضي الله تعالى عنه في أحزابه بقوله : " واجعلني يا رب لك عبداً محضاً عبودية خالصة لا رائحة ربوبية يها على أحد من خلقك "

    وإذا كان كذلك كان هينا لينا متواضعاً في غير ضياع حق ولا انتصار لباطل ولا جبن أمام ظالم

    والحديث : " وخالق الناس بخلق حسن " والخلق الحسن يشمل القول والفعل ن فمن عامل الخلق بالخلق الحسن فقد عاملهم بمكارم الأخلاق

    وفي هذا البيت الأخير إشارة إلى ما روي لي عن السيد مصطفى الإدريسي رضي الله تعالى عنه : أكرم جدي السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه بمكة غاية الأكرام

    وفي بعض الأحيان كان سيدي يتمثل بحديث الرسول r الذي قاله لسيدنا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه لما جهز جيش العسرة ، والذي جاء بمعناه العارف بالله سيدي سر الختم الميرغني رضي الله تعالى عنه بقوله :

    لا يخف عثمان شيئاً بعد ذا غفر الله له ما اكتسبا

    والحديث هو : " ما ضر عثمان ذنب بعد اليوم "

    قال صاحب العلم النفيس رضي الله تعالى عنه مستدلاً بالحديث الآتي على ما قدمه من أن المؤمن يكون هيناً لينا :

    قال r :

    " أهل الجنة كل هين لين سهل قريب ، وأهل النار كل شديد قبعثري . قالوا : وما قبعثري يا رسول الله ؟ قال : الشديد على الأهل ، الشديد على الصاحب ، الشديد على العشيرة "

    يصف النبي r أهل الجنة بقوله " هين لين سهل قريب " وذلك بالمؤمنين كما قال تعالى : (رحماء بينهم) فالمؤمن من يكون مع أخيه المؤمن هيناً ليس صعباً قاسيا ً، سهلاً ليس وعراً ، قريب الرضا ليس ببعيدة

    وفي الحديث : " المؤمن هين لين سريع الغضب قريب الرضا " فالمؤمن حقاً يعمل بقوله تعالى : (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس) وبقوله تعالى (وإذا ما غضبوا هم يغفرون) وبقوله تعالى : (ويدرأون بالحسنة السيئة) يعني من قدم إليهم سيئة قدموا إليه حسنة ، وهذه الصفة من أجل مكارم الأخلاق ، وقد وعد الله فاعلها بأن عدوه يكون بعد العداوة ناصراً له محباً حباً عظيماً ، فتلك مكافأة معجلة في الدنيا للذين يتصفون بهذه الصفة الكريمة

    الألفة سبيل التحابب

    وفي الحديث قال عليه الصلاة والسلام : " المؤمن من يألف ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف " ، وقال تعالى : (وألف بين قلوبهم)

    فالألفة التي بين قلوب المؤمنين منة من أعظم المنن ونعمة من أجل النعم ؛ إذ بها يحصل التحابب والتعاون والتآزر ، فلا يسمح المؤمن بضرر أخيه ومقاطعته واستسلامه لعدوه ، بل يكون له أخاً ، كريماً لا لئيماً ، مساعداً لا معانداً ، مواصلاً لا مقاطعاً ، محققاً قول الحق سبحانه : فأصبحتم بنعمته إخواناً

    وقد وصف r أهل النار بالشدة على الأهل والصاحب والعشيرة ، وفي الحديث : " والمنافق إذا خاصم فجر "

    فلا تكن شديداً على أهلك فيبغضوك ، ولا على أصحابك فيهجروك ، ولا على العشيرة فيبدلون العشرة قطيعة لك

    وقد قال تعالى : (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار) فوصف الله سبحانه أهل النار بالتخاصم وهم في النار ، ووصف أهل الجنة بالإخلاص والأخوة في الجنة فقال سبحانه (ونزعنا ما في صدروهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) فأهل النار أهل تباغض وتقاطع في الدنيا والآخرة ، وأهل الجنة أهل توادد وتحابب في الدنيا والآخرة ، قال عليه الصلاة والسالم : " أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة "

    قال مولانا الشريف السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه :

    " وقال الله تعالى : (وقولوا للناس حسنا) أي لا قبحا وقال عز وجل : (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن)

    والأحسن هو الذي جمع الحسن وزيادة : بفضل الفتاح المتعال : اللهم ارزقني صواب المقال : لما خلق الله الإنسان في أحسن تقويم كما قال تعالى : (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) ناسب بأن يأمره بأن يقول أحسن القول ن وقد قال سبحانه في وصف الحمار حينما نهى عن التشبه به : (إن أنكر الأصوات لصوت الحمير) فالذي خلقه الله في أحسن تقويم يقول التي هي أحسن للذي خلق في أحسن تقويم ، وذلك يتناسب أيضاً مع التكريم ، قال تعالى : (ولقد كرمنا بني آدم) ومن تكريمه أن يقول التي هي أحسن وأن يقال له مثلها ، ومن تكريمه تحريم سبه ولعنه ، وغيبته وقتله واحتقاره ، والهمز واللمز له ، والظن فيه والقدح والشماتة والنميمة والفضيحة ، وإضاعة الفاحشة والإفك عليه والبهتان ، وقذفه وحسده والحقد عليه والضغينة ، وضياع حقه وانتقاص قدره ، وغشه وغدره والكذب عليه ، وبخسه وبخس ما ينسب إليه ، ووصف باللقب المسئ ، ونهره وزجره وضربه ن والمكر به والبغي عليه والكيد له وسحره ، وتخويفه وإدخال الحزن عليه ، وقطع الطريق عليه ، ومنعه الماء والهواء والظل ، ومنعه الطعام والشراب ، ومنعه الصلاة والزكاة والحج والعبادة لأن الله تعالى قد كرمه وحفظ عليه التكريم بالإيمان والإسلام

    وأما الكافر فقد أضاع تكريمه بالكرف قال تعالى : (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل)

    والجهر بالسوء من القول مبغوض عند الله مبغوض عند الملائكة ، قال تعالى (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) فلا تقولن قولا لا يحبه الله تعالى ، وقد ورد في الحديث أنه r أخرج لسانه الشريف وقبض عليه وقال : " أمسك عليك هذا " فقال السائل : أفنؤاخذ بما نقول ؟ قال عليه الصلاة والسلام : " ثكلتك أمك وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ، وقال عليه الصلاة والسلام : " من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فخذيه ضمنت له الجنة "

    فمن فكر في هذه الآيات الكريمة وتلك الأحاديث الصحيحة حافظ على لسانه تمام المحافظة لا سيما بعد أن علم أن الملك يكتب عليه كل كلمة يقولها ، قال تعالى : (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) وقال تعالى : (مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : الكبيرة : الضحك ، والصغيرة : التبسم

    قال سيدنا الشريف السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه :

    " وبالجملة فالذي تحب أن يواجهك الناس به من الكلام الطيب والقول الحسن والفعل الجميل فافعله مع خلق الله ، وما تكره أن يعاملك العباد به من الكلام الخبيث والقول القبيح والفعل الكريه فاترك الناس والخلق منه "

    عنه : أشار بهذا القول إلى ما قاله سيدنا على كرم الله وجهه لابنه سيدنا الحسين رضي الله تعالى عنه : " يا بني اجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك : أحبب لغيرك ما تحب لنفسك واكره له ما تكره لها "

    قال عليه الصلاة والسلام : " المسلم أخو المسلم " ، وحينئذ فلا ينبغي للأخ أن يعامل أخاه بالمعاملة التي يكرهها لنفسه ، لأن أخوة الإيمان ارتباط باطني عظيم أقوى من ارتباط الأنساب ، وانظر إلى قوله تعالى : (ولا تلمزوا أنفسكم) وهل الإنسان يلمز نفسه ؟ ولكن لشدة الاتصال الأخوى يجعل القرآن الذي يلمز لأخيه المسلم كأنه لمز نفسه ، وقال عليه الصلاة والسلام : " الناس سواسية كأسنان المشط " ، وكيف يكون الأمر كذلك إذا عامل المسلم أخاه المسلم بما يكره أو أسمعه ما يكره

    قال

    أسمع لغيرك ما يرضيك مسمعه

    ولا تفه بقبيح القول للناس

    النفس ميزان ما يرضيك من أحد

    أو كان يغضبها من منطق قاسي

    فاجعل لغيرك ما يرضيك يرض به

    وما يسئ فلا تذكره للناس

    واسمع نصيحة بن إدريس سيدنا

    نعم النصيحة في قلب وقرطاس

    قال صاحب العلم النفيس الشريف السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه :

    " إن الله تعالى يعامل العبد بوصفه وخلقه الذي عامل الخلق به ، فإن المجازاة على الوصف بالوصف (سيجزيهم وصفهم) (جزاءا وفاقا)

    وكلام السيد هذا يشبه كلام سيدي محيي الدين ابن عربي رضي الله تعالى عنه : " معاملتك للخلق معاملة الحق لك "

    يعني أن الحق سبحانه يعاملك من جنس معاملتك لخلقه ، وقد استدل سيدي أحمد رضي الله تعالى عنه بهذه الآية (سيجزيهم وصفهم)

    وجعل المجازاة في الآية عامة في الدنيا والآخرة ، لأن المحسن له الجنة في الآخرة ، وله البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، قال تعالى : (لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة) ، وقال تعالى : (فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم) ، والفوز العظيم في الدنيا والآخرة ، وأي فوز أعظم من التوحيد ومن مشاهدة رسول الله r ؟

    قال سيدي الشيخ صالح الجعفري رضي الله تعالى عنه : وللمناسبة أذكر شيئاً من هذا فأقول والله حسبي ونعم الوكيل : مشاهدة الصحابة رضي الله تعالى عنهم لرسول الله r كانت بالبصر ، وبعد أن لحق r بالرفيق الأعلى كانت بالقلب عن سابق رؤية ، ولعامة المؤمنين إلى يوم القيامة عن سماع أوصافه r ، فارتقت الروح وصفت ووصلت إلى مشاهدة حقيقية ، فهو r مشاهد للأولين والآخرين ، ومحبوب للأولين والآخرين ، فهو r محبوب العوالم العلوية والسفلية ن وقد استدل سيدي أحمد رضي الله عنه على أن الجزاء من الله تعالى يكون وفق عمل الإنسان ، فاستدل بقوله تعالى : (جزاءاً وفاقا)

    قال الشريف ابن إدريس رضي الله تعالى عنه :

    " فمن كان للخلق جنة ورحمة وظلا ظليلاً يستريحون فيه كان الله له كذلك ، فمن أكرم عبداً مراعاة لسيده فإنما أكرم السيد ، ولذلك جاء في الحديث عن الله عز وجل أنه يقول للعبد يوم القيامة : " جعت فلم تطعمني ، واستسقيتك فلم تسقني ، ومرضت فلم تعدني ، فيقول العبد : كيف تجوع وأنت رب العالمين ؟ وكيف تمرض وأنت رب العالمين ؟ وكيف تستسقيني وأنت رب العالمين ؟ فيقول له سبحانه وتعالى مفسراً له ذلك : أما إنه مرض عبدي فلان فلو عدته لوجدتني عنده ، وجاع عبدي فلان أما إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي "

    قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى : " الزهد ثلاثة أوجه : اترك الحرام وهو زهد العوام ن وترك فضول الحلال وهو زهد الخواص ، والإعراض عما يشغل عن الله وهو زهد العارفين "

    وقال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى : " الزهد ثلاثة أحرف : زاي وهاء ودال ، إشارة إلى الإعراض عن زينة الدنيا وعن الهوى وعن الدعاوي "

    تفسير صوفي لكلمة زاهد

    :

    الزهد ثلاثة أحرف كل حرف يشير إلى سبع صفات وهي :

    الزاي : تشير إلى سبع صفات وهي :

    زينة القلب بالحكم والمعارف

    زهوق الباطل وخيالات الدنيا وما فيها (وقل جاء الحق وزهق الباطل)

    (زلفى وحسن مآب) في الدنيا والآخرة

    زيادة الهدى (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى) اهتدوا إلى أن الله حق ، وأن الآخرة باقية ، وأن الدنيا فانية

    زوال حب الدنيا عن قلوبهم لما علموا أنها جيفة وطلابها كلاب

    زجر القلب النفس عن توجهها إلى حطام الدنيا ولذاتها

    زيه بزي الصالحين من أهل التقى والفلاح والدين

    والهاء : تشير إلى سبع صفات وهي :

    هدايته على سبل الله الموصلة إلى حظيرة قدسه

    هباته الباقيات الصالحات لما زهد في الصور الفانيات

    هجرته للذات لما هجر اللذات

    هيمانه بحب الله عن كل شئ لاه

    هيونته بعد قسوته

    همه الآخرة وما فيها بعد زهده في الدنيا وما فيها

    هبوطه إلى أرض التواضع (إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون)

    (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا)

    دعاؤه المستجاب لكونه صار من الأحباب

    وللدال : سبع صفات وهي :

    دلالته على الله تعالى لما غاب عن نفسه الفانية

    ديدته داوم ذكر الله تعالى لأ، الدنيا تشغل من تعلق بها عن ذكر ربه سبحانه

    دعواه حمد الله تعالى لما يرى غيره من المغترين المغرورين

    دوام التوجه إلى الله تعالى مع التلذذ بمناجاته وتلاوة ذكره الحكيم

    دنوه من حضرة التقديس بكثرة الذكر الذي هو منشور الولاية

    دخوله حضرة القرب الإلهي ووقوفه عند السماع العام الذي يدرك بالأذواق ما اللحظة فيه خير من ألف عام

    فهذه إحدى وعشرون من ضرب سبعة في ثلاثة بقدر عدد الواجب والجائز لله تعالى ن فمن تحقق بالصفات المتقدمة وهي الإحدى والعشرون جاز له أن يدخل حضرة القدس التي هي حضرة الله عز وجل الذي له عشرون صفة واجبة وصفة جائزة



    إحدى وعشرون صفات الزهد

    لمن يريد حضرة للماجد

    فيكسى ثوب التقوى . وثوب القبول . وثوب الوقاية . وثوب التوفيق . وثوب الطمأنينة . وثوب السكينة . وثوب العفة . وثوب القناعة . وثوب الحلم . وثوب العلم . وثوب الهيبة . وثوب الأوبة . وثوب السلام . وثوب الإيمان . وثوب الهداية . وثوب الولاية . وثوب المشاهدة . وثوب المجاهدة . وثوب الحب . وثوب القرب . وثوب الإكبار ز وثوب الأنوار . وثوب الكمال . وثوب الوصال . وثوب التجمل . وثوب التحمل . وثوب النصر ز وثوب اليسر . وثوب حسن الخاتمة . فهذه تسعة وعشرون تضاف إلى الصفات المتقدمة وهي إحدى وعشرون فيكون المجموع خمسين صفة بعدد صفات الله تعالى الواجبة والجائزة والمستحيلة وعدد صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام الواجبة والمستحيلة والجائزة .

    وبذلك يكون قد جمع بين الشريعة والحقيقة ويكون مكملاً كمالاً إلهياً محمدياً من جميع الوجوه

    ثم يرجع إلى أرض الطبع التركيبي مع مباشرة الأسباب . أو مع التجريد شيخاً معلماً . أو أستاذاً مرشداً في مقام البسط . أو في مقام القبض . أو في مقام الحب ز أو في مقام الجذب . أو في عزلة عن الناس . في جوف غار . أو رأس طود . أو على ساحل بحر . أو في وطنه . أو في غربة . أو في صحو . أو سكر . أو محو . أو فناء . أو بقاء . أو فرح . أو بكاء . أو وجد . أو شوق . أو تلذذ . أو سماع . أو سياحة . أو شعث . أو نضرة . أو فكرة . أو حضرة . أو جلوة . أو عشق . أو هيام . أو فطر . أو صيام . أو ناطقاً . أو صامتاً . أو مطرقاً . أو شاخصاً . أو بالمطاف كل عام . أو بمنى يوم الجمار . أو بعرفات مع الأخيار . أو بين المروة والصفا . أو في زيارة النبي المصطفى r . أو في المواجهة عند الروضة النبوية . أو في مشاهدة خير البرية . أو في الترقي إلى العوالم العلوية . أو في مشاهدة الحضرة الإلهية .

    فهذه تسعة وأربعون إلى الخمسين المتقدمة تكون تسعة وتسعين بعدد أسماء الله الحسنى وعند ذلك ينال المقام الأسمى

    أيها المريد افعل الخير مع الخلق لأجل الخالق

    فتخلق أيها الأخ الكريم بذلك الخلق العظيم . أطعم الجائع . اسق الظمآن . اكس العريان عند المريض . فرج عن المكروب . اقض حوائج ذي الحاجات . وافعل الخير مع خلق الله لأجل الله تجد ربك وربهم عندهم ، فمن راعى مخلوقاً لأجل خالقه فقد راعى الخالق سبحانه

    أسأل الله تعالى أن يوفقنا أجمعين إلى العمل بهذه الأقوال في جميع الأحوال حتى تكون صفاتنا كاملة مكملة من جميع الوجوه

    قال صاحب العلم النفيس مولاي الشريف السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه

    " فمن رسخ قدمه في هذا المقام صارت معاملته مع الحق جل جلاله في كل شئ فلا يراقب غير الله تعالى "

    : لقد أجاد السيد وأفاد . وللجهالة قد اباد . كيف يراقب العبد . وقد جد السير ز فلا سير ولا غير ز قد اباد . كيف يراقب العبد . وقد جد السير . فلا سير ولا غير . قد فارق الحنادس . ولهو المجالس . وغاب عن الأغيار . وما غاب عن فعل الأخيار . تسوقه إلى الخير أقدامه . ويدعوه إلى الهدى إقدامه

    ويقول

    خدمت ربي وقفت على أقدامي

    حتى رأيت ملوك العشق خدامي

    لكعبة الحسن تجريدي واحرامي

    يومي كعامي وكالأيام أعوامي

    شاهدت حقا وقد فسرت أحلامي

    نشرب في موكب العشاق أعلامي

    فأين الغير ؟ وأين أنا ؟ وأين الأين ؟ وأين الحجاب والبين ؟ وشتان ما بين ناظر بالقلب وناظر العين . وهل صاحب التجلي عن الحضرة يولي ؟ أم لغير المتجلي يشاهد ويعامل ؟ هذا حقاً هو الولي الكامل . وايش يعمل بالغير بعد أن لا غير ؟ فإن ترك محبة الغير فلا ضير إذ هو في غياهب الأنوار . وتنزلات غيوث الأسرار . لاح له من جانب الغور لائح . وفاح له من حضرة الحب فائح . وجرت له في بحار الحب الجواري كالأعلام . تحمل موائد الحب لأرواح التجريد والإحرام

    قال صاحب العلم النفيس الشريف سيدي أبو العباس العرائشي مولاي السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه :

    وجمع مكارم الأخلاق مع الله تعالى ومع عباده قول النبي r : " أكرموا الله أن يرى منكم ما نهاكم عنه وهو أن لا يراك سيحانه حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك "

    معنى أكرموا الله أي استحيوا من الله ، لأن الحياء من الإيمان ، وأعلاه الحياء من الله عز وجل ، وهو يبعث الإنسان على فعل الواجبات ، فلا يفقده الحق حيث أمره ن أي لا يراه تاركاً للواجبات ، وأيضاً يبعث الإنسان على البعد عن المعاصي فلا يراه ربه يفعل فعلاً أو يقول قولاً نهاه عنه سبحانه

    وإذا كان كذلك فقد اتصف بأعلى اصواف الحياء

    ويتفرع من ذلك أ، لا يترك شيئاً أوجبه الله تعالى عليه لخلقه ، ولا يقدم إليهم شيئاً نهاه الله تعالى أن يقدمه إليهم ، قال عليه الصلاة والسلام : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده "

    قال سيدي الشفاء سلالة خاتم الأنبياء r بحر العلوم ونبراس الفهوم الشريف السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه :

    " والأمر الذي يبعث العبد على هذه الأمور هو الحياء من الله تعالى ، وهو أن يعلم علم حضور أن الله عز وجل على كل شئ رقيب ، وعلى كل شئ شهيد ، وهو قول الله تعالى : (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه)

    : أشار السيد رضي الله تعالى عنه إلى أن أسباب الحياء المراقبة والمشاهدة وهما مظهران لاسميه تعالى الرقيب والشهيد

    فمن علم أن الله تعالى يرقبه راقبه . ومن علم أن الله تعالى شهيد عليه شاهده . فمن شاهده فله الشهيد . وكان ممن أوفى بالعهد . ومن لم يشاهده كان كالبهائم . لا يخشى لومة لائم . في فعل الآثار والجرائم . ومن أيقن أن الله يعلم ما في نفسه ز خرج من عوالم نفسه وشهوات عالم حسه . إلى عوالم أنسه

    وقد أخبر السيد رضي الله تعالى عنه بفوائد الحياء وأسبابه فقال :

    " فإذا أشغل العبد قلبه بهذه المراقبة ، واستعمله فيها ، وألزمه إياها حتى اعتادها وألفها ، لزمه الحياء من الله تعالى أن يقول قولاً أو يفعل فعلاً لا يرضاه الله ولا يليق بجلاله وهو حاضر القلب (وهم معكم أين ما كنتم) ، فإن الله تعالى معه وناظر إليه ن فإن العبد إذا أراد أن يزني مثلاً أو يسرق والناس ناظروا إليه لا يقدر أن يقدم على ذلك مع علمه بنظر الناس إليه فإنه يستقبح ذلك من نفسه ويستخبثه ، فإذا كان الحال هكذا مع المخلوق الذي لا يملك ضراً ولا نفعاً ن والحامل له على ذلك كله مخافة أن يسقط من أعين الناس ويحط قدره عندهم

    ولا شك أنه إذا كان حاضر القلب عند الشروع في الفعل الذي لا يرضاه الله تعالى ترك ذلك الفعل قطعاً ن وهذا معنى قول النبي r في الإحسان : " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " فمن كان بهذه الحالة لزمه أن يحسن تلك العبادة ويتقنها على قدر قوة علمه أن الله ناظر إليه . وبالله التوفيق وصلى الله على مولانا محمد وعلى آله وسلم في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله "

    قال صالح الجعفري رضي الله تعالى عنه : لقد أفاد السيد رضي الله تعالى عنه وأجاد ن وأتى بما يستنير به الفؤاد ، جزاه الله تعالى عنا أحسن الجزاء ورضي عنه وأرضاه ، ولقد اشار رضي الله عنه إلى أعلى مقامات الإحسان بقوله : " وتجل لي يا غلهي بمقام الإحسان الجامع لأسرار كمال اعبد الله كأنك تراه . حتى أشاهد الحسن الذاتي الإلهي الكمالي المطلق الساري في جميع جزئيات العالم وكلياته ، فتنجذب روحي وجسمي بل كلي وسائري إلى مغناطيس الجمال الإلهي ز فأذوب فيه ولوعا وعشقاً عن كل شئ سواه ز حتى أكون عين العشق الإلهي . بل عين الحسن والجمال ز بل حتى تكون ذاتي كلها عشقاً ذاتياً وجمالاً إليها صرفاً من جميع الوجوه "

    : ومن كشف له عن الحسن الذاتي كيف يميل قلبه إلى الفئ الغيري ؟! ومن شاهد الكمال المطلق السار كيف ينظر إلى خيالات الأغيار ؟! من جذبت روحه وجسمه إلى مغناطيس الجمال ن كيف لا يتخلص من الأوهام والأوحال ؟! ومن ذات ولوعاً وعشقاً عن كل شئ سواه ، كيف لا يتلذذ بذكر مولاه ؟!

    ومن كان عين العشق الإلهي كيف لا تشتاق إليه الأكوان وتستنير بنوره القلوب والأبدان ؟! ومن كان عين الحسن والجمال كيف لا يكون ذات اتصال وتنفع بأقواله الرجال ؟! ومن كانت ذاته عشقاً ذاتياً فقد ارتقى مقاماً عليا ، ومن كانت ذاته جمالاً إليهاً كان عند ربه مرضياً ، وقد اشار السيد رضي الله تعالى عنه على مقام الحياء بقوله : " وتجل لي يا إلهي بمقام الحياء الجامع لكل خير سر قول نبيك سيدنا ومولانا محمد r : إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين "

    وهذا أشبه بقوله تعالى : (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم) يعني من كان يحب مغفرة الله تعالى وعفوه فليعف وليصفح عن عباده . ويؤخذ من هذا أن الله يحب المتصفين بصفات الكمال ويتجلي عليهم بمثلها (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) ويفعل معهم مثلها ، وحقيق أن مقام الحياء جامع لكل خير ن وفي هذا إشارة إلى الحديث " فإن الحياء لا يأتي إلا بخير "

    ومن وصل إلى هذا التجلي لا يبالي بالناس ، إذ الحياء من الله تعالى يتلاشى معه الحياء من الناس ، والذين لم يكونوا كذلك إنما يستحييون من الناس ، فإن غابوا عنهم فعلوا ما شاءوا ، وأن حضروهم تركوا ما يستقبح من أجلهم ، وأما الذين حياؤهم من أجل الذي لا يغيب فهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً من القبائح ، ونور الحضرة لديهم لائح ، همهم رفع درجاتهم عنده ولو سقطوا عند غيره ، لا يبالون بالقواطع إلا عنه . ولا بالموانع إلا منه . فاتق الله ما استطعت وافتح لنفسك بالله أبواب القرب . فما فتحت على عبد إلا حاز بها أعالي الرتب . وعليك بالتمسك بالكتاب والسنة . فمن تمسك بهما فقد نال غاية المنة ز ونادته السعادة وأقبلت عليه وأتاحت له ذلولها . ودقت له في عوالهما طبولها


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    الفصل السادس : المريد الصادق

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 2:04 am

    أنف عنك ما سواه

    أنف عن نفسك ما سواه لترتقي . فما دخل الحضرة إلا القلب النقي . فإذا ظفرت بالنقاوة . ذقت لذكر ربك حلاوة . إذا بقلبك حلت . لحلاوة غير العبادة عنك جلت فإذا جلت عنك الأغيار أزيلت عن قلبك الأستار ز وهبطت عليه أنواع الأسرار ز عند كل نفس وحركة وقول وفعل . وحياك ابن الفارض رحمه الله بقوله

    ولاح سر خفي يدريه من كان مثلي

    فللشمس ضوء قبل الإشراق . وللتجلي سر قبل التلاق . فأكثر من قول لا إله إلا الله . لتعرف النفي والإثبات ز وتبدل منك الصفات بالصفات . فصفات نفسك حجاب قدسك . فمزقها بـ(لا إله إلا الله محمد رسول الله في كل لمحة ونفس عدد ما سمعه علم الله) لتكسى من صفات محمد رسول الله r

    واعلم يا أخانا في الله ، نظر الله إلينا أجمعين بألطاف أهل ولايته ، أن هذا الذكر ثقيل على النفس لنفاسته وسرعة هدايته ، ويحصل به أمران عظيمان عليهما مدار الإصلاح ، وهما عنوان الخير والفلاح :

    الأول : تمزيق الصفات النفسية . وهو أثر قولك لا إله إلا الله

    والثاني : اتصافك بالصفات المحمدية . وهو أثر قولك محمد رسول الله r ؛ لأنه باب الله تعالى الموصل إلى حضرة الحب والقرب . قال سيدي أبيض الوجه البكري رضي الله تعالى عنه :

    وأنت باب الله أي امرئ أتاه من غيرك لا يدخل

    والإتيان من هذا الباب يكون بأمرين :

    الأول : حبه r كما ينبغي

    الثاني : متابعته r في الأقوال والأفعال

    وكأني بك إذا أكثرت من هذا الذكر ستفتح لك أبواب ما خطرت لك ببال ، ولطالما بحثت عن ورد غير هذا طالباً ما حدثتك به نفسك ، ولقد دللناك على كنز لو فطنت له ، ولكنك لازلت تنظر إلى الجيفة على غير ما هي عليه ، ولو كشف ران قلبك لأبصرت ما أبصره العارفون ، ولوليت عنها إلى ما ابصرته بصيرتك ، وعلقت به سريرتك ، وعندي في أورادي ما يكل عنه تعبير لسانك ن وتفكير جنانك ، فإلى متى وبيننا المباينة ؟ أما آن لك أن تكون من أهل المعاينة ! فما دخلت لنا قلباً ولا خطرت لنا بخاطر ، ولقد فررنا منها حينما فر إليها غيرنا ، وكان فرارنا إلى الله (ففروا إلى الله)

    واعلم أن أرض طريقنا هذا لا يسقى إلا بماء الدين الخالص (ألا لله الدين الخاص) ولا يثمر شجره إلا الكلمة الطيبة التي تصل إلى السماء (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء)

    فما عبدناه سبحانه للدنيا التي هي كهشيم تذروه الرياح ، ولكن لنفحات تتنزل في المساء والصباح ، وابتغاء وجهه الكريم ، والتلذذ بقربه وحبه ومناجاته والتذلل بين يديه ، والإقبال عليه ، وشهوده شهوداً خارجاً عن المعقولات والمحسوسات والفكريات والنظريات ، فكيف اشتغلت بذكره وعبادته وما شغلك ؟.

    ويقول ابن الفارض رحمه الله تعالى :

    فأصبح لي عن كل شغل بها شغل

    يعني الحضرة الإلهية ، والتجليات الربانية ، في مقام كشف الحجاب وإزالة الأسباب . وغيبة وحضور . وفرح وحبور وصفاء ونور . في مقام الفناء لدار الغرور . وصرف القلب عن الجنات والقصور . إلى ما هو أجل وأعلى (سبح اسم ربك الأعلى) (يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون) وأي حسرة اشد من حسرة من فاته الإيمان . وغره الشيطان . وحرم من الطاعات واحتضن المخالفات . وحرم من لذة العبادة . وجعلها عنده كعادة وحرم من التخلي ز ومنع من التحلي . ولم يكن من أهل التجلي ؟! فإلى متى يا أخانا وأنت في سكرتك . مكبلاً بغفلتك . غرتك من طردناها ز وشغلتك من سلوناها ؟!

    قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه : " النفس إن لم تشغلها شغلتك " يعني إن لم يتشغلها بأوامر الله شغلتك بأوامرها وهكذا الحال . رحم الله الرجال . كيف عرفوا فأثمرت معارفهم ؟ وكيف فروا فسلمت نجائبهم ؟ وكيف كشفوا عن خفيات الأمور . لما استنارت منهم الأنفس والصدور ؟

    أيها المريد نهض نفسك بنفسك

    وابك على يومك وأمسك

    فإلى متى يا عبد الله وأنت تسمعنا سماع المستريب فيما يسمع ؟! وعندك سيوف تلمع . لو حركتها لكانت لكل القواطع عنك تقطع . كم من ليال قد نمتها فما عادت عليك إلا بما عادت ؟ وكم من أيام فيما ليس يعنيك قد أضعتها ؟ وفي ظنك أنك أضعت الليالي والأيام

    ولكنك أضعت عمرك الذي كلما مر منه يوم فليس يعود إلى يوم القيامة واراك تبكي على فلان إذا قيل مات وانقضى عمره ، ولا تبكي على عمرك وهو في كل يوم ينقص ولا يزيد ، وأخشى أن تلحق بنا مفلس الحال ، مكبل البال ، منغمساً في الاوحال ، فنهض نفسك بنفسك ، وابك على يومك وأمسك

    أيها المريد ماذا تريد

    من هذه الدنيا

    فواعجباه منك ثم واعجباه ! ماذا تريد من جيفة يؤذيك ريحها ويثقلك أكلها . ويطغيك قربها . ويعاديك أهلها ، إن أقبلت عليها شغلتك . وأن أعرضت عنها خدمتك . وإن أهنتها أكرمتك . وإن أكرمتها أهانتك ، قولها يضحك أهلها وفعلها يبكيهم ؟!

    لما كانت نعمه عليك كثيرة ، وحياتك في الدنيا زائلة وأعوامك في القبر كثيرة ، ويوم الحساب يوم طويل ، والحياة في الآخرة لا نهاية لها كان الأمر منه سبحانه موافقاً لحالك تمام الموافقة ، لأنه أمرك سبحانه بالإكثار من ذكره لا بالذكر وحده ، وحقيق أيها الإنسان إنك لفي حاجة شديدة إلى الإكثار من ذكر ربك ؛ ليكون الإكثار مدافعاً عنك أمام النقم الكثيرة والذنوب الكبيرة ، والأعوام الطويلة ، فلا تترك سلاحك وأمامك الهيجاء ، فإن مكائد الشيطان لك كثيرة ، فأعد له عدة أهل الفلاح ، وإلا يقال لك : كساع إلى الهيجاء بغير سلاح

    وقد وعد الله سبحانه الذاكرين الله تعالى كثيراً والذاكرات بالمغفرة والأجر العظيم ، فبشرى ثم طوبى للذاكرين المكثرين ، تلذذوا بذكر حبيبهم وعندهم هو عين النعيم

    وقد وعد سبحانه الذاكرين له بطمأنينة القلب في الدنيا والآخرة أيضاً ، والقلب يطمئن بذكر الله تعالى لأن الذاكر يذكره خالقه سبحانه ، فإذا ذكر القلب الخالق سبحانه ذكره الله تعالى (فاذكروني أذكركم) وإذا ذكر الرب عبده إطمأن القلب بذكر الله عبده ؛ لأنه أكبر من ذكرك لربك (ولذكر الله أكبر) لأنه به تحصل الطمأنينة للقلب ، وكأنه يشاهد ما وراء الغيب ، أناس قلوبهم مشغولة بالأرزاق ، وهو قلبه مشغول بالخلاق ، وهم يعملون للدنيا كأنهم يخلدون ، وهو يعمل للآخرة عمل من قيل لهم غدا ترحلون

    اطمأن قلبه إلى زوال الدنيا فنظر إليها وكأنها أمامه زائلة ، واطمأن إلى الجنة ونعيمها فكأنها أمامه حاضرة ماثلة ، إذا فزعت القلوب إلى بعيد ، فزع إلى من هو أقرب إليه من حبل الوريد ، وإذا خاف الناس من عاجز بالقضاء مقهور ، خاف هو ممن بيده تصاريف الأمور ، فلا المزعجات تذهب الطمأنينة إذا استقرت ، ولا الدنيا تدخل قلبه إذا أقبلت أو تولت

    متوكل على خالقه ومولاه ، واثق بما عنده عما عند سواه ، إذا بكى غيره على فإن تراه يبكي من خشية الله ، وإذا اشتاق غيره إلى الأغيار شاقه ذكر الله ، نهاره كليلة وليله كنهاره ، يزيل عن سبل سعادته ما حفت به من مكاره ، فلا تصطاده النار بمصائد الشهوات ، ولا تخدعه النفس بما لها من رغبات

    وكيف لا يكون كذلك وقد ذكره الحق سبحانه فأخذ في الأسباب فدخل حضرة الأحباب ، والأحباب لا يحبون ما يكره حبيبهم بل يكرهونه ، والأحباب يحبون ما يحب حبيبهم بل ويوقرونه

    ولما كانوا كذلك سمواً أحباباً ، وشربوا من شراب الحب أكوابا ، ذكرهم شعارهم ، وحبهم دثارهم ، جذبتهم يد العناية فهم المجذوبون واحتضنتهم الهداية فهم المهديون ، كم سهروا من ليل وكم ركبوا للجهاد من خيل ، عباد بالليل وفرسان بالنهار ، فطناء أذكياء لا يخدعهم خداع ولا تعطلهم عن جهادهم أوجاع ، لا يبالي أحدهم أشبع أم جاع ؟ أضاءوا الكون بأنوارهم ، ونفعوا الخلق بأسفارهم ، وكانوا لله في أسفارهم ، وعمرو الدنيا بأذكارهم ، لهم بالنهار جولات ، وبالليل حضرات ، رحم الله بهم عباده وهدى بهم ، وجعل الإخلاص في قلوبهم ، ذكر الله تعالى شعارهم ، والحياء دثارهم ، والتوحيد عقيدتهم ، والجهاد بغيتهم ، والإسلام دعوتهم ، والقرآن إمامهم ، والنبي r حبيبهم وقدوتهم

    حديث شريف

    وبالإجازة المباركة والسند المتصل إلى الحافظ المحدث الشريف السيد أحمد بن إدريس إلى الإمام أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله r : " حبب إلى من دنياكم ثلاث : النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة "

    قال العالم الصوفي الشيخ أحمد بن عطاء الله السكندري المالكي رحمه الله : قرة العين بالشهود على قدر المعرفة بالمشهود ، والنبي r لم تقر عينه إلا بالله تعالى ولذلك قال في الصلاة ولم يقل بالصلاة

    الشيخ صالح الجعفري رضي الله تعالى عنه : الصلاة حبيبة الأرواح ، وفيها مناجاة حبيبها وتنزلات فيوضات المناجاة والتجليات ، وهي عرس الأرواح ، ومهبط الريحان والراح ، وحق للعيون أن تقر بها ، لأن فيها القرب من ربها

    فعليك يا أخانا بالإقبال عليها فرضا ونفلا ، لتنال بها ما ناله المصلون الذين خشعوا لربهم في صلواتهم ، فنالوا من ربهم فلاح المفلحين ، وإنابة المخبتين ، أفق يا عبد الله من غفلتك ، وقدم في حياتك لآخرتك

    حكم من فضل الله تعالى

    قد من الله تعالى بها على بإلهام منه

    · ظلمت فأظلمت فهل لك أن تعمل بمنار ربك حتى يستنير قلبك ؟

    · وعدلت عن الحق فاعوج سبيلك . فهل لك أن تعدل حتى يعتدل مسيرك ؟

    · ظللت تحت ظلال جهلك . وأخلدت إلى أرض نفسك وما استظلك بظل سيفك . حتى تخلد بأرض أكلها دائم وظلها

    · ألفت راحتك . وما مددت لفقير راحتك . فلو استوت سفينتك على جودي صفا سريرتك . لوقف إحدى الوقفتين . ورجوت إحدى الحسنيين . مع الذين عرفهم ربهم فعرفوه من " ألست " فدعاهم إلى عرفات فتعارفوا بمن عرفوهم يوم أن كانوا جنوداً مجندة

    · والذين وقفوا أمام عدوهم . فاستوى عندهم سيل دماء عدوهم مع سيل دمائهم إذ بالأول معزة دينهم . وبالثاني جنة ربهم

    · فلا تمل فتمل إذ الملل من الخلل

    · فتخل لتخلو وتتحلى فما تحلى غير خال . ثبت في ميدان التجلي مع الرجال

    · فلما تجلى للقلوب الخالية عن غيره تزاحمت على حبه للعاشقين له مطامع لو أظهرها لأنكرها . ومن أجل ذلك نكروها فجلسوا على كراسي مراسي النهايات (إلى ربك منتهاها)(كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) غذاؤكم ودواؤكم وشفاؤكم (الله نزل أحسن الحديث كتابا)

    · فإذا لأن قلبك بذكر ربك فلا ريب أن يلين لك الحديد الذي هو جوارك . إن جوارحك كبستان فيه من كل الثمرات . وقرآن ربك هو عينه بما أفاد ونهى وأمر . فمن لا قرآن عنده لا حديقة له ولا ثمر فالجنة الثانية بالجنة الأولى "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا . قالوا يا رسول الله ... وما رياض الجنة ؟ قال : حلق الذكر " . (وللآخرة خير لك من الأولى)

    · جنة الخلد خير من جنة الدنيا ، لأنك تنال فيها شيئين عظيمين :

    الأول : (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة)

    الثاني : " أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا" (ورضوان من الله أكبر)

    · فإذا قمت من نومك . فقد أقامك الذي قوم قوامك . فهو الذي أحياك بعد موتك وقد كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ من منامه يقول : " الحمد لله الذي أحياني بعد مماتي وإليه النشور "

    · فهيئ نفسك لمن بيده أنفاسك . وذكره إن استطعت عند كل نفس . وخاطر وهاجس إذا هجس . فأنفاسك حراسك إذا فطنت لذلك . لأنها من آثار قدرة مالك الممالك

    · فمن العبث نسيانك لجليسك . ووحشتك من أنيسك كم جالسك وأنت تذكر . وكم آنسك وأنت لا تشعر . وربما كان ذلك بواسطة وبلا

    · كما خلقك مستقراً ومعرضاً للبلى فالروح مستقر وما سواه فان ، وكحركاتك وسكناتك والزمان . فما بقي ذكرك البقاء . وما فنى ذكرك الفناء

    · فهل وصلت حتى تتصل ؟ أم تريد أن تمد رجلك قبل الوصول ، ويدك قبل الدخول ، بل غبت وما غاب ، وتواريت بالحجاب ، وأردت الدخول من غير باب ، فكم سمعت كلامه (حتى يسمع كلام الله) ، وكم ذكرتك أيامه : (وذكرهم بأيام الله) ، فأين حل كلام منك ، وماذا نقلت أيامه عنك

    يا طويل الأمل هل تستطيع أن تطيل الأجل ، حتى تصلح العمل ؟ إذا عجزت عن تطويل أجلك ، فكن قادراً على تقصير أملك ، وجاهد نفسك وقل لا حول ولا قوة إلا بالله ، ولا تتكاسل وتتقاعد وتقول : الأمر لله

    · نعم الأمر لله ، أمرك فما امتثلت ، ونهاك فما انتهيت ، فاحكم على نفسك ببصيرتك ، ولا تعتذر بجدل قولك ، (بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره)

    · بل أنت تشهد على نفسك بما وصفها ربك . (وإنه على ذلك لشهيد) فواعجباه أتريد شاهدا بعد نفسك ؟ أم أنت مطمئن إلى ما بعد قبرك

    · لقد رجوت وما عملت . وأعرضت وما خفت (ويرجون رحمته ويخافون عذابه) فمن أين لك هذا الرجاء وأنت قد غفلت عن وحي تنزل من السماء لو رفعت راسك إليه لرفعك ؟ ولكنك أخلدت إلى الشيطان فوضعك . (ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض)

    · ما أنت إلا كالسيف في قرابة ، أما آن لك أن تظهر هذا السيف ليظهر لك نوره . وينجلي عن قلبك ديجوره فالقراب جسمك الكثيف . الذي حجب صفاء روحك اللطيف

    فلولا الغمد يمسكه لسالا

    · وأسمعك من بديع إلهامه مقالاً . فأخرج روحك بآيات ربك إلى نور ربك (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) وأضئ أرض جسمك بالعمل بكتاب ربك (وأشرقت الأرض بنور ربها)


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    المعاني الرقيقة

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 2:09 am

    الفصل الاول : ماء الغيب

    الفصل الثاني : تجلي الحق

    الفصل الثالث : السر

    الفصل الرابع : الهمة

    الفصل الخامس : الله




    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    الفصل الاول : ماء الغيب

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 2:10 am

    بسم الله الرحمن الرحيم
    سئل سيدى أحمد بن إدريس رضى الله عنه عن معنى هذه الأبيات :

    توضأ بماء الغيب إن كنت ذا سر

    ولا تيم بالصعيد وبالصخر

    وقدم إماما كنت أنت أمامة

    وصل صلاة الفجر فى أول العصر

    فهذى صلاة العارفين بربهم

    فإن صلاة العارفين بربهم

    فإن كنت منهم فانضج البر بالبحر

    فقال رضى الله تعالى عنه : هذه الأبيات للشيخ الجنيد رضى الله تعالى عنه , ثم قال : توضأ بماء الغيب

    معناه :

    تطهر بطهارة التجلى الإلهى ؛ لأن الماء متجا فيه الحق باسمه المحى فلذلك يجد المتوضئ أثر الحياه عاجلا من النشاط فى أعضائه فهو يقول كن حيا بحياه الله فان الغيب هو الله تعالى لكونه عند الخالق غيبا لا يشهدونه ومن شهد منهم فلا إحاطة عنده ولا يحيطون علما فهو الغيب أيضا والكل غائب عنه وهو من باب الحج عرفة فان كل شئ غائب يطلق عليه غيب

    لم يذكر التجلى فى القرءان إلا مرة واحدة قال تعالى : فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا : وقد أشار الى ذلك السيد أحمد بن ادريس رضى الله تعالى عنه فى الأحزاب يقول وقد صار الجبل وهو من الصم الراسى الشامخات دكا وخر موسى وهو من كبراء خواص أصحاب الوحى صعقا من ظهور قدر أنملة الخنصر من نورك كما أعلمتنا بذلك فى الوحى الإلهى بقولك : فلما تجلى ربه للجبل دكا وخر موسى صعقا

    تجلى الحق فى الماء ليس كتجليه للجبل

    تجلى فى الماء ليس كتجليه للجبل و إلا لما رأيت ماء موجودا ً ولكن المراد بالتجلى هنا تجلى الإمداد أى :أمد الله تعالى الماء بمظهر من مظاهر اسمه المحيى فصار الماء يحيى بهذا الإمداد والإحياء : إما حسى كما فى الحيوان والنبات وإما معنوى وهو ما يحصل من نشاط وانتعاش فى الأبدان عند استعمال الماء.

    وقد أشار ابن الفارض رضى الله تعالى عنه إلى هذا المعنى بقوله:

    ولو نضحوا منها ثرى قبر ميت

    لعادت إليه الروح وانتعش الجسم

    أشار إلى أن مدامة العارفين نجلى عليها الحق باسمه المحي أى:أمدها بمظهر من مظاهرة

    ومن هذا القبيل ظهرت المعجزات للرسل عليهم الصلاة والسلام والكرامات للأولياء رضى الله تبارك وتعالى عنهم.

    تجلى الحق على عباده الصالحين

    ولما تجلى الحق سبحانه باسمية القوى والسريع على الذى عنده علم من الكتاب آصف بن برخيا استطاع إحضار عرش بلقيس فى أقل من طفرة عين

    وهكذا يا أخانا كلما صرت مظهرا لاسم من الأسماء انقاد لك ما شئت من الأشياء ؛ لأنك صرت بريئا عن حولك وقوتك وأعمالك تحصل بحسب نيتك فأنت تنوى والفعال غيث قدرته همى : وما رميت إذ رميت و



    لكن الله رمى 000000

    وهذه صفات العارفين الذين طهروا أنفسهم بماء الغيب من الأرجاس والزلل فأسمع أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه سارية بن زني من مسيرة شهر بقولة ياسارية الجبل الجبل . من ترك الحزم ذل واستطاع سارية أن يسمع لأن التجلى كان للاثنين

    كما توقع تجلى السكينة ( إذ أخرجة الذين كفروا ثانى اثنين )

    كما حصل تجلى الامن من الحق سبحانه للنبى صلى الله علية وآلة وسلم بلا واسطة وللصديق رضى الله تعالى عنه بواستطة صلى الله عليه ةآله وسلم ( إذ يقول لصاحبة لا تحزن إن الله معنا )

    والتجلى بالثبات لطلحة بن عبيد الله رضى الله تعالى عنه يوم لأحمد حينما وضع النبى صلى الله عليه وسلم قدمية الشريفتين على طهرة ثم قال : ( وجبت يا طلحة . قال : ما هى يا رسول الله قال الجنه )

    والتجلى بالثبات لعكاشة رضى الله تعالى عنه حينما أعطاة النبى صلى الله عليه وآلة وسلم عرجونا فصار سيفا فلولا التجلى الإلهى بالثبات لعكاشة لما استطاع حمل هذا السيف ولا الضرب به

    وكذلك تجلى الحق سبحانه بالثبات على سيدنا على كرم الله وجهه ورضى الله تعالى عنه يوم الفتح حينما وضع قدميه على كتفى النبى صلى الله عليه وآلة وسلم عند الكعبة لإنزال صنم خزاعة من فوقها

    لطيفة قال الشيخ الألوسى رحمة الله تعالى : دخلت فاطمة بنت لأسد رضى الله تعالى عنها داخل الكعبة فأجاءها المخاض فوضعت ابنها فأكرمة الله تعالى بوضعة داخل الكعبة وأكرمة بإنزال الصنم من على ظهر الكعبة

    وقد أشار الإمام الشافعى رضى الله تعالى عنه إلى ذلك بقولة

    يارب بالقدم التى أوطأتها

    من قاب قوسين المحل الأعظما

    وبحرمه القدم التى جعلت لها

    كتف المؤيد بالرسالة سلما

    ثبت على متن الصراط تكرما

    قدمى وكن لى محسنا ومكرما

    واجعلها ذخرا فمن كانا له

    أمن العذاب ولا يخاف جهنما

    وأيضا تجلى الحق سبحانه وتعالى على سيدنا على كرم الله وجهه باسمه القوى فخلع باب خيبر بيده اليمنى بعد أن أعجز الجيش خلعة فلما رأوا ذلك كبروا جميعا لذلك المظهر العجيب

    وقد أخرج البخارى رحمه الله تعالى فى صحيحه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم كانوا إذا مشوا فى الظلام أضاء لهم نور يمشون به فإن نفرقوا تفرق النور معهم وهذا مظهر من مظاهر تجلى اسمه النور وهكذا مظاهر التجليات لا تنحصر

    وكان تجلى الواسطة بين العلمين الصبر للاثنين فصبر سيدنا موسى عليه السلام حتى وصل إلى ثلاث مسائل مختلفة وصبر سيدنا الخضر علية السلام حتى كشف له عنها

    وكان التجلى الإلهى على رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم بالقوة التى يعجز عنها العالة أجمع حينما ضمه سيدنا جبريل عليه السلام بالقوة الملكية التى من علامات نبوته صلى الله عليه وآلة وسلم أنه يتحملها ( فضمنى حتى بلغ من الجهد ) وكذلك ثباته صلى الله عليه وآلة وسلم عند تنزل الوحى بالطريق الخارق للعادة

    ولما كان القلب المحمدى مظهر التجلى بالقوة والثبات كان مهبط الوحى ( نزل الروح الأمين على قلبك ) فكان الجالسون لا يسمون الوحى ولو سمعوا لصعقوا , لأن الحق سبحانه لم يتجل عليعم بالقوة الإلهية التى تؤهلهم لسماع الوحى الإلهى ثم بعد ذلك يسمعونه من رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم على حسب استعدادهم الفطرى واستعدادهم الإيمانى

    واعلم ي عبد الله – أكرمنى الله واياك بتجلى المعرفة – أن سماع القرآن من رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم ليس كسماعه من غيره بل سماع خاص محاط بخصوصيات النبوية ونظراته المحمدية فالنظر إلى وجة النبى صلى الله عليه وآلة وسلم له خصوصية وسماع صوته صلى الله عليه وآلة وسلم له خصوصية والجلوس بين يديه صلى الله عليه وآلة وسلم له خصوصية .

    ومن أجل ذلك : نال الصحابه جميعا رضى الله تعالى عنهم رتبة الاجتهاد والقدوة الحسنة قالب علية الصلاة والسلام : ( أصحابى كا النجوم بأيهم اقتديهم اهتديتم ) ولما كان صلى الله عليه وآلة وسلم شمس الشريعة وقمر الحقيقة كان أصحابه نجوم الاهتداء , قال عليه الصلاة والسلام ( خير القرون قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذيم يلونهم )

    ومن أجل ذلك تزاحمت الأنوار والبركات والفيوضات على الأولياء الذين رأوه صلى الله عليه وآلة وسلم بعد مماته يقظة وسمعوا منه وجلسوا بين يدية . وكان لهم القدم الراسخ فى التمسك بالكتاب والسنه كسيدى أحمد بن ادريس وتلميذة سيدى محمد بن على السنوسى رضى الله تعالى عنهما حيث أخبرا بذلك ووجد لهما كلام فى مؤلفاتهم يدل على صراحة على ذلك.

    وأنواع اللتجليات كثيرة متنوعة وقد ذكر منها شيخنا الفاء صاحب العلم النفيس مولاى الشريف السيد أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه فى أحزابه ثلاثا وخمسين تجليا وهى يجلى سر اليومة الإلهية ةتجلى مقام الاستواء وتجلى العظمى الجامعة تجليات الألوهية التجليات الألهية الواحدية التجليات الإلهية الملكية , تجليات الربوبية , التجليات الإلهية القدرتية , التجليات الإلهية الفطرية . التجليات الإلهية البدئية والإعادية . التجليات الإلهية الإحاطية . التجلياتن الإلهية الولائية , تجليات الهوية الإلهية , تجليات الوجة الألهى , التجليات الإلهية الأحدية الصمدية . تجلى عيون بصائر القرآن الإلهى , وجوه تجليات الإسم الله , وتجلى توحيد الذات تجلى أسرار الكتاب المكنون الألهى , تجلى عظمة الذات تجلى أسرار الذات تجلى الحقائق الذاتية الإلهية الكمالية . تجلى الاسم العليم . تجلى حقائق معارف الأنبياء والمرسلين ,’ تجلى الذات القوتية . تجلى النور الأعظم تجلي غيب الهوية الإلهية الإطلاقية الإحاطية , تجلى الكبرياء الذاتى , تجلى الكلام الإلهى , تجلى عين العين . تجلى مقام الإحسان . تجلى عين بحر المحبة الذاتية الإلهية , تجلى العافية الكاملة , التجلى بقوة ذاتية للتحميل , التجلي بالجلال والجمال والعظمة والكبرياء والنور والبهاء.

    التجلى الأعظة الإحاطى , التجلى بحلاوة الأيمان , ولذة التقوى , التجلي بلاسم العظيم الاعظم , التجلى بالاسم النور الإلهى , التجلى بسلطنة الألوهية , التجلى بالرحموت الأعظم , التجلى بالرهبوت الأكبر , التجلى بالغبوت الأنور , التجلى بكنوز المعارف الذاتية , التجلى بمقام الحياء , التجلى بعلوم النواكيس القرآنية , التجلى بالحقائق الكهنية الذاتية الإلهية , التجلى بسر توحيد الانانية المصون التجلى الأعم الإلهى الإحاطى , التجلى بالعين الحقيقة الإلهية , التجلى بطوات الألوهية .

    وختام اتجليات : اللهم تجل لى بذاتك حتى تسرى فى ذاتى لذة الألوهية .... الخ

    ظهور أثر التجلى على الأشباح

    وموضع التجلى الأرواح وقد يظهر على الأشباح أثره كبكاء صاحب تجلى القيض وضحك صاحب تجلى البسط , وعلم صاحب تجلى العلم , وكرم صاحب تجلى الكرم , وعزلة صاحب تجلى الأنس بالله . وهكذا إلى منتهى التجليات

    فالمتجلى خفى , التجلى خفى , والمتجلى به خفى والروح المتجلى عليه خفى وبينهم تعارف قديم فتلك الخفياتن قديمة باقية ( وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشدهم على أنفسهم ألست قالوا بلى.

    واعلم يا أخانا ثم اعلم ما سيلقى عليك لتعلم أن الحشر حشران لجميع العباد فالحشر الأول : حشرهم يوم ان قال لهم الحق سبحانه : (ألست بربكم) والحشر الثانى : يوم القيامة لهم (ولقد جئتمونا فؤادى كما خلقناكم أول مرة ) فالذى حشرهم أول مرة وأشهدهم على أنفسهم وأسمعهم خطابه قادر على أن يحشرهم مرة ثانية وأن يسمعهم خطابه كما أسمعهم أول مرة

    فائدة : التجلى الأول كان مصحوبا بالمشاهدة والسماع والإجابه فقال سبحانه ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) أى فاستمعوا له بآذانكم مشاهدين لربكم ببصائر قلوبكم لعلكم ترحمون بالتذكار فالمشاهدة تذكر المشاهدة والسماع يذكر السماع قال ذو النون المصرية رحمة الله كأنه فى أذنى الآن يعنى السماع الإلهى القديم يوم أن قال سبحانه لعبادة ( الست بربكم )

    فالمعرفة قديمة وهى حق والإنكار حادث وهو باطل فإذا التقيا زهق الباطل وبقى الحق ( وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا )

    فيلزم من قول العباد فى الأزل : بلى أن يكونوا طائعين لربهم لأن الاعتراف بالربوبة يستلزم طاعة الرب سبحانه فالطاعة حق والحق يزهق الباطل فمن أقبل على الطازهقت معاصية لأحقية الطاعة وبطلان المعصية

    ومن اختار المعصية فقد اختار اللاحق وأصل الاختيار يكون للسابق ولهذه النكته المهمة يفرح الطائع لأنه اختار السابق ووضع الشئ فى موضعة ( فبذلك فليفرحوا ) ويندم فاعل المعصية لأنه اختار اللاحق ووضع الشئ فى غير موضعة ولم يكن موفيا لاستلزامة السابق.

    فالمعصية : ميمها مررتها عند الروح المؤمن , فالمعاصى ليست مرتعا للأرواح وإنما هى مرتع للنفوس الأمارة المظلمة

    قال :- علية الصلاة والسلام :- ( إذا مررتم برياض الجنه فارتعوا قالوا : وما رياض الجنه يا رسول الله ؟ قال حلق الذكر

    وهذا الحديث أول ما سمعته عن شيخى العارف بالله تعالى السيد محمد الشريف بن العارف بالله تعالى السيد عبد العال بن العارف بالله تعالى سيدى ومولاى الشريف السيد أحمد بن إدريس – رضى الله تعالى عنهم أجمعين – قال السيد محمد الشريف – رضى الله تعالى عنه -: يؤخذ من هذا الحديث استحباب الاجتماع فى حلق الذكر وأن العارفين يتلذذون بذكر الله تعالى كما يتلذذ أهل الجنه بنعيمها . أ هـ

    ( شرح كلام السيد محمد الشريف – رضى الله تعالى عنه ) يقول أن الإجتماع فى حلق الذكر سنه وليس بدعة كما يدعية المدعون لورود حلق الذكر فى الحديث وقد فعل الصحابة رضى الله تعالى عنهم ذلك وأقرهم النبى صلى الله عليه وآلة وسلم كما فى صحيح مسلم

    فناء الأغيار يورث الأنوار

    وأما تلذذهم بالذكر فلأسباب :

    أولها ( فناء ما سوى الله – تعالى – عن عين البصيرة حتى نفسه ولذلك كان السيد كثيرا ما يقول وهو فى الذكر ( أفن نفسك يا ذاكر ) ولقذ ضكرت معه كثيرا والحمد لله وفناء الأغيار يورث الأنوار وهى بمنزلة الذوق اللسانى للقلب

    الشئ الثنى : مشاهدة الحق سبحانه مشاهدة منزهة عن الكيفيات خارجة عن المعقولات حتى يظهر أثر المشاهدة للروح وهو بمنزلة نعيم الجنه ولا يفضلة إلا الرؤية الإلهية كما قال صاحب بدء الأمالى رحمه الله فى وصف أهل الجنه عند رؤية الحق سبحانه

    فينسون النعيم إذا رأوه

    فيا خسران أهل الاعتزال

    والمعنى : ينسون نعيم الجنه لنعيم الرؤية الإلهية كذلك العارفون فى الدنيا ينسون نعيم الدنيا لما يجدونه فى قلوبهم وأرواحهم من التلذذ بمشاهدة الحق – سبحانه وتعالى – كما قال سيدى عبد الله المحجوب الميرغنى – رضى الله تعالى عنه -:

    وشاهد الذكر مع المذكور

    وغب عن الجنان والقصور

    والسيد عبد الله المحجوب الميرغنى من العلماء الأولياء الواصلين

    نقل الجبرتى فى تارريخة عن الشريف الرضى تلميذ السيد المحجوب قال : دخلت على السيد المحجوبي ذات يوم وسألته عن نسبه , ففتح صندوقا وأخرج لى منه نسبه الشريف فقلت له وأين أسانيد الأحاديث النبويه فقال لى عنى رضى الله عليه وآله وسلم ) فعلمت أنه فى مقام الاتصال المحمدى

    قلت : وهذا الكلام الذى نقله الشريف الرضى – رحمه الله تعالى _ يؤيد ما كتبه سيدى أحمد بن إدريس فى رسالته الممساه بالجواهر من أنه تلقى أوراده جميعها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقظة وقد صرح السيد أحمد – رضى الله تعالى عنه – بان كل من أخذ طريقة سينال حظا وافرا من اجتماع به صلى الله عليه وآله وسلم يقظة ومناما وإن شئت فاقرأ قوله :

    ( واجمع بينى وبينه كما جمعت بين الروح والنفس ظاهرا وباطنا يقظة ومناما

    وكلام السيد محمد الشريف – رضى الله تعالى عنه – يفيد أن التلذذ بالذكر شئ عظيم

    إسمع يا أخانا ثم أنصت بقلبك الى كلامنا هذا إن العارف بالله إذا ذكر الله تعالى تلذذت روحة وجسدة وشعره وهو يشعر بذلك وهو فى هذه الحالة لا تحرقة النار ؛ لأنه فى حضرة اتصال يقلب له جميع المضار نفعا ( قلنا يا نار كونى بردا ولاما على إبراهيم )

    ( بردا ) لأنه فى حالة تقلب الأذى نفعا ( وسلاما ) عن أن يشغله هذا البرد عن التلذذ الروحانى بذكر الحق – سبحانه – قال – عليه الصلاة والسلام -: ( حسبى الله ونعم الوكيل كلمة أخى إبراهيم حين القى فى النار ) فالمشاهدة يتلذذ بنظرة الغيبة عن نفسه لا عن المشاهدة كما قال العارف :

    ظهرتم بأوصاف الكمال لناظرى

    فغب وعنكم لا تغيب سرائرى

    وكذلك سمعه فى لذة الشهود كما قال العارف

    فأذنى لم تسمع سوى نغمه الهوى

    وإنى منكم لا من الطير سامع

    ( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ) تؤتى أكلها الطيب اللذيذ كل حين منها لها على وفق الماهدة من المشاهد والتجلى من المتجلى فيجتمعان فى روح واحدة , شهود تجلى

    وسركم فى ضميرى

    والقلب طور التجلى

    وسركم شهودى لكم الذى به يحصل التجلى لى منكم ثم تؤتى شجرة إيمانى أكلها كل حين لروحى بإذن ربها

    ( وإذا الأرض مدت * وألقت ما فيها وتخلت * وأذنت وحقت ) كذا أرض الجسم التركيبى بعد نفخ صور التجلى , تتخلى النفس عن كل شئ سوى الحق جالسة على كرسة المشاهدة ناظرة بقلبها إلى ربها مفتحة أبواب علوها نازلة عليها منها عيون واردتها الصارفة لها عما سوى الحق من جميع الوجوه انتهى شرح كلام السيد الشريف

    الشرح قوله رضى الله تعالى عنه :

    فلذلك يجد المتوضئ أثر الحياه عاجلا من النشاط فى أعضائة

    من بيانية وما بعدها بيان لقولة : أثر الحياه لأن الحركة والنشاط والقوة من صفات الحى لا الميت

    والحكمة فى وجود المتوضئ النشاط أمران

    الأول : ما ذكرة السيد رضى الله تعالى عنه من قوله : إن الحق متجل على الماء باسمه المحيى

    والامر الثانى : شعور الروح بدنو لقاء الحبيب لأن الوضوء كالبشرى باللقاء كمن كسل وخمول وقيل له إن والدك بالباب يريد أن يتحدث معك فهذه المقالة تحدث به نشاطفى الحال


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    الفصل الثاني : تجلي الحق

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 2:12 am

    تجلى الحق على الماء وعلى الروح

    وهناك أمر ثالث وهو أهم : توجه الروح عند الوضوء إلى لقاء الحق سبحانه . وبه تحدث مبادئ التجلى الإلهى الذى ينعش الروح بعد إكمالها الوضوء أو الغسيل وحينئذ يجتمع تجليان تجلى الحق على الماء وتجليه سبحانه على الروح

    والمناجاه الإلهية فى الصلاه تجتاج إلى روح وجسد وقد أعد تجليه على الماء الجسد عند استعمالة للماء كما أعد تجليه على الروح الروح عند توجهها إليه

    وبهذين التجليين يدخل المصلى فى حضرة لا إدراك وهى : الله أكبر وفى حضرة إدراك وهى السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته ثم يدخل بهما الحضرتين الالهية والنبوية فالاولى مظهر قولك لا إله إلا الله والثانية مظهر قولك محمد رسول الله

    ثم يدخل بهما حضرتى القرءان الطاهرة فيظهر على جوارحة جميعها العمل بكتاب ربه سبحانه فى جميع حركاته وسكناته وأنفاسه كلها من جميع الوجوه

    ويدخل فى حضرة القرآن الباطنة حتى تكون روحة روحا قرآنية صرفا فى جميع الوجوه فللظاهر قولة تعالى (وإنه لذكر لك ولقومك)وللبان قولة تعالى : ( وكذلك اوحينا إليك روحا من أمرنا ) فالذكر للسان والجوارح والروح للروح ولقد قيل السيد أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه فى آخرة وأمرة (لا شيخ لك إلا القرآن )

    وقوله : فهو يقول :

    كن حيا بحياه الله

    الشرح : الحياه كلها لله فما معنى حياه الله ؟ فالإضافة على اللام أى حياه لله وعلى تقديرصفة أى حياه محبوبة لله وهى الحياه الطبية التى أشار إليها الحق سبحانه وتعالى بقوله ( من عمل عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياه طيبة ) فيكون المعنى إعمل بشرع الله تعالى لتحيى بالحياه الطيبة التى يحبها الله تعالى ويرضاها قال تعالى -: ( أو من كان ميتا فأحييناه )

    اعلم ياعبد الله أن الموت موتان : موت يحصل بخروج الروح من الجسد الأكبر , وموت يحصل بالنوم وهو الموت الأصغر وكذلم الموت المعنوى قسمان : موت اكبر وهو الذى يحصل للكافر بسبب الكفر وموت أصغر : وهو الذى يحصل للمسلم بسبب المعاصى فإحياء الكافر من موت كفره بالإسلام وإحياء المسلم من موت معاصية يكون بالتوبه والاعمال الصالحة فالولى الصالح إذا صار حيا بالله له وصفان الول فى قوله تعالى ( لهم البشرى فى الحياه الدنيا )

    والنور يكشف للولى عن نفسه لنفسه وعن نفسه للناس والبشرى من ربه لنفسه ليطمئن قلبه قال تعالى ( قال بلى ولكن ليطمئن قلى ) وبشرى أيضا لإخواته وأحبابه قال تعالى ( فبشر عباد )

    قال سيدى عبد الغنى النابلسى رضى الله تعالى عنه

    إن تكن بالله قائم

    لم تكن بل أنت هو

    أنت سر الغيب من

    أسمائه والشمس هو

    وقول السيد النابلسى رضى الله تعالى عنه -: (الشمس هو ) إشارة الى قولة تعالى ( الله نور السموات والأرض ) فلولا النور لما ظهر شئ لك ولا غيرك والظاهر سبحانه وتعالى هو الذى أظهرك بشمس الوجود لك ولغيرك ( فمحونا آيه الليل ) أى العدم ( وجعلنا آيه النهار مبصرة ) أى الوجود فالعدم لا تهدى به العقول إلى شئ والوجود تهتدى به إلى رب الوجود فالوجود دليل قطعى على الموجد ( ثم جعلنا الشمس عليه دليلا )

    ثم أعلم لأن الحياه بالله تحتاج الى موت يسبقها كحياه الشهيد فإنها توهب لصاحبها بعد موت قبلها كذلك العارفون يكونون أحياء بالله بعد موتهم فى حب الله

    قال ابن الفارض رضى الله تعالى عنه ( فالموت فيه حياتى ) أى فالموت فى حب الله فى حياتى بالله وحياه الحب فى منتهى الرقى والقرب قال الشريف السيد أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه ( فأذوب فيه ولومعا وعشقا ) أى فى حب الله لأحيا فيه بالله تعالى وهكذا يخبر العارفون عن أحوالهم

    ومما سمعته عن أحوالهم

    ومما سمعته عن شيخى العارف بالله تعالىة السيد محمد الشريف هذه الأبيات لسيدى عبد الكريم الجيلى رضى الله تعالى عنهما

    خلع العذراء متيم الأحشاء

    فعلى الحياه تحية من نائى

    لله درك يا زمان صبابتى

    دم لى ففيك مجامع الاهواء

    يا راحلين وفى الفؤاد رحيلهم

    والقاطنين وربعهم أحشائى

    وقد أشار سيدى الغوث أبو مدين رضى الله تعالى عنه إلى نوع من أواع الحياه بالله تعالى بقوله :

    تضيق بنا الدنيا إذا غبتمو عنا

    وتزهق بالأشواق أرواحنا منا

    فبعد كمو موت وقربكم حيا

    ولو غبتمو عنا ولو نفسا متنا

    فجعل القرب لله هو الحياه بالله ومن صار حيا بالله ذكر اسمه تعالى الحى ومن ذكر الحى القيوم لأن الحياه تحتاج إلى قوام من القيوم فصار حيا بالله مستغنيا عن كل حى سواه قائما بالقيوم مستغنيا عن كل مقوم سواه

    وإلى هذا المقام أشار سيدى الشريف مولاى السيد أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه بقولة ( وتجلى لى يإلهى بسر القيومية الالهيه التى قامت بها شيئات الأشياء كلها سر قيومتك الإلهية المودع فى قولك : الله لا إله إلا هو الحى القيوم )

    قلت : ويحصل للعارف فى هذا التجلى الاستغناء عن كليات العالم وجزئياته ظاهرا وباطنا بالحى القيوم

    قال السيد محمد اليمانى لوالده الشريف السيد أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنهما باليمن وكان صغيرا إذ ذاك : ( يا أبت نفذ الحب آتنا بالحب قال له والده يابنى إن والدك لا يملك الحب قل يا رب الحب آتنا بالحب فصار يرفع يديه إلى السماء عند باب المنزل ويقول يا رب الحب آتنا بالحب فما مضت أيام قلائل حتى جاءت الجمال تحمل القمح والأرز وخيرات الله تعالى

    حال أهل التجريد مع رب العبيد كلما دعوه لباهم وكلما سألوه أعطاهم تمر عليهم الايام والليالى الرجل منهم بغير ربه لا يبالى خدموا مليكهم فخدمتهم الملوك ليس فيهم فى الدنيا فقير ولا صعوك تذللوا لله فذلل لهم الصعاب وفتح لهم من الخير كل باب فالابواب مفتوحة لهم من غير مفتاح يدخلونها بسلام فى مجمع الارواح

    الدنيا لديهم صاغرة والاخرة لديهم ماثلة حاضرة

    شربوا على ذكر ربهم صافى الشراب فصارت الدنيا تر أمامهم مر السحاب

    رأوها فعرفوها زائلة فعرفتهم فاقبلت عليهم بعد اعراضهم عنها فخدكتهم فهى تتشرف بخدمتهم اذاهم راوا العار فى خدمتها وهى تفر اليهم لعلو قدرهم اذا هم فروا منها لخستها

    لبسوا لفتنتها الدروع وتحصنوا من غوائها بالخشوع

    أمدهم الله بجنوده فما ضعفوا وما استكانوا ولحبهم لربهم اعلنوا ( إذ يوحى ربك الملائكة أنى معكم فثبتوا الذين آمنوا ) قال سيدى عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنه

    أيقظان أنت اليوم أم أنت نائم

    وكيف يطيق النوم ولهان هائم

    فلو كنت يقظان الغداة لحرقت

    جفونا لعينيك الدموع السواجم

    نهارك يا مغرور لهو وغفلة

    وليلك نوم والردى لك لازم

    وتشغل فيما سوف تكره غبه

    كذلك فى الدنيا تعيش البهائم

    قوله

    فان الغيب هو الله – تعالى – لكونه عند أكثر عند أكثر الخلق غيبا لا يشهدونه ومن شهده منهم فلا إحاطة عنده ( ولا يحيطون به علما ) فهو غيب أيضا والكل غائب عنه وهو من باب الحج عرفة فإن كل شئ غائب يطلق عليه غيب

    الغيب وأنواعه

    قلت : قال القرطبى رحمه الله عند قوله تعالى ( الذين يؤمنون بالغيب ) الغيب ما غاب عنا قال الشاعر

    وبالغيب آمنا وقد كان قومنا

    يصلون للأوثان قبل محمد

    نعم الغيب هو ما غاب عنا وينقسم إلى قسمين

    الأول : غيب حقيقى وهو الذى لا يعلمة إلا الله سبحانه وتعالى – ويدخل فيه الحق – سبحانه وتعالى

    والثانى غيب إضافى وهو الذى يكون لبعض الخلق شهادة وللبعض الآخر غيبا فما وراء السماء الدنيا غيب بالنسبة لنا شهادة بالنسبة لسكانها والكعبه غيب كان بالهند مثلا شهادة بالنسبة للطائفين بها وإذا دخل عليك إنسان وفى جيبة مائة دينار وأنت لا تعلم فهى بالنسبة اليك غيب وبالنسبة اليه شهادة وهذا الغيب الاضافى ينقسم الى قسمين الى ممكن الوصول اليه كالكعبه والدنانير وغير ذلك وإلى غير ممكن كالوصول اليه يدرك بالأسباب العادية المتعارفة كأن يسافر إلى الكعبة أو يدخل يده إلى جيب العادية المتعارفة كان يسافر الى اكعبة او يدخل يده الى جيب صاحب الدناننير ثم يخرجها فيعدها ويعرفها أو يكشف له وهو فى بلده فيرى الكعبه أو يكشف له عن عدد الدنانير أو يكشف له أيضا عن الغيب الذى لا وصول إليه بطريق العادة

    وهذا الذى جاء عن طريق الكشف يسمى عند العلماء التوحيد الامر الخارق للعادة المسمى عندهم بالكرامة يظهر على يد شخص عامل بالكتاب والسنه والكرامة أمر مجمع عليه عند جميع الامم على اختلاف اديانهم

    وقد اخبر الشيخ ابن تيمية رحمة الله ان الكرامات ستبقىفى هذه الامة الى يوم القيامة ذكر ذلك فى الرسالة الدمشقية ومن اراد ان يطلع على العجائب والغرائب فليقرأ كتاب جامع كرامات الاولياء لشيخ النبهانى رحمه الله

    ومن الغيب الوحى عند نزولة على النبى صلى الله وعليه وآلة وسلم فإن الصحابة لا يرون سيدنا جبريل عليه السلام ولا يسمعون الوحى والنبى صلى الله وعليه وآلة وسلم يسمع ويرى فهو صلى الله وعليه وآلة وسلم من عامل المشاهدة وعند الصحابة رضى الله تعالى عنهم من عالم الغيب وكذلك يومك الذى ياتى فى غد هو من عالم الغيب فاذا جاء صار من عالم المشاهدة وهكذا ايامك والظروف من الازمنة والامكنة مظاهر للغيب الذى يمكن ابرازة وكذلك جسدك حينما كان فى بطن أمك كان غيبا ثم ظهر وسيغيب تحت التراب وكل جسم انسانى يحمل غيبين : الروح وهى لا يمكن إظهارها بحال من الأحوال والخواطر القلبية وهى يمكن إظهارة فى قوالب الألفاظ المعبرة عنها

    ومن الغيب ما هومعدوم كالاشياء قبل خلقها فلا يمكن الوصول اليها الا اذا خلقت ومن الغيب ما هو موجود ولا يمكن الوصول اليها فى عالمة وهى الارواح قبل نزولها الى الاشباح

    وقوكله رضى الله تعالى عنه :-

    ( لكونه عند أكثر الخلق غيبا لا يشهدونه ومن شهده منهم فلا إحاطة عنده ) ( ولا يحيطون به علما )

    الشرح

    قلت : المراد بأكثرالخلق جميع الخلق فلم ير الله تعالى إلا نبيا صلى الله وعليه وآلة وسلم لكن بلا كيف ولانحصار

    وقوله رضى الله تعالى عنه

    فهو غيب أيضا

    أى الحق سبحانه وتعالى لأنه محجوب عنا بالنسبة إلينا من الغيب ونحن بالنسب الى علمه من المشاهدة

    وقوله رضى الله تعالى عنه

    والكل غائب عنه

    هذه الجملة لعلها أن تكون محرفة من الكتاب ولعل الصواب أن يكون وهو محجوب أو مغيب عن الكل ومعناها أن الابصار لا تدركة سبحانه وتعالى:-

    وهو من باب / الحج الغيب كثيرة وإطلاقها على الله وحدة فى قول الناظم :

    توضأ بماء الغيب

    تغليب له على افراد الغيب الاخرى للأهمية وان كانت تسمى غيبا كما أن للحج أركانا غير الوقوف بعرفة لا يتمك الحج الا بها واطلق النبى صلى الله وعليه وآلة وسلم الحج على عرفة فقط لاهميته لا على انه لا غيب سواه

    حكم ونفحات وانوار جعفرية

    فتجرد من محيط الشهوات ومخيط الهوى الى عرفات قدسك بالوادى المقدس طوى فعساك ان تسمع النداء لترتحل عن الافياء فما فاء ولا سرى نحو كثبان طى ولا طوى بعيس جدة البيداء طى وكيف يطوى عن عرفات مى فما سبحت أرواحهم الا باجنحة اعمالهم ولا نشطت افكارهم الا بقلة آمالهم

    فلا تحير روحك بين زائلين جسدك وأملك وانهض بكليتك الى حظيرة قدسيتك وعملك فما انت الا غريب طيار مالك فى هذه الدنيا من قرار

    انسيت يوم ان طرت من السماء الى الارض لاقامة السنه واداء الفرض الى اجل مسمى ثم تطير كما كنت

    فهل نسيت انك طائر ؟ أم الى ارض جسمك أخلدت وهل يعيش طير بغير طيران ام يتنعم روح علوى بغير قرآن أم انستك الغفلة السفرة السفرة الكرام البررة

    وكيف ركنت الى الوحوش الارية والكوارث السامة والبلايا النازلة والبلاقع الخاوية وكيف استبدال روحك أصوات القرآن العلوية بمنكرات الاصوات السفلية ما بين ناهق ونابح وسخاب ونائح وطعان وكاشح ؟

    أفق من غفلتك الى يقظتك ومن رقدتك الى جنتك فقد آن أوان رحيلك الى مقيللك بظليلك

    فهناك العيش وبهجته فلمبتهج ولمنتهج

    قال سيدى الشريف مولاى السيد أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه وقوله

    إن كنت ذع سر

    المراد بالسر كينونة الحق سمعا وبصرا ويدا ورجلا كما يليق بجلاله من غير حلول ولا مزج أن يرجع العبد ربا ولا الرب عبدا ولا ولا ولا بل حقيقة الالوهية لا تعرف الا بالذوق ومن عرفها لالسان عنده يبلغها لغيره , كحلاوة العسل لو عبر عنها المعبر ما عبر ما أدركها من لم يذقها على ما هى عليه ولا وجد طعمها ولذتها كمن ولد أعمى وأردت ان تعبر له عن لون البياض والسواد والخضرة والصفرة ونحوها فانك لا تقدر تصف له وذهنه يذهب الى غير ما وصفت له

    نعم ان كان فيك قدرة تزيل عنه العمى فتريه اياها فحينئذ يعرفها ذوقا زالا سبيل الى ايصالها اليه بوجه من الوجوه وقد ورد النقل المجمع على صحته عند كافة المحدثين وان اختلفت رواياتهم فيه فالاصل متفق عليه فيجب فيجب الايمان بها كما يعلم الله ولا يجوز الخوض فيها بالفكر والتكذيب بها تكذيب لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ولا مانع فى وجدانها ذوقا ففى الحديث : ( من بلغه عن الله فضيلة فلم يصدق بها لم ينلها

    وصاحب هذا المقام هو صاحب الطهارة الكبرى اللتى لا تجامعها شائبة بنجاسة غير ولا سوى لكونه رجع إلى أصلة الذى هو نور الحق الظاهر المقبوض منه سيدنا محمد صلى الله عليه وآلة وسلم وهو أصل الكل الشرح قولة رضى الله تعالى عنه

    المراد بالسر كينونة الحق سمعا وبصرا ويدا ورجلا كما يليق بجلاله من غير حلول ولا مزاج ولا أن يرجع العبد ربا ولا الرب عبد ولا ولا ولا

    أراد السيد رضى الله تعالى عنه بقوله : كينونه الحق الحديث القدسى الآتى الذى منه كنت سمعه اللذى يسمع به الخ

    اعلم يا عبد الله ان الحق سبحانه يستحيل عليه أن يكون منفصلا عن شئ أو أن يكون منفصلا عنه او يتصل بشئ او يتصل به شئ ولا يدنو من شئ دنو حس بل تنزة سبحانه عن جميع الحوادث

    اذا علمت ذلك فاعلم أن ماكان متشابها من الآيات والأحاديث النبوية فللعلماء فيه رأيان السلف يؤمنون به مع صرف ظاهرة عما لا يليق بالحق حبحانه وتعالى والخلف يؤولون قال سيدى إبراهيم اللقانى صاحب الجوهرة رضى الله تعالى عنه

    وكل نص أوهم التشبيها

    أوله أو فوض ورم تنزيها

    وهذا الحديث من قبيل المتشابه وقد عبر شيخنا السيد أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه فى شرحة عن طريقتى السلف والخلف ففى أول كلامه أشار الى مذهب السلف وفى آخر كلامه اشار الى مذهب الخلف كما ستقف علىذلك ان شاء الله تعالى

    فقوله رضى الله تعالى عنه ( ولا ولا ولا ) تاكيد لمذهب السلف ثم اراد ان يدلل عليه فقال

    بل حقيقة الألوهية لا تعرف الا بالذوق ومن عرفها لا لسان عنده يبلغها لغيره

    قلت المراد بالذوق الوجدان الروحانى القلبى الشعورى والمراد بالعرفة وصول القلب الى ما جاء به الشرع من صفاته سبحانه وتعالى لا معرفة الالوهية كما هى كما العارف بالله

    وندرك منها مع كمال عقولنا

    كما يدرك الخفاش من ضوء الشمس

    وكما قيل

    البحث عن كنه ذات الله اشراك

    والعجز عن درك الادراك ادراك واراد بقوله : ومن عرفها الوصول الى التجليات التى تقدم ذكرها التى يتلذذ العرفون بها ولذلك ضرب المثل بالعسل لا معرفة حقيقة الذات الاقدس التى لا يمكن لمخلوق ان يصل اليها كما قيل ( ما عرف الله الا الله )

    وقوله : ( لا لسان عنده يبلغها لغيره ) لان لذات التجليات الالهية التى عند العارف لا يمكن ان يوصلها الى المحرم منها الذى لم يعرفها بالكلام معه والوصف له بوجه من الوجوه ولما كان للتجليات وجهتان الذوق والمشاهدة ضرب المثل بالعسل للذوق وبالاعمى للمشاهدة

    وقوله – رضى الله تعالى عنه

    وقد ورد النقل المجمع على صحته عند كافة المحدثين وان اختلفت روياتهم فيه فالاصل متفق عليه

    اشار رضى الله تعالى عنه الى هذا الحديث القدسى الذى ستسمعه

    عن ابى هريرة رضى الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( ان الله تعالى قال من عادى لى وليا فقد آذنتة بالحرب وما تقرب الى عبدى بشئ احب الى مما افترضته عليه ولا يزال عبدى يتقرب الى بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصرة الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها وائن سألنى لأعطية ولئن استعازنى لأعيذة ) رواة بخارى

    وعن أم المؤمنين السيد عائشة :- رضى الله تعالى عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

    ( قال عز وجل من آذى لى فقد استيحل محاربتى وما تقرب الى عبدى بمثل اداء الفرائض وما يزال عبدى يتقرب الى النوافل حتى احبة فاذا احببته كنت عينه التى يبصر بها واذنه التى يسمع بها ويده التى تبطش بها ورجله التى يمشى بها وفؤاده الذى يعقل به ولسانه الذى يتكلم به وان دعانى اجبته وان سألنى اعطيته وما تددت عن شئ أنا فاعمله ترددى عن وفاته وذاك لانه يكره الموت وانا اكره مساءته ) اخرجة أحمد والحكيم الترمزى وأبو يعلى , والطبرانى فى الأوسط وأبو نعيم فى الطب , والبيهقى فى الذهد وابن عسكر عن عائشة رضى الله تعالى عنها عن رسول الله صلى الله تعالى عيه وسلم قال : ( قال الله تعالى ماتقرب الي:العبد بمثل اداء الفرائض وان ليتقرب الى بالنوافل حتى احبة فاذ احببته كنت رجله التى يمشى بها ويده التى يبطش بها ولسانه التى ينطق به وقلبه الذى يعقل به وان سالنى اعطيع وان دعانى اجبته ) اخرجة لبن السنى فى الطب

    وقوله رضى الله تعالى عنه

    ويجب الايمان بها

    أى الكينونة فى قوله تعالى كنت سمعه ....الخ

    وقوله رضى الله تعالى عنه:

    كما يعلم الله

    هذا هو مذهب السلف الصالح فى المتشابه

    وقوله

    لا يجوز الخوض فيها بالفكر

    هذا ايضا تقرير لمذهب السلف

    وقولة

    و اتكذيب بها تكذيب لله ورسوله

    لا ن الحديث صحيح كما علمت

    وقوله

    ولا مانع من وجدانها ذوقا هذا تشبيه بمذهب الخلف لان الوجدانى الذوقى لا يتأتى الا عن شئ من المعرفة غير انه لا اتاويل هنا حيث لا مجال للعقل فيه والاذواق تنزه عن الادراك فكيف يدرك من ذاق حلاوة شهوده

    قوله

    ففى الحديث من بلغه عنالله فضيلة فلم يصدق بها لم ينلهاا



    ويشترط فى نيلها التصديق بها والسعىلا فى الوصول اليها بطريقها المختص بها

    اما اذا سعى لها غير سعيها لم ينلها ولو صدق بها كما لو سعى لها سعيها ولم يصدق بها

    فالاول اتى البيوت من ابوابها قال تعالى واتوا البيون من ابوابها ) وسعى لها سعيها قال تعالى ( ومن اراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا

    والثانى لم يأت البيوت من ابوابها قال ابن الفارض رحمه الله تعالى :

    اتيت بيوتا لم تنل من ظهورها

    وأبوباها عن قرع مثلك سدت

    والثالث يأتى البيوت من ابوابها ولكنه شك فى وعد الحق فكان جزاءه الحرمان

    وينبغى للمؤمن ان يعمل لكل فضيلة سمعها عن الله تعالى معتقدا حصول ما وعد الحق به وربما نال فوق ما كان قاصدا قال ابن الفارض رحمه الله تعالى :-

    ونلت مرادى فوق ما كنت راجيا

    ولتلك الفضائل عشب متنوعه فتاره تتعلق بالآخرة فقط وتارة تتعلق بالدنيا وترة تتعلق بهما معا فالشعبة التى تتعلق بالدنيا ترى فى الدنيا عند مراعاة شروطها المتقدمة والشعبة الأخوية تنقسم الى قسمين تجليات روحانية قلبية وهى تحصل فى الدنيا ونعيم اخروى وهو يحصل فى الآخرة

    ومنهم من شغله نعيم التجلى عن كل نعيم فاستنارة به حلك الليل البهيم وله فى كل نفس تعمل كما قال سيدى عمر بن عبد الفارض رضى الله تعالى عنه

    ولى عن كل شغل بها شغل

    ومنهم من تغلب عليه الحال والوجدان فدخل وهو فى صلاته جنه الرضوان

    ومنهم من نال منالا لم يكن فى حسبانه وكان عنه لا هيا كما قال سيدى عمر بن الفرض رضى الله تعالى عنه

    وفى سكرة منها ولو عمر ساعة

    ترى الدهر جندا خادما ولك الحكم

    ومنهم من رأى مالا يرى فأحجم عن المقال

    ومنهم من قال بلسان حاله فلم يدر السامعون ماذا قال

    ومنهم من اذا سرى بع عن حاله ربما انكر مقاله

    ومنهم نائح وكاتم

    ومنهم صائم وقائم

    ومنهم من سكن الجبار والقفار

    ومنهم من خفى عن الزوار كما قال سيدى عمر بن الفارض

    رضى الله تعالى عنه

    خافيا عن عائد لاح كما

    لاح فى برديه بعد النشرطى

    كهلال الشك لولا أنه

    أن عينى عينه لم تتأى

    فتراه يصف حال المحب العاشق وضعفة حتى صار يشبة العلامة التى فى الثوب المطوى من أثر الطى بعد نشره وصار فى خفائة كهلال الشك ويقول لولا انينة عينى الباصرة لم تتاى عينه لم تقصد ذاته ولم تعرفه فى اى مكان لخفائة وقد اشار الى ذلك رضى الله تعالى عنه بقوله

    أخفيت حبكمو فأخفانى أس

    حتى لعمرى كدت عنى أختفى

    وكتمتة عنى فلو أبديته

    لوجدته أخفى من اللطف الخفى

    حكم

    وهكذا يااخانا جاء الخفاء من الخفاء والوفاء من الوفاء والواردات من الأوراد زالحب والشوق من فرط الوداد

    وأهديت الغوالى لمن ترك الغوالى وأوقدت السرج لمن سهر الليالى

    وانهل غيث مزن المعصرات لمن تحققوا بحقائق التجليات

    وفتحت أبواب القلب فدخلوها من بمفاتيح حركات اللسان بذكر فتحوها فوجدوا فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ومن نفائسها ما أفاضته ألسنتهم وسطره بنانهم

    فعليك بسماع فيوضاتهم عساك أن تحظى ببعض بركاتهم فما ضل من صحب الأكابر أو صار فى ركبهم بل يصل الى ما وصلوا ولو جاء من بعدهم قال الله تعالى -: ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من علمهم من شئ )

    فأرح راحلتك تحت ظلال أشجارهم فعساك ان تطرب بتغريد اطيارهم فكم غرد دواء قلوبهم رطبا فاكلوها فقرت بها أعينهم ووجدوا لها ذوقا عجبا فيها ما يشفى الصدور ونعش الأرواح ويغتصب من اغتصبة العدو الى اهوائه حتى يعود الى ربه شاكرا لنعمائه ذاكرا له بالقلب والقالب مفكرا فى ارتفاع السحب ودورة الكواكب ومنهم من تبعثه ثمارهم ليطير الى أوكارهم فما وصل من اتصل بارضة وفى امره حار وانما الوصول لمن فارق أرض الطبع التركيبى والى سماء العلو طار حتى يكون طيرانه فى عوالم قدسه بعدد أنفاسة وحركاته وسكناته وخطراته حتى لا يخلو عن التجلى الالهى بوجه من الوجوه

    الطهارة الكبرى هى خلع صفات النفس

    واثبات صفات الروح

    وقوله رضى الله تعالى عنه

    وصاحب هذا المقام هو صاحب الطهارة الكبرى التى لا تجامعها شائبة غير ولا سوى

    تنقسم الطهارة الى ثلاثة أقسام

    1- حسية وهى التى تتعلق بازالة عين النجاسة وتسمى طهارة الخبث ولها يرصف بها الثوب المتنجس بعد غسلة بالماء وهو كونه صار طاهرا فالماء حسى والنجاسة حسية فاذا التقيا بان ازال الماء المجاسة ظهر بعد ذلك أمر عنوى يسمى الطهارة ولذلك إذا أزيات النجاسة بماء طاهر غير طهور لا يثبت الوصف المعنوى المسمى بالطهارة

    2- وطهارة حسية يترتب عليها طهارة معنوية وهى طهارة الحدث الأصغر والأكبر فالماء حسى والحدث سواء أكان أكبر أو أصغر معنوى فاذا التقى الماء الحسى بالحدث المعنوى فازاله ظهر حكم معنوى يسمى الطهارة

    وهذة الطهارة المتقدم ذكرها تسمى بالطهارة الصغرى لانها تتعلق بالمحسوسات وتقابلها الطهارة الكبرى التى أشار اليها السيد رضى الله تعالى عنه وهى التى تتعلق بالنفوس كما قال عليه الصلاة والسلام ( رجعنا من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس )

    فالجهاد جهادان : أصغر وهو الحسى وأكبر وهو معنوى

    إذا فهمت هذه كلام الاستاذ الشفاء رضى الله تعالى عنه فى قوله وصاحب هذا المقام هو صاحب الطهارة الكبرى كانه يقول لك : الطهارة قسمان صغرى . وكبرى

    وانما قدمت لك بحث الطهارة الحسية وهى استعمال الماء ينشأ عنها طهارة معنوية تبيح لمن اتصف بها ان يدخل الصلاه مثلا كذلك كجاهدة النفس الحسية بكثرة الصوم والذكر والعزلة والصمت والسهر تجعلها تتصف بصفة معنوية تسمى الاستقامة وهى المعبر عنها بالطهارة الكبرى وهى تبيح لصاحبها ان يدخل حظيرة القدس وبعبارة اخرى الطهارة الكبرى هى خلع صفات النفس الامارة واثبات صفات الروح فاخلع نعليك انك بالوارد المقدس طوى

    اعلم يا من وفقه الله الى اورادنا وأحزابنا حتى شرب شرابنا وأثبت صوتنا فى نرآه قلبه ان الخلع خلعان خلع ظاهرى وهى الذى يتعلق بالحس وخلع معنوى وهو الذى يتعلق بالنفس ففى قوله تعالى :- اخلع نعليك اشار الى الخلع الحسى والذى فى قوله تعالى ( لا تخف انى لا يخاف لدى المرسلون أشار الى الخلع المعنوى النفسانى , لأن حظيرة القدس فى مقام المكالمة الالهية لايصح فيها الخوف م غير الله لانها حضرة مشاهدة ومكالمة ومعيه

    وقد دلت الاية الشريفة على ارتباط الطهارتين ارتباط الطهارتين ارتباطا تتوقف فيه الطهارة الثانية على الاولى قال تعالى ( وثيابك طاهر ) فان كان المراد الطهارة من النجاسات وقد نشأ صلى الله عليه وآله وسلم طاهر الباطن والظاهر والثياب فالمراد التزام المداومة لزوم المداوم على ذلك كقوله تعالى ( يا أيها النبى اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين وكقوله تعالى فاصبر لحكم ربك وكقوله تعالى : يا ايها النبى جاهد الكفار وقد كان صلى الله صلى الله عليه وآله وسلم أتقى الخلق وأصبرهم لحكم ربه وامام المجاهدين

    وفى حق غيرة صلى الله عليه وآله وسلم أمر بايجاد الطهارة الظاهرة والباطنة تكون من باب أولى وقد جاءت صريحة فىقولة تعالى ( مخلصين له الدين ) فالإخلاص طهارة باطنية

    قوله

    التى لا تجامعها نجاسة غير ولا سوى

    قلت المراد بالغير والسوى : اشتغال القلب بغير الله تعالى وهذا عندهم بمنزلة النجاسة احسية فى الثوب تمنع صاحبها دخول الصلاه كذلك النجاسة المعنوية تمنع صاحبها دخول الصلاه ولذلك يقولون ( حضرة القدوس محرمة على أرباب النفوس الامارة بالسوء الظلمانية المشغوله بغير الله تعالى قال الشيخ الاخضرى- رحمة الله_:

    فاخلع نعال الكون كى تراه

    وغض طرف القلب عن سواه

    واعلم يا عبد الله أن المؤمن فى تطورات أحواله كالليل والنهار فاذا تغلبت شمس إيمانه على ظلمة نفسه فهو فى نهار وإن تغلبت ظلمة نفسه على شمس إيمانه فهو فى لبل قال تعالى:"فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة"

    ولذلك ( لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن )بل يستر ظلام نفسه سمش إيمانه حتى يقع فى المعصية والشمس توارى ولا تزول إذلوزالت لما رجعت ولذلك يندم المؤمن عقب فعل المعصية وذلك بعد عودة شمس إيمانه التى وارتها ظلمات نفسه.

    ولما كان الرسل – عليهم السلام- معصومين كانت شمس إيمانهم فى الدنيا أشبه بشمس يوم القيامة التى لا ليل معها فآية نهار الرسل- عليهم السلام محو لها بوجه من الوجوه.

    وحال العارفين أشبه بشمس أيام آخر الزمان التى تمكث عاماًلا تغرب غهم ليسوا كغيرهم من عامة الناس قال شاعرهم:

    إن سمش النهار تغرب بالليل

    وسمش القلوب ليست تغيب

    فانتبه لشمسك عن طمسك ولنهارك عن ليلك "وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون" فاحذر أن ينسلخ نهار قلبك عن قلبك فتظهر آية ليل نفسك فإن ظهر ليلها تأمرت وهى لا تأمر بخير قال الله تعالى:"إن النفس لأمارة بالسوء" وقال تعالى"وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً"فإذا أمرت نفسك خسرت يومك وأمسك نصحها غش وعلمها جهل وقرينها عدو قال البوصيرى - رحمهالله-:

    وخالف النفس والشيطان واعصهما

    وإن هما محضاك النصح فاتهم

    وقوله- رضى الله تعالى عنه-:

    لكونه رحع إلى اصله الذى هو نور الحق الظاهر المقبوض منه سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو أصل الكل

    قلت:أشار- رضى الله تعالى عنه- بذلك الى الحديث الذى أخرجه الحافظ عبد الرزاق فى مسنده ونقله عنه العلامة الشيخ أحمد القسطلانى- رحمة الله تعالى- فى كتابه: (المواهب اللدنية) وشرحه العلامة الشيخ الزرقانى- رحمة الله- ونقله العلامه الشسخ النبهانى رحمه الله تعالى- فى كتابه (الأنوار المحمدية) ونقله كثير من المحدثين وأرباب السير ونقله الفقيه العلامة الشيخ إبراهيم الباجورى- رضى الله تعالى عنه وكذلك العلامه المحدث الشيخ اغبن حجر الهيثمى- رحمه الله تعالى- ولفظه:

    عن جابر بن عبد الله الانصارى- رضى الله تعالى عنه- قال: قلت: (يا رسول الله- بأبى أنت وأمى- أخبرنى عن أول شيى خاقه الله- تعالى- قبل الاشياء . قال: يا جابر:إن الله- تعالى- خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره فجعل ذلك النور يدوى بالقدرة حيث شاء الله تعالى ولم يكن فى ذلك الوقت لوح ولا جنة ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جن ولا إنس فلما أراد الله أن يخلق الخلق قسم ذلك النور أربعة أجزاء : فخلق من الجزء الأول القلم ومن الجزء الثانى اللوح ومن الثالث العرش ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء : فخلق من الجزء الأول حملة العرش ومن الثانى الكرسى ومن الثالث باقى الملائكة ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء :فخلق من الأول السماوات ومن الثانى الأرضين ومن الثالث الجنة والنار ثم قسم الرابع أربعة أجزاء :فخلق من الاول نور أبصار المؤمنين ومن الثانى نور قلوبهم وهى المعرفة بالله ومن الثالث نور أنسهم وهو التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله )

    وقول الشريف السيد أحمد بن إدريس رضىالله تعالى عنه:

    لكونه رجع إلى أصله الذى هو نور الحق الظاهر المقبوض منه سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو أصل الكل.

    قلت :هذا الكلام يشرحه لك قول السيد- رضى الله تعالى عنه- المنقول عنه فى الكتاب المسمى بالعقد النفيس ص 185 ونصه :وسئل- رضى الله تعالى عنه- عن قوله تعالى:"واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" فأجاب أن لها تفسيرين:

    أحدهما :أن اليقين هو الموت وهو الظاهر فتكون حتى للغايه.

    الثانى:أن اليقين هو أن يرى الشىء عيانا الا ترى أن الواصف إذا وصف لك شيئاً وأنت معتقد اعتقاداً صحيحاً لا يختلجك شك ولا ريب عندك أنه صادق فيما وصف لكنك لم تر ذلك الموصوف فأنت لا تزال تتخيل هذا الموصوف وتتصوره ومعلوم قطعاًأن تخيلك وتصورك لهذا الشىء الذى لم تره لا يطابق حقيقته كمن يصف لك مكة مثلاً وأنت لا تعرفها فتتصورها تصوراً لا يطابق ما إذا رأيتها عيانا.

    فإذا رأى الإنسان حقيقة الأمر أمن به وهو يشاهده وإذا آمن بما وصفه الواصف من مشاهده وإذا آمن بما وصفه الواصف من مشاهدة فهو مؤمن بالغيب.

    والمؤمن إذا عبد الله حق عبادته بقدر استطاعته عرفه الله- سبحانه وتعالى- وإذا عرفه فلا يشهد سواه حتى إنه يحول بينه وبين قلبه أى إذا رأى قلبه بعين البصيره وجد الله حائلا بينه وبين قلبه.

    وبهذه المعرفه تنال المعارف الإلهية التى من لدنه- تبارك وتعالى- وكلما صفا صوفى وصفا قلبه قربت منه أشكال المعارف ألا ترى أن الزجاج أصله حج كثيف ثم لما صفى وزالت عنه الكدورات قرب الأشخاص البعيدة افن الناظرون يقرب الشئ البعيد حتى ان مازادت تصفيته يقرأ الانسان به مكتوبا من مسافة بريد كذلك المنظرة تقرب الشمس من مسيرة أربعة آلاف عام حتى تحرق ما وقعت عليه وهذا أعظم من فعل آصف بن برخيا فانه أتى بعرش بلقيس من مسافة ثلاثه أشهر قبل أن يرتد الطرف وهذه اتت بالشمس من مسيرة اربعة آلاف سنه قبل ارتداد الطرف الثانى فانك اذا ركبتها على شئ احرقته بمجرد وقوعها عليه

    فالنبى صلى الله عليه وسلم وآله وسلم هو عين الوجود وواسطة عقده اخذ من انوار الحق تعالى بقدر صفوة فالاخذ من الله تعالى بواسطته صلى الله عليه وآله وسلم ولله المثل الاعلى ولرسوله فى القوى كآخذ الضوء من الشمس بواسطة الزجاجة وهذا تشريف لهذه الأمه وأى تشريف لأنهم الآخذون بواسطته والآخذ من الله تعالى من غير واستطه صلى الله عليه وآله وسلم كآخذ الشئ من الشمس من دون واسطة الزجاج وذلك لأن رسول الله صلى لله عليه وآله وسلم هو النور الذى قبضه الله من قبضة نوره قال تعالى ( ذد جاءكم من الله نور وكتاب مبين

    فالنور هو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اذ لو كان النور هو الكتاب لكان لفظا متكررا والحق تعالى هو سمعه وبصرة وقلبه الى آخره فكله صلى الله عليه وآله وسلم نور مع أنه متحيز فى بشريته وفى عبوديته والحق تعالى مطلق فى كبريائة وفى ملكوته ( وهو الله فى السموات وفى الأرض ) فى حال كونه على العرش استوى

    فى حال كونه قلب عبده المؤمن وبصره وسمعه سبحانه

    فلسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجهتان وجهة الى الحق تعالى وهو المقم الذى قال تعالى فيهخ ( والله ورسوله أحق أن يرضوه ) فاعاد الضمير بصيغة الإفراد زقال تعالى ( يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا ) فأعاد الضمير بصيغة الافراد وقال صلى الله عليه وآله وسلم فى هذا المعنى ( من رآنى فقد رأى الحق ) وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( ان لى وقتا لا يسعنى فيه الا ربى ) ولذا قال تعالى : ( واذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ) فالحجاب المستور هو كونهم ما رأوا فيه الا الشرية والعبودية اذ لو صدقوه لرأوا ما رأى الذين قال تعالى فى حقهم : ( ام الذين يبايعونك انما يبايعون الله )

    فهو صلى الله عليه وآله وسلم أقرب الكون الى الله بل فوق العرش الحجب سبعون حجابا ما بين كل حجاب وحجاب مسافة سبعين ألف سنه , وغلظ كل حجاب سبعون ألف سنه وفوق ذلك فضاء لا يعلم قدر مسافته إلا الله سبحانه وتعالى والكرسى ووراء هذا كله نور سيد المونين والثقلين الرسول خاتم الأنبياء والمرسلين سيد ولد آدم أجمعين

    ولذا قال صلى الله عليه وآله وسلم حين سأله الأعرابى أين كان الله تعالى قبل أن يخلق الخلق . قال كان فى عماء ( بالمد والقصر ) فازداد السائل حيثره لأنه ان كان بالمد وهو السحب الرقيق فيكون معناه ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله فى ظلل من الغماء ) وإن كان بالقصر فهو الغشاوة على القلب أو العين فاستفاد السائل هذا العلم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبه ازداد حيرة فالعلم بالله تعالى كلما زاد زاد صاحبه حيرة

    وفى هذا المعنى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما لأصحابه ( : ( لو عرفتم الله حق معرفته لمشيتم على البحار , ولزالت بدعائكم الجبال ولو خفتم الله عز وجل حق مخالفته لعلمتم العلم الذى ليس معه جهل ولكن ما بلغ ذلك أحد ) قالوا : وا أنت يا رسول الله ؟. قال : ) ولا انا قالوا ما كنا نظن أن الأنبياء تقصر عن ذلك قال ( الله أعظم من ان ينال أحد امره كله , وراء ما لايعلمه إلا الله

    ومع هذا فهو صلى الله عليه وآله وسلم فى حيرة ولذا قال ( رب زدنى فيك تحيرا ) وهو أيضا مع كونه فى المقام أخوف الخلق من الله تعالى وفى مقام الخوف قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( ليت رب محمد لم يخلق محمداً ) يعنى أنه يتمنى أن لو لم يقبض الحق تعالى قبضة من نورة لتحيز البشرية بل كانت مطلقة فى أصلها وقال أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه ليت أبا بكر كان شجرة فعضها جمل فى فيه فكان بعرا ولم يكن بشرا , فمن كان بالله أعرف كان منه أخوف

    وله صلى الله عليه وآله وسلم وجهة الى الخلق قال تعالى ( واعلموا ان فيكم رسول الله ) وقال تعالى : يا أيها النبى انا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ) لتؤمنوا بالله ورسوله ) وجعله المرسل والمرسل اليه وقال صلى الله عليه وآله وسلم ( لا تدخل الشوكة فى رجل أحدكم إلا وجدت ألمها )

    فهو صلى الله عليه وآله وسلم حقيقة الكون كما أن الشجرة لها ورق وغصون وفروع وعروق وطلوع وزهر وثمر وحقيقة الكل شجر فجميع دعائه صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة الإفراد المراد به أمته فدعاؤه لنفسه عين دعائه لأمته

    فمن صفا قلبه من أمته صلى الله عليه وآله وسلم وتوجه بها الى الله تعالى بواسطة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تفجر من قلبه ينابيع الحكمة وأخذ قلبه أنوار العلم الإلهى فقوى قابلية الوساطة صلى الله عليه وآله وسلم ومن كان كذلك فهو الوارث الذى قال فيه صلى الله عليه وآله وسلم ( العلماء ورثة الانبياء ) ومن لفظ أخذ الشاعر تسمية الصوفى صوفيا فقال :

    لا تحبس لباس الصوف لا بسه

    يدعى به بين أرباب العى صوفى

    تنازع الناس فى الصوفى واختلفوا

    وكلهم قال قولا غير معروف

    ولست لأمنح هذا الاسم غير فتى

    صفا فصوفى حتى سمى الصوفى

    من العقد النفيس

    قولة

    لكونه رجع الى أصبه الذى هو نور الحق الظاهر ... الخ

    شار بهذا الى قوله الله نور السموات والارض ومن معانى هذه الآية الشريفة اى منور السموات والارض وما فيهن بالأنوار الحسية والمعنوية

    الانسان له أصلان التراب والروح فمن والروح فمن أخلد الى الارض واتبع هواه فقد رجع الى اصلة الترابى ومن طهر نفسة ونورها بأنوار العلم والعمل فقد رجع الى أصله الروحانى

    ونور الحق الظاهر هو الذى خلقة الله تعالى بقدرته ثم خلق منه نبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم

    بعد أن خلق الله الارواح بقوله ن اودعها مقرها فهى جنود مجنده تتنزل الى الارض على وفق ما كتب لها اذ لكل روح أجل فى السماء واجل فى الارحام واجل فى الارض واجل فى المحشر واجل فى الجنه واجل فى النار قال تعالى لكل أجل كتاب

    والروح بعد نزولها من الجنين الى الارض تبقى مطلقة الى عهد البلوغ وبعده اما ان تكون متصلة بالنور المحمدى واما ان تكون منفصلة واتصالها بالايمان وانفصالها يكون بالكفر

    والاتصال اما ان يكون قويا بالطاعات واما ان يكون ضعيفا بالمعاصى والاتصال القوى يتفاوت بتفاوت القرب فمن توضأ بماء الغيب فقد رجع الى اصله اى اتصل بالنور المحمدى اتصالا ظاهريا بالتمسك بالكتاب والسنه واتصالا باطنيا بالمحبة الخالصة فيمتد ظاهرا بالمدد الظاهرى والوراثة الظاهرة والاتصال الظاهرى ويمتد باطنا بالمدد الباطنى والى هذا اشار سيدى عبد السلام بن مشيش رضى الله تعالى عنه بقوله

    ( اللهم صل على من منه انشقت الاسرار واتفلقت الانوار

    فانشقاق الاسرار لمن طهرت منهم السرائر وانفلاق الانوار لمن استقامت منهم الظواهر

    وقوله

    وهو أصل الكل

    يعنى فى الامداد كما اشار الى ذلك البوصيرى رحمه الله تعالى بقوله

    وكلهم من رسول الله ملتمس

    غرفا من البحر أو رشفا من الديم

    قال الامام السيد أحمد بن ادريس رضى الله تعالى عنه الذى طارت منه رشاشات فاقتسمتها بحكم المشيئة الالهية جميع المبدعات

    وقال الشيخ الاكبر سيدى محى الدين بن عربى رضى الله تالى عنه

    كذلك عين البصيرة حجابه الريون والشهوات وملاحظة الاغيار من العالم الطبيعى الكثيف الى امثال هذه الحجب فتحول بينه وبين ادراك الملكوت اعنى عالم الغيب

    نور الوجود

    فاذا عمد الانسان الى مرآة قلبه وجلاها بالذكر وتلاوة القرآن فحصل له من ذلك نور ولله نور منبسط على جميع الموجودات يسمى نور الوجود فاذا اجتمع النران تكشف المغيبات على ما هى عليه وعلى ما وقعت فى الوجود غير ان بينهما لطيفة معنى وذلك ان الحسي يحجبة الجدار والبعد المفرط وعين البصيرة ليس كذلك لا يحجبة شئ الاما ذكرنا من الران والكن واشباه ذلك الا انه ايضا ثم حجاب لطيف اذكره وهو ان النور الذى ينبسط من حضرة الجود على عالم الغيب فى الحضرات الوجودية لا يعمها كلها ولا ينبسط منه عليها فى حق هذا المكاشف الا على قدر ما يريد الله تعالى وذلك هة مقام الوحى

    دليلنا على ذلك أنفسنا ذوقنا له ولغيرنا قوله ( وما ادرى ما يفعل بى ولا بكم ان اتبع الا ما يوحى الى ) مع غاية الصفاء المحمدى وهو قوله : ( او من حجاب فمهما ظحهر ممن حصل فى هذا المقام شئ من ذلك على ظاهرة فة حق شخص فتلك الفراسة وهى اعلى درجات المكاشفة وموضعها من كتاب الله تعالى ( ان فى ذلك لآيات للمتوسمين ) من السمة والعلامة كما قلنا ولا يخطىء أبدا بخلافه الفراسة الحكيمة وثم كشف آخر فى الفراسة وذلك أن الله جعل فى العالم حضرة السماك فيها صور بنى آدم وأحوالهم فى أزمانهم الى حين انفصالهم وهى مخبوءة عن جميع الخلائق العلوى والسفلى الال عن القلم واللوح

    فاذا اراد الله اصطفاء عبد وان يخص بهذا المقام طهر قلبه وشرحه وجعل فيه سراجا منيرا من اسمائة خاصة يسرجة من الاسماء الالهية الاسم المؤمن المهيمن وبيده هذه الحضرة وذلك السراج من حضرة الالوهية ياخذه الاسم المؤمن فاذا استنار القلب بذلك النور الالهى وانتشر النور فى زوايا قلبه من نور عيم البصيرة بحيث يحصل له ادراك المدركات على الكشف والمشاهدة لوجود هذه الانوار

    فاذا حصل القلب على ما ذكرناه جعل فى ساحة من ساحات هذا القلب تلك الحضرة التى ذكرناها فمن هناك يعرف حركات العالم وأسراره هـ آخر اجزء الثالث من الفتوحات المكية ص 241 للشيخ الاكبر سيدى محيى الدين بن عربى – رضى الله تعالى عنه

    وانما ذكرت لك هذا الكلام ليكون لك كشرح بنفس عال لكلام السيد أحمد بن ادريس رضى الله تعالى عنه بنفيه العالى حينما قال ( لكونه رجع الى اصله الذى هو نور الحق الظاهر

    قوله

    وإلا تيم بالصعيد

    قال صاحب العلم النفيس أبو العباس الريف السيد أحمد بن ادريس رضى الله تعالى عنه

    التيم : القصد قال الله تعالى – ولا تيمموا الخبيث ) والصعيد : ذات العبد وجسمه التاربى وفيه اشارة الى الصعود بمعنى الترقى يقول ان لم تكن من اهل هذا السر فكن من القاصدين العاقدين انفسهم على تحصيلة الجادين فى طلبة بالتقرب بالنوافل حتى يحبك الله فاذا احبك كان سمعك وبصرك الى آخرة كما أخبر الله تعالى بذلك عن نفسه ولا تتثبط وتهن وتيأس

    وإذا دمت على ذلك الطلب أدركت لا محالة دنيا وأخرى ( إنما الأعمال بالنيات ) ومن يخرج من بيته الى الله ورسوله ثم يدركة الموت فقد رقع أجره على الله ) ( والذين قتلوا فى سبيل الله فلن يضل أعمالهم * سيهديهم ويصلح بالهم

    واصلاحه بتجلى الحق فيه واتساعه حتى يسع الحق ( لن يسعنى ارضى ولا سمائى ووسعنى قلب عبدى المؤمن التقى النقى الورع )

    قوله :-

    الصعيد ذات العبد جسمه الترابى


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    الفصل الثالث : السر

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 2:14 am

    لما تقدم ان السر هو الذى يتوضأ بماء الغيب والذى تغلبت روحة على جسدة فصار روحانيا من عالم ساغ له ان يتطهر بماء الغيب فهو الطاهر فى مرآه البطن فى مجلاه معك وليس معك وأنت معه ولست معه

    فان لم تكن كذلك فاعلم ان جسدك الترابى تغلب على روحك النورنى فامرك بالتوجة الى الجسد لتصلحه بوضع الاكسير من واردات الذكر على كثافته حتى يشف وعلى ثقثله حتى يخف وعلى نومه حتى يقل وعلى عقله حتى يستنير

    ولذلك قال السيد أحمد رضى الله تعالى عنه

    وفيه اشارة الى الصعود بمعنى الترقى يقول ان لم تكن من أهل هذا السر فكن من القاصدين العاقدين أنفسهم على تحصيله الجادين فى طلبه بالتقرب حتى يحبك الله فاذا احبك كان سمعك وبصرك الى آخره كما أخبرك الله تعالى بذلك عن نفسه

    قلت

    لا وصول الى غيب

    مع ارتكاب الذنب والعيب

    أشار السيد أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه الى انه لابد للمريد القاصد من جد واجتهاد بلا كسل ولا رقاد حتى ينال ماناله العارفون ويدرك ما ادركه المحققون

    فلا وصول الى غيب مع ارتكاب الذنب والعيب ولا دنو للأوان إلا لأرباب الورد فى الأوان ولا وضوء بماء غيبهم إلا لمن شرب تسنيم شربهم فمن دفع المهور سيقت اليه الأجر

    ومن كان من الذاكرين الله كثيرا عند المحراب وصف قدميه عند الميزات تنزلت عليه غيوث الرحمه الر حمانية وغسلت قلبه بماء غيبها وسقاه الساقى من زمزمة شرارا طهورا فانتعش الجسم الترابى وامتلا قلبه نورا وطاف بالبيت العتيق طواف الإفاضة بعد أن وقف بعرفات عرفانه وتنزلت على قلبه علوم من منبع فيضان الإفاضة وسعى أحسن المساعى علم أن تيممه بالصعيد يستلزم القيام بالواجبات فأداها والترك للمنهيات فقلاها وان الفوافل سبيل الحب فأكثر من النوافل فسوق ليله بسوقه اليها فى ديجورة حافل وقد رآه الحق سبحانه قبلا عليه بكليته فأتحفه عظيم عطيه ب كنت سمعه الذى يسمع به وبرة الذى يبصر به الى آخر الصفات القريبة فصار مظهرا من المظاهر الغيبية

    ومعنى كنت سمعه يعنى يسمع عن الله لا عن الغير لأن الغير عنه غاب ومعنى ( كنت بصره الذى يبصر به يبصر فعل مكسوا ببديع صنعته وباهر حكمته

    يذكرة الليل اذا أظلم ما أغفله الغافلون والصبح إذا تنفس ما يلهو به اللاهون وتذكرة الأرض اذا كسيت بكسائها الأخضر خضر الجنه

    وتذكرة الثمار باختلاف الوانها غايه المنه ويذكره اهتزاز الأشجار اذا هبت الرياح اهتزاز الأرواح للقاء الحق سبحانه بالعشى والصباح

    ويذكرة اختلاف الألوان باختلاف الأرض فى طبقاتها وتذكرة فصول الزمان اختلاف الكواكب فى دوراتها ولا يرى شيئا إلا ويرى الله قلبه ولا يرى لمخلوق فعلا غريقا فى بحر ( هل من خالق غير الله ) مستبشرا ببشرى ( الله خالق كل شئ ) مفكرا فى التصيل والبيان فى محكم القرآن ( والله خلقكم وما تعلمون

    أيها امريد أطلق لفرسك العنان

    لتصل الى الميدان

    فاين أنت وأين عملك وأين تفكيرك وأين أملك هيهات هيهات تلاشت الأفكار يا أخانا فى هذا الميدان فلا سباق لفارس فيه وغابت الارواح عن الاشباح عند ظهور الحق سبحانه وتعالى وتجليه وكلامى هذا واضح عند كل عارف يدريه

    فان لم تكن كنهم فانهض بجد واجتهد وأطلق لفرسك العنان حتى تصل الى هذا الميدان فهناك ابواب وبوابون وحجاب واقفون فاذا وصلت اليهم استقبلوك ورحبوا بك وحيوك ومن على فرسك أنزلوك وعلى كرسى العز أجلسوك وقدموا لك شراب قوله تعالى ( ولله العزة ولسوله وللمؤمنين ) فلما شربته روحك اعتزت بربها وتذكرت قول القطب الغوث السيد عبد القادر الجيلانى رضى الله تعالى عنه

    ( بسم الله العزيز معتز بعلو عزه وكل عزيز بعزه الله يعتز

    يقول ) صالح الجعفرى

    رضى الله تعال عنه

    عزيز أعز العرفين بعزه

    وتوجهم بالعز من بعد ماذلوا

    لباسهم التقوى وبالوح أقبلوا

    على الله بالذكر الكثير وما ملوا

    تذل تبتل قدم نوافلا

    كمن عرفوا المحبوب فى ليلهم صلوا

    فكان لهم سمعا وكانوا به له

    على العهد قد وفوا وفى حبهم جلوا

    فإن لم تكن منهم تيمم بصاعد

    كمن جاهدوا للنفس حقا فما ذلوا

    فإن شئت أن تحيى سعيدا فهذه

    سبيل دوى الإسعاد ساروا وما ولوا

    لأحمد بن ادريس ورد كمزنة

    فكم أخصبت أرض القلوب بما يحلو

    فعرج على أحزابه وطيرقه

    فدنياك حر والطريق هو الظل

    ويأتيك ابن ادريس مهما أردته

    فما غاب عن أهل الطريق وإن كلوا

    وفى ورده من ورده

    لك العطر والياسمين والمسك والفل

    وريح لدنياك الدنيئة منتن

    ولا جمع بين الحس والقبح يا خل

    فمن طلب الدنيا رأيناه مبعدا

    ومن طلب الأخرى يجئ له الكل

    عباد الله هلموا الى طريقنا

    ( والا تيم بالصعيد ) خذ بجسمك الترابى من الترح الى التهليل العالى حتى يتهلل وجهك بالنور والفرح وهو ( لا إله إلا الله محمد رسول الله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله ) فإنه لا شئ مثلها لذنوبك يهدم فهلم ثم هلم الى طريقنا أقدم

    طريق الله يا ناس ما فيه غبار يصلح لتاليه ويزيل عنه الأغيار وايش يريد بالدنيا من طلق غوالها الدنيا ملعونه وملعون كل ما فيها إلا ذكر الله والأنبياء والمرسلين والعلماء والأولياء العارفين المتقين والمسلمين والمؤمنين وكل وسيلة موصلة الى الرحمن

    وماذا تريد من الدنيا يا إنسان ما خطرت يوما على قلوب من عرفوها ولا من ربهم فى حضرة قربه طلبوها سبحان الله يا هذا ما أكل الجيفه غلا كلب عقور ولا ضل الطريق إلا من فقد النور

    ويشتد الحال عند شم ريح الجيفة لمن تعود شم بخور المسك ودخانه وللنجس دخان ولولا شمك ما ميزت بين الدخانين ولولا إيمانك ونور بصيرتك ما ميزت بين الدارين ولا اخترت حزب الله من الحزبين

    قوله

    وبالصخر

    قال الشريف مولاى السيد أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه

    الصخر هو العزم القوى الصلب الذى لالين فبه بوجه من الوجوه والصبر لأن الصبر من الأمور بمنزلة الرأس من الجسد من صبر على الطلب بلغ الأرب ونال أعلى التب ومن علت همته فى الله بلغت به إلى مناه

    قوله :-

    العزم القوى

    أى اقصد العزم القوى فيكون إطلاق الصخر على العزم القوى فيه استعارة تصريحة كقوله : اقصد البحر فى حانوته أى الرجل الكريم والعزم القوى فى النية لأنها العزم على الشئ مقترفا بفعله فكأنه يقول إذا لم تكن ذا سر فعليك بفعل الصالحات لأنها منبع السر ولا تؤخر عزما لصحته مع الاستطاعة على العمل كما قال ابن الفارض رضى الله تعالى عنه

    ................... فحظك الـــــ

    بطالة ما أخرت عزما لصحة

    وكما قيل

    على قدر أهل العزم تأتى العزائم

    وقوه العزم تشعر بقوة الإيمان قال عليه الصلاة والسلام : ( المؤمن القوى خير من المؤمن الضعيف ) أراد بالقوى قوى الإيمان والروح والقلب لا قوة الجسد لأن قوة الجسد مع ضعف الإيمان لا قيمة لها

    ويدل على ما قال سيدى أحمد – رضى الله تعالى عنه قول الله تعالى ( يا يحيى خذ الكتاب بقوة ) فلمكا أخذ الكتاب بقوة ونشاط وعزم استحق العطاء قال تعالى : ( وآتيناه الحكم صبيا ) فنال حكما وعلما قال تعالى وكلا آتينا حكما وعلما ) وقد جرت العادة على أن الإمداد على قدر الجهاد والجهاد على قدر الاستعداد والجهاد تتبعه الهدايه الى الطريق المقصود قال تعالى ( والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا ) وأجل الجهاد أسماه وأفضلة وأعلاه

    وجد بخط سيدى محمد بن على السنوسى على أحزابه ما نصه :

    وجد بخط المؤلف أى سيدى أحمد بن إدريس رضى لله تعالى عنه :

    ( الصدق سيف لا ينبو , وواد لا يكبو وهو السلطان الأعظم فى الإدارة فإن تكمن فى مملكته لا يقف لصاحبه شئ فلذلك وقع الابتداء به )

    شبه السيد أحمد رضى الله تعالى عنه الصدق بالجواد القوى الذى يسرع بصاحبه الى المقصود لأنه يلزم من التصديق بالجنه الصدق ويلزم منه المسارعة الى المصدق به فالصدق جواد قوى وسيف بتار

    أيها المريد جاهد تشاهد

    فاركب جوادك يا عبد الله وادخل به ميدان الرجال ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه

    واضرب بسيفك شيطانك وأهواء نفسك مجاهدا بكتاب ربك ( وجاهد به جهادا كبيرا ) أى بالقرآن حتى تكتب مع الذين عرفوا الحق ولا زموا الأوراد وجاهدوا فى سبيل ربهم حق الجهاد ( وجاهدوا فى الله حق جهاده )

    فمن جاهد حق الجهاد فقد بلغ الوداد ومن بلغ الوداد وصل الى المراد ومن وصل الى المراد فقد المراد ومن فقد المراد ركب الجياد جاهد حق الجهاد وأشهر البتار ومن أخذ البتار كشفت له الأستار وظهرت له الأنوار وخاض من الحب المعامع ماله من دافع وقلد سيف الرهبه والهيبة فتاه بمكة وتاره فى قبض وتاره فى مقام الصدق العلى كعلى وتاره فى مقام السماع الإلهى .

    فعليع بطريقنا ها الى من أخه كان كفاله من منه امتدت جداويل جميع الإلهين صلى الله عليه آله وسلم لتكون عبدا الهيا ربانيا محضا من جميع الوجوه حتى تنظر الى الدنيا نظر المستريب ليظهر لك السر العجيب

    فما سر ظهر لمن اليها نظر ولا كشفت الحجب لمن طلب فيها الرتب ولا جالس أهل الحضرة الالهية من جالس أهل الدنيا بالمحبةو القلبية

    ولقد نفضنا قلبنا منها نفض القديم هباها عندى كالحديد ان شاء الله تعالى لا أغير بها كمن غرتهم وأشغل بها كمن شغلتهم وأراك لا تزال تخوض لججها كالخائضين وتأكل غثها وسمينها كالااكلين فمهما كتبت ومهما ألفت فانا نرى منك مالا تراه أنت

    أفق من غفلتك وأنانيتك وعليك بأحزابنا التى تغسل قلبك بماء الغيب وتجعلك ا سر وبر فما طلبته من أمر آخرتك ففى الزاخرة وما طلبته دنياك ففى جواهرها المتناثرة فما أسوأ حظ من تكاسل عن خير أخراه وما أشغله عن لك إلا شيطانه وهواه

    فلا أراك بعد ها الحال إلا أن توالينا موالاه الروح للجسد ولقد طال الزمان معرفتك بناء وإنا لنأسف غايه الأسف عليك إ لم تشرب من شربنا فما أعددناه إلا لأمثالك فجرد قلبك عن حبك لنفسك ومالك ولا تعتمد على مادرسته من علوم ولا على اقبال الناس عليك فانما الإقبال هو اقبال الخق عليك واقبالك عليه

    أم آن لك أن تجول بروحك فى الأحزاب الخمس التى هى بعدد الصلوات الخمس وما أثقلها الا على من خشع وما أبعد معنيها الا لمن اتبع

    أيها المريد

    ليس لنا من معول الا على الواحد الأحد

    فاتبع ما بلغك من حالنا وتخلق به وما حالنا الا الكتاب والسنه فهل انت كذلك ؟ ولقد فررنا من ملكها ووظائفها فرارك من الاسد ولم يكن لنا معول الا على الواحد الاحد وكان حظنا منها ما بلغك فهل بلغت به ما اردت ؟ ام تلايد بغير عن شخك فان قوافله سارت مشرقة وسرا مغربا

    سارت مشرقة وسرت ومغربا

    شتان بين مشرق ومغرب

    فروحنا مع من يشبه روحنا وحالنا مع من يشبه حالنا فهئ روحك لذلك ودعك من وسواسك وخيالك فلو كشف لك الحجاب لرأيت العجب العجاب

    وانى لأرجو الله بما رجوته لإخوته ممن توجهوا الى ذلك الورد الثافى الأحمدى المحمدى ففتحت لهم أبواب نفائسة بعلمه النفيس فلا غرابه فانه ورد ابن ادريس كان الله لك ولإخوتك معينا وآخذا بكم الى مشاهدته التى تؤهلكم الى مراقبة فى جميع أحوالكم آمين

    فما صلينا فيها بالأجرة ولا شغلنا عن شهوده كسوه ولا مال قلبنا الى زهو ولا لهانا عن الحق لهو فجاهد نفسك للتخلص من جميع ذلك لتصل الى مناك فقد آن وقت رحيلك فما خلد فيها من سبقك والى متى انت مشغول بدنياك والجهاد عليك

    واعلم بان راحتك فى مد راحتك الى خير من تمد اليه الايدى واجعلها عن مدها الى سواء فى قيد فاذا مدتها اليه كسيت الذله فشتان بين عز وذل ومفضال وكل

    إيش هذا النوم الكثير كأنك قد خلقت للطعام والمنام ؟ اذا لم تصم انت فمن الذى يصوم ؟ واذا لم تقم أنت فمن الذى يقوم ؟ايقوم الاعلااب سكان البوادى ؟!أم قطاع وارباب النوادى ؟!

    كتف تركته وما تركناه ؟ وكيف هجرته وما هجرناه ؟ فهو طريقنا وعليه المعول فى الوصول فما عدنا من بدع لكن مبدعات ولا خرافات ولكن حكم بينات أين القرآن ؟ أين القرآن ؟ أين أنت من القرآن ؟ أين أنت من القرآن ؟ أين أنت من ابن ادريس ؟ أين أنت من ابن ادريس ؟ أين أنت من ابن ادريس ؟ أين أمن من ابن ادريس ؟ إيش هذا الحال ! إيش هذا الحال !

    حالك ما يعجب يا نوام

    أترك منامك

    إيش كتبوا لك لاأقلام

    أقلل كلامك

    أجزل فى الإنعام للأرحام

    تلق مرامك

    صل كثيرا مدى الأيام

    شاهد إمامك

    على النبى خير الأنام

    يسمع سلامك

    والصبر : باؤه بذلوهو بذل الأنفس والمهج ونزع الضيف والحرج لفتح أبواب الفرج وشم نسيم الأرج فما خاب من بذل والممسك عن هذا ذل وإن هددوا بالقتل حنوا

    ومشارب الأوليا تختلف فمن ذلك ما نقله العارف بالله تعالى أبو بكر محمد بن إسحاق البخارى الكلاباذى

    ( المتوفى سنة 380 هـ )

    قال : سمعت ابا القاسم البغدادى يقول : سمعت الدروى يقول : كنا ليله العيد مع أبى الحسن النورى فى مسجد الشونيزى فدخل علينا إنسان فقالللنورى أيها الشيخ غدا العيد ماذا أنت لابسه ؟ فأنشأ يقول :

    قالوا غدا العيد ماذا أنت لا بسه

    فقلت خلعة ساق عبده جرعا

    فقد وصبر هما ثوباى تحتهما

    قلب يرى ربه الأعياد والجمعا

    أحرى الملابس أن تلقى الحبيب بها

    يوم التزاور فى الثوب الذى خلعا

    الدهر لى مأتم إن غبت يا أملى

    والعيد ما دمت لى مرأى ومستمعا

    قال : [ سيدنا ومولانا عالم زمانه وغوث أوانه فضيلة الشيخ صالح ] الجعفرى عفا الله عنه [ ونفعنا آمين ]

    لما سألوا الشيخ عن ثياب العيد أجابهم بأنه أعد الكسوة التى تكرم بها عهليه خالقه وهى خير لباس قال تعالى : ( ولباس التقوى ذلك خير ) ومن ضمن ما نسج به هذا الثوب الفقر الى الله تعالى فى جميع الأمور ( اللهم إنى أعوز بك من الفقر إلا اليك ) وصبر على بلاء الله تعالى وقضائه وقدرة قال الله تعالى ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) وتحت الثوبين قلب يرى رضاء ربه عليه هو الأيعاد والجمع ويقول خير الملابس للقاء الله تعالى الثوب خلعه عليك فى الحياه الدنيا فمن كساه الله فى حياته لباس التقوى لقيه به بعد مماته وكان عنده من المكرمين ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) ويقول حياتى كلها حزن ومأتم إن غاب الشهود الإلهى عن قلبى وأنا فى عيد وفرح وسرور ما دام الشهود الإلهى لى أمرى ( أو لم ينظروا فى ملكوت السموات والأرض ) ومستمعا ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه )

    وقد وجدت بخط الشيخ عمار التونسى نقلا عن الشيخ الرزقانى ما نصه : الشيخ معروف بن فيروز الكرخى نسبه الى كرخ بغداد من المشايخ الكبار شيخ السلسلة أستاذ السر السقطى كان ابن حنبل وابن معين يختلفا اليه ولم يكن علم الظاهر مثلها فيقال لهما : مثلكما يفعل مثل ذلك فيقولان كيف نفعل إذا جاءنا أمر لم نجده فى كتاب الله تعالى ولا فى سنه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( سلوا الصالحين ) كان أبواه نصرانيين فسلماه للمعلم طفلا فقال : قل : ثالث ثلاثه . فيقول بل اله واحد فضربه ضربا مبرحا فهرب وأسلم

    وهو من موالى السيد على بن موسى الرضا وزأسند الحديث عن جمع وكان مجاب الدعوه وكراماته وفوائدة كثيرة وكان يهدى إليه طيبات الطعام فيأكل , فيقال له إن أخاك بشرا الحافى لا يأكل فقال إن أخى حبسه الورع وأنا بسطتنى المعرفة إنما أنا ضعيف فى دار مولاى مهما أطعمنى أكلت مات سنه مائتين وقيل إحدى ومائتين والدعاء عند قبره ببغداد مجرب بقال من قرأ عنده مائة مرة ( قل هو الله أحد ) وسأل الله ما يريد قضيت حاجته ومثله إذا وقف الزائر بين ٌبر أشهب وابن القاسم رضى الله تعالى عنهما بالقرافه ويقرأ سورة الإخلاص مائة مرة ويدعو مستقبلا القبله يستجاب له اهـ عن الشيخ الزرقانى رحمه الله فى شرحه على المواهب اللدانيه

    والصبر : باؤه إشاره الى رباب الله فمن صبر عند قرع باب الله تعالى ظفر قال الشاعر

    أخلق بذى الصبر أن يحظى بحاجته

    ومدمن القرع للأبواب أن يلجأ

    وباب الله تعالى هو الباب الذى من دخله تال جنه المساهدة فى الدنيا وجنة النعيم فى الآخرة ولكنه يحتاج الى صبر ( حفت الجنه بالمكاره )

    قال ابن الفارض رحمه الله تعالى

    فقلت لها يا قرة العين هل الى

    لقاك سبيل ليس فيه موانع

    فالحاسم للموانع هو الصبر فمن فد ازال الموانع ورفعت له البراقع فيظل ما بين راكع وساجد وقلبه بالمساجد ( تراهم ركعا سجدا )

    والراء رحمه الله تعالى لأن من دخل بابه وجد رحمته ولها الأسبقية لمن استبقوا الخيرات ( سبقت رحمتى غضبى ) , ( فاستبقوا الخيرات ) , ( والسابقون السابقون * أولئك المقربون )

    ( ففروا الى الله ) أدخلوا بابه تجدوا رحمته فهو أرحم الراحمين

    والصبر للنفس كالعقل فمن لا عقل له فهو مجنون , ومن لا صبر له فهو كالمجنون ,ولذلك ما من نبى إلا وقد صبر

    قوله

    لأن الصبر من الأمور بمنزلة الرأس من الجسد

    قلت لأن الصبر كالحياه وجسد بلا رأس ميت فالصبر حياه وعدمه موت كالرجل الذى رجع من الجهاد وقد آلمته الجراحات فلم يصبر نفسه فكان بفقد صبره

    وقوله :

    فمن صبر على الطلب بلغ الأرب

    جعل السيد رضى الله تعالى عنه السبيل الموصل لقضاء الحاجات هو الصبر فمن سلكه وصل لمقصده وناله ومن لم يسلكه ضل الطريق

    وقوله :

    ونال أعلى الرتب لقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( واعلم أن النصر مع الصبر ) والدرجات والرتب متوفقة على مخالفة النفس والمخالفة متوفقة على الصبر قال تعالى ( إذا جاء نصر الله والفتح ) فالصبر أولا والنصر ثانيا , والفتح ثالثا

    وقوله :

    ومن علت همته فى الله بلغت به الى مناه


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    الفصل الرابع : الهمة

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 2:20 am

    قلت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( علو الهمة من الإيمان ) وفى كلام الشريف سيدى أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه إلى تلميذة الشريف سيدى محمد عثمان الميرغنى رضة الله عنه فى خطاب أرسله اليه ( يا بنى أعنى على نفسك بعلو همتك )

    واعلم يا أخانا أن علو الهمه يبلغ بصاحبة الى القمة فاذا علت فقد علا بها صاحبها وعلوها بالله ةفى الله وهى التوجه الخالص المحض الى حضرة الحق سبحانه كما قال سيدى أحمد رضى الله تعالى عنه

    شغلت بحسن وجهكم عن شواغلى

    وكما قال رضى الله تعالى عنه :-

    ولم يبق لى جسم يلذ بغيركم

    كأنى بالعرش المجيد معلق

    وهكذا يا عبد الله كلما علت همتك طهرت ذمتك , وكلما اذدت فى الطاعات علوت فى الدرجات علو فى الحياه وفى الممات قال تعالى ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات )

    واعلم أن روحك أنزلت من السماء وجسدك من الأرض فإن عملت بما أنزله الله من السماء وفعت أعمالك الى السماء وتاقت روحك الى العلياء ةان لم تعمل به أخلد جسمك بروحك وعملك الى الأرض فلا تفتح لك ولا لعملك أبواب السماء

    فمن كانت همته فى الارض فهو فيها وإن كان يمشى عليها ومن كانت همته فى عباده رب السماوات متشبها بسكانها فهو فيها وان كان بالغبراء فلا غرابه اذا خرقت له العوائد ونوعت له الموائد فقد هام بهمته وذاق كأس محبته وقدح زناد قلبه بزاد الشوق فاستنارت جوانبه فصارت الجمادات تخاطبة وتلا الشفاء فشفا قلبه فشف ونهض جسمه فخف فجاهد فشاد سبل ربه فهدى اليها بالله قال تعالى ( والذين جاهدوا لنهديهم سلبا ) فكم لله من ماهد وكم من مشاهد وكم من عارفن وكم له من قائمين

    فحرك بعلو همتك زمام راحلتك , لعل بذلك تتحرك أعمالك برياح شوقك فتضطرب أمواج بحر عملك مخلصا للديان فيخرج منه اللؤلؤ والمرجان فتتلألأ عرائس أعمالك وتتحلى بلؤلؤك ومرجانك وتتوج بقمر إسلامكوإيمانك فتسمع النداء الحق من الملك الحق ( هذا ما توعدون لك أواب حفيظ من خشى الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب )

    قال الشريف السيد أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه قوله

    وقدم إماما كنت أنت أمامه

    الإمام المطلق هو النبى صلى الله عليه وآله وسلم ( واتبعوه لعلكم تهتدون ) , ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ) ومن أحبه الله كان سمعه وبصره كما يليق به

    قال العبد الفقير الشيخ صالح ] الجعفرى [ رضى الله تعالى عنه ]

    الإمام المتقم على غيره والنبى صلى الله عليه وآله وسلم إمام امخلوقات لأنه أول ما خلق الله نوره صلى الله عليه وآله وسلم ( أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر ) أخرجه الحافظ عبد الرازق فة مسنده

    وهو صلى الله عليه وآله وسلم أول النبيين قال عليه الصلاه والسلام :- ( كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد ) أخرجة الترمذي وقد صلى بجميع الأنبياء والمرسلين – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ليله الإسراء أخرجة البخارى وغيره

    وأيضا فهو صلى الله عليه وآله وسلم يؤم ويقصد يوم القيامه للفاعة وأيضا يؤم ويصد يوم القيامه للشفاعه وايضا يؤم للاستغفار قال تعالى ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ) وايضا يؤم ويقصد صلى الله عليه وآله وسلم بالسلام المقربون بالنداء مع التفخيم فىكل صلاة ( السلام عليك أيها تلنيى ورحمة الله وبركاته )

    واعلم يا عبد الله وافتح مسامع قلبك لما سيلقى هعليك أن القبلة قبلتان : قبلة الجسد وى الكعبه المشرفة وصحة الصلاة متوفقة على التوجه الىالكعبه وصحتها باطنا متوفقة على توجه الروح اليه صلى الله عليه وآله وسلم فيلاحظ فى بدء صلاته أنه متوجه الى الكعبه ويلاحظ فى ختامها انه متوجه اليه صلى الله عليه وآله وسلم

    فهذا بيت الله وأمر الله تعالى استقباله قال تعالى : ( وحيث ما كنت وفلوا وجوهكم شطرة ) وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذى جعل الله تعالى بيعته بيعته وطاعته كذلك قال الله تعالى L ان الذين يبايعون انما يبايعون الله ) , ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) وهو صلى الله عليه وآله وسلم الوسيلة المقبوله الذى اذا توسل به الظالم لنفسه وجد الله توتبا رحيما فكيف يكون حال الطائع

    وكأننا فى صلاتنا نجئ اليه صلى الله عليه وآله وسلم مسلمين لنجد الله توابا رحيما وسلامك يبلغه صلى الله عليه وآله وسلم كما فى صحيح البخارى : ( إن هذا السلام ) الذى فى التشهد ( يبغ كل عبد صالح لله من أهل السماء والأرض ) والنبى صلى الله عليه وآله وسلم خير الصالحين وإمامهم وتحصل بذلك فوائد

    الأولى : أنه عليه الصلاة والسلام يشهد لك بأنك تصلى وأكرم بها من شهادة

    الثانية : أنه يرد عليك السلام .

    الثالثة : أن الدعاء منه صلى الله عليه وآله وسلممستجاب والسلام دعاء

    الرابعة : أنك تكون آمنا فى الدنيا والآخرة إذ السلام معناه الامان

    الخامسه : تنالك رحمة الله تعالى فى الدنيا والآخره

    السادسة : تنالك بركة الله تعالى فى الدنيا والآخرة وذلك عام لك ولأهلك وأولادك وأموالك

    وهكذا شاهدنا حال المصلين فى الدنيا مبدعين عن الهلع والجزع والبخل قال تعالى : ( إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا * إلا المصلين ) لأن بركات دعائه صلى الله عليه وآله وسلم حاصلة لهم , ولا ينكر ذلك إلا مكابر وكيف لا يكون كذلك وقد أرسله الله تعالى رحمه للعاملين ؟ قال تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمه للعالمين ) والمصلون فىأولئل المرحومين به صلى الله عليه وآله وسلم قلت بفضل ربى تعالى فى إحدى قصائد الكتاب المسمى :

    المدائح المقبولة

    رسول الله قد أنزلت رحلى

    ببابك والسلام عليك منى

    لعلمى أنك الحصن المعلى

    فنعم الحال والمختار حصنى

    لأنك رحمة الرحمن عمت

    جميع الخلق من انس وجن

    وروضته الشريفة يا أخانا

    تسر القلب من هم وحزن

    بها روح وريحان ونور

    بها سعدى وإرشادى ريمنى

    بها المختار بساما تراه

    يحيى الزائرين بكل أمن

    يبشرهم بما جاءوا اليه

    ويشفع للجميع بلا تأنى

    وقلت فى الرائية

    يا رحمة الله عمت كل كائنة

    فى العالمين وفضل الله ينشر

    وقلت بفضل ربى تعالى

    إن الصلاة صالة الإنسان

    تاركها يكون فى حرمان

    توصل العبد الى مولاء

    وعن قبيح فعله تنهاء

    قبلتها الكعبه للأشباح

    والهاشمى قبةلا أرواح

    والله مولانا العظيم الأكبر

    منزه عن كل شئ يخطر

    تشهده بالقلب لا بالعين

    منزه عم زمن وأين

    فيدرك الأبصار والقوبا

    وكل مخلوق يرى محجوبا

    عن أن يراه أو يرى مثالا

    جل اله العرش قل تعالى

    ويشهد النبى بالصلاه

    لكل من صلى من الهداه

    ويبلغ السلا للمختار د

    يرده بالحب فى وقار

    فيحصل الأمان بالرحمات

    لكل من صلى وبالبركات

    فى نفسه وأهله وماله

    ورزقه كذاك فى عياله

    ولا يكون هلعا جزوعا

    مضطربا معسرا منوعا

    وذاك من أجل النيى يرحم

    فى هذه الدنيا به ويكرم

    لولاه ما صمنا ولا صلينا

    ولا عرفنا الله واهتدينا

    بيعته البيعه للرحمن

    طاعته الطاعة للديان

    أبشر به يا من أزل الرانا

    وانظر له فانه يراا

    وهذه نهاية الطريق

    لإبن إدريس على التحقيق

    منه اليه فى مقام القرب

    منك اليه فى مقام الحب

    وسالك هذا الطريق قد يصل

    فى مده وجيزه وينفصل

    عن سائر الأغيار بالأنوار

    لا سيما فى حضرة المختار

    فاكتم أخانا السر عن سوانا

    واشرك اله العرش إذ هدانا

    أحزابنا الجنه والشهود

    ياشهدها المشود والوجود

    يا عزها لمن أعز الله

    ياغيثها لزاهد تلاها

    يا خيرها لمن خلا فؤاده

    يا ودها لمن نما وداده

    يا بحرها الزاخر بالمعانى

    ممزوجة بدرر القرآن

    يا نورها الوضاء فى الظلام

    يا بدرها الموصوف بالتمام

    يا حسرتى على الذي تلاها

    ولم يلح لقلبه سناها

    أيش الذى يبغيه من دنياه

    والرازق المعبود قد كفاه

    ي أيها المريد ي أخانا

    يا من أحب وردنا أتانا

    أيش الذى دعاك أن تميدا

    بعد ظهور الحق أو تحيدا

    ما عندنا لهو ولا غرور

    ولا خرافات ولا ظهور

    بل عندنا الله هو الوقصود

    الواحد الموجود والمعبود

    فة حضرة المختار خير الخلق

    مستغرقا مشاهدا للحق

    مشهدنا شهد عظيم المنه

    فى سور القرآن ثم السنه

    وشيخنا يزأر كالأسود

    وينظر الآخذ فى الورود

    كأنه الشمس له شعاع

    والمنكرون سره قد ضاعوا

    شيخ الشيوخ فارس الميدان

    فذاك ابن ادريس ذو العرفان

    إن كنت قد سلكت للطريقة

    لابد يوما أن ترى الحقيقة

    وشيخنا فيها هو النبى

    هذا طريق ورده سنى

    يا أيها الناس الى طريقى

    تقدموا لتشربوا رحيقى

    يا طالب الدنيا فعنا ولى

    ما نقبل المغرور فى التجلى

    ما نقبل المدفوع فى هواه

    ولا بنو طريقنا ترضاه

    إيش حال من يقلبها لعاب

    فحاله مآله سراب

    نريدها أخرى وذا يريد

    حطام دنياه فذا تبديد

    اسمع كلامى لا تخالف فنى

    يا طالب الدنيا فبعدا عنى

    ومنهج الشيخ هو الأحزاب

    سيرته السنه والكتاب

    وكل ما خالف لا نرضاه

    فاحذر من التغيير أن تهواه انتم صلاة الله بالسلام

    على النبى أحمد الإمام

    وآله والتابعين السنه

    والحمد لله عظيم ===

    ما الجعفرى سأل الرحمن

    مغفرة ورحمه أمانا

    قال سيدى صاحب العلم النفي أبو اعباس السيد أحمد بن ادريس الشريف الحسنى رضى الله عنه

    قوله

    كنت أنت أمامه

    أى صيرت نفسك أمامه وخلفته وراءك باتباعك هواك

    الإمام يقتدى به ومن تقدم عليه فقد تعدى فإذا تاب فقد رجع واقتدى بإمامه وهذا كنايه عن عدم العمل بالشريعه الغراء وأما عند الفقهاء فالتقدم ممتنع عندالشافعية وكرة عند المالكية بلا عذر ثم بين أن التخلف هنا ليس على حقيقته بقوله باتباعك لنفسك وهواك

    قال تعالى L إن النفس لأمارة بالسوء ) وقال تعالى : ( ولا تتبع الهوى فيضك عن سبيل الله ) والهوى نوع من أنواع رغبات النفس , قال تعالى : ( إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس )

    قال البرعى رحمه الله

    وخالف النفس فى هواها

    إن اتباع الهوى هوان

    وقال الشاعر

    نون الهوان من الهوى مسروقى

    فإذا هويت فقد لقيت هوان

    وقلت

    إحذر هواك فإنه يهوى بمن

    ملك الهوى أعناقهم فى الهاويه

    ان القوى هو الذى غلب الهوى

    ليس الذى غلب الأسود الضارية

    كم من مريد قد أضر به الهوى

    لو كان يعقل ما تمنى الفانية

    واعلم أن النفس على قسمين : نفس تتبع الهوى , وهى الأمارة بالسوء قال تعالى : ( إن النفس لأمارة بالسوء )

    ونفس تائبه راجعه الى بها وهى المرحومة بالتوبه والرجوع الى الله تعالى قال سبحانه : ( إلا ما رحم ربى ) ومن أجل الرحمات دخولها تحت قول سيدى أبى القاسم الجنيد رضى الله تعالى عنه : ( وقدم إماما كنت أنت أمامه ) وفى هذا المقال ينال مقام المتابعه , ثم الوراثة ثم الفيوضات ثم المكاشفات ثم المشاهدات الخرجه عن المحسوساتوالمعقولات وهناك يترنم الروح الموهوب بقول المحب الحجوب :

    زدنى بفرط الحب فيك تحيرا وارحم حشا بلظى هواك تسعرا

    وهناك ي أخانا لة رأيت القوافل فى الميادين الحافلة عند وراء ما وراء العقول العاقله لأمسكت لجام جوادك حتى تحفل بأورادك فما جند غير مجند لنفسه خاج الى يقينه عن حسه وعن حدسه الى حظيرة قدسه ما وضع قدمه فيها مضطرب الأقدام ولا من أضاع السهر والقيام ولا من لم يسمع أنغام طيور عدنه سماعا ربانيا بأذنه فتطربه الأنغام طربا يسوقه الى الأمام هناك الهناء والمنافع أو غرد قمرى على الأيك ساجع :

    فأذنى لم تسمع سوى نغمة الهوى

    وإنى منكم لا من الطير سامع

    ولاح للروح من جانب الغور لائح وفاحت لها بالرقمتين روائح فتحركت الروح تحرك الولهان وغاب صاحبها عن الزمان والمكان فنادى فى حضرة ذكرة مع المحافظة على


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    الفصل الخامس : الله

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 2:22 am

    سرة : ( الله . الله )

    خل الغرام لصب دمعه دمه

    حيران توجده الذكرى وتعدمه

    وذلك هى سيدى صاحب المقام العالى : السيد محمد الشريف بن سيدى عبد العالى رضى الله تعالى عنهما وأرضاهما وجعل الجنه متقلبهما ومثواهما

    قال السيد الشريف سيدى أحمد ابن ادريس رضى الله تعالى عنه

    لأن من لم يكن من أهل هذا الشأن يصيب تارة ويخطئ تارة لكونه لا يدرى شيئا ولم يسلك سبيلا فضلا عن أن يقفوا أثرا ويضع القدم موضع القدم بتقديم الإمام ولا يعلم أنه تقدم وإن تلاه فإنما يتلوه بطريق الاتفاق لأنه من شأنه ذلك فهو مطلق غير مقيد بالإمام لعدم رؤيته ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) فليس من الذين قيل فيهم : ( إتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله ) لأنه إلى الآن لم يؤت النور .

    قوله رضى الله تعالى :

    لأن من مل يكن من أهل هذا الشأن يصيب تارة ويخطئ تارة لأكونه لا يدرى شيئا

    قال راجى رحمه ربه ومغفرته وعافيته وعفوه صلى الله عليه وآله وسلم ] صالح الجعفري [ رضى الله تعالى عنه ] :

    عنه حال المتقين الذين ليسوا من أهل المشاهدة وأنهم يصيبون تارة ويخطئوت تارة وقد جعل إصايتهم اتفاقية , لأنها ليست عن مشاهدة لذلك نزلها منزله العدم وحكم على صاحبها بأنه قد تقدم على إمامه

    وعلل ذلك بعدم الرؤيه وضرب له المثل بالأعمى

    ويؤخذ من كلامه أن أرباب المشاهدات لا يخطئون وإن كانوا معصومين وذلك بسبب قربهم من المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم ومشاهدتهم له واجتماعهم به فى جميع احوالهم كما قال سيدى الشفا سلاله المصطفى ابو محمد سيدى ومولاى الشريف السيد أحمد بن ادريس رضى الله تعالى عنه فى صلاته العظيمة : ( واجمع بينى وبينه كما جمعت بين الروح والنفس ظاهرا وباطنا يقظة ومناما واجعله يا رب روحا لذاتى من جميع الوجوه فى الدنيا قبل الآخرة يا عظيم )

    وقال رضى الله تعالى عنه : ( وتجل لى يا إلهى بحلاوة الإيمان ولذة التقوى ).

    وانظر يا عبد الله الى هذا الكلام العجيب الغريب واستمع اليه سماع منصت أريب اعلم أن حلاوة الإيمان قد أدركتها الأرواح بواسطة الخطاب الأزلى جينما قالوا : ( بلى ) وقد أشار اليها سيدى سلطان العاشقين عمر بن الفارض رضى الله تعالى عنه بقوله:

    ولى فى هواها نشوة قبل نشاتى

    ستبقى معى ابدا وان بلى الجسم

    لان العاشقين للذات الاقداس قالوها بفرح وسرور ونشوة لانهم سمعوا خطاب الحبيب كما قال سيدى الغوث ابو مدين رضى الله تعالى عنه :

    فلو سمعت اذناك حلو خطابنا

    لمت غراما واشتياقا لوصلنا

    وحلاوة تدركها الروح عند سماع الخطاب الثنى وهو القرآن وهى تتفاوت بحسب مقامات الرجال وأجلها ما أشار اليه سيدنا الشريف الصفى الوفى الرضى السيد أحمد ابن ادريس رضى الله تعالى عنه بقوله : ( حتى أتلوه بلسانه الذى يتكلم به ).

    اقبلوا عليناعباد الله

    ايش تقول يا أخان فى هذا المقام والله ما يدرك الا بالأذواق التى تتضاءل معها سعة الأوراق أقبلوا علينا عباد الله الى ما دعوناكم اليه فما دعوناكم الا الى الكنز المطلسم والسر المخزون والعلم المكنون فتلاوه القرآن بهذا الحال تتضاءل أمامها الجبال وانه لحال ونعم الحال شرود عن نؤوم الرجال فما عرفوه حتى تركوه كالبائعين لسيدنا يوسف عليه السلام لو عرفوه ما باعوه بثمن بخس دراهم معدوه وكانوا فيه من الزاهدين وهكذا الحجاب يقلب الحقائق حتى لا يفرق صاحبه بين التبر والتراب

    لو دخلت حظيرة الشريف ابن ادريس صاحب العلم النفيس وتأملت فيما قاله واقتديت بفعاله وتلوت الذكر الحكيم : بلسانه الذى يتكلم به لربت من رحيق التسنيم ولكنك باعدت بين جوادك وجواده وودادك ووداده فأرخى عنان فرسه فى نيل المعالى فنالها فهنيئا له أبو محمد أبو عبد العالى وأرخيت عنان فرسك لجميع الحطام والمال

    ما نهضتك أحزابنا وهى تنهض الشامخات الرواسخ ولا وجهت قلبك يوما الى الالتفات الى العز الباذخ

    فكم فيها من توجهات للمتوجهين وتجليات للمتأهبين فهى كأعمال المجاهدين فى سبيل الله زرعها فى يوم وفيه حصاده فما هى الا جواهر كلمات جمعت فى عقد نفيس لا تباع ولا تشترىولا توجد الا عند ابن ادريس ما غاب عنك أجل وأرقى مما حضر ( إن المتقين فى جنات ونهر * فى مقعد صدق عند مليك مقتدر )

    قد أشار بن الفارض رضى الله تعالى عنه الى هذه الحلاوه بقوله فى آخر الفائية : يا أخت سعد ... إلخ

    وحلاوة تحصل بواسطة التجلى الإلهى وهى التى أشار اليها السيد ابن إدريس رضى الله تعالى عنه بقوله : ( بحلاوة الإيمان )

    قلت : وهذا التجلى يتبعه لذة التقوى لأن الحلاوة إذا وضعت على اللسان ذاق طعمها وتلذذ بها

    فحلاوة الإيمان الحاصلة بواسطة التجلى الإلهى تجعل امتثال الأوامر واجتناب النواهي لذتهم للمتابعة ولذلك قدموا إمامهم أمامهم وكانوا مقتدين به فيدخلون فى قول الجنيد رضى الله تعالى عنه :

    ( وقدم إماما كنت أنت أمامه )

    زلذة التقوى التى أشار اليها السيد الشريف انما هى من قبيل الذوقيات الوجدانيات عند ارتاب المشاهدات

    ولذة التقوى ينتقل صاحبها من التلذذ بالأعمال والأقوال الى التلذذ بالاتصال والمشاهدة ويجعلون بعدهم عن هذا الحال عذبا وموتا

    كما قيل : ( وما عذابي إلا حجابي ) وكما قال سيدى الغوث أبو مدين رضى الله تعالى عنه :

    تضيق الدنيا إذا غبتمو عنا

    وتزهق بالأشواق أرواحنا منا

    فيعد كمو موت وقربكم حيا

    ولو غبتمو عنا ولو نفسا متنا

    وكما قال سيدى الشريف ابن ادريس رضى الله تعالى عنه : ( وأنا إذا تركت ذكر الله أموات ) يعنى : الذكر الذى مع المشاهدة واللذة والاتصال , لا الذكر الذى نحن نعرفه .

    وقلت بفضل ربى تعالى :-

    حلاوة الايمان يا أخانا

    مثمرة اللذة فى تقوانا

    بها نرى الشهود فى الأعمال

    وسائر الأقوال والأحوال

    إذ الشهود مظهر التجلى

    ومهبط الأسرار والتدلى

    صاحبه يغرف للمعانى

    من دور الحديث والقرآن كأنه الغريب فى منواله

    وجاذب الأرواح فى مقاله

    كابن ادريس علىالقدر

    من أقمر الدنيا كمثل البدر

    تعرفه كلا وتدعيها

    لو كشف الحجاب مت تهيا

    هيهات عن الوصول

    ما دمت فى المسير فى عدول

    اعرف طريق الشيخ يا أخانا

    قد حجب الناس عن الطريق

    لكثرة الأهواء والتفريق

    وابتعدوا عن نهجنا السني

    الواضح الصوفي والجلى

    طريقنا هو الكتاب المرشد

    وسنه قائلها محمد صلى عليه الله بالتسليم

    والآل والأصحاب بالتكرم

    ما الجعفرى زار للمختار

    فى حضرة الشهود والأنوار

    وما تلى مريد الأورادا

    فنال من صاحبها ودادا

    عن ابن إدريس ؤضاك ربى

    ما أحرم الحجيج أو يبلى

    والجعفري صالح يلقاه

    فى عرفات القرب أو يراه

    وقول سيدى أحمد رضى الله تعالى عنه ( حتى تسرى فى ذاتى لذة شهودك فى جميع أنفاسى من غير التفات الى شئ سواك ).

    هذا هو المقام التمكين الذى صاحبه وصل الى حلاوة الايمان ولذة التقوى فيتلذذ صاحبه بالشهود الالهى لذة تحجز العارف عن التلذذ بشئ سوى ذلك كما قال سيدى أحمد بن ادريس رضى الله تعالى عنه :

    ولم يبق لى جسم يلذ بغيركم

    كأنى بالعرش المجيد معلق

    لأنه متلذذ بعدد الأنفاس بجسمه مع الناس وغاب بروحه عن اللوح والقرطاس , وطابت منه الأنفاس , وصدق فى النهايه والأساس طاب له السماع وتنورت به البقاع خلع العذراء ودارت له الكاسات وحصل له التواجد بين الأكابر فى الأسحار كما قال شاعرهم :

    طاب السماع وهبي النسمات

    وتواجدت فى حانها السادات

    هبت عليهم نسمة سحريه

    خلع العذار ودارت الكاسات

    سمعوا بذكر حبيبهم فتما يلو

    طربا وزالت عنهم العبرات

    وأما قوله تعالى : ( ومن لم يجعل له نورا فما له من نور ) ففيه التبرؤ من الحول والقوة الى حول الله تعالى وقوته فالذى يجعل النور هو الله تعالى , قال تعالى : ( وجعل الظلمات والنور) ولهذا الجعل أسباب وهى اتباع الأوامر الالهيه التى توصل العبد الى حلاوة الايمان ولذة التقوى حتى يجعل الله له نورتيكشف له عن حجب الجمال والكمال بعد الإتصال بقدر الحال فيتلذذ بالتابعة أولا كا قال سيدى الشريف السيد أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه ( بالاتباع المحمدى منزله منزله ) وبعد ذلك التلذذ بالمشاهدة كما قال أيضا رضى الله تعالى عنه : ( حتى تسرى فى ذاتى لذة شهودك فى جميع أنفاسى )

    وأما إذا لم يكن كذلك فليس بذاك وقد قال فيه الشريف ابن ادريس رضى الله عنه : فليس من الذين قيل فيهم ( اتقوا فراسه المؤمن فانه ينظر بنور الله ) لأنه الى الآن لم يؤت النور .

    أراد رضى الله تعالى عنه الفراسه العامه بجميع أنواعها لأنها تتنوع باعتبار درجات العباد وهى كشف خارق للعادة فان كان من نبر فهى معجزة أو من ولى فهى كرامه أو من عامة المؤمنين فهى فراسة بكسر الفاء

    قال الشريف مولاى السيد أحمد بن ادريس رضى الله تعالى عنه : ( فهو يقول : الإمام كنت تتقدم عليه لعدم بصيرتك به ها أنت قد أبصرته فاتبعه وقدمه كما قدمه الحق فكن مقتديا بربك فى ذلك متخلقا بخلقة متحققا باسمه المقدم والمؤخر )

    الشرح : قوله ( فهو يقول ) أى سيدى أبة القاسم الجنيد رضى الله تعالى عنه .

    قوله : ( الإمام كنت تتقدم عليه لعدم بصيرتك به )

    الإمام هو النبى صلى الله عليه وآله وسلم والتقدم عليه صلى الله عليه وآله وسلم هو مخالفته وعدم متابعة وعدم الدخول فى حزبه الذى هو حزب الله تعالى قال سبحانه وتعالى : ( ألا إن حزب الله هم المفلحون ) ربسبب اتباعه لخطوات الشيطان والدخول فى حزبه الخاسر قال تعالى : ( ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون )

    فلما تاب وأناب والى ربه رجع وآب ومزق الحجب وفتحت له الأبواب فدخل الدار مع الأعلام وأبصر الإمام قال له سيدى أحمد رضى الله تعالى عنه : ( ها أنت قد أبصرته فاتبعه ) والمتابعة التامة هى التى وصف بها الشريف المكى السيد محمد عثمان الميرغنى رضى الله تعالى عنه شيخه الشريف أحمد بن ادريس رضى الله تعالى عنه حيث قال : ( تلميذ ابن ادريس ذى الأفعال الأحمديه )

    قال الشارح وهو السيد سر الختم الميرغنى رضى الله تعالى عنه :

    ( الأفعال المحمدية ) هى التمسك بالسنه فى الأفعال والأقوال وقى جميع الأحوال وكان شيخ الأستاذ هكذا

    وفى سيرة سيدى ابن ادريس رضى الله تعالى عنه أنه كان يقيم الليل ويشغل نهارة بالعلم وكان يطيل الصلاه وكان لا يتكلم الا بذكر الله والعلم وكان زاهدا فى لذات الدنيا ومتاعها والالتفاف اليها

    وكان يلبس العمامة على القلسونه ويرسل لها عذبه ويقصر الثياب ويأمر أصحابه بإعفاء اللحى وكان يحرم الدخان وشربه وكان لا يجمع الإخوان إلا لأجل العلم وتلاوة القرآن

    وكانت مجالسه كلها علما على اختلاف أنواع العلوم وكان من حفظة القرآن بالقراءات الماهرين بها وكان له باع طويل فى التفسير على إختلاف القراءات وبالجملة فالمتابعه المحمدية هى العمل بالكتاب والسنه ولا يكون العمل تاما إلا بالعلم والعلم هو المتابعة الحقيقية

    ومن العلم الربانى أن تعرف أن تعرف للنبى صلى الله عليه وآله وسلم منزلته وحقه وأن تقدمه على نفسك وجميع أحبائك وأقربائك لأن الله سبحانه قدمه وكرمه فإذا قدمته صلى الله عليه وآله وسلم فقد اقتديت بربك تعالى حيث أمرك بتقديمه فامتثلت وبالاقتداء به فاقتديت وكنت مطيعا لقول سيدى الشريف ابن ادريس رضى الله تعالى عنه حيث يقول : ( وقدمه كما قدمه الحق فكن مقتديا بربك فى ذلك )

    قلت : الاقتداء بالله تعالى هنا هو امتثال أمره سبحانه وتعالى فى قوله : ( إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ) .

    أما قوله رضى الله تعالى عنه : ( متخلفا بخلقة متحققا باسمه المقدم والمؤخر ) فقد أشار رضى الله تعالى عنه بهذا الى حديث ( تخلقوا بأخلاق الله ) أى فيما يجوز التخلق به كالحلم والعلم والكرم وتوقير النبى صلى الله عليه وآله وسلم واحترامه .

    وفى الحديث القدسى : ( يا ابراهيم انى عليم أحب كل عليم )

    قوله : ( متحققا باسمه المقدم والمؤخر ) أى : جاعلا نفسك مظهرا لهذين الاسمين حينما أخرت نفسك وقدمت صلى الله عليه وآله وسلم وجعلته قدوة لك كما فى قوله تعالى : ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) لأن جميع الانفعالات الكونيه مظاهر الاسماء والصفات الإلهية فالموت مظهر لاسمه تعالى المغنى وهكذا قال تعالى : ( الله خالق كل شئ )

    قال الشريف سيدى ابن ادريس رضى الله تعالى عنه قوله :

    وصل صلاة الفجر

    النورانى بعد أن انفجر لك النور من قلبك وصرت ترى به , صل الصلاة ذات النور وهى تبصر فيها وتشاهد ما تصلى له , وأتم نشأتها الحسية أيضا كما كان يصليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى كافة البرية ( صلوا كما رأيتمونى أصلى )

    القلب له ظلام يسمى الران وهو قلوب الكفار والعصارة بسبب الكفر والمعاصى قال تعالى : ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) وأما قلوب المؤمنين العاملين ففيها نور يسمى الفجر أعلاه الذى فى قلوب النبيين والمرسلين عليهم الصلاة الوسلام وأدناه الى فى قلوب عامة المؤمنين وأوسطه فى قلوب العارفين وهو المراد هنا ؛ لأن صاحبه قد انفجر نورة فى قلبه فابصر امامه فتبعه فصلى صلاة العارفين بربهم

    ( لطيفة ) الإمام صلى الله عليه وآله وسلم نور والذى انفجر فى القلب نور فإذا اتصل النور بالنور تم الهناء والسرور وذهب الهوى والغرور قلت فى قصيدتى المسماه بالمقبوله :

    حبه فرض وحتم

    مدحه خير وغنم

    ليس يأتى القلب هم

    للذى يهوى محمد

    وقوله رضى الله تعالى عنه :

    وأتم نشأتها الحسية أيضا

    تحذير من النقص المشار اليه فى الحديث قال عليه الصلاة والسلام : ( إذا صلى العبد الصلاة فلم يتم ركوعها ولا سجودها تلف كما يلف الثوب الخلق ثم يضرب بها وجه صاحبها )

    ورأى صلى الله عليه وآله وسلم رجلا يسصلى فلما فرغ من صلاته قال عليه الصلاة والسلام (( صل فإنك لم تصل )) وإنما حكم صلى الله عليه وآله وسلم على صلاته بالعدم لعدم تمام نشأتها

    فيجب على العامل تمام نشأة الأعمال حتى يتم جسدها وروحها فتمام جسدها باتقان النشأة الظاهرة وتمام روحها الإخلاص الباطحنى وقد تقدم بحث مثل هذا فى كتابى المسمى ( شرح القواعد )

    واعلم أن الأعمال بمنزله الطلب المقدم للأمير لأجل الإذن بالدخول عليه فإذا استحسن الأمير بطلب أذن لصاحبه بالدخول عليه وإذا لم يستحسنه منعه والأعمال هى الموصله الى الدخول فى الحضرة القدسية فمن صلح عمله أذن له ومن أفسد عمله منع

    فحسن أعمالك فانها لك واتقنها فان الناقد بصير يبصرك ومزق حجاب نفسك الذى به يتسلط الشيطان عليك فمن مزق حجابه فقد طرد الشيطان عن بابه

    فحبائل الشيطان المظلمه تتصل بحبائل النفس اذا أظلمت فحاذر من ظلمتها وأوامر ابليس تسيطر على النفس عند حركة شهواتها فامت نفسك المخالفة بالبتار ولا تطعها فى أوامر شهواتها فانها مطيعه النار

    وملك جوارحك لروحك واجعلها لها مأمورة لا للشيطان والنفس والهوى

    قال الشيخ أحمد الدردير رضى الله تعالى عنه

    ويا مالك ملك جميع عوالمى

    لروحى وخلص من سواك عقولنا

    أردا بالعوالم الجزارح لأنها اذا كانت روحانية تغلبت على شهوات النفس وتخلص العقل عن حجاب السوى المانع فى كشفة الجامع كما قال أيضا :

    ويا جامع فاجمع عليك قلوبنا

    وكما قال ايضا

    وجد لى بجمع الجمع فضلا ومنه

    وداو بوصل الوصل روحى من الضنا

    قوله رضى الله تعالى عنه :

    كما يصليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى كافة البريه

    أى : لاجل أن يقتدى به البرية الى يوم القيامة ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : ( صلوا كما رأيتمونى أصلى ) أى على الحضار منكم الناظر الى أن يصلى كما رآنى وليبلغ الشاهد منكم الغائب وهكذا كل جيل مأمور أن يبلغ من بعده الى يوم القيامه لتحصل تمام المتابعه التى بها بتم كمال النشأة العمليه

    " لطيفة " ولم يقل صلى الله عليه وآله وسلم : كما علمتمونى أصلى لأنه لا يعلم مخلوق ما بينه صلى الله عليه وآله وسلم وبين ربه تعالى ولا يستطيع مخلوق أن يصلى صلاته ولا أن يصل الى ما فيها من إخلاص قلبى وشهود ربانى فهو يصلى لله تعالى على وفق علمة بربه وخوفه منه قال صلى الله عليه وآله وسلم : (( أعلمكم بالله وأخوفكم من الله أنا ))

    قال الشريف ذو المعالى أبو عبد العالى سيدى أحمد بن ادريس رضى اللع تعالى عنه :

    رأى بعض العارفين الاولياء الحق فى نومه من نوماته فقال له : يا رب أى الوضوء عندك أكمل ؟ قال : الذى فيه لمعه ولا إسراف قال له : فأى الصلاة عندك أقبل ؟ قال : التى ليس فيها ذكر جنه ولا نار

    اتفق العلماء جواز رؤية الله تعالى مناما كما أنهم اتفقوا على عدم فى الدنيا يقظة قال الشيبانى الأزهرى رحمه الله تعالى :

    ومن اقل فى دار الحياه رأيته

    فذلك زنديق طغى وتمردا

    وقد رأى الحق مناما من الفضلاء منهم الإمام أحمد ين حنبل رضى الله تعالى عنه وقد ذكرت شيئا من ذلك فى كتابى ( المنتقى النفيس ) و ( وشرح القواعد )

    قوله :-

    الذى ليس فيع لمعه ولا إسراف

    اللمعه هى الجزء الذى لم يصل اليه الماء فى الغسيل أو الوضوء لأنه يشترط الاسباغ فيهما واللمعه تبطلهما.

    والاسراف كثرة الماء فيهما قال ابن ابى القيروانى رحمه الله تعالى : ( وقلة الماء مع احكامالوضوء سنه والسرف فيه غلو وبدعه وقد توضأ صلى الله عليه وآله وسلم بمد وهو وزن طل وثلث بالبغدادى وتطهر وهو أبعة أمداد بمده صلى الله عليه وآله وسلم )

    قال سيدى أحمد زروق رضة الله تعالى فى شرحة على الرساله : الوسواس غالبا يعترى الصالحين غير أنه لا يبقى إلا مع من بعقلة خبل وقال فى القواعد إحكام طهارة الظاهرة يقوى طهارة الباطن

    قلت : وفى ذلك حكمة فسبحان من حكم ان بين الظاهر والباطن جواذب وكلاهما قد يكون مظهرا للآخرين قال عليه الصلاة والسلام : ( من أسر سريرة ألبسه الله رداءها ) وقال تعالى : ( إن يعلم الله فى قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا ) وقال بعض الصاحبة رضى الله تعالى عنهم : ( كنا نعرف أخلاقنا من دوابنا ) وبلغى أن السيد أحمد الريفى رضى الله تعالى عنه تلميذ السيد محمد بن على السنوسى رضى الله تعالى عنه ركب فرسة يوما قبل أن يقرأ حزب الس فجمحت على غير عادتها حتى نزل منها وقال : ( عندك الجق ما قرأت السيفى ) وهكذا الأحوال يا أخا الكمال مراتب وجواذب والمدار على الجواذب الباطينة حتى زيادة الأحياء والأموات ولولا الجواذب الباطنية ما تزاورت الأشباح وقلت بفضل ربى تعالى وأنا بالقبة الحسينية :

    يا أهل بيت الطهر لازال طهركم

    يطهر من يأتى اليكم بحبه

    جواذب حب من قديم تواردت

    على قلب من يهوى فجاء بجذبه

    وهذا شراب الطهر يسقاه من أتى

    اليكم ويوم الحشر يروى بعذبه

    وقد جاءكم حزب الإله مسلما

    وأنتم عباد الله سادات حزيه

    فجدكم المختار أشرف مرسل

    وشرفتمو بين الانام بقربه

    على جدكم صلى الإله مسلما

    وصلى عليكم والأفاضل صحبه

    متى صالح يتلو مدائح معشر

    بمدحهمو يرجوا إزاله حجبه

    ليدخل فى أحزاب الكرام أولى التقى

    ويشهد أحبابا كراما بقلبه وقلت بفضل ربى تعالى :

    خير بيت بيت النبى وأنتم

    آله والدخول منكم عليه

    كل من زاركم يراكم بنيه

    أنتمو نورة ومنه اليه

    قال الشفاء أبو الوفاء الشريف أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه :

    والله يقول : ( أقم الصلاة لذكرى ) أى للسكون والصمت لا لذكر شئ غيرى من جنه ونار وغيرهما فلا تهد فيها إلا إياى فتغيب عن أفعالك بكبرياء الحق ومطالعة جماله )

    قوله :

    التى ليس فيها ذكر جنه ولا نار

    استدل على ذلك الشريف رضى الله تعالى عنه بهذه الىيه ( وأقم الصلاه لذكرى ) كأنه يقول لا تذكر بقلبك مخلوقا مع ذكرالخالق وهذا يسمى مقام التجرد عن الغير وكشف العامة

    قوله :

    أى : للسكون والصمت

    أى : سكون الروح عن الجولان فى حضرة الحق عند التجلى بحجابها وكشفها وذلك عند كشف حجاب المناجاه وسدل الحجاب على الأغيار إذ الشهود بحجاب وكشف كما أن الغفلة بحجاب عن ذى الجلال وكشف لمشاهدة الإيار وتمام السكون هو الذى أشار اليه رضى الله تعالى عنه فى احزابه يقول : ( حتى لا أرى فى وفى كل شئ وفى لا شئ الا اياك ) وعند ذلك يحصل السكون التام وقد أشار الى ذلك سيدى عمر بن الفارض رضى الله تعالى عنه وقوله

    ولو خطرت لى فى سواك ارادة

    على خاطرى سهوا قضيت بردتى

    أى : تحرك باطنى الى مخلوق عند التجلى

    قوله :

    والصمت وذلك فى مقام السماع الالهى الذى أشار اليه رضى الله تعالى عنه فى أحزابه بقوله : ( وأقفنى وراء الوراء بلا حجاب عند اسمك المحيط فى مقام السماع العام )

    وهذا المقام صاحبه فى نشوة وطرب مع المحافظة على الأوامر الإلهية بتثبيت الله تعالى له وقد أشار الى ذلك أو ما يقاربه به سيدى عبد الكريم الجيلى رضى الله تعالى عنه فى عينية بقوله :

    فأذنى لم تسمع سوى نغمة الهوى

    وإنى منكم لا من الطير سامع

    وذلك عند مشاهدة أصر القدرة المحض . وقد أشار الى ذلك ابن الفارض رضى الله تعالى عنه بقوله :

    وكل الذى شاهدته فعل واحد

    بمفرده لكن بحجب الأكنه

    إذا ما أزال الستر لم ير غيره

    ولم يبق فى الأشكال أشكال ريبه

    قلب : وذلك يحصل لأرباب المشاهدات بعد الكشف الأكبر الذى هو بعد الكشف عن حقائق الأشياء إذ العارف لا ينتقل عن الأثر الى المؤتمر الا بعد معرفة الأثر معرفه خارقة للعادة

    قال تعالى : ( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين ) وذلك لأنه الكشف يتبعه اليقين والكشف الأكبر بعد البقين وبعد الكشف الأصغر العلم وهو علمان علم بالأثر وقد يكون بالمشاهدة : ( وإذ قال إبراهيم رب أرنى كيف تحيى الموتى ) : وبعد ذلك حصل العلم بالثانى وهو العلم المؤثر المبدع ( واعلم أن الله عزيز حكيم )

    ومن العلم الأول الحاصل بالمشاهدة ( وانظر الى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ) وبعد ذلك حصل العلم الثانى ( قال أعلم ان الله على شئ قدير )

    ومن العلم الأول ( فلما أفل قال لا أحب الآفلين ) ومن الثانى الوصول الى أ، الله لا يغيب

    تنوع اسرار الله

    فة ملكه

    كما اقل سيدى الغوث أبو مدين رضى الله تعالى عنه

    لله فى الكون أسرار ترى فيه

    قلت : وتلك الأسرار أنواع متنوعة وفروع متفرعة فقد يكون السر فى الهواء ( قال إنى لاجد ريح يوسف ) وقد يكون فى الجماد ( فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا )

    وقد يكون فى القلب ( قال أنا آتيك به قبل أن يرتد اليك طرفك )

    ومن الذى يكون فى القلب رؤية سيدنا أمير المؤمنين عمر بن الحطاب رضى الله تعالى عنه وسماعه قوله المدينه المنورة حينما قال وهو يخطب يوم الجمعه على منبر النبى صلى الله عليه وآله وسلم : ( يا ساريه الجبل الجبل من ترك الحزم ذل )

    ومن السر القلبى قول أمير المومنين سيدنا عثمان رضى الله تعالى عنه : ( أتدخلون علينا وفى اعينكم أثر الزنا

    وقد يون فى الجماد كالشفاء الذى فى العسل ( فيه شفاء للناس ) وقد يكون فى الأنعام ( وإن لكم فى الأنعام لعبرة ) وقد يكون فى الحشرات ( فتبسم ضاحكا من قولها ) قد أضحكة السر الالهى السارى فيها الذى به نطقت حيث نادت وسمعت المنادين وأمرت وذكرت المساكن وأضابفتها الى اربابها وحذرت وذكرت المحذر منه وأضافته الى المحذرين وذكرت المتسبب فيه وذكرت من معه وأضافتهم اليه واعتذرت عن المتسببين فى المحذر منه : ( ي أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون

    وتلك الأسرار موجودة والوصول اليها بقدر قوة الأنوار الفلبية كالبصر الظاهرى مشاهدته على قدر قوة ابصارة ومن ذلك الشبع الذى فى الطعام والى فى الماء والاحراق الذى فى النار

    ومما يرد به على الكفار أهل الطبيعة أن الطبيعه لا تتخلف تأثيراتها ولكن الاله سبحانه وتعالى قد يعكس تأثير الش الى ضده قال تعالى : ( قلنا يا نار كونى بردا وسلاما على إبراهيم ) ( فاضرب لهم طريقا فى البحر يبسا ) ( وأوحينا اليه لتنبئهم ) ( فنادى فى الظلمات ) فالنار موضع احراق وتعذيب صارت موضع سلامة وتلذذ بمناجاة الحبيب

    الجب موضع وحشة وهلاك صار موضع وحى وأنس بالحبيب

    والظلمات موضع وحشية وهلاك صارت موضع ذكر ومشاهدة

    الغار موضع مخافه لوصومل العدو اليه صار موضع أمان وسكينة ومعيه ربانية ( لا تخف ان الله معنا ) ولو أخذت فى النقل لنهت فى رسع الميدان

    قوله :

    فلا تذكر فيها الا اياى

    إعلم يأخا التوفيق سقانى الله واياك من صافى الرحيق ان الصلاة فرضت ليلة المعراج فى ساعة كشف الحجاب وظهور الأنوار الالهية على الحضرة المحمدية فى مقام شهود ( كان الله ولا شئ معه وهو الآن على ما عليه كان ) فالصلاة تذكرة لتلك الليلة التى فيها الؤية الالهية والمشاهدة الربانية فهى معراج الارواح وهدية الفتاح إكرما للنبى المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم

    فالنيه بمنزلة الدعوة وتكبيرة الإحرام كالدخول فى السماء الأولى والقيام لها : السماء الثانية , وقراءة الفاتحة : السماء الثالثة , والقيام لها : السماء الرابعة , والركوع : السماء الخامسة : والرفع منه , السماء السادسة : والسجود , السماء السابعة : قال عليه الصلاة والسلام : ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ) لذلك كان الأليق بها كما قال الشريف : ( فلا تذكرة فيها إلا إياى )

    ولما كان السجود تذكارا لسجوده صلى الله عليه وآله وسلم فوق السماء السابعة , وتذكارا للتجلى الإلهى ناسب أن يقول الشريف الإدريسى مولانا السيد أحمد بن ادريس رضى الله تعالى عنه :

    فتغيب عن أفعالك بكبرياء الحق تعالى ومطالعة جماله

    كما قال أيضا :

    ظهرتم بأوصاف الكمال لناظرى

    فغبت وعنكم لا تغيب سرائرى

    وقال رضى الله تعالى عنه :

    ( وأن تحققنى بشهود ذاتك يا ذا الجلال والإكرام تحقيقا كليا وشهودا عينيا يستغرق جميع ذاتى وصفاتى وجملة أجزائى وكلياتى )

    قلت : وإنما سأل الله التحقيق لأن صاحب هذا المقام قد تحقق بالحقائق وصار مظهرا لاسمه تعالى الحق , وصارت آبه وجه روحه من كتاب الله تعالى ( وقل جاء الحق وزهق الباطل ) لأن هذا الشهود لا يكون الا لمن صار حقا محضا صرفا من جميع الوجوه وفى هذا المقام يقول الشيخ أحمد الدرديرى المالكى رضى الله تعالى عنه :

    ويا حق حققنى بسر مقدسى

    لأدرى به سر البقاع مع الفنا

    ويقول / ويا باقيا أبقنا فيك أفننا

    فصاحب البقاء بالله هو الذى يقول : وأن تحققنى بشهود ذاتك

    وقول الشريف رضى الله تعالى عنه

    ( يا ذا الجلال والإكرام إشارة الى القبض والبسط )

    ( والله يقبض ويبسط ) لأن التجلى بالجلال وحده لا يطاق فسأل الله تعالى أن يجمع له فى التجلى بين الجلال والاكرام

    وهيئ قلبك يا عبد الله لما سيلقى عليك أصلح الله لك الحال وفيوضات تساق اليك ولا يحجبك عن ذلك الا اغترارك بنفسك ووقوفك مع قطران عملك فيا أخلص يخلص لك العالم ولا تقل انىعالم وخاطب بروحك وذكرها بأيام الله وجاهد لشهودك

    تجلى الجلال

    اعلم ان التجلى الالهى تتدكدك منه الجبال الراسيات قال تعالى : ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ) فكان التجلى بالجلال على الجبل ولذلك تدكدك ولو كان التجلى بالاكرام ما تدكدك الجبل ولذلك قال شيخنا ومربى أرواحنا : يا ذا الجلال والاكرام

    ولابد عند ذلك من استغراق جميع الكليات والجزئيات كما أشار الى ذالك العارف بالله تعالى ابن الفرض رضى الله تعالى عنه :

    وصرت موسى زمانى

    منذ صار بعضى كلى

    وذلك لأن العين بعض فصار الجسد كله يبصر ولأن الأذن بعض فصار الجسد كله يسمع ومعنى ( وصرت موسى زمانى ) يعنى التجلى لا فى النبوة والرساله لأنه يقول

    وسركم فى ضميرى

    والقلب طور التلى

    والسر هو المشاخدة القلبية التى أشار اليها الشريف ابن ادريس رضى الله تعالى عنه بقوله : ( مشاهدة خارجية عن المحسوسان والمعقولات ) لأن التعطيل فى المحسوسان والمعقولات وفى مشاهدتها الابتلاء . قال الله تعالى : ( إنا جعلنا على زينه لها لنبوهم ) فاذا خرج عن التجلى عن المحسوسان والمعقولات فار الابتلاء ووصل الى المراد وسمى القلب الباطنى طور التجلى ولم يتدكدك للتجلى بالاكرام الباطنى وسمى الجوراح جبالا وكنى عن سكونها للهيبة الجلاليه الالهية بالتدكدك فقال :

    صارت جبالى دكا

    من هيبة المتجلي

    الروح مثل الجسد فى الصورة

    ومن الاستغراق للكليات والجزئيات أنك تسمع جميع كلياتك وجزيئاتك تذكر الله تعالى ويحصل لها تلذذ غريب وعجيب وذلك لأ انفعالات الروح الباطنى تظهر على جميع الهيكل الظاهرى لأن روحك كجسدك فى الصورة وشهودها فى عالمها كان شهودا استغراقيا فاذا تحققت بالشهود صرت هكذا

    وأشار الى هذا الشريف ابن ادريس رضى الله تعالى عنه بقوله

    وشاهدت حسنا شاملا كل وجهة

    وكانت من الوجهات أيضا مظاهرى

    المظاهر جميع مظهر وهو مكان ظهور أثر الروح وهو الجسد فشاهد بقلبه الحسن الشامل لكل وجهة فى جسدة وجزئياته حتى ان العين نبصر والأذن تسمع فى حالة النوم لأن النوم صار للجسد نوما صوريا لا حقيقا ( نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا وقلوبنا لا تنام ) وذلك كموت الشهداء ( بل أحياء عند ربهم يرزقون ). ( أبيت عند ربى فيطعمنى ويسقينى )

    ولذلك كان صاحب هذا الاستغراق مظهر العجائب منه اليه به فى حيث لا محسوسات ولا معقولات من حيث التجلى الالهى فيرى به أنه له لا لغيرة ( واصطنعتك لنفسى ) فظهر سر الصانع فى المصنوعات لما أبصر وسمع بجميع كلياته وجزئياته شهودا عينيا روحانيا جثمانيا من حيث لا جسم إلا الرسم وعند ذلك تبدو أسرار وتلوح أنوار ليلة كنهارة من تزاحم أنوارة كما أشار الى ذلك ابن الفراض رضى الله تعالى عنه بقوله :

    ولا ح سر خفى

    يديه من كان مثلى

    ولما كان النظر بجميع الكليات والجزئيات قال :

    جمالكم نصب عينى

    اليه وجهت كلى

    أي نصب كلياتي وجزئياتي التي صارت تبصر مالا يبصره المبصرون ، وهذا هو الاستغراق الكلي الذي أشار إليه كنزنا وذخرنا الشريف ابن إدريس رضي الله تعالي عنه ، وأيضا أشار إليه بقوله :-

    شغلت بحسن وجهكم عن شواغلي

    كأني من عشق الجمال مخلق

    ولما عمت تلك اللذات الروحية الجسد كله عند الاستغراق الكلي قال رضي الله تعالي عنه :

    ولم يبق لي جسد يلذ بغيركم

    كأني بالعرش المجيد معلق

    وهناك يا أخانا ما يكل عنه اللسان ويعجز عنه البيان ، ويدهش صاحبه ، ويكل كاتبه ، وفي التصديق به قربة .

    فصدق لعلك أن تدرك ما في النية ، فكم فتح عليك من ميزاب ، وما أوجفت عليه من خيل ولا ركاب ، وكم تزاحمت عليك ذخائر النفائس لعلك أن تستأصل حب الدنيا من قلبك لتذوق حلاوة ذكر ربك .

    أيها المريد بانبا باب الله

    فماذاق حلاوة أحزابنا ، من طرق غير بانا وباب الله وقفنا عليه كوقف الواقفين بعرفات ، جهله من جهله ، وعرفه من عرفه .

    فأقبل علي الأحزاب بكليتك مع التدبر والتأني ، ومع التجريد الباطني عن شوائب كدورات نفسك الأمارة لعل أن تظهر لك إمارة ، فكم من واصلين بها إلي عظيم التجليات وكم من كاتبين عنها نفائس الكلمات .

    فأين أنت ؟ أين أنت ؟ كيف تكاسلت بعد أن فهمت ؟ وكيف ذقت الشراب الإدريسي وما همت ؟ فكم به من هائم وصائم وقائم ! إشرب شرابنا الغالي تظهر لك اللآلي ، وينفعك مقالي .

    إياك إياك والدنيا فلا تقبل عليها يا أخا التجلي ، وعنها أدبر وولي فوالذي نفسي بيده إنك تاركها غصبا ، فاتركها باختيارك تزدد حبا وقربا ، إغسل قلبك وطهر من حب الجيفة قبل أن تقرأ أحزابنا ، ولا تخلط اللبن بالخل فيفسد .

    إيش حالك يا نائم الليل ، وفاتتك فرسان الخيل ! إيش حالك يا غافل النهار ، فاتك الغيث المدرار .

    لا ينفعك إقبال الناس ، ولا ينفعهم إقبال عليهم إلا إذا كان الله ومن الله ( إن الله يحب عبده فلانا فأحبوه ) فالذهب لا يشتري بالخزف ، والمعالي لا تنال بالزهو والترف ، فهلم إلي باب قيام الليل كما قال ابن النحوي :

    وصلاة الليل مسافتها

    فاذهب فيها بالفهم وجي

    واتل القرآن بقلب ذي

    حرق وبصوت فيه شجي

    هلم إلي ما لا يخطر ببال ، هلم لتفتح لك الأقفال ، وانظر بقبلك ثم انظر لعلك أن تنظر :

    رفعوا اليك من العلا أعلاما

    فإذا نظرت فقد لقيت كراما

    بيض الوجوه لهم قيام في الدجي

    شربوا من الحب الوفي مداما

    بالروح تبصرهم وتلقي وفدهم

    وفدوا إلي البيت العتيق قياما

    نظروا إليه بأعين همالة

    ورأوا هناك أفاضلا أعلاما

    قوله

    في أول العصر

    ( قوله في أول العصر ) قال الشريف مولاي السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالي عنه :

    لأن صاحب هذا المقام له الأولية ، وهي حقيقة فيه لكينونة الحق له – كما تقدم – سمعا وبصرا ولسانا ورجالا وفؤادا كما يليق بجلاله ، ومن أسمائه الأول ، والعصر الزمني من قولهم العصر الفلاني ، وفي عصر فلان ، وليس العصر المعتد به إلا زمن النور الذي انفجر له فيه ، وما قبله ظلمة ، والظلمة والظلمة عدم ، فلا عصر إلا وقت الإبصار فهو ( أول العصر ) .

    معني كلام السيد ابن إدريس رضي الله تعالي عنه : المراد بالفجر انفجرا النور الإلهي في القلب ، والمراد بالعصر الزمن الذي حصل فيه الانفجار ، فيكون تقدير الكلام هكذا :

    وصل الصلاة النورانية في أول زمن حصول النور .

    قوله :

    لأن صاحب هذا المقام له الأولية

    قلت : يقول السيد رضي الله تعالي عنه : لا ينبغي التأخر والتواني ، بعد ظهور النور وطهر الأواني ، إذا التأخر عيب في هذا المقام ، قال ابن النحوي رحمه الله تعالي :

    وإذا أبصرت منار هدي

    فاحذر إذ ذاك من العرج

    لتكون من السباق إذا

    ما جئت إلي تلك الفرج

    فهناك العيش وبهجته

    فلمبتهج ولمنتهج

    وقد أشار إلي ذلك السيد بن إدريس رضي الله تعالي عنه بقوله( حتي لا أذهل عنها في المشاهد القدسية طرفة عين ولا أقل من ذلك ) .

    قوله

    وهي حقيقة فيه

    أي : الوصيف بالأولية لأنها مظهر من مظاهر اسمه تعالي الأول .

    قوله

    ( لكينونة الحق له كما تقدم سمعا وبصرا ولسانا ورجلا وفؤادا كما يليق بجلاله )

    يقول إمام عصره وأوانه سيدي الشيخ صالح الجعفري غمرنا الله تعالي ببركاته ونفحاته آمين ورضي الله تبارك وتعالي عنه وعن ذريته وأولاده : لعل الكتاب أسقط كلمة " ويدا" ومعني هذا قد تكلمت فيه في كتاب ( المنتقي النفيس ) وفي كتاب ( شرح القواعد ) ، وعلي كل حال فالظاهر غير مراد لاستحالته .

    قال الشريف السيد بن إدريس رضي الله تعالي عنه : ( هذا وقد قال رأس ديوان حضرات الوحي لسان الحق الذي لا ينطق عن الهوي المواجه بالخطاب في حضرة التكليم رسولك الأعظم سيدنا ومولانا محمد صلي الله عليه وآله وسلم ( إن دون الله عز وجل سبعين ألف حجاب من نور وظلمة ، وما تسمع نفس شيئا من حس تلك الحجب إلا زهقت ) وسأل صلوات الله وسلامه عليه الروح الأمين جبريل صلوات الله وسلامه عليه بقوله : وهل رأيت ربك ؟ فانتفض وقال إن بيني وبينه سبعين حجابا من نور لو دنوت من أدناها لاحترقت ) .

    وقال الشريف ابن إدريس رضي الله تعالي عنه ، ( وأنت الله ذو السبحات الوجيهة الإلهية المحرقة ، رداؤك الكبرياء وإزاارك العظمة وحجابك النور لو كشفته لأحرقت سبحات وجهك ما أدركه بصرك من خلقك ) .

    قال الشيخ محمد فخر الدين الرازي رحمه الله تعالي في شرح قوله عليه الصلاة والسلام : ( إن الله سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهة كل ما أدراك بصره ) وفي بعض الروايات سبعمائة وفي بعضها : سبعون ألف .

    قال الفخر رحمه الله تعالي : لما ثبت أن الله تعالي متجل في ذاته كان الحجاب بالإضافة إلي المحجوب لا محالة ، والمحجوب لا بد وأن يكون محجوبا إما بحجاب مركب فقط أو بحجاب مركب من نور وظلمة أو بحجاب مركب من ظلمة فقط .

    ( القسم الأول ) المحجوبون بالظلمة المحضة .

    هم الذين بلغوا في الاشتغال بالعلائق البدنية إلي حيث لا يلتفت خاطرهم إلي أنه يمكن الاستدلال بوجود هذه المحسوسات علي وجود واجب الوجود أم لا ؟ وذلك لأنك قد عرفت أن ما سوي الله تعالي من حيث هو هو مظلم ، وإنما كان مستنيرا من استفادة النور من حضرة الله تعالي .

    فمن اشتغل بالجثمانيات من حيث هي هي ، وصار ذلك اشتغالا حائلا له عن الالتفات إلي جانب النور كان حجابه محض الظلمة .ولما كانت أنواع الاشتغال بالعلائق البدنية خارجة عن الحد والحصر فكذا أنواع الحجب خارجة عن الحد والحصر .

    ( القسم الثاني ) المحجوبون بالحجب الممزوجة من النور والظلمة .اعلم أن من نظر إلي هذه المحسوسات فإما أن يعتقد فيها أنها غنية عن المؤثر ، أو يعتقد فيه أنها محتاجة ، فإن اعتقد غنية فهذا حجاب ممزوج من نور وظلمة .

    ( أما النور ) فلأنه تصور ما هية الاستغناء عن الغير ، وذلك من صفات جلال الله تعالي وهو من صفات النور .

    ( وأما الظلمة ) فلأنه اعتقد حصلوا ذلك الوصف في هذه الأجسام مع أن ذلك الوصف لا يليق بهذا الوصف ، وهذا ظلمة ، فثبت أن هذا حجاب ، ممزوج من نور وظلمة .

    ثم أصناف هذا القسم كثيرة ، فإن من الناس من يعتقد أن الممكن غني عن المؤثر ، ومنهم من يسلم ذلك لكنه يقول المؤثر فيها طبائعها أو حركاتها أو اجتماعها وافتراقها أو نسبتها إلي حركات الأفلاك أو إلي محركاتها ، وكل هؤلاء من هذا القسم .

    ( القسم الثالث ) المحجوبون بالحجب النورية المحضة :

    واعلم أنه لا سبيل إلي معرفة الحق سبحانه إلا بواسطة تلك الصفات السلبية والإضافية ، ولا نهاية لهذه الصفات ومراتبها ، فالعبد لا يزال يكون مترقيا فيها ، فإن وصل إلي درجة وبقي فيها كان استغراقه في مشاهدة تلك الدرج حجابا له عن الترقي إلي ما فوقها .

    ولما كان لا نهاية لهذه الدرجات كان العبد أبدا في السير والانتقال وأما حقيقته المخصوصة فهي محتجبة عن الكل فقد أشرنا إلي كيفية مراتب الحجب ، وأنت تعرف أنه عليه الصلاة والسالم إنما حصرها في سبعين ألفا تقريبا لا تحديدا ، فإنها لا نهاية لها في الحقيقة . انتهي كلام الشيخ الرازي رحمه الله .

    يلوح لخاطري والله تعالي أعلم أن تنوع الحجب إلي نور وظلمة إنما هو باعتبار الخلقة ، فحجاب الأرواح نور وحجاب الأجسام ظلمة وليس ذلك باعتبار الصفات الحاصلة من المحجوب .

    ولذلك كانت حجب جبريل عليه السلام من نور فقط ، وإذا وصل الكامل إلي درجة فوق الروح والجسد أزال جميع الحجب ، ولا يكون ذلك بالعمل بل باختصار الله تعالي ، ولم يحصل ذلك إلا لنبينا صلي الله عليه وآله وسلم ليلة المعراج ، وهذه الحجب حجب حقيقية وليست معنوية .

    أما الحجب المعنوية فهي التي تكون باعتبار الأوصاف التي تصدر من المحجوب نفسه ، وذلك كالحجاب المسمي عند القوم بحجاب الغفلة ، وهي الظلمات التي تكون بسبب الكفر والفسوق ، وحجب نورانية وهي التي تكون باعتبار الإيمان والعمل الصالح .

    فالأول الظلماني : الذي يحصل باعتبار أوصاف الشخص يسمي حجابا عن مشاهدة الله .

    والحجاب الثاني النوراني : الذي يحصل بالأعمال الصالحة يسمي حجابا عن مشاهدة غير الله تعالي ، قال تعالي ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم م الظلمات إلي النور) .

    وإنما قلت : والأجسام حجابها الظلمات لأنها ترابية لا تتحمل حجب الأنوار فسبحان من جمع بين الروح والجسد وأعطي كلا حجابه اللائق به ، قال تعالي : ( الذي أعطي كل شئ خلقه ثم هدي ) .

    ولما كان الحق سبحانه من أسمائه لنور أذن لأصحاب الحجب النورانية المحضة المكتسبة برؤيته يوم القيامة ، وجعل النور يلوح علي وجوههم ن قال تعالي ( وجوه يومئذ ناضرة إلي ربها ناظرة ) وجعل أهل الظلمات المكتسبة المحضة مجردة عن النور عليها غبرة ، قال تعال ( ووجوه يومئذ عليها غبرة ) قال القرطبي : إذا قال الله تعالي للحيوانات يوم القيامة : كوني ترابا تصير ترابا ويتطاير ذلك التراب وجوه الكفار ، فهذه هذ الغبرة . انتهي كلام القرطبي .

    وحجبوا عن رؤية الله النور قال تعالي ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) .

    والمجوب الظلمانية المكتسبة قد أشار إليها القرآن ( كلا بل علي قلوبهم ما كانوا يكسبون ) فجعل هذا الحجاب سببه الكسب ، وأما الحجب الأول من النور وظلمة فلا دخل للكسب فيها ، لأنها من حكمته في كل شئ ، وليس كمثله شئ ، وإليه يرجع كل شئ ( ألا إلي الله تصير الأمور ) .

    قال الشريف بن إدريس رضي الله تعالي عنه : ( وليس العصر المعتد به إلا زمن النور الذي تنفجر له فيه وما قبله ظلمة ، والظلمة عدم فلا عصر إلا وقت الإبصار فهو أول العصر ) .

    قلت : هذا تعليل لقوله ( أول العصر ) لأن من عاش مائة سنة وفتح له بعد خمسين فأول عصره ما بعد الخمسين ، والذي قبلها كالعدم ، وتعليل عدميته أنه ظلمة ، والظلمة عدم النور ، فأخذ العدم في مفهومها .

    قلت بفضل ربي تعالي :

    ما مر من زمان في الظلام

    قد حكموا عليه بالإعدام

    إذالظلام عدم والنور

    هو الوجود قمر يدور

    فابدأه بالأعمال ذات الخير

    ولا تبطئ أبدا في السير

    هذا زمان الفيض والأسرار

    عرج علي العليا بالأبتدار

    قال الشريف بن إدريس رضي الله تعالي عنه :

    قوله :

    ( فهذه صلاة العارفين بربهم )

    هم الذين اهتدو به إلي معرفة أنفسهم ( من اهتدي فإنما يهتدي لنفسه ) ومن عرف نفسه فقد عرف ربه ( سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتي يتبين لهم أنه الحق ) أهل المعرفة الخارجة فإنهم غي ذائقين لهذا المعني .

    قال [ ] الجعفري عفا الله عنه وعن والديه [ ورضي الله تعالي عنه والحقنا به آمين ] قوله :

    هم الذين اهتدوا به إلي معرفة أنفسهم

    أشار بذلك إلي صفات النفس السبعة التي لا تدرك إلا بواسطة الذكر ، ولا يكون العارف عارفا حتي يعرفها ويهتدي إلي معرفتها .

    ولما كانت تلك الصفات بعيدة المدي وعرة الطريق لا تدرك إلا بالتبرؤ من الحول والقوة قا رضي الله تعالي عنه ( هم الذين اهتدوا به ) قال تعالي ( من يهد الله فهو المهتد )

    وقوله :

    إلي معرفة أنفسهم

    سماها معرفة لأنها تتوقف عليها المعرفة ، فالجنيد رضي الله تعالي عنه قوله : ( العارفين بربهم ) والسيد رضي الله تعالي عنه يقول : إلي معرفة أنفسهم ، لأن الجنيد أشار إلي المسبب وهي معرفة الله تعالي والسيد أشار إلي السبب ، وهي معرفة الأنفس ورضي الله عن السيد لأنه أشار إلي أمر مهم وهو أنه لا بد من السبب أولا ثم المسبب ثانيا ، لأنه مقدم بالطبع فيكون مقدما في الوضع .

    قال الأخضر رحمه الله تعالي في سلمه :

    وقدم الأول عند الوضع * لأنه مقدم بالطبع

    ولذلك السيد فسر الآيه بالسبب ، لأنه استدل بها علي قوله ( معرفة أنفسهم ) . وأما التفسير بالمسبب فهو أن تقول ( من اهتدي ) إلي الله تعالي بالمعرفة والإيمان عإنقاذه من النار ودخوله الجنة ، وإنما بينت هذا البيان خشية أن يعترض ، معترض والله الموفق إلي سواء السبيل .

    ثم استدل السيد رضي الله تعالي عنه علي قوله بهذه الجملة التي ذكرها حجة الإسلام الغزالي رضي الله تعالي عنه في كتابه بقوله : قال رسول الله صلي الله عليه وآله سلم : ( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) . وسمعت عن مشايخي أنها حكمة لسيدنا علي كرم الله تعالي وجهه ورضي الله تعالي عنه .

    وسكت السيد عن اسنادها لعل ذلك لأجل الخلاف ، ومعناها واضح جلي يعني أن معرفة النفس تؤدي إلي معرفة الله تعالي .

    ثم استدل ايضا بهذه الآية : ( سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم ) لأن الآية في اللغة معناها العلامة علي المؤثر فجعل الله العلامة التي في الكون من باهر الصنعة وعظيم الحكمة ودقة الإتقان تكشف وتبين عن صفات الخالق وهي قسمان : حسية وهي الكونية والجثمانية ومعنرية وهي النفسية .

    والرؤية قسمان : بصرية وهي للمحسسوسات ، ومعنوية وهي التي للمعنويات .

    ولما كان من أسمائه الظاهر والباطن جعل الآيات ظاهرة وباطنة كما جعل النعم ظاهرة وباطنة ، قال تعالي ( وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة )

    وقد أشار الي ذلك كله مولانا الشريف بن ادريس رضي الله تعالي عنه بقوله : ( وتجل لي يا الهي بالتجلي الأعم الالهي الاحاطي الجامع للآفاق والأنفس سر قولك ( سنريهم آياتنا في الأفاق وفي أنفسهم حتي يتبين لهم أنه الحق )

    قوله

    لا اهل المعرفة الخارجة ، فانهم ليسوا ذائقين لهذا المعني

    قلت : وذلك كالعوام ومن لم يسلكوا طريق القوم منهم كما ينبغي ، كما قالوا ومن تفقه ولم يتصرف فقد تفسق .

    وقد نسب شيخنا حبيب الله الشنقيطي رحمه الله تعالي هذا الكلام غلي الامام ابي عبد الله مالك بن انس رضي الله تعالي عنه ، ومما يحضرني من شرح الشيخ له أنه قال : وفسق قسوة قلبه ، وحبه للدنيا الفانية والخوف من غير الله تعالي ، وكتمان الحق ، وجعل العلم وسيلة الي الدنيا ،وذلك كله سببه عدم تصرفه ، انتهي كلامه رحمه الله تعالي .

    قال صالح الجعفري ومن مشايخي الذين ادركتهم ممن ممن جمعوا بين العلم والتصوف شيخي العارف بالله تعالي السيد محمدالشريف بن السيد عبد العالي بن السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالي عنهم ، والشيخ محمد ابراهيم السمالوطي ، والشيخ محمدبخيت المطيعي ، والشيخ حبيب الله الشنقيطي ، والشيخ يوسف الدجوي ، والشيخ علي الشيب ، والشيخ حسن مد كور ، والشيخ عبد الرحمن عليش والسيخ محمد أبو القاسم الحجازي ، والسيد عبد الحي الكتابي ، والشيخ أبو الخير الميداني شيخ علماء سوريا .

    واليبد احمد الشريف الغماري ، والسيد عبد الله الشريف الغماري ، والشيخ علي أدهم المالكي السوداني ، والشيخ حسن مشاط من علماء مكة المكرمة ، والشيخ محمد الحلبي ، والسيد عبد الخالق الشبراوي والشيخ محمد عطيه البقلي والشيخ مصطفي صفوت والشيخ محمد حسنين مخلوف العدوي والشيخ محمد العناني شيخ السادة المالكة والشيخ عبدالحليم ابراهيم والشيخ ابو يوسف والشيخ الدلييشني والشيخ سلامة العزامي ولاشيخ صادق العدوي والشيخ احمد وديدي من بلدة رومي بالسودان والشيخ علي محمد امام وخطيب مسجد دنقلا والشيخ سيد حسن افندي والشيخ علي بن عوف احمد النجار المدرسان بمسجد دنقال رحمهم الله تعالي وغيرهم من مشايخ الأزهر الشريف .

    ومن مشايخي الصالصحين الشيخ عبدالله عثمان التنبكتي رحمه الله تعالي وأما مشايخي في الطريق والاسناد فقد ذكرتهم في كتاب " المنتقي النفيس " ومنهم اليد محمد ادريس المهدي السنوسي المتصل الاسناد بشيخنا الشريف بن ادريس رضي الله تعالي عنه .

    وقوله :

    فانهم غير ذائقين لهذا المعني

    اشار السيد رضي الله تعالي عنه الي المعني الذوقي الذي يدرك بالذوق المتوقف علي المعرفة ، وقد أشار الي المعني السيد الغوث ابو مدين رضي الله تعالي عنه بقوله :

    من ذاق طعم شراب القوم يدريه

    ومن دراه غدا بالروح يشريه

    وقد يعبرون عنه بالخمر للدهشة العظيمة التي تحصل عند تذوقه قال ابن الفارض رضي الله تعالي عنه :

    فدهشت بين جماله وجلاله

    وغد لسان الحال عني مخيرا

    وهكذا يتكلمون بحالهم زمقالهم ، عند قربهم ووصالهم .

    وقلت بفضل ربي تعالي :

    فمنهم من يقول ولا يبالي

    ومنهم تارك بعض المقال

    ومنهم شاطح في القول شطحا

    ومنهم صامت ليلا وصبحا

    ومنهم ساكن قمم الجبال

    ومنهم منزو بين الموالي

    ومنهم علم يهدي الدراري

    ومنهم سره خوفا يواري

    ومنهم بائح وله دلال

    ومنهم عابدا وله كمال

    ومنهم من يكن بالليل زائر

    كمثل السبع للأرواح زائرا

    ومنهم من ين سهر الليالي

    كمثل البدر مصحوب المعالي

    ومنهم احمد بن ادريس حقا

    ترقي بالوصال فصار ارقي

    ومنهم من يكن بالمدح هاما

    كمثل الميرغني نظرا المقاما

    فسار نحوهم يا ابن الافاضل

    وسلم في الطريق ولا تجادل

    الى الاحزاب فكر فى المعانى

    وطهر يا موفق للاوانى

    عسى بالنور وتحظى يا مريد

    وبالتقوى يلين لك الحديد

    وبالاحزاب تكشف للخفايا

    وتنهل المواهب والعطايا

    عسى بالنور تحظى من خفى

    قريب منك ذى قدر على

    هو ابن ادريس ها انا ذا اقول

    وشمس الوصل ليس لها أفول

    فالا رواح مزج يا أخانا

    بجمع أو فرق ترانا

    الى المرآة فانظر ما تراه

    وهل أنت الذى فيها تراه

    تحركه بلا مس ويحكى

    فيضحك أن ضحكت كذا ويبكى

    فما انت الذى فيها ويأتى

    بما تأتى به فى أى وقت

    وهل انت الذى أم أنت أنت

    ومن قبل التشخيص اين كنت

    فلو علم المريد لكان يعلم

    بحال الشيخ يا هذا ويفهم

    فما غابت عن الأرواح عينى

    وأين مقرنا أم أين أينى

    تلاشت حاله الأشباح لما

    ترقى الروح لما الفيض عما

    ونفقه للغات ولا نغيب

    عن المولى المهين والرقيب

    به نبقى به ندرى الخفايا طريقتنا بها خير المزايا

    تجل فى تجل فى تجلى

    عن الدنيا وما فيها فولى

    شهود فى شهود فى شهود

    مودتنا عن الرب الودود

    ومن طلب الزخارف ما دراها

    طريقالحق فاسلكها تراها

    طريقتنا القريبة فى الوصال

    بها بحر الجواهر واللآلى

    يها ادريس طيار كطير

    ومن جاءوا اليه كأهل بدر

    بها ادريس سلطان ينادى

    على الأبناء فى كل البلاد

    هلموا أقبلوا نحوى تعالوا

    فكم قوم لنا جاءوا فنالوا

    فو أسفلى على أهل الطريق

    إذا ناموا ولم يصلوا رحيقى

    فما شرب المدامة ذو منام

    ولم يدخل مع القوم الكرام

    أأنت الحى فى الدنيا وتدرى

    وذا قد مات ياجهلان قدرى

    بل الاحياء أحياء الشهاده

    وموت الحب عندهم شهاده

    أشرت وقد أشرت وقد أشرت

    لعل البعض يفقه ما قصدت

    صلاة الله يتبعها سلام

    على المختار ما نفع الكلام

    كذا آل واصحاب تراهم

    على حب الاله وقد سقاهم

    طهورا صافيا وقد ارتضاهم

    عبادا مخلصين وقد حباهم

    عبيدك صالح يرجو رضاكا

    ونورا ساطعا يرجو غناكا

    وقد سأل الله تعالى الشريف ابن ادريس رضى الله تعالى عنه التجلى الأعم الجامع للأنفس والآفاق ليكون مظهرا لاسميه تعالى : الظاهر والباطن فيفاض عليه بالمعرفتين الظاهرة والباطنه وعند ذلك لا يبقى شئ فى الوجود الا يعرفه حتى الجمادات ؛ لأن العارف من عرف الأشياء وعرفته عرفها أنها قامت بربها كما قال البوصيرى رحمه الله تعالى :

    وقامت بربها الأشياء

    وذلك يدرك بالذوق ومعرفتها له تدرك بالالهام الالهى وقد نادت لنخله أبا مدين رضى الله تعالى عنه وقد خاطبت النمله سيدنا سليمان عليه السلام وقد أوبت الجبال مع سيدنا داود عليه السلام وقد أظهرت عصا سيدنا موسى عليه السلام العجائب

    الشيخ العارف

    تخاطبه الأشجار والجمادات

    وقد سمعت عن شيخى السيد محمد الشريف رضى الله تعالى عنه يقول : العرف بالله تعالى تخاطبه الأشجار والجمادات وتقول له : أن خلقت لكذا وكذا من المنافع فلا يلتفت اليها ويقول لها : لا أريد الا وجه الله تعالى فان التفت اليها واشتغل بمنافعها منع وقفل دونه الباب

    وحينما كان بهذا الكلام رايته يبكى وتتقاطر دموعه وهو فى هذا الحال اذ أقبل عليه رجل يسمى الشيخ عثمان عوض الله من كابوت فقال للسيد : مرحبا يا أبا هاشم , فقال له السيد : دعنى من كلامك هذا

    قال السيد ابن السنوسى رضى الله تعالى عنه لجدى السيد أحمد بن ادريس أمل على نسيك حتى أكتبه . فقال له : نسبى الكتاب والسنه أنظر الى فان وجدتنى على الكتاب والسنه فقل : أحمد بن ادريس على الكتاب والسنه وهذا نسبى يقول الله تبارك وتعالى ( اليوم أضع أنسابكم وأرفع نسبى ألا وهو التقوى

    وأما ما نسمعه من الناس من أن السيد أحمد رضى الله تعالى عنه قال : إن الزامن قد طال الخ فالله أعلم به وما احببت أن أكتبه لانه يضر ضعفاء الايمان والناس مؤتمنون على انسابهم

    وما فى الحديث ( اليوم أضع أنسابكم ) فالمراد بها أنساب غير النبوة وغير المؤمنين فانها مرفوعه ومتصلة ببعضها قال تعالى : ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ ) قال تعالى : ( ذرية بعضها من بعض ) وقال تعالى : ( وكان أبوهما صالحا ) وقال عليه الصلاة والسلام ( حسين منى وانتا من حسين ) صححه الشيخ الزرقانى شارح الموطأ فى رساله له ل تطبع وقال صلى الله عليه وآله وسلم ( فاطمى بضعة منى من أغضبها فقد أغضبنى ) أخرجة الشيخان البخارى ومسلم

    وقال صلى الله عليه وآله وسلم ( كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة الا نسبى وصهرى ) ويدخل فى ذلك نسب الإسلام فانه لا ينقطع

    وأما قوله تعالى : ( فلا نسب بينهم ) أى الكفار لا تنفعهم الأنسابل قال تعالى : ( إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ) وإنى أحمد الله تعالى على ما أطلعنى عليه وأسأله ان يوفقنى الى الأدب مع أجدادى رضى الله عنهم وان يصل نسبى بهم وكما جمع بينى وبينهم فى الدنيا ان يجمع بينى وبينهم فى الآخرة انه سميع الدعاء

    قال أبو القاسم الجنيد رضى الله تعلى عنه :

    ( فان كنت منهم فانضج البر والبحر )

    قال الشريف العالم الفقيه المحدث مولانا السيد أحمد بن ادريس رضى الله تعالى عنه

    البر من أسماء الله تعالى الحسنى أى فامزج الحق بالأشياء كلها فان البحر هو الماء ( وجعلنا من الماء كل شئ حى )

    وما فى البحر الا شئ حى وفى الحديث ( يشهد للمؤذن مدى صوته كل رصب ويابس ) وهل فى الوجود الا رطب ويابس ؟ وهل يشهد الا عالم ؟ وهل العلم يكون بغير حياه ؟ فهو يقول : لا ترى الأشياء مجردة عن الحق بل أشهد الكون كله أسماء الهيه

    فان الحق الذى عهبر عنه بالبر من اسمائه الأول والآخر والظاهر والباطن فلا يشهد حينئذ الا اياه

    أيها المريد

    الكون كله مظهرا للأسماء الالهيه

    البر من أسمائه تعالى , وهو كثير البر والخير والإحسان قال تعالى حكايه عن أهل الجنه : ( إنا كنا قبل ندعوه انه البر الرحيم )

    قوله

    فامزج الحق بالأشياء كلها

    فسرها بقوله9 بعد ( لا ترى الأشياء مجردة عن الحق بل اشهد الكون أسماء الهيه ) ومعنى المزج الخلط وهو كنايه عن شدة القرب وليس مرادا ظاهرا كما فى اصطلاح الصوفيه لانهم لا يريدون الظاهر

    قال ابن الفارض رضى الله تعالى عنه :

    من لى باتلاف روحى فى هوى رشأ

    حلو الشمائل بالارواح ممتزج

    وفسر السيد هنا المزج بالمظهرية وهو أن تجعل الكون كله مظهرا للأسماء الالهية فاذا نظرت الى الأحياء فهم مظهر لاسمه المغنى والخلق مظهر لاسمه الخالق وهكذا وهذا معنى قول الصديق رضى الله تعالى عنه : ( ما رأيت أحدا إلا ورأيت الله قبله ) أى إلا وشاهدت فعل اللع تعالى فيه وأثر قدرته قبل أن أشهده , زاستشهد الشيخ أحمد الصاوى المالكى رحمه الله تع8الى بهذا البيت

    إذا ما رأيت الله فى الكل فاعلا

    رأيت جميع العاملين ملاحا

    وقد تقدم لك مثل هذا الكلام وقال تعالى : ( والله خلقكم وما تعلمون )

    واعلم ثم اعلم أن من اعتقد ان الله يتصل بشئ أو شئ يتصل به أو بصفاته كفر فلا مزج ولا اختلاط ولا اتصال ولا انفصال تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وكل كلام الصوفيه مؤول وليسش على حقيقته

    وقوله :

    فان البحر هو الماء

    السيد رضى الله تعالى عنه يضرب لك مثلا عن الغائب بالمشاهد وهو الماء والغائب عنك قدرة الله تعالى وأنت حينما تشاهد الحى تشاهد أن حياته متوقفة على الماء وأنه حى بسببها

    كذلك فى الغائب تشاهد بقلبك أن جميع المخلوقات متوقفة على قدرة الله تعالى , فلولا الله تعالى ما مجد شئ

    وقوله :

    وما فى الوجود إلا شئ حى

    أى فهو مظهرا لا سمه تعالى الحى وكون الأشياء تشهد للمؤذن استدل به على مظهرين : الحياه والعلم لانهما مظهران لا سيمه تعالى المحيى والعالم

    ومن ذلك قول الشريف ابن ادريس رضى الله تعالى عنه فى احزابه ( وتجل لى يا لهى بسر القيومة الالهيه التى قامت بها شيئيات الأشياء كلها ) المراد من هذا هو ما قاله ( لا ترى الأشياء مجردة عن الحق )

    وقال رضى الله تعالى عنه فى أحزابه ( وتجل لى يا الهى بالعظمة الجامعه لمعانى الأسماء الإلهية التى هى مجمع بحور حقائق الأسماء كلها فاتحقق بحقيقة الحقائق الأسمائية جامعا حقيقة كل اسم الهى بشريعة قائما بحقيقة فى سماوات روحى ربشريعته فى أرض جسمى فتكون آيتى من كتاب الله عز وجل من حيث تجليات الألوهية ( وهو الله فى السمواتوفى الأرض يعلم سركم وجهركم ويلعم ما تكسبون ) حتى أكون كلى وجوها ناظرة كل وجه الى اسم على سنه شرائع التجلى فى الحقائق ) الخ

    هذا كله معناه ( فانضح البر والبحر ) كما فسرة السيد رضى الله تعالى عنه وقوله : جامعا حقيقة كل اسم الهى بشريعة قائما بحقيقة فى سموات روحى وبشريعته فى أرض جسمى ) اشارة الى المظهرين للأسم الالهى من جانب الجقيقة ومن جانب الريعة فمن حكم عليه بالرجم شرعا فهو محكوم عليه من جهة الحقيقة بالقضاء والقدر

    وذلك معلوم فى سماء الروح ومحكوم عليه بالشرع وذلك معلوم لأرض الجسم بواسطة السماء من الشرع

    فمن وقف مع الحقيقة عطل الاحكام ومن وقف مع الشريعة انكر القضاء والحق ان يكون مع الاثنين ولذلك قال السيد رضى الله تعالى عنه ( حتى لاينبغى لشمس حقيقتى أن تدرك قمر شريعتى فيقع خسوف التخليط )

    وعن الإمام مالك رضى الله تعالى عنه غنه قال : ومن تصرف ولم يتفقه فقد تزبدق قال الشيخ حبيب الله الشنقيطى : معناه أن العابد الجاهل يكشف له الله تعالى الخالق لكل شئ وكل شئ بقضائه وقدرة فيعطل الشريعه ويتزندق نعوز بالله من ذلك

    والمراد بسماوات الروح منازل النفس السبعة فالروح تسبح فى سمواتها السبع وفى كل سماء لها وصف وحال وأرض الجسم : هو الجسد المخلوق من التراب فهو مظهر لأثار الروح الطيبة والنفس الخبيثة فالارض يخرج منها طيب المأكحولات والمشمومات كالبرتقال والورد ويخرج منها المر وردئ الرائحة كالحنظل ولما كان الجسد باعتبار مظاهر الروح يشبه الارض سمى ارضا ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ) فالسماء الأولى للنفس تشغل الروح لأنها سماء الزينه والنفس فيها أمارة

    وقوله

    فلا يشهد حينئذ إلا إياه

    أى إلا أثار أفعاله وصفاته سبحانه وتعالى كما قال رضى الله تعالى عنه فى أحزابه : ( حتى لا أرى فى وفى كل شئ وفى لا شئ الا اياك )

    قال الشريف رضى الله تعالى عنه :

    وهذا بعض الكلام عليها والله تعالى الموافق الفاتح للأبواب المدخل من وقف بالباب الرافع له الحجاب وصلى الله على مولاى محمد وعلى آله فى كا لمحة ونفس عدد ما وسعه على الله

    نقل ذلك من رساله للعارف بالله الشيخ اسماعيل النواب فى مدرسة السليمانية فى الحرم الشريف فى 27 شوال سنه 1310 على يد أفقر العباد محمد امين الحصنى

    خطاب السيد أحمد بن ادريس

    للشيخ مكى

    وهذا الخطاب الذى أرسله السيد أحمد بن ادريس رضى الله تعالى عنه الى تلميذة الشيخ مكى

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن ادريس الى أخيه وحبيبة المكرم الشيخ مكى

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أما بعد : وصل كتابكم فالحمد لله على سلامتكم وعافيتكم وقد كتبنا اليكم عظة على حسب ما خطر فى القلب الله تعالى ينفعكم بها والمسلمين آمين

    اعلم با آخى انك لا تحتاج الى تبصير فى أهل زمانك فالحذر من الذين ينتسبون الى العلم ولا يعلمون به واتخذوا العلم تجارة دنوية ولم يقرأوة لوجه الله ولم ينفعهم من العلم بشئ بل ضرهم علمهم غايه الضرر فباعوا دينهم بدنياهم

    وقد تبرأت الرسل عليم الصلاة والسام فكل من أخذ الأجر على العلم الذى أمرهم الله أن يبلغوه للخلق فكل واحد منهم بقول ( وما أسالكم عليه من أجر ان أجرى الا على رب العالمين ) والعلماء ورثة الانبياء فحاد هؤلاء المنتسبون الى العلم فى هذا عن طرق الانبياء فخسروا الدنيا والآخرة فنسأل الله تعالى ان يرجع بنا وبهم الى طريق الهدايه وان يسلك بنا وبهم سبيل الرشاد انه قريب مجيب

    وأرصى نفسى ةاياك بتقوى اللع العزيم فان التقوى خير زاد الى الآخرة قال الله تعالى : ( وتزودا فاتن خير الزاد التقوى )

    وعليك يا اخى بتقوى الله العظيم فان التقوى مفتاح العلم قال الله تعالى : ( واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شئ عليم )

    وعليك يا أخى بالتقوى فان التقوى مفتاح الفلاح قال تعالى ( واتقوا الله لعلكم تفلحون )

    ووعليك يا أخى بالتقوى فانها وصية الله للذين خلوا من قبلكم فى الاولين والآخرين قال الله تعالى : ( ولقد وصينا الذبن أوتوا الكتاب من قبلكم واياكم ان اتقوا الله )

    وعليك يا أخى بالتقوى , فان التقوى مفتاح الولايه قال الله تعالى : ( ألا ان أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون ) وعليك يا أخى بالتقوى فان التقوى مفتاح النجاه فى الدنيا والآخرة

    قال الله تعالى : ( وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون )

    وعليك يا أحى بالتقوى فان التقوى مفتاح الكرامه قال الله تعالى ( ان اكرمكم عند الله أتقاكم )

    وعليك يا أخى بالتقوى فان التقوى نفتاح المخرج من كل ضيق ومفتاح الرزق من حيث لا يحتسب قال الله تعالى ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب )

    وعليك يا أخى بالتقوى فان التقوى مفتاح اليسر قال الله تعالى ( ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا )

    وعليك يا أخى بالتقوى . فان التقوى مفتاح القبول قال الله تعالى : ( إنما يتقبل الله من المتقين )

    وعليك يا أحى بالتقوى , فان التقوى مفتاح الفرقان والمغفرة قال الله تعالى : ( إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم )

    وعليك يا أخى بالتقوى فان التقوى مفتاح معبه الله مع العبد قال الله تعالى : ( ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون )

    جعلنى الله واياك من المتقين الذين أقبلوا على الله تعالى بكليتهم فلم يشغلهم عن الله شاغل ظاهرا وباطنا فتولاهم الله بعنايه فخلصت محبتهم لله من جميع الوجوه فصاروا اذا قاموا فى أمر قاموا فيه بالله ولله واذا قعدوا عن أمر قعدوا عنه بالله ولله فصارت حركاتهم وسكناتهم بالله ولله فى كل شئ

    وعود لسانك ذكر الله تعالى حتى يستولى ذلك على القلب فتكون من الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون فى خلق الموات والأرض

    ونسأل الله الكريم رب العرش العظيم ان يروقنا وإياك حلاوة الإيمان الكامل الذى يكون القلب معه خاشعا لله تعالى على كل حال وأوان وأن يرزقنا واياك الشوق الى لقائة تعالى فى كل نفس من الأنفاس انه تعالى سميع الدعاء

    والسلام عليكم وعلى جميع من لديكم ومن يلوذكم ورحمة الله وبركاته

    تم الكتاب بفضل الله تعالى وببركة سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .





    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    حظيرة التقديس

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 2:26 am

    الفصل الاول : سيرته

    الفصل الثاني : رسائل إلي تلاميذه

    الفصل الثالث : رسائل من تلاميذه


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    الفصل الاول : سيرته

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 2:27 am

    الباب الأول

    فى اسمه وسيرته وعلو قدره ومكانته

    وطريقته الجليلة وشمائله الجميلة

    هو سيدنا ومولانا شيخ المشايخ القطب الأصيل الكامل، الولى الصالح الجليل، الإمام العالم المشهور بمحاسن الأخلاق والشمائل، الكثير الآيات، الشهير الكرامات، الجامع بين علمى الباطن والظاهر، صاحب الولاية والسهر الباهر، ذى المناقب التى هى أشهر من شمس الضحى، والقدم الذى إقتفاه من سلك سبيل الرشاد من الصلحا، بحر العلم الزاخر، فخر الأوائل والأواخر، الذى أشرقت شمس فضله فى أفلاك السعود، ونظم فى سلم الأفاضل كنظم الدرارى فى أسلاك العقود، قطب دائرة الوجود ومظهر تجليات عالم الشهود، ركن الولاية والهداية، بحر العلم والحلم والدراية، الأستاذ الإمام الكبير، الذى لم تسمح الأعصار له بنظير، أزهر به جامع الفضل وأنار، وأشرق برأيه علم العلم وإستنار، حتى إستمر بالمعارف الإلهية، والكرامات الباهرة السنية، ذاته رياض آداب كلها أزاهر، وبحار علم كلها جواهر، شيخ الإسلام وبهاؤه، ومصباح أفق العلم وضياؤه، ذو اليد البيضاء فى المعارف، والباع الطويل فى العوارف، والقدم الراسخ فى الحقائق والكرامات، والصدر الواسع لأنوار التجليات، صاحب الأحوال الشريفة والمقامات المنيفة، حجة العارفين،وقدوة السالكين، نور الأولياء المقربين وبقية السلف الصالحين، أوحد العلماء العاملين وبركة أهل الملة والدين، سيدنا ومولاه كفاية المؤمنين، العارف بالله تعالى ذو التحميد والتقديس السيد أحمد بن إدريس الحسنى نسبا.المغربى مولدا. من ذرية الإمام السيد إدريس بن عبد الله من السادة الإدريسية الساكنين بالمغرب، نفعنا الله ببركاته وأنشقنا نسمة من أسرار نفحاته.

    شيخ تسامى بالسما وعلاها

    وحوى بعزة عزة وحلاها

    وبدا بنور المظهرين مجملا

    يولى إلى كل القلوب ضياها

    متمكنا فى شأنه متلونا

    بشريعة يغشى المريد سناها

    متحققا بحقائق وسرائر تزهو على مر الدهور رباها

    متحليا بمحامد الصدق الذى

    أوقاته دوما تشد عراها

    يبدى من العلم اللدنى حكمة

    بدقائق الإرشاد مذ أملاها

    أعظم به من كامل ومكمل

    وبمرشد للعالمين هداها

    وبمعالم وبعامل وبعارف

    وبقطب أكوان غدا يرعاها

    لا زالت الرحمات تنشى روحه

    ويعم كل الحاضرين نداها

    اللهم إنشر عليه نفحات الرحمات والأنوار. وأفض علينا مما أودعته من الأسرار.

    ولد رضى الله عنه بأرض المغرب ببلدة فاس المباركة الشهيرة فجرت بمولده أذيال البهاء والإفتخار.

    ثم جد فى الإجتهاد، وسلك سبيل الرشاد، فأخذ العلم عن العلماء العاملين وصحب أكابر العارفين . وحصل ما لا بد منه للسالكين والأصفياء المخلصين، فى علوم التصوف والدين . ورزق التوفيق والهداية ولا حظته السعادة والعناية.

    ثم قدم إلى مكة فى العام الرابع عشر بعد المائتين والألف من هجرة من له العز والشرف صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الكرام وأقام بها أربعة عشر عاما من الأعوام.

    ثم توجه على صعيد الريف بهمة قوية مابين قنا واسنا فى قرية يقال لها الزينية وأقام بها خمس سنين .

    ثم رجع إلى مكة المشرفة البلد الأمين وأقام بها نحو اثنتى عشرة من السنين.

    ثم توجه قاصدا نحو اليمن فوصل إلى زبيد وإلى الحديدة ونواحيها، ورجع إلى قرية تسمى صبية فأقام بها مدة من الزمن، وكانت مدة إقامته باليمن نحو تسع سنين، يلقن الذكر، ويرشد المريدين، وكثر مريدوه وأتباعه، ,اشتهر عند الأكابر تلقيه وسماعه.

    وأخذ عنه الطريق والعلوم، والإشارات إلى الحى القيوم، خلق كثير من أهل المغرب والريف والصعيد، ومن أهل مكة ونواحيها، وأهل اليمن وغيرهم من ذوى القدر السديد، فقلد أجياد مريديه مننا، وادخر لهم عند الله اجرا حسنا وجلى لهم عروس مجد وفضل زفت إلى كفو مجدها، وشمس علم حلت فى بروج سعدها، متنزها فى رياض العلوم والمعارف، مقتطفامن أوراقها ثمار الحكم واللطائف . فتولى القبانية والغوثنية بعد إنتقال شيخه وأستاذه سيدنا الشيخ عبد الوهاب التازى رحمه الله تعالى ونفعنا به وبقى فيها إلى أن لقى الله تعالى ولحق بحزبه.

    وأما طريقته رضى الله عنه فإنه أخذ الطريقة عن شيخه وأستاذه السيد العارف بالله تعالى والدال عليه سيدى عبد الوهاب التازى الذى مكث فى الغوثنية أربعا وثلاثين سنة عن شيخه صاحب الذهب الابريز وملاذى الغوث الجامع، والغيث الهامع، العارف بالله تعالى والدال عليه سيدى عبد العزيز الدباغ عن شيخه وسيد العرب والعجم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وتلقى طريقة الشاذلى أيضا عن شيخه وملاذه سيدى أبى القاسم الوزير بسنده إلى سيدى الشيخ أبى حسن الشاذلى رضى الله عنه عن شيخه الإمام القطب الغوث الفرد الكامل شيخ الإسلام سيدى عبد السلام بن مشيش عن شيخه القطب سيدى عبد الرحمن المزنى عن شيخه القطب سرى السقطى عن شيخه القطب سيدى الحسن البصرى عن شيخه قطب الأقطاب سيدنا ومولانا الحسن بن على رضى الله عنهما عن شيخه ووالده القطب سيدنا ومولانا على كرم الله وجهه عن امام المرسلين وسيد المتقين وحبيب رب العالمين سيدنا مومولانا وحبيبنا وشفيعنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عن الأمين جبريل عليه السلام عن ميكائيل عن إسرافيل عن اللوح عن القلم عن الجليل جل جلاله وتقدست أسماؤه وصفاته.

    وأما الطريقة والأذكار التى يلقنها لأصحابه قتلقنها من حضرته صلى الله عليه وسلم كما هو مقرر عند أهل الطريق الأقوم بعد الرياضة والإقبال على المولى بالكلية فتحصل لهم نتيجة : (( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين )).

    والحاصل أنه من الأولياء الصالحين والأصفياء المقربين والأكابر العارفين والسادات المقدسين بوأه الله أعلى المنازل، وجمعت له العلوم السنية وانتشرت مناقبه وعمت مواهبه وفاضت على الخليقة أسراره ونفحاته ووسع البرية فضله وبركاته حتى صار بدرا مشرقا فى سماء هذه الأقطار الحرمية والبلدان اليمانية موصوفا بالإستقامة فى سائر أفعاله المرضية . واشتهر بالمعارف الإلهية الباهرة السنية إلى أن حظى من العلوم الإلهية بأعلى المراتب وحاز من الأسرار الربانية أسنى المناقب . وله كرامات ساميات سافرة المحيا فى المواكب، ترشد إلى الحق بأنواره الساطعة كزهر الكواكب . بوأه الله بحبوبه جناته . وتغمده برحمته ورضوانه، ونفعنا بأسراره وأمدنا بمدده وبركاته وأنشقنا نسمة من أسراره ونفحاته . اللهم انشر عليه نفحات الرحمات والأنوار، وأفضى علينا مما أودعته من الأسرار

    الباب الثانى

    فيما له من الكرامات محاسن الصفات

    وفى بعض أحواله وأقواله الدالة على فضله

    وشمول قدره وارتفاع مكانه

    أما كراماته رضى الله عنه فهى شهيرة أضوأ من شمس الظهيرة، وكان خلقه رضى الله عنه موافقا للقرآن والسنة.

    فمن كراماته رضى الله عنه : كان فى بعض الأيام حضر مجلسه جماعة من العلماء الأعلام مع رئيس العلماء القاضى حسن أحمد عاكش وسألوه عن جملة من المسائل العلمية فأدناهم بما لا يخطر لهم ببال من المواهب من الملك المتعال ورجعوا إلى مقرهم وقالوا كلام السيد هذا كلام وجيه ولكن كنا نرجح كلام العلامة فلان والعلامة فلان، فقال لهم القاضى حسن : نحن وأنتم ندعوا الله تعالى أن ينين لنا الحق معه أو مع من ذكرتم من أقوال العلماء، فاستحسنوا ذلك ودعوا الله ورقدوا . فأرى الله للعالم السائل منهم أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المنام وسأله عن المسائل التى اختلفوا فيها فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أتبع قول فلان؟ فقال : اتبعوا من أقواله وافق الكتاب وسنتى حتى عدهم كلهم ويقول لهم صلى الله عليه وسلم اتبعوا من أقواله ما وافق سنتى . ثم قال : يارسول الله أنتبع قول السيد أحمد بن إدريس ؟ فقال عليه السلام على هيئة المتعجب : سبحان الله فهل لإبن أحمد من كلام ؟ انما يتكلم بسنتى ويعبر بلسانى. فأصبح الرجل فرحا مسرورا وأخبر أصحابه وأتوا إلى السيد أحمد وذكروا له الرؤيا، فقال لهم الحمد لله حيث ظهرت لكم الحقيقة ونسأله التوفيق، وفهموا من ذلك أنه كان من العلماء وورثة الأنبياء.

    ولما قدم رضى الله عنه إلى زبيد اليمن وأقام بها مدة هرعت إليه أكابر السادات والعلماء كالسيد عبد الرحمن مفتى زبيد وغيره، وصاروا يترددون إلى مجلسه صباحا ومساءا ويسمعون منه الغرائب من العلم اللدنى الذى لا يخطر لهم ببال ويسألونه عن المسائل العويصة ويجيبهم بما ينشرح اليه الصدر من الجواهر النفيسة، فلما رأوا ذلك منه اتفق رأيهم على أن كل واحد منهم يكتب مايراه صعبا من مشكلات التفاسير والأحاديث ويجعلونه فى ورقة وأنت ياسيدى عبد الرحمن تتولى السؤال ونحن نسمع رد الأسئلة فإن أجاب سلمنا له . وحضروا بين يدى الأسياذ رضى الله عنه فأقبل عليهم وقال للسيد عبد الرحمن بطريق الكشف : أخرج ما عندك من الأسئلة وانظر أول سؤال وهو للسيد فلان ويتكلم عليه بما يبهر العقول إلى آخره، ويأتى بمناسبة السؤال الثانى ويقول : وهو للسيد فلان وهو كذا وكذا ويتكلم عليه بكلام لم يخطر على بال، ويأتى بمناسبة السؤال الثالث وهو يقول : هذا للسيد العلامة فلان وهو كذا وكذا ويتكلم عليه أيضا بكلام يدهش العقول حتى استوفى جميع الأسئلة، وتعجبوا من صدق الكشف الذى ليس فيه لبس كأنه معهم حين وضعوا الأسئلة جوابا جوابا وغزارة العلم والجواب على كل سؤال بلا كلفة ولا مشقة وأذعنوا له وعرفوا فضله رضى الله عنه . وصاروا يأتونه بعد العشاء ويسألونه عن بعض التفاسير على بعض الآيات.

    ومن جملة ما سألوه عنه تفسير قوله تعالى : (( ان المسلمين والمسلمات )) آية الأحزاب إلى آخر الآية فجلس فى تفسيرها أحد عشر يوما مجلسا فى الصباح ومجلسا فى العشاء وفى كل مجلس يأتى بغرائب وعجائب لم تسمع بها قبل ذلك غضا طريا ثم التفت اليهم وقال لهم : لو أطال الله أعمارنا وصرنا نتكلم على تفسير هذه الآية إلى يوم القيامة بشرط أن كل مجلس فيه شىء جديد لفعلنا ذلك وان شئتم نخرج من لجة البحر الى الساحل فلا بأس، فقالوا له قد عرفنا الغاية وأن انفاقكم من العلم اللدنى الذى لا تحويه الأقلام والأفكار، ودونوا منه أسفارا عديدة وهى عندهم موجودة الآن وحصل الانتفاع بها . وكان رضى الله عنه اذا سئل عن سؤال أولا ينظر فى كف يده ويقلبه ظاهرا وباطنا ويمده ويطويه ويتكلم بالغرائب والعجائب التى لا تخطر ببال.

    وسأله القاضى حسن أحمد عاكش عن تفسير قوله تعالى : (( والذى قدر فهدى )) فجلس ثلاثة أيام صباحا ومساء يتكلم بكلام جديد غير الذى سمع أولا ثم قال لنا : لو أطال الله أعمارنا إلى يوم القيامة ونحن نتكلم بما فتح اللع علينا من مننه ما استقصينا ذلك وان شئتم نخرج من لجة البحر الى ساحله ونكتفى بصدق العبارة دون الاشارة، فقالوا له : ياسيدى فقد عرفنا فضلكم ونحن نتشوق الى آخر السورة .

    ومما حكاه لنا مسألتين هو عن نفسه فى ابتداء أمره بالمغرب بينا أنا على سبيل التقصير مقر عن مريديه عن مثل ذلك .

    قال : بينما أنا ذات يوم أمشى فى السوقاذ مرت علينا طائفة من الشرطة محتاطين بواحد أسير لم يمكن خلاصه منهم لشدة الوثاق والحرص عليه فقال الأستاذ رضى الله عنه لبعض الجماعة : مثل هذا فى نظركم له مخرج من بين هؤلاء ؟ فقالوا له : لا مخرج له فقال لهم : انظروا كيف تصريف أهل الله تعالى وخرق العادة منهم فالتفت الى الشرطة وقال لهم : (( اهدؤا عليه )) بهذه الكلمة فخرجت القيود والأغلال منه وتفرقت الشرطة عنه ومضى على سبيله وكان مظلوما.

    والمسألة الثانية : خرج رضى الله عنه الى باب مدينة فاس فرأى الشرطة على الباب والمساكين يأخذون من الفقراء الداخلين بشىء من أثمار البساتين التى تسقط ويأتون بها لعيالهم وضعفائهم فضح الفقراء من ذلك فقالوا : لعلنا نجد معينا أو شافعا، فلما رأى رضى الله عنه ما بهم من الجور قام حسبة لله تعالى وقال : ائتونى برجل منكم شجيع يبلغ الخبر للملك حكم م نأمره ويرد لنا الجواب فقام رجل من الحاضرين وقال : أنا أبلغ الملك فقال له : قل للملك واحد يقول لك ولا تسمينى له قل له الأمر الذى جعله على ضعفاء المسلمين اتركه ولك فيه خير فى تركه وان ما تركته أراك تشوف ما يحصل لك، فوصل الرجل الى السلطان فأخبره بكلام الشيخ فطأطأ رأسه ساعة ورفع رأسه فقال للرجل : من هذا الذى ارسلك ؟ فقال له : أمرنى أن لا أخبرك باسمه فقال له : قل له أعطيتك مطلوبك وتركت للناس حالهم كما أمرت وأنا عندى حاجة وهى أن القبيلة الفلانية خرجت من طاعتنا وجهزنا عليهم جيوشا كثيرة ولم نظفر بهم وحصل منه فساد كثير فلا يصلحون الا بدخولهم تحت طاعتنا . فرد الشيخ عليه مع الرجل أن قل للملك : قد أعطيناك ذلك، فلم يلبثوا الا وقد أقب كبراء القبيلة وعرفاؤهم وطلبوا الصلح من السلطان ودخلوا تحت الطاعة.

    وذكر الشيخ رضى الله عنه من أسعد له بسر بمجرد ما يخالف تحصل له العقوبة فى نفسه وأما الكامل فلا يفعل شيئا من الخوارق الا باذن خاص .

    وقال لنا رضى الله عنه : مازلت أطلب طريق الله تعالى عند المشايخ الى أن قيل لى : الآن مابقى على وجه الأرض أحد تنتفع منه الا القرآن . فحمدت الله تعالى أن جعل مشربى القرآن الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهدانى به . وانظر ياأخى فى أحزابه تعرف مشاربه أنها لا تتناهى .

    وكان رضى الله عنه يقول : العارف فوق مايقول، وكان يقول : سفن العبارات ليس لها فى بحر الأذواق من نصيب انتهى كلام الشيخ .

    وانى كنت فى بلادنا أطلب العلم بين يدى والدى القاضى صالح الرشيد، فجاء أخ لى أكبر يقص رؤيا على الوالد، وكان للأخ امرأة توفيت فى تلك الأيام قال : رأيتها فى المنام فسألتها ما فعل الله بك بعد قدومك عليه ؟ فقالت : جمعنا الله سبحانه وتعالى نحن والأموات جميعا بين يديه، وقال لنا : أنتم حضرتم زمن عبدى أحمد بن ادريس فسامحناكم جميعا من أجله . هذا ما سمعته من الأخ . وحكاه لى الأخ فى مجلس الدرس بين يدى الوالد، ونحن فى بلاد السودان، وسيدى أحمد بن ادريس رضى الله عنه بأرض اليمن ولا أخذنا عنه الطريق، ولا رأيناه بل سمعنا به سماعا وجاهه وصل الينا . وبعد ذلك جمعنا الله به وأخذنا عنه الطريق وجلسنا بين يديه .

    وقال رضى الله عنه فى مجلسه أن بعض أهل الله يعطيهم الحق سبحانه وتعالى أهل عصرهم بالشفاعة عنده، فتذكرت قصة امرأة أخى فقصصتها على الأستاذ رضى الله عنه من أنها والأموات الذين معها سامحهم الحق من أجل وجودهم فى عصركم فقلت له : هذا الأمر صحيح ؟ قال : نعم .

    وحكى لى بعض اخوانى كان فى السياحة قال : فاتفق لى فى بعض الأيام وأنا فى البرارى والقفار فاشتد على الحر والظمأ الشديد حتى أشرفت على الهلاك فعمدت الى شجرة هناك بقرب الطريق، فهيأت لى مضجعا فقلت : هذا هو الموت، فتذكرت أن الشيخ سيدى أحمد رضى الله عنه قال لنا : ان مريدى اذا نادانى وهو بالمغرب وأنا بالمشرق أو عند جبل قاف أجبته وان كان صادقا سمع رد الجواب والاجابة له بلبيك . قال الأخ فقلت ياسيدى أحمد أدركنى فأنا على ما ترانى من الهلاك عاطشا وجائعا، وكنت مستلقيا على ظهرى وطرف الثوب على وجهى وسمعت حركة شىء وضع فى الشجرة، فرفعت الثوب عن وجهى وسمعت حركة شىء وضع فى الشجرة، فرفعت الثوب عن وجهى واذا بى أرى بين أغصان الشجرة شيئا مثل البطيخة وعليها رغيفان كبيران، فقلت فى نفسى هذه تخيلات فمن يأتى بالرغيفين والبطيخ فى هذا الموضع فوضعت الثوب على وجهى وتيقنت بالموت وبقيت مترددا فى نفسى هذا خيال أو حقيقة، فكشفت الثوب عن وجهى أيضا فنظرت فاذا أنا بالبطيخة والرغيفين على ما هما عليه، فقمت اليهما وأخذتهما من بين أغصان الشجرة واذا بالرغيفين كأنما أخرجا من التنور الآن والبطيخة من أطيب ما يكون وأكلت من الرغيفين حتى شبعت ورويت من ماء البطيخة وسرت حتى وصلت أرض العمران وذلك ببركة الأستاذ رضى الله عنه .

    وحكى لى الأخ المذكور قال : فى بعض سياحاتى فى بعض البلاد ومعى أناس جمعنا السفر معهم من غير سابقة معرفة فجاءنا الليل ونحن فى فلاة من الأرض خالية من العمران وبتنا فيها، فاذا بسبع له زئير وصوت هائل يحوم حولنا، وخافوا خوفا شديدا وقالوا لبعضهم : من عنده سر من شيخ أو التحاصين الواقية فليفعل فقالوا كلهم : ما عندنا شىء وقال لهم : أنا من أصحاب السيد أحمد بن ادريس ومنسوب اليه وفى حماه فقالوا : نحن أصحابك اجعلنا معك فى حماه فقال لهم : مرحبا، وجعلوه من الجهة التى فيها السبع وهم خلفه ورقدوا فأتاهم السبع حتى وصل عندهم وشم بأنفه عند رأس الأخ وولى هاربا مثل المطرود ورجع الى غابته، وصاحب السياحة هذا رجل من أهل الكرد.

    ومن كراماته رضى الله عنه أن واحدا من أصحابه المغاربة كانت له امرأة مسيئة وأتعبته غاية التعب، ففى بعض الليالى أغاظته بكلمة فضربها ضربة شديدة فخرجت روحها وحركها فوجدها قد ماتت، فخاف على نفسه من الحكام فقام فى الليل حتى طرق الباب على الأستاذ رضى الله عنه فأذن له بالدخول، فأخبر الشيخ بما هو حاصل، وقام الشيخ معه ووصلوا الى بيت المغربى ووجد المرأة ميتة كما هى فخاف المغربى خوفا شديدا وقال : ياسيدى أحمد بن ادريس كيف الخلاص من هذا الأمر الفظيع دنيا وآخرة ؟ فقال له الأستاذ : نحن نتوجه الى الله تعالى فى كشف هذا الكرب وأنت تستر ماترى فقال المغربى : مرحبا فجعل الشيخ عصاه على المرأة ماشاء الله فأحياها الله تعالى بمنة وقدرته كرامة لوليه وجعل لأهل التقوى فرجا ومخرجا وعاشت المرأة بعد ذلك ماشاء الله تعالى أن تعيش .

    ومن كراماته رضى الله عنه أن واحدا من الإخوان صحب الأستاذ مرة فى مكة ثم أمره بالقدوم الى ناحية الصعيد ومعه جماعة من الاخوان وأمره عليهم لأجل السنة متأسيابها ونزل الإخوان الى جدة وتعثر عليهم الحال بعدم الزاد والمصاريف فأراد الأخ الأمين أن يرجع الى مكة فقال له الإخوان : كيف ترجع الى مكة وأنت أمير علينا فى السفر ؟ فاهتم لذلك الأخ وترك الرجوع الى مكة فقام فرأى فى المنام كأنه أتى الى مكة وجلس بين يدى الأستاذ وقال له الأستاذ : خذ هذا الكتاب وسافر على بركة الله تعالى فأخذ الكتاب وجعله فى جيبه فلما أصبح الصباح وصلوا الصبح فتذكر الرؤيا فقال لهم الأخ : أنا رأيت البارحة كأنى وصلت الى مكة ووجدت الأستاذ وأعطانى مكتوبا وجعلته فى جيبى، فأدخل يده فى جيبه فوجد الكتاب فأخرجه ووجد مكتوبا (( يارب يسر ولا تعسر، رب تمم بالخير ياكريم )) فذكر الإخوان هذا الذكر ففرج الله عنهم وتيسرت لهم الأمور على أحسن حال وسافروا على بركة الله تعالى .

    ومن كراماته رضى الله عنه أن واحدا من أصحابه كان فى المدينة المنورة وكان معه بعض الإخوان المحبين وكان هو من العارفين بأحوال الشيخ فتذكر هو ومن معه من الإخوان بأحوال الشيخ رضى الله عنه فعظم على رجل من الحاضرين هذا الأمر لما سمعه من فضل الأستاذ وهاج الحال على الأخ، فرفع طرفه الى السماء فرأى عصافير فقال لمن حضره من الإخوان فى مجلسه : لو دعوت هذه العصافير بإسم الشيخ سيدى أحمد لأجابتك فتساقطت كلها بين يدى الحاضرين، فمات بعض العصافير وطار بعضهم .

    ومن كراماته رضى الله عنه أنه وقع قبل وصولنا اليه ونحن قد كنا أتينا الى الحج بمكة وهو باليمن فبعد فراغنا من الحج أصابنى مرض شديد حتى انى لا أستطيع القيام الى قضاء الحاجة فخشيت من الموت على هذا الحال فتضرعت الى الله تعالى أن أظفر بشيخ كامل يعرفنى بالله المعرفة الخاصة وبرسوله حتى أموت على معرفة تامة، فتوسلت بسيدى أحمد بن ادريس رضى الله عنه، فبمجرد ماغمضت عينى بالنوم رأيت سيدى أحمد بن ادريس رضى الله عنه جاء الى وأنا مضجع على سرير فوقف عندى فقال لى : دواءك أن تجعل لك بين جلدك ولحمك زمزم، فقلت له ، ياسيدى أنا مريض أنت افعل لى فالتفت وقد حضرت عندى قربة زمزم على ظهر واحد سقاء فلما وصل عندى سيدى أحمد خرق الجلد فى خاصرتى ووضع رأس القربة فى ذلك المحل فصار لها دوى فى بدنى كدويها فى الدوارق الى أن فرغت كلها فى ذاتى وسال منى العرق شيئا كثيرا حتى نزل تحت السرير فاستيقظت وأنا أجد فى قوة الى القيام برجلى الى أى مكان كان فحصلت لى العافية ببركة الأستاذ، وبعد أيام حصل لى مرض شديد فتوسلت بالشيخ فرأيته فى المنام فى خيمة عظيمة فى محل مرتفع وحده فى خيمته فسلمت عليه وقال لى : اجلس فجلست أمامه فقال لى : أنت خائف من الموت قلت له نعم فأخذ ورقة وكتب فيها سطرين لا تموت حتى يكون عمرك ثمانين سنة، والسطر الثانى لا تموت حتى تكون من أكابر العارفين بالله تعالى، وأعطانى الورقة وقال لى : اقرأها فقرأتها فحمدت الله تعالى على ذلك، ثم تذكرت أنى سابقا ما حصلت لى رؤية النبى صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك للأستاذ فقال لى : اجلس نريك فرأيت فى يدى شيئا يطوى فيه الغزل وأنا صرت فى المثال على كيفية الغزل ولا أرى نفسى الا غزلا، وأخرج منى خيطا وجعله فى ذلك الشىء وطوى منى نصيبا فظهر لى شخص فإذا هو على كرم الله وجهه، ثم طوى ما شاء الله فظهر شخص ثانى، فإذا هو عثمان بن عفان رضى الله عنه . ثم طوى نصيبا فظهر شخص رابع، فإذا هو أبو بكر الصديق رضى الله عنه، وأنا بقيت ضعيفا جدا مثل الصبى الذى يرضع، ثم طوى نصيبا فظهر لى النبى صلى الله عليه وآله وسلم فاستيقظت من نومى فرحا مسرورا بهذه الرؤية .

    وبعد انقضاء الحج توجهنا الى اليمن واجتمعنا بالأستاذ رضى الله عنه فى مدينة صبيا المباركة فى أرض اليمن فى ابتداء سنة ثمانية وأربعين بعد الألف ومائتين وفى أول ليلة من قدومنا عليه وقبل أن أنتسب اليه فى الطريق فعاملنا بحكم الضيافة، فبمجرد ماغمت عينى أطلق على بحر من نور عظيم حتى أغرقنى واستولى على فلم أستطع الخروج منه حتى كدت أن أهلك من شدة تراكم الأنوار على فاستيقظت من نومى وجسدى يضطرب . وفى اليوم الثانى أخذنا عنه الطريق وانتسبنا اليه قال لنا : أنا طريقى ما عندى كون يترقى فيه المريد لأن يصل الى مقصوده الا على الذى ليس وراء الله مرمى (( وأن الى ربك المنتهى )) بل ما تحط قدمك الا عنده فى حضرته، الحمد لله حصل لنا منه المدد الذى لا يدخل تحت حصر العبارة وهو مصداق قوله عليه السلام فى الحديث القدسى : (( أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)) فإذا واجهك الكريم بفضله فلا راد لحكمه وربك فعال لما يريد .

    ومن كراماته رضى الله تعالى عنه أن اتفق لى فى ذات يوم وأنا أقرأ فى أحزاب التجليات اذ جاء من نفحات الجود وتجليات المعبود ما يوجب الإستهلاك من السحق والمحق والفناء المحض الى أن الجأنى الى عدم الإدراك، وبعد مدة من الزمان أتتنى القوة والشعور بالموجودات وبقى كل عضو من الأعضاء بل كل جزء من الأجزاء فيه ألم عظيم من تجليات الجلال، وفى كل ساعة أنتظر خروج الروح من آخر الليل من تمام اليوم الى الليلة الثانية، فخطر لى أن أخبر الأستاذ بذلك الأمر فأرسلت اليه واحدا من الإخوان وقلت له : قل له أنا كنت أقرأ فى أحزاب التجليات فحصل لى منها حاصل أمر عظيم والآن أنا مشرف على الهلاك ان لم تدركنى بنظرة تخرجنى من الجلال الى الجمال فى التجليات ومن الفناء الى البقاء فى جميع الحالات، فأرسل لى مع الرسول وقال : قل له يقول لك كان، فوصل عندى الرجل : يقول لك الشيخ : كان، فبمجرد ما قال لى الرجل يقول لك الأستاذ كان فر عنى الألم جميعه ساعة واحدة ووقفت من ساعتى، وصرت كأن لم يكن بى شىء قط وحمدت الله تعالى وعرفت أنه متحقق بما قاله السادات الصوفية : أول الطريق جنون وأوسطه فنون وآخره كن فيكون . فلله دره من أمام جمع جميع الفضائل والمعالى بل ومن تبعه جذبه الى درجات الكمال العوالى والحمد لله على لقائه ومحبته .

    ومن كراماته رضى الله عنه أن ركاب بغلته انكسر فأمر خادمه بأدائه الى الحداد ليصلحه فوضعه فى النار مرارا فلم تفد فيه شيئا فرجع الى الشيخ فأخبره بذلك فقال له الشيخ : أنا عبد من عبيد الله أكرمنى الله أنه من جاورنى لم تحرقه النار، فكيف بمن جاوره فى بلده الأمين فكان رجل بالمجلس لا يرى للجوار أثرا فانتفع من هذه الواقعة فعرف فضل الجوار ومراعاة الجيران .

    ومن كراماته رضى الله عنه أن واحدا من مريديه مات بمكة شرفها الله تعالى ودفن بالمعلى، وكان رجل من أهل الكشف منور البصيرة من الإخوان واقفا عنده حين الدفن، فرأى سيدنا عزرائيل عليه السلام أتى بفرش من الجنة وسرج عظيمة ووسع القبر مد البصر وفرش للميت المذكور ووضع له السرج وقال الرائى فى نفسه : ليتنى اذا مت يكرمنى ربى بمثل هذه الكرامة فالتفت اليه سيدنا عزرائيل عليه السلام، وقال له : كل واحد منكم له مثل هذه الكرامة ببركة الصلاة العظيمة وهى التى أولها (( اللهم انى أسألك بنور وجه الله العظيم )) الى آخرها المنسوبة للأستاذ سيدى أحمد بن ادريس رضى الله عنه .

    ومنها أن شخصا أتاه بألف ريال ودفعها اليه فلم يقبلها منه وردها اليه وترجاه فى قبولها بمن هو حاضر بين يديه فقبلها منه وفرقها على من عنده من حينه من الفقراء الحاضرين لديه ولم يترك منها شيئا لنفسه ولا لعائلته تولاه الله تعالى بحسن رعايته .

    وقال رضى الله عنه : بشرنى جدى عليه الصلاة والسلام وقال لى : (( من انتمى اليك ياولدى أحمد فلا أكله الى ولاية غيرى ولا كفالة غيرى أنا كفيله ووليه)) وكفى بهذه الولاية لأهل النسبة الى هذا الطريق كفاية .

    وقال رضى الله عنه : سئل بعض اخواننا المقربين أهل الوصلة والإجتماع برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حالنا عند الله وعنده، فقال له عليه السلام : ابنى أحمد بن ادريس قطب لا كالأقطاب، وغوث لا كالأغواث، وفرد لا كالأفراد، وجرس لا كالأجراس، فوق الكل وممد الكل، والله على ما أقول وكيل وجوابنا نرده بين يدى الله تعالى يوم القيامة.

    وقال رضى الله عنه : الإخوان مايعرفون مقدار طريقنا الا إذا غمضت عين الواحد منهم بالموت فيرى ما أعده الله له من أجل هذه النسبة فى الطريق، وهذه بعض من كراماته والا فكراماته لا تعد ولا تحصى ولا يمكن ضبطها ولا تستقصى، وما ذكرته فهو نقطة من بحر زاخر ولمعة من بعض تلك الأثر .

    وأما أوصافه رضى الله تعالى عنه : فهو طويل القامة، أبيض اللون مشرب بحمرة، نحيف الجسم، واسع العينين، طويل الوجه، أزج الحاجبين، فى شعره شيب، وكان يديم الذكر مجافيا جنبيه عن التكاسل، متوجا بشريعة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قد فهمه الله أسرار البدايات، وأطلعه على أعلى النهايات، فهو بحر الحقائق، وموضح الطرائق، صاحب الأسرار الصمدانية، والدعوات الرحمانية، واللطائف القرآنية، والمعارف الفرقانية، والمواعظ اللقمانية، والفتوحات الربانية، والشمائل الكنهية .

    ماذا أقول لمن تكامل وصفه

    فالمدح فيه وان تطاول قاصر

    قد اتضحت فضائله للخاص والعام، والمأموم والإمام .

    وبالجملة انه ملك العلمبأزمته والعرفان والخصال بجزئياته وكلياته، صفاء قلبه على وجهه يلوح، ونفائح مسك الحكم من فيه يفوح . رقيق القلب ذو سكينة ووقار وحياء، اذا خرج ازدحم الناس على تقبيل يديه وركبتيه والتشبث بأذياله والتبرك برؤية وجهه، ما وضع يده على قلب قاس الا رق ولان، كلامه يقود سامعه الى السجود ويجرى فى القلب كجريان الماء فى العود، وكانت تأتيه الفتوحات من كل مكان، وعيشته كعيشة الملوك مع قطع النظر عما سوى الملك الديان، وكان رضى الله عنه يقول : (( نحن ضيوف الله فى أرضه والضيف يواجه المضيف . ومن حمل الزاد الى دار الكريم أو سأل شيئا منه وهو فى منزله عد لئيما )) وما هو حاصل منه من مدده فلا يسعه القرطاس ولا ضعفاء العقول من الناس.

    وفى هذا القدر كفاية ومقنع، لمن كان له قلب ومسمع، والا فكرامته لا تسعها الطروس والكواغد ولا الألواح.

    والحاصل أنه من أكابر أهل الله وأعيان الأمة الهاديين الى سبيل النجاة . وله الكرامات

    الظاهرة المأثورة ، والأحوال الجميلة المشهورة، والآيات الزاهرة، والمقامات الفاخرة، جمع شيم العز المنيع، وحاز سجايا الجلالة والمهابة والشرف الرفيع، كيف لا وهو خلاصة بنى الزهراء البتول ؟ وفرع الشجرة الطاهرة الموصلة بالنبى الرسول صلى الله عليه وسلم الذين جعل الله حبهم هو الوسيلة العظمى، وقربهم يوصل فى الدارين الى كل مقام أسمى، وزاد قدرهم العى تنويها بشأنهم وتنويلا كما قال تعالى : (( انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا )) فاليهم كل مكرمة تئول اذا ماقيل الرسول، ولله در من يقول :

    البيت بيت علا والعلم شيده

    والأصل من عنصر المختار منتخب

    والفرع فرع عظيم بالفخار سما

    لقد سما فتدلت دونه الشهب

    بالمصطفى المجتبى المختار قد شرفوا

    وشرفوا من لهم بالود ينتسب

    هم هم القوم والفخر الفريد لهم

    وحبهم خير ما يقنى ويكتسب

    لهم خصائص إمداد فضائلهم

    من المهيمن لا تحوى لها الكتب

    يظهرن أنوارها للكون حيث ترى

    للعين كالشمس سرا ليس ينحجب

    وليس يبدو لنا إلا القليل بهم

    لكي يؤدي لهم بعض الذي يجب

    أدام الله ديم الرحمات تنهل على أرواحهم الطاهرة الزكية ، وألحقنا بهم رب السماء في درجات الآخرة ، وأمدنا بمددهم وبركاتهم ، وأنشقنا طيب أعطارهم

    اللهم انشر عليه نفحات الرحمات والأنوار وأفضى علينا مما أودعته من الأسرار

    الخاتمة

    في ختام أيامه ووفاته وانتقاله لطيب مقامه

    فلما أن دعاه الكريم الرحيم إلى داره ، ليتمتع بمشاهدة النعيم في جواره ، بعد أن كملت له المنازل الرفيعة ، وانتشرت كراماته الطاهرة الوسيعة ، وجد في الاجتهاد حتى فاق على أقرانه الأفاضل ، وحاز علماً وفضلاً وكمالاً تقصر عنه يد المتناول ، وبث لوائح الأذكار الراقية بسنده المتصل عن الأكابر ، إلى أمثل الأوائل والأواخر وسيد العشائر ، إلى أن آن أوان أغول قمره ، وانقضت مدة حياته وعمره ، فتوفي في ليلة السبت المبارك بعد العشاء ليلة الحادي والعشرين من شهر رجب الفرد الحرام سنة 1253 (ثلاث وخمسين بعد المائتين والألف من هجرة سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام) ودفن بمدينة " صبيا " من أرض اليمن المبارك . فرحمة ربي تغشى روحه وضريحه إلى يوم يبعثون . اللهم انشر عليه نفحات الرحمات والأنوار وأفض علينا مما أودعته من الأسرار . وها أنا أقول مستمداً من فيض المصطفى رسول الله r :

    ما بين بث مدامع وبلابل

    طفح الغرام بكل جسم ناحل

    واشتد هجر المبتغي لجماله

    وغدا المشوق كواله وكذابل

    أواه من ذات الحجاب من لها

    حصن تمنع عن مقام الجاعل

    أه عليها ما ألذ وصالها

    إن كان تسمح بالوصال الآجل

    لا تطمعن في وصلها فهو الذي

    عين السراب ممره بتخايل

    ولقد سبا كل القلوب خيالها

    كيف الذي هو عينه في الحاصل

    فارجع إلى العجز الذي من حازه

    حاز الهنا مع المنى بتواصل

    وأصحب هدى إجلاله بتأدب

    مثل ابن إدريس الإمام الكامل

    الفخر أحمد وهو أكمل من رقى

    في ذروة أمنن به عن فاضل

    هو أحمد الأفخر أكمل من رقى

    أسنى مقام شامخ أو فاضل

    قطب المعاني والمباني مرشد

    بتمكن لأواخر وأوائل

    شيخ الحقائق والطرائق موصل

    من جاءه من ناقص أو كامل

    لب الشرائع هديه لمريده

    فوق أنها بمطالع ومنازل

    دوماً على هدى الرسول مقامه

    بتذلل وتدلل وتواصل

    ولقد نشا متمسكا بفضائل

    للدين تسمو عن فضائل فاضل

    حتى ترقى في المعالى واحتسى

    كأس الحمية من أجل مراسل

    وأتاه أذن للخلائق مرشد

    فبدأ فريداً غوث كل معامل

    بالذكر والتهذيب خير مهذب

    ومسلكاً بالشرع ليس بغافل

    ولكم كرامات له لا تنحصر

    تنبيك عن إجلاله بالعاجل

    وله الخطاب من العلى بباسط

    ومخصص بمكارم وحلائل

    واقصد له وضريحه في كل ما

    ينبو عليك من الشواهد ذاهل

    واسأل به مولاك يوليك المنى

    دنيا وأخرى كل فيض وابل

    يا ربنا نرجو به منك العطا

    والجماع الخيرات عند أكامل

    والحاضرين وأصلهم مع فرعهم

    ولمن لنا أوصى بفيض شامل

    وأدم على ذاك الضريح سحائبا

    تنهل رحما من غديق هاطل

    بالسيد المختار سر سرائر

    شات الحقائق عين فعك الفاعل

    وبآله وبصحبه وبتابع

    ومحبهم وموصل ومواصل

    صلى عليهم ربنا ما غردت

    ورق الحمام على أراك باسل

    أو ما حدى حادي النجائب معلنا

    بالشوق يطرب للعلا بوسائل

    أو ما سرى برق الحجاز مناديا

    ومخبرا عن ذات خدر مائل

    غصبا لها صب تحرك شوقه

    وطفا على البحر البديع الكامل

    وتغرد القوال فيها قائلاً

    ما بين بق مدامع وبلابل

    اللهم انشر عليه نفحات الرحمات والأنوار وأفض علينا مما أودعته من الأسرار . وإلى هنا انتهى ما أردناه ونجح ما رمناه وقصدناه فلنرفع أكفنا إلى مغدق النعم متوسلين إليه بحبيبه الأعظم وصفيه الأقدم r وبآله الذين هم أعظم وسيلة وبأصحابه الجامعين لكل فضيلة وبمن تليت فضائله وآثاره ولاحت على الحاضرين شموسه وأقماره أن يسلك بنا منهجه وسبيله ويوردنا من حبه سلسبيله

    اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك ، وعزائم مغفرتك ، والسلامة من كل اثم والغنيمة من كل مغنم ، وثبات الحجة والمحجة ، وبقاء البهجة وصدق اللهجة ، واجعل لنا من كل ضيق فرجاً ، ومن كل شدة مخرجاً ، واشغل قلوبنا وألسنتنا بذكرك وجوارحنا بشكرك ، وآمنا من غضبك ومكرك ن واحمنا من عصيانك ومخالفة أمرك ، وعافنا من كل داء ولا تشمت بنا الأعداء ، ولا تقطع عنا عوائد الجود والندا ، وأنلنا بلا محنة مراتب الشهدا ، واعتقنا من النار ، واجعلنا من عبادك الأبرار ، واسكنا دار القرار ، بجوار حبيبك المختار r

    اللهم توفنا على الإيمان ، واحفظنا من نزغات الشيطان ، ولا تجعل له علينا سبيلا في كل آن ، وسلمنا من موجبات السلب والحرمان ، وبوئنا المثوبة والكرامة ، وأجرنا من أهوال يوم القيامة ، واعصمنا من موجبات الحسرة والندامة ، واحشرنا تحت لواء المظلل بالغمامة ، وأنلنا النظر إلى وجهك المصون ، وأقر برضوانه منا العيون ، واقضي عنا بكرمك وجميع الديون ، يا من أمره بين الكاف والنون ، وارحم آباءنا والأجداد ، واحفظنا في المال والأهل والأولاد ، والأشياء والأحباب والأحفاد ، ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ، وعافنا من جميع الأمراض والأسقام ، والأدواء والآلام ، وهون علينا شدة الفزع وسكرات الحمام ، وتوفنا بفضلك إذا حضر الأجل على حسن الختام ، وتفضل بالعفو والغفران على هذا الجمع ، ومتعنا وإياهم بالعافية والبصر والسمع ، واجعلنا من العائدين الفائزين ، واكتبنا من السعداء بجاه سيد المرسلين ، ووفق اللهم من تسبب في جمعنا هذا لرضاك ، وتفضل عليه بكرمك وعطاياك ، وجامعها وكاتبها وقارئها والسامع .

    وصل وسلم اللهم على سيدنا محمد حبيبك ومصطفاك وعلى آله وصحبه ومن والاه ووالاك واجعلنا أجمعين من عبادك المؤمنين الذي آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين

    ولادة السيد الإمام أحمد بن إدريس ونشأته

    كانت ولادة هذا السيد العظيم سنة 1163هـ ببلدة ميسور أو ببلدة العرائش التابعة لسلطنة فاس ومراكش ، وكان لهذا الإمام العظيم شأن كبير ، حيث نشأ أولاً في موقع رأسه الشريف العرائش ، وبعد أن ترعرع وحفظ القرآن العظيم وكثيراً من المتون ، ونال قسطاً وافراً من العلوم وبلغ العشرين من عمره ، انتقل إلى بلدة فاس عاصمة السلطنة المغربية إذ ذاك ، وانتسب إلى جامع القرويين بها ، ومكث يطلب العلم أولاً ، ثم يدرس ثانياً نحواً من ثلاثين سنة متواصلة ، إلا أنه كان يرحل أحياناً أثناء دراسته هذه إلى بعض المشايخ الكبار في بعض ملحقات فاس للأخذ عنهم . ولم يترك في زمنه أحداً من المشايخ المعتبرين والذين عاصرهم إلا ورحل إليه وأخذ عنه وهؤلاء هم مشايخه رضي الله عنه وعنهم

    مشايخ الإمام السيد أحمد بن عبد الله بن إدريس بفاس وبلاد المغرب :

    أولهم الإمام المحدث الكبير الشيخ محمد التاودي ابن سودة المتوفي سنة 1209هـ

    والشيخ محمد ابو عبد الكريم الذهبي المتوفي سنة 1199هـ والشيخ عبد القادر بن أحمد العربي بن شقرون المتوفي سنة 1216هـ

    والشيخ المجيدري الشنقيطي ، وكان شيخه في السلوك أولاً

    ثم كان خاتمتهم بفاس الشيخ الكبير سيدي عبد الوهاب التازي رحمه الله ورضي عنه وهو الذي تم أمره ولعا شأنه على يده ، وهو عمدته في كافة مروياته ، وكان حضرة الشيخ عبد الوهاب التازي قبل أن يعرفه السيد أحمد بن إدريس يحضر كمستمع في حلقة السيد أحمد بن إدريس وكان يعجبه صوته كما تعجبه طريقة تدريسه ، وكان السيد أحمد بن إدريس يرجع في أموره ومشاوراته وسلوكه إلى الشيخ المجيدري الشقيطي ، وكان المجيدري تلميذاً للشيخ عبد الوهاب التازي وصادف أن عرضت مسألة للسيد أحمد بن إدريس فاستشار فيها شيخه المجيدري وقال له : حتى اشاور شيخي التازي فقال له السيد أحمد بن إدريس : ألك شيخ أكبر منك ؟ قال نعم ، شيخي وعمدتي هو الشيخ عبد الوهاب التازي فقال له : اذن اجمعني به ، فذهب المجيدري إلى التازي وأخبره فقال له: مره ليأتيني فأتاه ، وأخذ عنه وانقطع إليه كلياً وكان يلازم طريقة الجباء معه ولا يرفع صوته عنده فكان أحياناً يقول له الشيخ التازي : أين تلك الهدرة يا أحمد ؟ ويعني بذلك نبرات صوته لما كان يدرس ببلدة تازة من بلدان المغرب الأقصى قرب حدود الجزائر ، وكانت مدينة علم ورخاء ولا تزال كذلك ، وبعد ملازمة السيد أحمد بن إدريس للشيخ عبد الوهاب التازي مدة مباركة قدرها الله توفي رحمه الله ورضي عنه

    وبعد وفاته لازم السيد أحمد بن إدريس الشيخ أبا القاسم الوزير وكان من الصالحين الكبار وذوي المقامات العالية إلا أنه كان متستراً غير أن المدة لم تطل وتوفي أيضاً الشيخ أبو القاسم الوزير

    وبعد وفاته عقد السيد أحمد بن إدريس العزم على التوجه إلى جهات المشرق والحجاز ليتزود بمعلومات أكثر وليقضي فرضه ويتشرف بزيارة جده الأعظم سيدنا محمد r وليهاجر في الحرمين الشريفين

    رحلة السيد أحمد بن إدريس من فاس إلى المشرق :

    وفعلاً بدأ رحلته من فاس في أواسط عام 1212هـ ومر في طريقه على الجزائر وتونس وطرابلس وبنغازي وكان ذلك سيراً وكان طريق البر من بنغازي إلى حدود مصر فيها مخاوف من بعض الأعراب المتحاربين ، لذلك قرر الركوب بحراً من بنغازي إلى الإسكندرية بعد أن مكث في بنغازي مدة من الزمن تعرف أثناءها ببعض البيوت وألقى دروساً في بعض مساجدها وأثنى على أهلها وعلى أهل الجبل الأخضر وبرقه وقال فيهم : " هذه بلادنا فيها تحيا أورادنا حيها سعيد وميتها شهيد طوبى لمن أراد الخير بأهلها وويل لمن أراد الشر بأهلها " وكانت إشارته هذه إلى السيد محمد بن على السنوسي حيث هو الذي أخذ عنه وهو خليفته الذي أحيا أوراده وذكره بدون زيادة أو نقصان في البركة وغيرها رضي الله عنهما

    ثم ركب من بنغازي عام 1213هـ بمركب شراعي إلى الإسكندرية وعند وصوله إليها ونزوله بالجمرك كانت معه كتب ثمينه قيمة لا تفارقه لحظة ولا يرضى بها بديلاً فجاء المفتشون وسألوه عنها وكانت الكتب داخل أكياس مخيطة ومربطة لأجل الحمل فقال لهم : كتب ، فأخذوا يطعنون الأكياس بأسياخ الحديد المجوفة وهو يصيح ويقول لهم : حرام عليكم لا تمزقوا كتبي ، فلم يعبئوا به ، فرفع يده إلى السماء وقال : " يا رب جيب لهم النصارى " أي سلط عليهم النصارى وقد استجاب الله دعاءه فلم تتم تلك السنة ولم يخرج من مصر حتى دخلها الفرنسي نابليون بجيوشه سنة 1213هـ واستولى على الإسكندرية والسواحل

    وبعد وصول الإمام إلى القاهرة توقف بالأزهر مدة يسيرة قام خلالها بالقاء بعض الدروس في جامع الأزهر فأعجب به كل من حضره وسمع عنه ولذلك أخذ عنه مشايخ كثيرون ، ورافقه بعضهم إلى الحجاز

    ودخل مكة آخر عام 1213هـ ومكث في الحرمين الشريفين ما بين مكة والمدينة والطائف ما يقرب من ثلاثين سنة قضاها في التدريس ونفع العباد وإرشادهم إلى الطريق المستقيم ودعوتهم إلى العمل بما يحتمه عليهم دينهم الإسلامي

    وخرج من مكة إلى الصعيد بمصر مرتين – أو ثلاثاً – وقام بالدعوة إلى الله . وأخذ في الصعيد عن الشيخين الجليلين حسن بن حسن القنائي والشيخ محمود الكردي .

    ثم عاد إلى مكة المكرمة دون إقامة طويلة وإنما كانت في تلك المرتين حوالي خمس سنوات فقط ولم يبق خلال هذه المدة عالم من علماء الحرمين الشريفين أو ممن يفدون إلى الحرمين إلا وتتلمذ له وأخذ عنه

    وممن أخذ عنه السيد محمد بن عثمان الميرغني مؤسس الطريقة المرغنية ، والشيخ إبراهيم الرشيدي مؤسس الطريقة الرشيدية ، والشيخ محمد حسن ظافر المدني الدرقاوي ، والشيخ محمد عابد سندي صاحب الأسانيد المسماة حصر الشارد في خليفة الشيخ دردير صاحب التصانيف رضي الله عنه أتى إلى الحج وأخذ عنه ، ومنهم العلامة السيد عبد الرحمن بن سليمان الأهدل مفتي زبيد أتى إلى الحج أيضاً وأخذ عنه ، ومنهم الشيخ أحمد بن محمد الديلمي من قضاة زبيد أيضاً ، والسيد سليمان ابن ابي القاسم الأهدل ، والعلامة الشيخ عبد الكريم العتمي وغيرهم ممن لا يحصون ، وتخرج عنه أعلام خدموا الدين الإسلامي جزاه الله عن المسلمين خير الجزاء .

    وفي مدة وجوده بمكة عام 1218هـ دخلها السعوديون وكانوا يطلقون عليهم الوهابيين لاتباعهم للشيخ محمد ابن عبد الوهاب داعية نجد ، وكان أميرهم إذ ذاك الإمام عبد العزيز بن محمد بن مسعود عام 1220هـ وتولى ابنه الإمام سعود الكبير بن عبد العزيز بن محمد بن سعود ودخل الحجاز ثانياً عام 1221هـ ومكث السعوديون بالحجاز سبع سنوات ، ثم حاربهم حاكم مصر محمد على باشا بأمر من الحكومة العثمانية وأخرجهم عام 1228هـ وكان أمير مكة إذ ذاك من الأشراف ذوي زيد واسمه الشريف غالب بن مساعد

    دخول الأمير سعود بن عبد العزيز لمكة واجتماع السيد أحمد بن إدريس به

    كان للسيد أحمد بن إدريس أتباع كثيرون وكان بعضهم تصدي للرد والقدح في معتقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب فلما قدر الله وجاءت الجيوش السعودية لاحتلال مكة قال هؤلاء العلماء للسيد أحمد بن إدريس أخرج بنا من مكة لأنهم إن وجدونا بطشوا بنا فقال لهم رحمه الله ورضي عنه : أنني لا آمر أحداً منكم بالخروج من مكة ولا أنهاه غير أنني أقول لكم من جلس فلا يلحقه إلا الخير إن شاء الله تعالى وأنا جالس ، فهرب بعضهم وجلس البعض

    وبعد وصول الأمير سعود ودخوله مكة وكان شديداً ومتعصباً في مذهبه جاءه السيد أحمد بن إدريس حسب العادة للتهنئة والسلام عليه فقابله بحفاوة بالغة وأكرمه إكراماً عظيماً وألبسه مشلحا بيده وقال له يا شيخ كنا أحق بزيارتك ولا كنت تكلفك نفسك ثم اصدر أوامره على كافة عماله بعدم التعدي على أحد ممكن ينتمي إلى السيد ، كما عفا عن أصحابه الذين كانوا يطعنون في معتقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وكان الإمام سعود الكبير هذا أمر بتقتيلهم ولو وجدوا متعلقين بأستار الكعبة فعفا عنهم وحقن دماءهم ، وهذه سجايا آل سعود ومكارم أخلاقهم التي ورثوها عن أوائلهم وهي العفو عند القمدرة وعدم أخذ المسئ بإساءته وقبول عذر المعتذر مهما كان ذنبه ، وبذلك مكن الله لهم في البلاد وسخر لهم القلوب والعباد والله لا يضيع أجر من أحسن عملا . فتعجب الناس لهذا التسخير الإلهي

    ثم أن السيد أحمد بن إدريس أمر أتباعه بعدم المجادلة أو المناظرة مع أي إنسان ، وإذا سئلوا عن أي قول أو مذهب يقولون : لا إله إلا الله فقط . وصار هذا دينهم مدة وجود السعوديين بمكة وهو من عام 1121هـ إلى غاية عام 1228هـ

    رحلة مولانا السيد أحمد بن إدريس من الليث إلى اليمن :

    بعد أن ودعه الإخوان وخليفته السيد محمد بن على السنوسي ورجعوا إلى مكة ركب من الليث في سفينة شراعية ووالي سفره بحراً إلى اللحية ومر في طريقه على موانئ القنفدة والبرك وجيزان ولم ينزل بها

    وبعد وصوله اللحية مكث بها أياماً ثم والى رحلته برا إلى الزهرة ثم الحديدة فبيت الفقيه فزبيد وبعد مكوثه بها نحواً من شهرين وإلى رحلته حتى وصل المخا ووصل إلى جبل موزع وأقام به اياماً ثم عاد إلى المخا ومكث بها أربعة أشهر ولم يبق أحد في تلك الجهة إلا ووفد عليه وتلقى عنه وسمع منه ثم عاد إلى زبيد ومكث بها تسعة أشهر بقية سنة 1344هـ وكان نزوله عمد السادة آل الأهدل . وخلال هذه المدة لم يترك الدرس والوعظ والإرشاد والدلالة على الله يوماً واحداً حتى عم نفعه بالله تعالى للخاص والعام

    وخرج من زبيد إلى قرية تسمى " وصاب " في الجبل للغصلاح ما بين قبيلتين متحاربتين ومكث بها أياماً قلائل ثم عاد إلى زبيد ومنها توجه إلى بندر الحديدة ومكث بها أياماً معدودة ومنها سلك طريق الساحل عائداً إلى بلاد السادة المراوعة ولم يمر على بيت الفقيه . واجتمع بالسادة المراوعة وأخذوا عنه ومكث عندهم ما يقارب من الثلاثة أشهر ، ثم توجه إلى " القطيع " وجلس به ما شاء الله وبعد ذلك والى رحلته إلى بأجل ، وأقام بباجل مدة بسيطة وفي خلال رحلته هذه لم يخرج من بلدة من هذه البلدان حتى يقيم فيها من يقوم بمثل عمله . ولم تطل إقامته إلا في المدن الثلاثة زبيد وبيت الفقيه والمخا وبعد خروجه من باجل والى رحلته إلى بلدة أبي عريش ، وكان أمير تلك المنطقة وما يتبعها هو الشريف على ابن حيدر بن حمود من الأشراف إلى أبو مسمار وهم ينتسبون إلى الأشراف آل أبي نمى فأكرم نزل السيد إكراماً عظيماً وهيأ لسيادتته كل أسباب الراحة والاستقرار ولذلك آثر الإقامة في بلدة صبيا الواقعة في المخلاف السليماني بالقرب من أبي عريش التابعة للشريف على بن حيدر

    وفي صبيا اجتمعت عليه أمم كثيرة وقام رضي الله عنه بالدعوة الصالحة إلى الله تعالى والإرشاد ، وكان أهل تلك الجهة غلب عليهم الجهل وتركوا أمور الدين والشرع ولم يبق لهم من الإسلام إلا الاسم أما واجبات الدين فمتروكة تماماً لذلك كرس مولانا السيد كل مجهوداته آناء الليل وأطراف النهار في المساجد والمجتمعات وفي بيته حتى كون نخبة مباركة من طلاب العلم قاموا بالدعوة إلى الله تعالى والعمل بكتابه حسب المستطاع وبالتالي هي أحسن

    وبوجوده في صبيا أصبحت كعبة المريدين والتابعين له فما من يوم إلا وتصبح غاصة بالزوار والقادمين من أنحاء اليمن وجبال السروات والحجاز ووفد إليه تلميذه وخليفته السيد محمد ابن على السنوسي من مكة مراراً مع بعض الأخوان والمريدين ، وكان يرتب له قافلة من مكة تخرج على رأس كل شهر تحمل إليه ماء زمزم وكل ما هو ضروري لسيادته من الحجاز طيلة إقامته بصبيا وكانت حوالي تسع سنوات لأنه رضي الله عنه خرج من مكة عام 1241هـ وتوفي عام 1253هـ فالمدة الواقعة بين التاريخين اثني عشرة سنة منها أربع سنوات في تنقلاته والباقية هي التس استقرها بصبيا

    مؤلفاته :

    وهذه هي مؤلفاته رضي الله عنه :

    رسالة الأساس ، رسالة القواعد ، روح السنة ، العقد النفيس في نظم جواهر التدريس ، التصوف والسلوك ، كتاب الأحزاب ، كيمياء اليقين

    ولم يخلف إلا ثلاثة أولاد فقط هم السيد محمد القطب والسيد عبد العالي والسيد مصطفى ، فأما السيد مصطفى فقد توفي صغيراً بعد والده

    وأما السيد محمد القطب فكان عمره حين وفاة والده 36 عاماً وعاش بعد والده 52 عاماً ، وخلف السيد محمد القطب ولداً واحداً هو السيد على بن محمد بن أحمد بن عبد الله ابن إدريس ، كان عمره حين وفاة جده الإمام رضي الله عنه أربع سنوات فقط حيث كانت ولادته عام 1250هـ ثم عاش بعد جده 70 عاماً قضاها في عبادة الله والدعوة إليه

    وكان من أكابر الصالحين وهو الذي أسس العائلة الإدريسية في صبيا باليمن ورفع شأنها ونشر طريقة جده وأحيا ذكره ما بين المخاليف والقبائل وجمعهم والتفوا حوله واتبعوا دعوته ، وأنجب رحمه الله ثلاثة أولاد ذكور هم السيد محمد ابن على الإدريسي مؤسس إمارة الأدارسة باليمن والسيد الحسن بن على الإدريسي والسيد أحمد بن على الإدريسي ، فأما السيد أحمد فكبر وتوفي قبل أن يتزوج ولم يعقب ، والسيد محمد اشتغل أولاً بطلب العلم في صبيا ثم انتقل منها إلى مكة وطلب بها العلم ، ثم انتقل إلى الأزهر بالقاهرة وتمم فيه دراسته ونال قسطاً وافراً من العلوم وبرع فيها ثم رحل من مصر إلى الجعبوب ومنها إلى الكفرة حيث إقامة الإمام السيد محمد المهدي السنوسي وزاره بها ومكث عنده مدة وأخذ عنه ثم عاد إلى صعيد مصر وزار أبناء عمومته آل السيد عبد العالي الإدريسي بالزينية ، وفي عام 1323هـ عاد إلى صبيا موقع رأسه قبل وفاة والده وكانت عودته بطلب ملح وسريع من والده ومن مريدي ومحبي والده وشيوخ القبائل ، وبعد عودته بقي مع والده قريباً من سنة ونصف ثم توفي والده رحمه الله تعالى وقام هو مقام والده بالدعوة إلى الله والإرشاد فغار منه الأتراك الموجودون بجيزان وعسير والحديدة وأرادوا أن يكيدوا له ويقبضوا عليه ويرسلوه إلى استانبول مركز الخلافة فحال دونه أهل تهامة قاطبة وحاربوا الأتراك حتى أجلوهم من تلك الجهة ، وأقاموا أميراً عليهم ، وبذلك تأسست الإمارة الإدريسية وتوسعت حتى جبال " فيفا " في ناحية نجران وحتى الحديدة الصدور.

    الصدور بإذن الخبير اللطف بما تلقيته عن شيخي السيد محمد الشريف

    وطبع الحزب المسمى بكنز السعادة لسيدي أحمد بن إدريس رضي الله عنه

    ولا يزال لديه كتباً تحت الطبع ومنها كتاب الإملاء لسيدي أحمد بن إدريس رضي الله عنه

    وقد طبع أيضاً كتاب النفحات الكبرى وهو من إملاء سيدي أحمد على تلميذه السيد السنوسي رضي الله عنهما ، وقد نفد وسيعاد إن شاء الله طبعه . وكتاب كرامات سيدي أحمد للشيخ الرشيدي رضي الله عنهما

    ومن تأليف شيخنا الجعفري كتاب مفاتح كنوز السماوات والأرض ،ـ وقد فرح بها فرحاً عظيماً السيد حسن الإدريسي رضي الله عنه ، وأمر بطبعه مرة أخرى فطبع ، وسيطبع مرة ثالثة إن شاء الله تعالى ، وهو كتاب نفيس جداً حيث جمع بين الأوراد وكيفية تلاوتها بوضوح تام

    وأول كتاب طبع لشيخنا الجعفري كتاب أسرار الصيام ، وقد نفد وأعيد طبعه

    وفي المدائح الكتاب المسمى المقبولة في مدح النبي r . وكتاب البردة الحسنية الحسينية ، وكتاب روضة القلوب والأرواح في مدح آل بيت النبي صفوة الفتاح . وكتاب لآلئ البحار في مدح النبي المختار r . وكتاب زهرة الحدائق في مدح خير الخلائق r ، ومفرحة الفؤاد في مدح آل خير العباد r

    نسأل الله تعالى أن يبارك لنا في شيخنا الجعفري ، وأن يوفقه إلى نفع العباد آمين

    وله كتاب أخرى تحت الطبع والله يتممها وينتفع الناس بها ويدعون له بالخير

    ولتمام النفع ألحقت بالمناقب هذه الخطابات المنسوبة إلى الشيخ سيدي أحمد بن إدريس ، والي الشيخ سيدي محمد ابن على السنوسي ، وإلى الشيخ سيدي إبراهيم الرشيدي رضي الله عنهم أجمعين






    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    الفصل الثاني : رسائل إلي تلاميذه

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 2:29 am

    بسم الله الرحمن الرحيم

    وبه نستعين

    من أحمد بن إدريس إلى أخيه وحبيبه الشيخ مكي ابن عبد العزيز

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    قد وصل كتابكم أوصلكم الله إلى رضوانه الأكبر ، الذي لا سخط بعده أبداً

    ثم اعلم يا أخي أن الدنيا راحلة ولا غنيمة فيها إلا طاعة الله تعالى . وأفضل طاعته تعالى وأعظمها أجراً ومنفعة عند الله تعالى ذكر الله تعالى . فعليك يا أخي بكثرة ذكر الله سراً وعلانية قال سيدنا ومولانا رسول الله r : " ثلاثة معصومون من إبليس وجنوده : الذاكرون الله كثيراً بالليل والنهار ، والمستغفرون بالأسحار ، والباكون من خشية الله عز وجل " . نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من الذين لا شغل لهم إلا بالله ، ظاهراً وباطناً دائماً أبداً سرمدا آمين

    وسألت أيها الأخ عن قطع الإصبع الزائد وقطعها متيسر بلا تعب فلا بأس بذلك . وتوكل على الله واقطعها ، والله يتولى هدانا وهداك

    والسلام عليك وعلى أهلك وأولادك ومن يلوذ بك ورحمة الله تعالى وبركاته

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن إدريس إلى أخيه وحبيبه وصفيه وصديقه الشيخ مكي بن عبد العزيز أعزه الله عنده في الدنيا والآخرة .. آمين

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أما بعد ... فقد وصلت مكاتبتكم ، أوصلكم الله إلى رضوانه الأكبر الذي لا حجاب بعده أبداً آمين

    وسألت أيها الأخ عن الأشياء التي سألت عنها ، " سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم "

    الجواب والله الموفق للصواب : لا بأس بحرق نوى التمر ، لأن فيه منفعة للناس ، والله خلق لنا ما في الأرض جميعاً ، ومن جملة ما في الأرض نوى التمر ، ومن جملة منافع التمر المحرق أنه يمسك الإسهال المفرط إذا دق وسف

    وإسناد اللوح المكتوب فيه القرآن إلى الجدار فلا بأس بذلك ، فإن اللوح المكتوب فيه القرآن أصله الأرض ، والأرض أصلها الماء ، والماء أصله نور سيدنا محمد r ، فأصل الكل طاهر ، ووضع اللوح على الجدار كذلك ، والمصحف كذلك

    وتارك الصلاة لا يصلى على جنازته لأن رسول الله r قال فيه " فمن ترك الصلاة فقد كفر "

    وقال r : " من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر جهارا "

    ويكفر تارك الصلاة بقول ابن حبيب من المالكية ، وإذا كان كافراً كما سمعت فلا يجوز الصلاة عليه ، لأن ترك الصلاة عليه يكون ردعاً وزجراً لتاركي الصلاة ، فالأولى ترك الصلاة عليه

    وأما عيادة المريض التارك للصلاة فمندوبه إذا كان بنية العائد أن يأتيه ويعظه ، فإنه إن تاب قبل الغرغرة قبل الله توبته ومحيت ذنوبه ، ويكون ذلك في ميزان من تاب على يده ، وأن صح وصلى يكون ذلك في ميزانه

    وأما دفع الزكاة له إن لم يوجد غيره من المصلين فلا بأس بذلك ، لأن العواقب مجهولة لا يدري بأي شئ يختم له

    ولا يسلم عليه لأنه يجب هجره ، والسلام يخرجه من الهجران ، وقد قال رسول الله r : " تقربوا إلى الله ببغض أهل المعاصي ، وألقوهم بوجوه مكفهرة ، والتمسوا رضاء الله بسخطهم والتباعد عنهم "

    وأما ضيافته فلا بأس ، وأما الأكل معه في آنية واحدة فلا يجوز

    وأما غسل الجنازة فلابد من تعميم الماء لكل الشعر أعلاه وأسفله ، وإلا فلا طهارة . هكذا أمر رسول الله r

    وأما سماع صوت الأجنبية من غير التذاذ به لتصحيح القرآن فلا بأس ، لأن رسول الله r كان النساء يسألنه ويجيبهن ويسمع صوتهن r

    ووصيتي إلى إخواني : عودوا أنفسكم الأخلاق الجميلة والأفعال الحميدة مع الله تعالى ومع عباده ، فإنه من لم يزهد في عوائده القبيحة من أجل الله تعالى فقد زهد في الله من أجل عوائده الخبيثة ، والله يهدينا وإياكم إلى الصراط المستقيم

    والسلام على جميع إخواننا كلهم ورحمة الله وبركاته ، وعليك أيها الأخ مكي وعلى أهلك وأولادك كلهم ، وعلى جميع من يلوذ بكم ورحمة الله تعالى وبركاته

    بسم الله الرحمن الرحيم

    اللهم صل وسلم وبارك على مولانا محمد وعلى آله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله

    من أحمد بن إدريس إلى أخيه وحبيبه المكرم الشيخ مكي ابن عبد العزيز

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أما بعد ... وصل كتابكم والحمد لله على سلامتكم وعافيتكم

    وقد كتبنا لكم خطبة على حسب ما خطر في القلب ، الله ينفعكم بها والمسلمين

    واعلم يا أخي أنك لا تحتاج إلى تبصرة في أهل زمانك ، فالحذر الحذر ثم الحذر الحذر من الذين ينتسبون إلى العلم ولا يعملون به ، فاتخذوا العلم تجارة دنيوية ولم يقرءوه لوجه الله تعالى ، ولم ينفعهم الله به ، فهم يأخذون على كل كلمة يقولونها للناس في العلم ذنباً ، فهم يأكلون الحرام ، ويلبسون الحرام ، وينكحون الحرام ، فأعمى الله بصائرهم فلم ينتفوا بشئ من العلم ، بل أضرهم علمهم غاية الضرر ، وباعوا دينهم بدنياهم ، وقد تبرأت الرسل عليهم الصلاة والسلام من أخذ الأجرة على العلم الذي أمرهم الله أن يبلغوه للخلق ، وكل واحد منهم يقول : " وما اسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين " ، والعلماء ورثة الأنبياء ، فحاد هؤلاء المنتسبون إلى العلم في هذا الزمان عن طريق الأنبياء ، فحضروا الدنيا والآخرة . نسأل الله تعالى أن يرجع بنا وبهم إلى طريق الهدى ، ويسلك بنا وبهم سبيل الرشاد . أنه قريب مجيب

    وأوصى نفسي وإياك بتقوى الله العظيم ، فإن التقوى خير زاد إلى الآخرة ، قال الله تعالى : " وتزودوا فإن خير الزاد التقوى"

    وعليك يا أخي بالتقوى فإن التقوى مفتاح الفلاح ، قال الله تعالى : " واتقوا الله لعلكم تفلحون "

    وعليك يا أخي بالتقوى فإن التقوى وصية الله في الأولين والآخرين ، قال الله تعالى : " ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله "

    وعليك يا أخي بالتقوى فإن التقوى مفتاح الولاية قال الله تعالى : " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون "

    وعليك يا أخي بالتقوى فإن التقوى مفتاح النجاة في الدنيا والآخرة قال الله تعالى : " وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون "

    وعليك يا أخي بالتقوى ، فإن التقوى مفتاح الكرامة قال الله تعالى : " إن أكرمكم عند الله أتقاكم "

    وعليك يا أخي بالتقوى ، فإن التقوى مفتاح الفرج من كل ضيق ، ومفتاح الرزق من حيث لا يحتسب العبد قال الله تعالى : " ومن يتق الله يجعل له مخرجاً . ويرزقه من حيث لا يحتسب "

    وعليك يا أخي بالتقوى فإن التقوى مفتاح اليسر قال الله تعالى :" ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا "

    وعليك يا أخي بالتقوى فإن التقوى مفتاح تكفير السيئات ، وتعظيم الأجر قال الله تعالى : " ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا "

    فعليك يا أخي بالتقوى ، فإن التقوى مفتاح القبول قال الله تعالى : " إنما يتقبل الله من المتقين "

    وعليك يا أخي بالتقوى فإن التقوى مفتاح محبة الله قال الله تعالى : "إن الله يحب المتقين"

    وعليك يا أخي بالتقوى فإن التقوى مفتاح معية الله تعالى مع العبد قال الله تعالى : " إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون "

    جعلنا الله وإياكم من المتقين الذي أقبلوا على الله بكليتهم ، فلم يشغلهم عن الله شاغل ، ظاهراً وباطناً ، تولاهم الله بعنايته ، فخصلت محبتهم في الله تعالى من جميع الوجوه ، فصاروا إذا قاموا لأمر قاموا فيه بالله لله ، وإذا قعدوا عن أمر قعدوا عنه بالله لله ، فصارت حركاتهم وسكناتهم بالله

    وعود لسانك ذكر الله تعالى حيث يستولي ذلك على القلب فتكون من الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض

    أسال الله الكريم رب العرش العظيم أن يرزقنا وإياك حلاوة الإيمان الكامل الذي يكون معه القلب خاشعاً لله تعالى على كل حال وأوان ، وأن يرزقنا وإياك الشوق إلى لقائه تعالى في كل نفس من الأنفاس أنه سميع الدعاء

    والسلام عليكم وعلى جميع من لديكم وجميع من يلوذ بكم ورحمة الله وبركاته

    بسم الله الرحمن الرحيم

    وصلى الله على مولانا محمد وعلى آله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله

    من أحمد بن إدريس إلى ولده وقرة عينه عثمان نظر إليه بنظر عنايته المنان

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

    أما بعد .. فقد وصل مكتوبكم ، أوصلك الله إلى رضوانه الأكبر وعزه الأفخر . ونسأل الله تعالى جميع الشمل به والالتذاذ بقربه وأنسه ، والاشتغال والانهماك في حبه ، والغيبة عن خلقه من جنه وأنسه ، أنه قريب مجيب

    وعليك بتلاوة الأحزاب . وأكثر من هذا الذكر الذي خصنا الله به من بين أوليائه ، وفقد أخذ من حضرات قدسية ، فهو " لا إله إلا الله محمد رسول الله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله " . ولقن هذا الذكر للاخوان فإن نتيجته عظيمة جداً ، والعدد بحسب الطاقة ، والسلام منا على جميع الإخوان . والسلام عليك وعلى أهلك ورحمة الله وبركاته ، وقد سمينا محمداً ابن أرباب محمد نور فهو أوفق والله أعلم

    " مكتوب بخط سيدي أحمد بن إدريس والكاتب الشيخ صالح بن عبد الرحمن الدويحي – تاريخ ميلاد سيدي أحمد ابن إدريس رضي الله عنه في كتب السادة السنوسية رجب سنة 1173هجرية "

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن إدريس إلى ولده وقرة عينه محمد عثمان ، نظر إليه الواحد المنان بعين العناية والرضوان آمين

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أما بعد ... أيدك الله بروح منه ولا أخلاك وقتا عنه . فشمر عن ساق الجد والاجتهاد . واترك الراحة والرقاد ، وقم لله عز وجل على قدم الصدق واجعل علو همتك فيه أعظم زاد . وإياك وإياك وإياك حتى من إياك والاغترار بإقبال الخلق عليك وتعظيمهم إياك ، فإنها فتنة وابتلاء ، وملاحظة إقبالهم سم قاتل ، وبرق خلب ليس فيه مطر هاطل فاقطع يأسك منهم ، واحسم طمعك عنهم ، وأقبل على مولاك بكليتك قلباً وقالباً ، فإنه لا أضر على الفقير الصادق من طمعه في الخالق فإن الطمع في الخلق سيف قاطع عن الحق

    وأعل همتك في الله حتى يتقدي بك إخوانك ، ولا تستند إلى الراحة والبطالة فيأخذون بحالك فيهلكون ، فاحملهم على الجد والاجتهاد ، قو يقينهم في الله بالحال والمقال ، فإنه قد صبحنا جماعة من الإخوان المغاربة فعلت همتهم في الله ، فحازوا قصب السبق في المعرفة بالله ، فانفتح لهم الباب من الله ، فانخرقت لهم العوائد ظاهرهم وباطنهم فصاروا من المحدثين من حضرة الحق بلا واسطة حتى أن كلامهم جمع في كراريس فيما فتح الله عليهم به من مكالمات وبشارات مما لم يسمع به من أكابر الأولياء المتقدمين ، حتى أن بعض الأكابر كأبي يزيد البسطامي استصغر نفسه في جنب أحدهم ، فجد السير ، واجتهد لتكون في أول السابقين ، فإني تعجبت من صدق هؤلاء الذين ذكرتهم لك غاية العجب ، فإذا دخلوا الخلوة أتوا بالعجب والعجائب من غرائب المعارف والمكاشفات واللطائف ، فإذا حضروا المجلس كوشفوا بما يبهر العقول بحسن معاملتهم مع الله وقطع ما سواه ، وإني لا أحب أن تكون دونهم ، بل أحب لك أن تكون من أعلاهم

    واعلم أني فيما حرضتك عليه نعم المعين بالهمة والدفع إلى الله ، وقد اتخذت الله لك وكيلاً وكفيلاً فيما رغبتك فيه ، وجعلته جل وعلا خليفة عليك ، فأعني على نفسك بعلو الهمة في الله ، وقطع العوائق والعلائق القاطعة عن الله

    والسلام عليكم وعلى أولادك وأهلك وجميع من يلوذ من الإخوان ورحمة الله وبركاته

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن إدريس إلى الابن وقرة العين واثمد العينين محمد عثمان نظر الله إليه بعين عظمته وكبريائه ، والحقه بتجلي جلاله وجماله وكماله محفوظاً بعين عنايته ورعايته آمين

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . أما بعد

    اعلم علمك الله بكل خير وصرف عنك كل شئ وضير لا تجزع من تجلي النكرة فإن الأسرار كاملة فيها مستقرة ، فمن ليس له تجلي النكرة لا يتم له تجلي المعرفة ، فإن بضدها تتميز الأشياء . " والضحى والليل إذا سجى . ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى . ولسوف يعطيك ربك فترضى " ثم أني قصرت من إطناب اللسان اكتفاء بما سيقع بيننا من الإطناب في الجنان فإنها سترد عليك واردات الهية ، تشفي العليل ، وتعز العبد الذليل

    وأما الشر فقد أمنك الله أنت وجماعتك من شره ومكره بحوله وقوته " ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله "

    وأما الخلوة فلا يصح لك الانقطاع الكلي في هذا الوقت من أجل تعلق الإخوان بك ، وإنما يصح لك الاختلاء في أوقات مخصوصة . وخلوتك الخصوصية بالله تعالى هو أن تختلي بأحزاب التجلي في بعض الأوقات ، لصفاء القلب وتنويره واجتلاب الواردات الإلهية

    وأما الفتح الكبير العام الذي هو تجلي سلطان الكبراء وفيض تجلي العظمة على جميع أجزاء البدن من شعر وبشر وعظم ولحم ، فعن قريب يصل إليك . وعلى جميع إخوانك سيلا عاماً لا يبقى ولا يذر إن شاء الله تعالى ، والسلام

    بسم الله الرحمن الرحيم

    وبه الإعانة بدءاً وختماً

    من الابن إلى والده ، ومن العبد إلى سيده ، ومن المستمد إلى ممده ، ومن الجدول إلى بحره ، ومن محمد عثمان إلى حضرة دائرة أهل العرفان ، قطب رحى حيطة الولاية . مصدر الأسرار والعناية ، من لا تبرز الخلع لأكابر وقتنا إلا بمدده الطامح ، أكسير الله في الوقت والإحسان ، كبريت أحمر أهل المعاني ، الجالس على بساط القرب في حضرة الذات ، الذائق أعظم مشاهد الصفات ، سلطان حضرات الأولياء ، طراز الدواوين الإلهية ، وزير نقطة الكمالات المحمدية ، المعبر بلسان الحق لكل سامع من أهل السمع ، مظهر سر اليد والقلب والبصر ، ذو الرفع ، آية الله الكبرى للمتقدمين والمتأخرين ، نعمة الله العظمى على أهل منازل التمكين ، مرآة الحقيقة الأحمدية ، برنامج كمالاتها المحمدية ، المتمكن في الشهود والتقديس ، سر روحي الشريف مولاي أحمد بن إدريس ، أدام مولاي على إمداده في سائر اللحظات ، وعمني وأولادي وأهلي وأصحابي بفيضه في الحياة وبعد الممات

    أما بعد ...

    فقد وصل مكتوبكم فكشف ما على القلب من رين ، فجرت العبرة لما نالها من عبرة . أصابني سوء أدبي فابعدني عن حضرة الوحي العظيم وجاءني قبح فعلى فدحضني عن مورد القرآن الكريم ، ونالني خبث نفسي عن حضرتكم منزل الإلهام السليم وكشف الحجاب ، وسد الباب وانسدلت دون إبنكم الأستار بلا ارتياب ، أستاذ اكشف لي الحجاب . عمدتي افتح لي الباب . بلغ من الأتباع ألوف ، وهب الفيض والأنس المعرف

    يا بحر الإله لكل مريديه

    يا فيضا يعم الواصلين

    اغث بنا غدا في مبعداته

    وأدركه بلطف الوالدين

    اسقني مولاي حقلاً رويا

    وخذني إليك أخذاً قويا

    هذا وبعد وصول الجواب لم يكن للتخلف أسباب ، ولكن ما علمه الأستاذ من أحوال الزمان فأنا في ديار المحب والمنقاد كثير ، وإقامة المعايش بفضلكم ليس بها تقصير ، وقد كثرت الأتباع والعيال ، والقيام بمثلهم في الحجاز يحتاج إلى أموال ، فليخبرنا الأستاذ عن الحقيقة بالحال أن اقتضى قدومنا وحدنا أو معهم هو أعلم بما يصلح الحال ، وحامل الكتاب أعلم بأحوالنا ، فاعتمدوه على ما تختاروه لنا ، وأرسلوا لنا كيفية خلوة تجمع المفرق ، وبعض أوراد تجدد المعتق ، وبلوا المرسول بقطرة ، وعموا الابن محمداً بنظرة

    هذا والسلام على الأستاذ من كل منتسب ومنتمي ومحب ومحتمي كعربي وإسماعيل وصالح وعبد الماجد والنبيل وإبراهيم ومحمد وحماد والهواري والحجازي والشيخ محمد والطاهر وعلى حامد وعيسى وإدريس ز والسيدة صفية وأختها رقية وجوريكم أم كلثوم وزينب . وكل من انتسب إلينا وتقرب

    ثم السلام منا على عمدتنا في المصادر والموارد ومنهلنا في كل صاعد ووارد سيدي محمد ابن سيدي وأمهاتنا أهل البر والندى وسيدي إبراهيم وإخوانه . هذا وافتح الباب لكل الطالبين وخصوصاً المذكورين والسلام

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن إدريس إلى ابنه وقرة عينه عثمان بن ابي بكر

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته من جميع جهاتنا تعمنا

    أما بعد .. وصلنا خطابكم ونحن بمكة أعزها الله ، فجاء الينا الكتاب السادس عشر في محرم عام 1235هـ فحمدنا الله على عافيتكم ، فلنا سنة كاملة في مكة عام 1234هـ ، فحضرنا حجة الجمعة ، فانتظرنا قدومك في هذه السنة ، وقد أذن لنا في القدوم فقدمنا بخير مقدم

    فالعجل العجل بالحضور عندنا كيفما أمكن فقد آن وقت حضوركم ، ولكم البشرى بحصول مقصودكم

    أن هلم ثم هلم إلى أرض الحرم المقدسة التي هي من أول يوم على التقوى مؤسسة ، أن هلم إلى الخيرات والنور والبركات . أن هلم إلى قدسك وزوال همك وعكسك . أن هلم إلى عزك الذي يملؤك سروراً من عرشك إلى فرشك . أن هلم إلى السر المكنون الذي هو من الله كن فيكون . أن هلم إلى شرح صدرك الذي أنقض ظهرك ورفع ذكر . أن هلم إلى كوثر النور المحفوف بالأفراح والسرور . أن هلم إلى رفع القدر الذي ليس معه شئ . أن هلم إلى الوعد الصادق الذي من جميع الجهات بالنور دافق . أن هلم إلى الوعد الذي لا يخلف والسر الذي لا يكشف ، فحدد نظرك وشحذ فؤادك وأعزم بكليتك ولا تترك جزءاً من جزئياتك . أقبل فقد جاء وقت النصر والسرور وهو قوله r : " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور "

    والسلام منا على الأخ الصادق العربي الخطيب ، وله البشارة بما يرجوه من القريب المجيب ، فعن قريب إن شاء الله يأتيه ما يسره ، ويقول : " يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا "

    والسلام على كافة الإخوان والخلان وكل من لاذ بكم وانتسب إليكم مدى الزمان

    وولدكم المبارك محمد بخير وأخته عائشة التي زادت بعدكم وأمها بخير

    والسلام عليكم وعلى من تعلق بكم من أنس وجان ، ونسأل الله أن يجمعنا وإياكم جمعاً لا فرقة بعده في أعلى حضرات الرحمن الرحيم المعصوم من كل عائق وقاطع وشيطان . أنه جواد حنان منان . لا إله إلا هو إليه الإنابة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن إدريس إلى أخيه وحبيبه الشيخ عربي الهواري

    السلام عليك ورحمة الله وبركاته

    وأما ما ذكرتم في الاعتناء بكم فأنا أولى بكم منكم ، وأرغب في الخير لكم ومن لاذ بكم من الإخوان ، إذ الوالد لا يحتاج إلى من يسترحمه على ولده فحنانته منه

    وصدرت إليكم وصية أوصينا بها أخاكم عثمان فتأملوها فإنها من أجمع النصيحة في طريق الله عز وجل لكم وللإخوان أينما كانوا ، فارحموهم بها رحم الله عز وجل لكم وللإخوان أينما كانوا فارحموهم بها رحم الله الجميع ، وإن فهمتهم ما فيها من إشارة بل صريح العبارة فستهون إلى كل بشارة

    وأما ما يكون عليه العكوف فهو ذكر الله عز وجل قيامها وقعوداً وعلى جنوبكم ، فإن استطعتم ألا يفوت أحداً منكم نفس من أنفاسه غير ذكر الله فافعلوا ، وستحمدن مشورتنا عند الله تعالى

    ومن أجل ما يطوي المسافات هذا التوحيد " لا إله إلا الله محمد رسول الله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله " فمن عقله جعله ديدنا والصلاة العظيمة في الإكثار منها الخير الجسيم

    والاستغفار بأي صيغة كان فهو أمان من العذاب بنص الكتاب ، ومن أجله الصيغة الكبرى المعلومة عند الإخوان وها هي : أستغفر الله العظيم الخ

    وكان ذكرنا صار إليكم . واللطيف كل يوم ألف مرة ، وعلى رأس كل مائة الدعاء مرة ومن زاد زيد له في الخيرات ، وأن يسر الله أحداً من الإخوان يصل إلى نواحيكم زدناكم من فضل الله

    هذا وعليكم بالعهد في تبليغ الإخوان حتى يعلم كل واحد اين يضع قدمه مع ربه ، وقد أجزناكم بذلك . وتلقينه لمن أراد أن يسلك الله به سبيل المقربين من أوليائه ، والمادة بالنور حاصلة إن شاء الله تعالى . والسلام عليكم وعلى جميع من لديكم ورحمة الله وبركاته

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن إدريس إلى أخيه وحبيبه وصفيه الشيخ محمد بن مجذوب ، جذبه الله بمغناطيس محبته إليه آمين

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    فاعلم يا أخي أنه لم يفتك حج ولا غيره ، فأنت معنا ونحن معك حيث ما كنت ، وأثر ذلك عندك ظاهر وقد وجهنا إليكم قميصنا الذي كنا نلبسه تبركاً وتشبهاً

    وحرض الإخوان على الخلوة وبالصلاة العظيمية ، ومن لم يقدر عليها فعليه بالعزلة والصمت

    ووسع صدرك معهم ، فإن الله أمر نبيه r بقوله : " فاعف عنهم " يعني في حقوقه r ، " واستغفر لهم " أي تب عليهم في حقوقنا التي لنا عليهم ومن لم يتب عن زلة إخوانه فليس بوارث كامل

    والسلام عليكم وعلى جميع إخوانك كلهم ورحمة الله وبركاته

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن إدريس إلى أخيه وحبيبه وصفيه وقرة عينه الشيخ محمد بن مجذوب ، جذبه الله إلى كمال معرفته ومحبته آمين

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أما بعد

    فقد بلغنا كتابكم الأول والثاني والثالث وأجبناكم عن وصول الحوائج التي أرسلتم فإنها قد بلغت كلها كما ذكرتم

    وقد ذكرنا لك أنك تدخل من رأيت فيه همة وقوة وعزم الخلوة ، فإن رسول الله r حض على إدخال بعض الإخوان الخلوة وأمر أن يدخلوها بالصلاة العظيمية فدخلوها فانفتح الباب بينهم وبين الله ورسوله

    والسلام عليكم وعلى جميع من معك ورحمة الله تعالى وبركاته والسلام

    بسم الله الرحمن الرحيم

    والصلاة والسلام التامان الأكملان على نبيه الكريم وآله وصحبه وجنده وحزبه الحائزين الفضل العظيم

    هي العبد الأذل كثير الخطأ والزلل محمد بن أحمد بن إدريس إلى حضرة مركز العلوم الأحمدية ، ومهبط الإمدادات الإدريسية ، قاموس المعارف الإلهية ، وبرزخ مجمع الأسرار الربانية ، مرشد المريدين إلى حياتهم الأبدية الذي عرف بخلوص النية والطوية أخينا الكريم وصديقنا الحميم المتخلق بالأخلاق النبوية ، والمتحلي بأكمل الأوصاف المرضية الشيخ إبراهيم الرشيد . إن قلت أخي قالوا أخا من قرابة فقلت لهم أنه لشكور قارب بنسبي من ربي وعزمي وهمتي وإن فرقتنا في الأصول الناس ، زاده الله مما أولاه وأسبل عليه من جزيل أنعامه

    السلام عليكم منكم وإليكم ورحمة الله وبركاته وإن تفضلتم بالسؤال عن حليف الأشواق وكليم الفراق فنحمد الله إليكم على نعمه التي لا تحصى ورحمته التي لا تستقصي . ولا نسأل إلا عن ذاتكم وكيفية أحوالكم جعلكم الله في أكمل الحالات فبلغني بحمد الله ما يسر الخاطر . لقد حسنت بك الأيام حتى كأنك في فم الدنيا ابتسام ، زادكم الله رفعة ، وجمعنا بكم في أتم نعمة

    والذي نعرف جنابكم أن كتابكم الكريم وصل وبه كمال الأنس والسرور حصل ، وحمدنا الله على عافيتكم حيث أثبتنا بتفصيل أحوالكم والإخوان الكرام العظام الحشام موسى وعبد الله وخلف الله وصلوا إلينا بالسلام ، فباتوا لدى الحقير كنزول العافية على السقيم ، فوجدناهم بحمد الله في الغاية في محبة الأستاذ والمتعلقين بطرق الله . نور الله قلوبنا وقلوبهم بنور معرفته ، وأفاض على سرائرنا أنوار محبته

    والهدية العظيمة والعطية الجسيمة البن والشاي وكتاب علوم الدين وشرح القصيدتين . الجميع وصلوا ، وأوصلكم إلى رضوانه الأكبر الذي لا سخط بعده ولا ضرر وألبسكم حلل التقوى والمعرفة بالله أنه كريم منان

    هذا يا أخي وقد صادف الرقم والجماعة سائرين وجعلنا بينهم كمال التفصيل عقب هذا إليكم والسلام عليكم وعلى الإخوان أجمعين ورحمة الله وبركاته والسلام سنة 1288هـ

    بسم الله الرحمن الرحيم

    اللهم صل وسلم وبارك على مولانا محمد وعلى آله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله

    إلى أخينا وصديقنا الحبيب الصادق والخل الموافق الذي هو بمكارم الأخلاق العلية والشمائل المرضية ، شيخ الطريقة وإمام الحقيقة الأنور بالنور ، الولي الكامل المتقفي أثر النبوة قدوة الموحدين أخينا إبراهيم الرشيد

    والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد ولد عدنان وآله قراء القرآن ، وأصحابه الذين شيدوا أركان الإسلام . منا السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعلى من لديكم من الإخوان

    وبعد ..

    إن سألتم عنا وعن جميع الأهل والإخوان فنحن بحمد الله في أيسر حال وأتمها . نريد رؤياكم ولا نسأل إلا عنكم وعن حالكم ، وعن من يلوذ بكم ، جعلكم الله كذلك بل فوق ما هناك

    وخطابكم الأول والثاني وصلا وبهما الأنس والسرور العظيم حصلا ، وحمدنا الله على عافيتكم وصلاح حالكم ، وتحققنا ما في كتابكم أن حصل عليكم من الامتحان والابتلاء ما لا يزيد عليه ولا يخافكم أن الله لا يبتلي عبداً إلا أحبه وكفى الأنبياء وهم أكرم الخلائق إلى الله ومع محبة الله ابتلاهم ، ليزدادو خيراً أو قرباً إليه ، والأولياء مقتدون بالأنبياء ، ونحن سرنا ما حصل عليك وبشرنا لتنال به عند الله أعظم درجة ، والحمد لله على ما أولاكم بعنايته

    ونحن اطلعنا على أمركم فلا تظن أنه يدخل معنا كلام من هو يحسد لكم فنحن عارفون محبتكم للأستاذ وأنكم قائمون على أثره ، فجزاكم الله عنا خيراً ، إليكم بإحيائكم الطريق ونحن أعجبنا أمركم وفرحنا بوصولكم غاية الفرح . وسلموا لنا على نفوسكم ومن حواه مجلسكم الشريف من الإخوان جميعاً خصوصاً وعموماً من عرفناه ومن لم نعرفه ، والسابق واللاحق ، وعلى الشيخ الكامل محبنا عبد الواحد وجماعته

    ومن دلينا الأهل جميعاً والإخوان والأولاد وجميع المحبين يخصوكم جزيل السلام والدعاء وصيتكم . لا تنسونا حال المراقبة والمشاهدة والله يحفظكم ويلي عونكم بمنه وكرمه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    تحريراً في شوال سنة 1273هـ من على بن محمد بن أحمد ابن إدريس – ومن مصطفى بن أحمد بن إدريس عفا الله عنهما

    بسم الله الرحمن الرحيم

    وصلى الله على مولانا محمد وعلى آله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله

    إنه من عبد ربه إبراهيم الرشيد لطف به الحميد المجيد إلى أخيه وحبيبه في الله تعالى الأخ الأمين صالح التويم حفظه الله وتولاه وحرسه بعين عنايته ورعاه آمين

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته ومرضاته

    وبعد ...

    فإن كتابكم الكريم قد وصل وقرأناه وفهمنا مضمونه وما عليه اشتمل . وأوصلكم الله إلى رضوانه الأكبر الذي لا سخط بعده ولا ضرر آمين يا كريم

    وكان من جملة ما ذكرتم لنا أنكم أرسلتم بنا جوابات ونحن لم يأتينا جواب إلا وأرسلنا رده وما ندري عدم وصولها من أي سبب

    وأيضاً من ضمن ما في كتابكم أن نسطر لكم جواباً في فضائل الأذكار ، ومناقب سيدي أحمد بن إدريس وفضل الكلمة والعظيمية والتسابيح

    أما فضل الكلمة ففي الحديث القدسي : " سأل موسى ربه أن يخصه بعمل قال له يا موسى " قل لا إله إلا الله ، قال : لا إله إلا الله ، قال : يا موسى لو أن السماوات السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله " . وكيف إذا كانت بهذه الصيغة : لا غله الله إلا الله محمد رسول الله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله " لو أن قائلاً يقول : لا إله إلا الله لا إله إلا الله وأمد الله في عمره من ابتداء الدنيا إلى يوم القيامة وهي مقبولة منه كانت أكثر منها الأولى بما لا يعلمه إلا الله تعالى . افهم السر في قوله : في كل لمحة ونفس

    وكذلك العظيمية . سئل رسول الله r عن فضائلها قال : تزن دلائل الخيرات بألف ألف ألف ألف مرة ن في مرة عدها ثمانية عشر ، ومرة أخرى عدها عشرين ، أعني ألف ألف ألف ، وهي أعظم وأكثر من ذلك ، وهذا تقريب لنا . افهم السر في قوله : في كل لمحة ونفس عدد ما في علم الله العظيم

    وأما التسابيح كما في الحديث لعمه العباس لا نطيل بذكره

    وأما مناقب سيدي أحمد بن إدريس فإن واحداً من أهل الكشف اجتمع بالرسول r وسأله عن سيدي أحمد قال له : وليد أحمد فرد لا كالأفراد ، وجرس لا كالأجراس ، وغوث لا كالأغواث ، فوق الكل وممد الكل ، وذلك نذر يسير عن حقائقه ، فإذا أردت معرفته فعليك بالأحزاب ، وهو فوق ما يقول لأن العالم الرسمي دون قوله ، والعالم الحقي فوق قوله ، لأن الأذواق ، والمعارف الإلهية والحقائق لا تعبر ، لأن اللسان يكل عن ذلك ، وكما أن أذكاره لا تعد فضائلها ، فهو لا يعرف قدرة ومناقبه ألا الله ورسوله .

    والسلام عليكم

    وكذلك وصل في كتابكم أنكم تريدون الكتب ، المواهب اللدنية والأحياء والشفا ، فعليك بالمواهب اللدنية والأحياء والشفا ونرجو الله أن يجمع لنا ولكم المواهب وما بعدها الظاهرة والباطنة آمين

    وبلغوا سلامنا الجزيل على الأخ حسن محمد ومحمد طاهر ومحمد أحمد ومحمد كيتال ومحمد صالح وأحمد رقيم وعلى عبده ابن الشيخ عجيب المانجلك والأخ محمد ولد التويم والسيد أحمد ولد حسن والأخ مصطفى والأخت أم الحسن بنت ولد قعاش وزوجتكم جمال والأخ عمر والأخ الأمين والأخ خوجلي وخير الله محمد والشريف عبد الله والأخ محمد ولد بتول والأخ عمر والأخ الأمين والأخ خوجلي وخير الله محمد والشريف عبد الله والأخ محمد ولد بتول والأخ محمد بن أحمد معاش والأخ محمد الأمين موسى والأخ محمد نور الهدى ومحمد صالح

    ونرجو لكم ولجميع الإخوان خصوصاً وعموماً الفيض التام والشهود الدائم ، وألا يجعل فينا شائبة لسواه آمين

    ومن عندنا يقرئكم السلام الإخوان منهم محمد ابن على والأخ عبد الرحيم القرباوي وموسى ومحمد صالح ومحمد المعلاوي وفحل ومحمد أبريمي ومحمود الحجازي وأبو محجوب وعبد الرحمن الحضري ومحمد الشامي . وجميع الإخوان يقرءوك السلام
    ، والدعاء لكم تجاه الكعبة المشرفة . وعلى الله القبول أنه أكرم مسئول

    بسم الله الرحمن الرحيم

    إنه من عبد ربه إبراهيم الرشيد لطف به الحميد المجيد إلى الأخ المحترم الأعز الأمجد الأحشم الشيخ إسماعيل البليابي حفظه الله آمين

    أما بعد ..

    فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    نعرفكم أن كتابكم الكريم قد وصل وفهمنا ما فيه . أما من خصوص أذكار الطريق أعنى طريق سيدي أحمد ، التهليل والصلاة العظيمية والاستغفار الكبير . قال بعض الناس لسيدي أحمد بن إدريس قدس سره : دلنا على من هو أسبق الناس إلى الله فقال : عليكم بالتهليل . وسأله آخر فقال : عليك بالصلاة العظيمية ، وما يفضل عليهما شئ في الأسبقية يعني بالوصول إلى الله تعالى . والاستغفار وقت السحر . والتهليل مقدم على غيره . والأنس يكون بحسب حاله ووقته . فكل ما يفتح له الباب ويحسن منه زيادة الأفعال يكثر من

    ومن جهة الأحزاب والحزب السيفي فلكم الأذن في قراءتهما ، ولكن الأحسن أن يكثرمن التهليل و العظيمية لأن الأحزاب ما يدري معناها إلا بعد الفتوح

    ومن جهة الحصون التي في الأحزاب يتحصن بها صباحاً ومساء

    ومن جهة التسابيح الواردة في السنة وكان سيدي أحمد يشير إليها : سبحان الله وبحمده مائة مرة بعد صلاة الصبح إلى الطلوع وبعد صلاة العصر إلى الغروب . وثوابها كل مائة منها بمائة ألف حسنة وأربعة وعشرين ألف حسنة عدد الأنبياء والرسل

    وأيضاً سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر كذلك بعد الصبح إلى الطلوع وبعد العصر إلى الغروب مائة مرة ، وثوابها كل مائة كأنما أعتق مائة رقبة من ولد إسماعيل وكأنما حج مائة حجة ، وكأنما قرب مائة بدنة وكأنما ألجم مائة فرس في سبيل الله ، وإذا زاد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله فثوابها بلا حساب ، وأيضاً لمن ذكرها بعد الغروب وبعد الطلوع ، وإذا ذكرهما في وقتيهما المذكورين يكون أزيد من ذلك لموافقة الآية : " وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب "

    وأيضاً سبحان الله وبحمده أستغفر الله إن الله كان تواباً سبعين مرة في الصبح فقط بعد صلاة الصبح وثوابها سبعمائة حسنة

    ومن جهة ما ذكرت عن المزيد إذا تلقى الذكر من شيخه وتركه مع محبة شيخه وتركه رأساً ثم رجع إليه ، فإذا رجع مقبول ولوفي غير تجديد ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له

    ومن جهة ما ذكرت من الأوراد الأخرى كالمسبعات وغيرها فلا مانع وله الثواب ، والأفضل الاقتصار على أوراد شيخه ، لأن للسر والمدد فيها

    ومن جهة الحول وسببه فإنه أسلوب أهل الحجاز ، أن كل إنسان يصنع ذلك صدقة للميت على حول وفاته ، وما يصنعه ألا أحب الخلق إليه ، ونحن ما أحب علينا من سيدي أحمد أحد

    ومن جهة فضله لفاعله والعين فيه والمتسبب فيه ومن حضر في شئ منه فلا يحصى ولا يحصر ولا تسعه العقول ، وما يسعه إلا الإيمان ، ولفاعله اليد العليا عند سيدي أحمد ، لأن أهل الله أهل المروءة والكرم ، فيكافئون من صنع معهم المعروف بأضعاف كثيرة بحسب مقامهم عند الله ، ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً . وهذا القدر فيه الكفاية

    وشدوا حيلكم على التعاون وإدخال الناس في الطريق لحصول النفع للمسلمين لأن أهل السماوات وأهل الأرض حتى النملة في حجرها والحوت في البحر يصلون على معلم الناس الخير ، والمتسبب في الخير كفاعله . وبلغ سلامنا إلى الأخ دفع الله ومحمد عبد الله ومحمد أحمد ، وجميع من لديكم من الإخوان . ودمتم سالمين . ومن جهة الهدية قد وصلت ، وجزاكم الله كل خير ووقاكم من كل شر . وأساس كل شئ تقوى الله العظيم ، وهي إتباع المأمورات واجتناب المنهيات . والسلام

    بسم الله الرحمن الرحيم

    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله

    إنه من عبد ربه إبراهيم الرشيد لطف به الحميد المجيد إلى الأخ المحترم الشيخ ولد حسين نارتي حفظه الله

    أما بعد ..

    فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    نعرفكم أن كتابكم الكريم قد وصل وفهمنا ما فيه وما عليه قد اشتمل . أوصلكم الله إلى رضوانه الأكبر الذي لا سخط بعده ولا ضرر .

    وإن سألتم عنا فنحن بخير بسؤالنا عن كلية أحوالكم أجراها الله على السداد ، ووقفنا وإياكم لما يقربنا في مرضاة رب العباد

    وأما من جهة الأخ الذي ذكرت في جوابك أنه أتاكم بكتاب يسمى الميزان ويقول العمل به لازم ، من أين له ذلك ؟. فلا ميزان ألا كتاب الله ، ولا نطلب الهدى ألا من سنة رسول الله r . ومن يبتغ الهدى في غيرهما أضله الله . وهما القسطاس المستقيم . ويا أخي ميزانه أطرحه في البحر إن أمكن ذلك ، ولا تمشي علينا هذه اللعبات

    ونحن نخبركم مما من الله به علينا تحدثاً بنعمة الله تعالى ، قال الله تعالى : " وأما بنعمة ربك فحدث " . لو جعلت البحار كلها مداداً والعالم كلهم كتاب لا يحصرون ما أمدنا الله به من العلوم ، ومع ذلك كله تركناه ولا نكتب منه شيئاً خوفاً أن نميل عن نهج سيدي أحمد بشرعة واحدة . وكان رضي الله عنه يقول : " أتيتكم من المحل الذي لا يأتيه الباطل " ويمسك لحيته ويقول : أردد جوابي بين يدي الله تعالى في محضر الرسل عليهم الصلاة والسلام " فقال أبو العباس المرسي وكان غوث زمانه : لو قلت قال الله تعالى حتى ينقطع النفس بالموت لفعلت ، ولو قلت قال رسول الله r حتى ينقطع النفس يعني بالموت لفعلت ، وأترك ذلك كله أدباً مع شيخي ، وأقول : قال أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه وهذا الرجل عامي قد لعب به الهوى ، مثلم كمثل سفينة لعب بهما الموجه من كل جانب حتى أشرف بها على الهلاك . والعجب ثم العجب ثم العجب من أمثالكم كونكم صحبتمونا ، وعرفتم أسلوبنا وتتوهمون في مثل هذا ، لا تمتثلون له ، أما لا فمثل هذا أن ثبت له حال عذره أنه مجذوب والمجذوب لا يصلح للإرشاد بل هو محتاج للتربية . هذا وقد أفدناكم . والسلام عليكم ورحمة الله

    بسم الله الرحمن الرحيم

    وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم . هذا خطاب من الأستاذ الأكبر السيد محمد بن على السنوسي إلى شيخه الأستاذ الأكبر السيد أحمد بن إدريس رضي الله عنهما

    قال رضي الله عنه بعد الديباجة ما نصه :

    واعلم سيدي أنني مذ فارقتكم ومددكم الجزيل هاطل ، وصيب ديمه وابل ، ومما جعلته أنان لما مررنا بحلي أورية مطراً غزيراً وسيولاً عظيمة عمت أغلب أراضي اليمن ، ثم سرنا إلى تخون أرض الشام وهاتف يقول لي : أرأيت هذه الأمطار والسيول كيف صارت في أجزاء الأرض وسوف تحصل بها خضرة يانعة وتثمر بها ثمرة مباركة نافعة . فقلت له : بلى فقال : لكل واحد من زائري قطب العوالم وعين ذات سيد ولد آدم أعظم مما رأيت ، وأجل وأكبر من الإمداد التي لا تخطر بجنان ولا يكفيها لسان وأمور طويلة أنسانيها ما بي من الأمراض

    ومنها لما كنا قبالة قنفدة ببير عاجة ، أقبلتم رضي الله عنكم وأفرغتم على شيئاً لا أعرف تكييفه غير أن فيه تثليث ، فهمت منه تحقيق المقامات الثلاث أسلكتموني إياها سلوكاً ثانوياً ، ثم كأنكم نشرتم كل واحد منها نشراً واسعاً لا يستطاع حصره ولو في دهو ر طويلة سيما الأخير ، وكررتم به الإضافة فصار حق اليقين ، وهكذا مع تخافق تجلياتها وتلون أنواعها حتى رأيت أن عقلي كاد أن يطير ن وقد حصل فيه شئ لولا أني كنت وحدي ليلاً لنقل عني أمر طويل عريض ، لكن بفضل الله مددكم جزيل ساتر ، ثم خاطبتموني قائلين : إياك أن تهتم بأمر النجاسة فدعها على مراد الله . ثم لما هال الأمر وطال وصار العقل في طيش وزلزال ، ابتدأتني الحمى واشتد حالها حتى أدهشت من يراني ، وفتر عزمي وانحلت فرائصي ، وحينئذ ذقت بعض معنى قوله تعالى : " فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقاً " بحيث صرت أرفع للركوب وأنزل إليه ثم كابرت السير صبيحة الوقعة إلى الأحسية فوجدنا بيوتاً فارغة ، فأقمنا بها خمسة أيام والحمى بحالها ، والزاد لا أطعمه إلا الماء واللبن أن وجد أحياناً ، وفي اليوم الرابع من نزولنا ذلك بين ظهره وعصره وقعت أمور طويلة عريضة من جملتها : أقبل رجل مرفوع بين السماء والأرض طائر بلا أجنحة ولا ريش إلا أن حركته ثقيلة ضعيفة ، ولا زال يدنو مني وأشاهده عياناً حتى لمس يجنبه السرير الذي نحن عليه فسألته عن حركته فقال : أني ضعيف جداً فيما ترى ، ومما من الله على وجدناك في طريقي ، فإن من دنا منك أو لامسك كملامستي هذه حصلت له قوة عظيمة لا تحصل لأحد ولو بعبادة الدهر كله ، أو كما قال ، ثم انفلت من عندي في الجو كأنه السهم لا أسرع منه ولا اقوى وكأنه بريد اقليم والرجل مسن أشيب ، ثم جاء اثنان يريدان ما أراد وهما ماشيان أحدهما أشبه شئ بأخينا الطيب التازي ، وليس به إلا أني توهمته أولاً أنه هو لشدة ما بينهما من الشبه

    ثم انسلخت روحي من هيكلي أو تعدد الهيكل وطرت في الجو طيراناً مسرعاً يسبق خطف البصر حتى دخلت عندكم وجلست عند منكبكم الأيمن ، ورمت السلام عليكم ، فسمعت بعض حركة لأهل البيت في طرف المكان كأنهم يناولون شيئاً في خدمتكم ، فخرجت مسرعاً وقد حصل المقصود برؤيتكم ، وعلمي بعلمكم إياي لعقيدتي أنكم أنتم الجالبون لي

    ثم توجهت نحو المدينة ، وإذا نحن بالروضة فرمت الوقوف من وراء الستور كلها حيث كانت الصحابة تقع أقدامها ومنعني الأدب فاكتفيت بموقف العامة ، فلما قضيت المراد ورجعت إلى الأحسية وفي كل ذلك أني لا أظن وأتيقن أني جئتكم ، وجئت بجميع هيكلي إلا أني سألت الإخوان إذ ذاك فعلمت أن ذلك إنما وقع بالروح أو تعدد الذوات ن ولما رجعت إلى الأحسية فوضتم إلى إمداد الإخوان ، فابتدأت بمن معني إلا أن بعضهم أفرغ عليه منه حتى يغيب فيه ولا يحصل منه شئ ، والبعض منهم يقبله كله ، والبعض بعضه ، ولا زلت كذلك ، وإذا برجل من أهل السلا أو الرباط من الذين يلبسون الجلابيب السود تطاول على من مكانه يريد أذيتي ماذا عنقه فاغراً فاه كأنه يريد ابتلاعي أو ينفخ على فيذرني قاعاً صفصفاً ، رجلاه ببلده ، ورأسه عندنا بالأحسية ، وما أفزعني ذلك ولا أهالني منه شئ إلا أن الله حرك يدي مشيراً بها إليه بإرادة قصم رأسه من بدنه ، فانقطع رأسه وفاه فاغر ، وبقي رأسه عندنا بالأحسية ورجلاه ، وهو ممتد على الأرض كالثعبان

    ثم غابت غني ذاته ورأسه جميعاً ، وهذا كله وبعض الجماعة الغشم الذين لا يعرفون حالي قريباً مني يتحدثون يريدون إفاقتي وأنا أسمعهم وأفهم كلامهم ، وتزايدت على الأمور وتراكمت فزجرت الإخوان عن حديثهم فأطالوا في الكلام . فانقطع خلال ذلك أمور طويلة عريضة

    ومنها أننا قبل أن نصل إلى ...... بنحو اليومية أقبل رجل من أهل المغرب بعد رحيل القافلة ، وهو على فرس ذكر أزرق خاطف العرقوب ، وبيده رمح طويل وهو راكض فرسه مغير كأنه يريد النصرة لنا ، فركبت معه فرساً لا أقدر الآن على وصف ، وإذا بجمع في جم غفير يريدون صدنا عن الطريق فالقتال من أكابر أولياء ذلك المحل ونواحيه ونواحي القنفدة ، فأقبلت عليهم نحن وذلك طعناً وضرباً بالسيف حتى انهزموا جميعاً في أسرع من ثمن الساعة أو أقل ، ورأيت واحداً من الإخوان معهم وقد اصابه شئ من جراحات السيف فلقيني فأردت كلامه ، فتسدد عني حياء من قتاله لنا ، فتفكرت في أمر هذا الرجل فعرفته بعد وإذا هو أخو جدي التاسع ولد سيدي عبد الله الذي أخبرتم يحضرني بعض أحيان وهذا يذكرون من ولايته أمراً عظيماً ويصفونه بأنه كان أحد الإمامين الخاطبية ، والله أعلم بغيبه

    ومنا : أننا لما وصلنا طرف الشارقة واشتد الحال فرمنا النزول عند الشريف على بن راجح للشدة التي اصابتنا ، فلما نزلنا في محل وسالنا وأخبرنا بمكانه قلنا : غداً إن شاء الله نذهب إليه ، ثم رفع لي السرير وأبعدوه منهم لمكان قضاء الحاجة لموجب الإسهال الذي معي ، فلما استقريت بمكاني وانفصل عني وإذا بأهل العناية من أشراف بني حسن يتحاورون في أكرامنا ونزولنا عند من يكون ، وفهمه منهم أنهم كرهوا نزولنا عند على بن راجح المتقدم ، ثم انصرفوا ، وإذا أنا بالسرير تحتي تحرك واهتز حتى شعرت بأنها حركة غيبية ، ثم رفع في الهواء وأدخل مكة وقصد به البيت الذي به أهلي فأنزل وسط الحوش وأنا خائف أن يشعر بي أهل البيت أعني النائمين به من الإخوان فإني أرى أشخاصاً نياماً ، ثم رفع وأدخل الحجرة الشريفة ، فنزلت من فوق السرير ، وجلست في الأرض ، وخرج الرسول r من وراء الستور ، وسلم على وهون ما بي ، ثم اجتمع إذ ذاك خلق كثير لا أحصى عدده ، وكانت الآفاق كلها بين يديه ونحن نشهد قربها كأنها في طرف المجلس لما أرى من إصغائها لقول الرسول r وهو يقول : هذا ولدي ، وهذا نخبة أولادي ولدي أحمد وخليفته ، فمن أخذ عنه وأدخل حزبه أو أخذ بيده فقد أخذ عنا وأدخل حزبنا وأخذنا بيده ، ومن آذاه فقد آذانا ، ومن أكرمه فقد أكرمنا ، وسوف يمد الله في عمره حتى يفتح الله به أعينا عمياً وآذاناً صما وقلوبا غلفا ، وذكر أموراً طويلة عريضة بعضها نسيته وبعضها استحييت أن أذكره لعظمه وانحطاط قدري عنه ، ولما فرغ r من قوله وأذن بالرجوع فرفع السرير كأنه ذو روح عاقل ، فأردت زيارتكم ، فأنزلتني برحابكم من صبيا حتى برد غليلي ، ثم ردني لمكاني الذي أنا به مع الجماعة ، فلما أصبحنا تركنا أمر الذهاب إلى ابن راجح وتحملنا المشقة من حيننا إلى بئر الشاقة المعروفة بحادثة لعذوبة مائه ، فنزلنا قريباً منه ، فهذب رفيقي ينظر لي في قريبة لعله يجد لي مكاناً وإذا أنا بكم رضي الله عنكم عندي ومعكم جماعة من الأولياء وهم يقولون لكم : أثقلتم عليه خففوا عنه . فقلتم لهم رضي الله عنكم : هذه حصة الأكابر لا ينقص منها شئ ، فقيل لكم : وهل هذا من الأكابر . فانتهرتم القائل وقلتم : هل مثله أحد أو على وجه الأرض كبير مثله ، فاستكثر السائل ذلك واستكثرته في نفسي وقلت :/ هذا له تأويل عندهم ، واشتد بنا المرض هناك ، فأقمنا بها ثلاثة أيام ، ثم رحلنا قاصدين الليث فكنت جالساً ورأيت شيئاً نازلاً من السماء عظيماً فخفت منه وأنا في صلاة العشاء ، فسجدت فقيل لي : هذا قصدك إن لم تعتقد ما قاله لك أستاذك وأنت بالشاقة على حقيقته ، أو كما قال ، وإلا وقع عليك ، فاعتقدت حقيقته وحقارة نفسي ، فاستحال ذلك السواد بياضاً ، وحل بي حتى تشرب منه بدني ، وأتممت الصلاة قائماً بعد أن كنت أصلي جالساً من منذ مرضت

    ولما وصلت كنت في بعض الليالي وقع بي أمر هائل فرأيت سيدنا عزرائيل عليه السلام في قصة طويلة فسألته عن نفسي هل جاءني لقبضها ؟ فقال لي : أجلك بعيد إنما بقى لك ثلاثة وثلاثون سنة لتذكر الله فيها ، أما كما قال : فتذكرت قول الرسول r : وسوف يمد الله في عمره .... إلى آخره ، مع أن الغالب عندي ما كنت أظن إلا أن الأجل قد حضر لما اراه من شدة المرض وأهواله الشاقة ، وإذا جاء وقت الرحيل قاموا إلى الفر فعرفوني فوقها فأجلسوني في السرج فأقول : يا سيدي أحمد فتسير الفرس ويحصل لي انتعاش ثم نشاط كأني صحيح ، ولا أزال كذلك أسير نحو من ساعتين ونصف أو ثلاث ساعات وتذهب القوى فينزلوني وهو نصف المرحلة وغداً كذلك وهكذا ، ولذا سرنا أربعة عشر يوماً في مسير ثلاثة ايام ، فلولا مددكم والالتجاء إليكم ما كنت أصل الليث ، ولا أتحول من مكاني الذي أصبت فيه ، فالأمر منكم بدءاً وإليكم عوداً والله منشئ الخيرات كلها . رضي الله عنكم وأرضاكم بما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن إدريس إلى أخيه وصديقه الشيخ مكي ابن عبد العزيز أعزه الله بولايته الكبرى في الدنيا والآخرة آمين

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

    أما بعد ...

    أسعدك الله وأسعد بك . قد وصلنا مكتوبكم أوصلكم الله إلى رضوانه الأكبر الذي لا سخط بعده أبداً

    والحمد لله على عافيتكم ، ثم اعلم أعلمك الله بخير أني ولله الحمد أدعو لكم بخير ولمن تعلق بكم من الأهل وغيرهم

    وأوصيك يا أخي بتقوى الله والتزام طاعته ، فإن العمر نفيس عزيز وضياعه في غير طاعة الله وبال وخسران . أعيذ نفسي وإياك من ذلك

    وقد سألتني أيدك الله عن تقطير الماء للمحتضر وقت النزع ، قد شاع فعله شرقاً وغرباً ، ولا أعلم فيه من رسول الله r أمراً ولا نهياً ، إلا أنه r لما حضرته الوفاة كان يضع يده في الإناء وفيه الماء ويمسح بها وجهه ويقول : " سبحانه الله ، إن الموت لسكرات اللهم أعني على سكرات الموت " ولا بأس بفعله أن ظهر على المحتضر يبس في فمه أو عطش

    وسألت عن كتابة الأوراق فيها أسماء الله تعالى وشئ من القرآن ، ووضعها مع الميت في القبر ، لم يرد أن رسول الله r فعل ذلك ، ولا فعله أحد من الصحابة رضي الله عنهم ، والذي لم يفعله الرسول r ولا أصحابه لا خير فيه ، والسلام عليكم

    ثم اعلم يا أخي أن الدنيا راحلة ولا غنيمة فيها إلا طاعة الله ، وأعظمها أجراً ومنفعة عند الله ذكر الله ، فعليك بذكر الله سراً وعلانية ، قال سيدنا ومولانا رسول الله r : " ثلاثة معصومون من إبليس وجنوده : الذاكرون كثيراً بالليل والنهار ، والمستغفرون بالأسحار ، والباكون من خشية الله تعالى "

    نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من الذين لا شغل لهم إلا بالله ظاهراً وباطناً دائماً أبداً سرمدا آمين

    وله رضي الله عنه وأرضاه

    من أحمد بن إدريس إلى أخيه بل ولده محمد عثمان أيده الله بتأييد الرضوان وجعله من خاصة عباد الرحمن الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون في حضرة الإحسان آمين

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أما بعد ...

    فاعلم ايدك الله بروح منه ولا أخلاك وقتاً عنه : أن طريق الله مبنى على الجد والاجتهاد حتى يتخلص العبد لربه ، ولا تكون الرئاسة ، فإنهما سببان قاطعنا عن الحق ، ومعلوم ما أخبر به الحق عن رسله عليهم الصلاة والسلام من قطع مادة الطمع ، وكل واحد يتبرأ ويقول : " وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين " وما سقط من سقط من الفقراء المنتسبين إلى الله تعالى إلا بحب الرئاسة والطمع في الخلق ، وصار أمرهم دنيوي لا ديني ، وأعيذ نفسي وإياك ممن هذا حالهم ، فاحترس من ذلك غاية جهدك ، والله ولي توفيقك ، وما أحتاج فيك إلى وصية ، وما كان القصد من طلبنا لك في الحضور عندنا إلى للتخلص من هذه العلل . والسلام عليك وعلى جميع أولادك وجميع الأهل والإخوان ورحمة الله وبركاته

    وعند وجهنا إليك فرجيتنا التي كنا نلبسها ، نسأل الله تعالى أن يكون فيها الإشارة إلى الفرج العام الذي يعم الخاص والعام .. آمين آمين آمين . الله الله الله في قطع الشوائب والعلائق ، والوقوف مع الله على قدم الصدق حتى يتخلص العبد بكليته للحق

    وفي الكتاب الذي وجهناه إليك لما قدمنا إلى اليمن وأنت في ناحية السودان كفاية ، وقد وصل ذلك الكتاب إلى أقوام فانتفعوا به غاية النفع ، وعلموا به حقيقة طريق الله على أي شئ هي ، فعليك به ، فإن ذلك الكتاب لما اطلع عليه من هداه الله وعلت همته في الله انتفع به غاية النفع والله المستعان

    وله أيضاً رضي الله عنه وأرضاه

    من أحمد بن إدريس إلى ولده وقرة عينه وحبيبه ووليه محمد عثمان ، كان الله له كينونة أهل الإحسان ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    وبعد ...

    فقد وصلنا كتاب من أخينا محمد بن السنوسي يستأمرنا في نفسه من جهتكم وما عمدناه عليه ليستعين عليه بالله عز وجل سواء كان أنزالكم منزلتنا والتأدب معكم على مقتضى ذلك ، والمصاحبة على وجه المناصحة ، أو كف نفسه وتسليم أحوالكم لكم ، فأجبنا عليه بالنصح لله وفيه ، وهذا كتابنا منا لك

    فاعلم أيها الولد أن الله عز وجل لم يوص عباده الأولين والآخرين ألا بتقواه قال تعالى : " ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله "

    ولما كانت التقوى أيضاً تحتاج إلى اقتباس من أهلها قال لنا : " اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " يعني في التقوى ، لأنه ليس كل من ظهر له التحقيق بذلك هو كذلك في نفس الأمر حتى يختبر نفسه بصحبة من تحقق بتقواه ، فإن الذهب لا يتميز خلوصه حتى يعاير مع ذهب قد خلص ، فإن جاء عياره كعياره وجب قبوله واقتناؤه ، هكذا شأن من كانت له الرغبة في الله لا يزال مستغرقاً وسعه في إخلاص عبوديته لربه ، وينظر إلى من هو أعلى منه ويشمر عن ساق الجد وساعده ليلحق بالسابقين ، ولا ينظر لمن هو أدنى منه فتقنع نفسه بما هو غيه ويبقى واقفاً . والقناعة من الله حرمان

    فإذا عملت بذلك فإن كانت الهمة كما نعهده فيك فلا يكن أمراً أهم عليك ولا شيئاً أحب إليك من صحبة أخيك محمد ابن السنوسي ، فعليك به ، فاتخذه صاحباً صديقاً ، فإنه قد انسلخ من نفسه انسلاخاً كلياً كما تنسلخ الحية من نفسها ، فهو في أمر عظيم من الله في نفسه ، ومع ذلك لا يرى لنفسه شيئاً ، وهمته طالبة المزيد من الله تعالى ، فإذا صحبته فأنزله منزلتنا لكونه نسخة صحيحة منا ، ومنحاش بكليته إلينا لا رائحة أجنبية عنده ، وبنظرك

    له بتلك العين تتمكن من بذله لك النصح وقبولك منه ، ونحن قد أمرناه أن لا يدخر عنك نصيحة ينصح بها أعز حبيب في الله علينا وعليه ، فاصغ له بإذن واعية ، وستحمدني على ذلك من الله تعالى ، وتجد معه ما تجد معنا إن شاء الله تعالى ، وتعرف ذلك في نفسك حينئذ ، ومن عرف الشئ من نفسه لا ينكره ولا يفتقر في علمه إلى أخبار خارجية

    واعلم أننا ما قلنا لك ذلك لنحط من قدرك ونذلك ، بل لنرفع ذكرك ، ونتمم نورك ، ونديم بالله سرورك ، نصحاً لله نصح الحبيب المبر بحبيبه ، فتصاحبا في الله حتى يجمعنا الله عز وجل بحرمه الأمين قريباً غير بعيد أن شاء الله تعالى فاصحبه صحبة الذين يريدون بصحبتهم وجه الله

    وطريق الله يحتاج إلى الرفقة والتعاضد والتناصر على الأعداء القاطعين عن الله . فلا يؤخرك عن ذلك شئ من الموانع أن أردت الفلاح التام . ومثلك يكفيه الإيجاز فضلاً عن الإطناب هذا وأنت منا بالمكان الذي أنت به . والله وليك ومؤيدك والوكيل عليك . والسلام عليك وعلى من لديك وحرمة الله وبركاته

    ولسيدنا ومولانا السيد محمد بن على السنوسي رضي الله عنه وأرضاه ونفعنا به آمين

    إنه من عبد ربه محمد بن على بن السنوسي الحسني الإدريس إلى أخيه في الله وصاحبه من أجله وصفيه ووليه ونهاية وده .

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وتحياته ورضوانه

    وبعد ..

    فإن تفضلتم عنا بالسؤال فنحن بحمد الله في أحسن حال سوى ما حل بنا من فقد الأستاذ . يعوضنا الله وإياكم في مصيبتنا خيراً فإنه قد صار إلى رحمة الله تعالى يوم الواحد والعشرين من رجب من سنتنا هذه سنة 1253هـ وقد كنا ارتقبنا مجيئكم في هذه الأعوام فما أراد الله ، فبادر أن تيسر لك الأمر إلى زيارة بيته الحرام ، وزيارة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم

    واعلم أن الذي أوصى به نفسي وسائر إخواني وصية الله في الذين خلوا من قبل : " ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله " ، والعكوف على بابه والانحياش إليه ، والغيبة في جنابه ، بحيث يرى ويشهد بكل مسمع ومشهد والغيبة عن الرائي والسامع بصيرورته الرائي والسامع بشهود الحق في عين الخلق والخلق في عين الحق على سبيل : " لا يزال العبد يتقرب إلى بالنواف حتى أحيه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به " .... الحديث .

    واحذر اخواني كلهم التدابر والتنافر والتفاقم والتشاجر ، وإياهم والاختلاف والزيغ والانحراف ، وقد قال تعالى : " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه "

    وقال تعالى : " إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شئ "

    وأوصيهم بالتوادد والتحابب لخلص الأصحاب وخلاصة الأحباب ، فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب . وليحذروا من غير أبناء الجنس ممن يوقع فيهم وهن الطريق ويوليهم العكس ، فلقد بلغني عن أفراد رجعوا عن الطريق بسبب اختلاطهم بمن يرومهم بإشغال التحريف وشواغب التمزيق ، فكونوا على تمام حذر من غير إثارة فصول كدر ولا مكر ، وفلا تغرنكم الزخارف الغالية والحالية ، وتدعون ما أنتم عليه من الحق الصميم والصراط المستقيم ، فإن طريقكم طريق الرسول التي لا يعتريها زيغ ولا أغول ، وجنا جني إمدادها داني ، وسلسبيل لذيذ شرابها مرئ هانئ ، فعضوا عليها بنواجذ العزم ، واكتبوها بنواهد الحزم ، ومن أراد تحقيق ذلك فليشمر عن ساعد الجد لما هنالك إلى أن يحظى بما يبهر العقول ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . وأما من كان أمعة في الرجال مصنع لتزاوير تمويهات القال فلا يأتي منه شئ وليس من الله في شئ

    إذا بلغكم كتابنا هذا فعليكم باستعمال أساس الطريق جميعكم ، مجددين التوبة إلى الله مستمدين معترضين لنفحات الله ، ملازمين أذكاركم على سبيل الانفراد والاتحاد بدون جمع أعداد لما كان عليه الرسول وأصحابه صلى الله عليه وسلم مع تعهد أحوالكم وترقب ما عساه عارض بمسالككم ، ونهض فاتر عزائمكم بعكوف الخلوات وآداب عمارة القلوب في الجلوات فإن السعيد من وجد من يأخذ بيده عند الزلات ويذكره صوادم الغفلات

    وكونوا جميعاً عباد الله اخوناً في تمام التعظيم والاحتشام والتوقير والإكرام والتحابب والتباذل والتناصح وعدم التغافل ، وما أشكل عليكم فردوه إلى الله ورسوله

    وإياكم ونصرة الانفس بزايف المقول ، فإن مبنى طريقنا على خالص المتابعة وترك المراء ، وشغايب المدافعة ، واتباع الحق ، حيث ظهر من كل أحد عظم أو صغر على أي وجه كان تعلماً أو تعليماً ، قال تعالى : " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما "

    وقال عليه الصلاة والسلام : " الحق ضالة المؤمن أينما وجده أخذه "

    ولقد عهدنا إليكم باتخاذ زاوية تأوون إليها ، وتذكرون الله فيها . وتجدون قلوبكم عندها ، ولو من خالص الإخصاص ، ليتم لكم تمام الاختصاص ، ويتوفر الإخلاص ، ويختلي فيها أرباب القلوب ليحظوا بالمواهب ونيل المطلوب .

    فمن يرد طريقتنا الإشراقية ، وينال بها مرامه من طريقتنا البرهانية ، فلقد أمرنا بأمر الأستاذ كافة الإخوان بلزوم قراءة مثل : صحيح الموطأ ، وبلوغ المرام في الحديث ، ورسالة ابن أبي زيد في الفقه ، وبقراءة الرسائل السبع في التصوف التي هي : الرائية والهائية في خالص السلوك والفضيلة ، والحاتمية ، والرسلانية ، والفصوص في خالص العرفان والبرزخ بينهما الزهد ، والحكم العطائية مرتبة الأبواب أو بدونها ، فإنه لا يجوز لأحد أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله وبدليله ، والأولان في كل منهما ما ينيف على الستة عشر والسبعمائة من الأحاديث الصحيحة المستوفية لسائر الأبواب . وفي الرسالة نحو أربعة آلاف حديث ، كذلك بستمائة بلفظها ثلاثون مائة بمعناها محررة مهذبة منقحة عالية الإسناد إذ ما بين مؤلفها وبين الإمام ألا شيخان خاصة . وأما الكتب السبعة المذكورة فهي خلاصة ما يتعلق بمقام الإحسان ، وما يؤدي إليه من المقامين قبل المراد من قوله : " اعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ... الحديث . تجدوا أنتم حظكم من ذلك على حسب ما استطعتم

    وأبشروا بالإذن والفتح التام من الأستاذ الإمام خاتمة العارفين الأقطاب العظام

    وإياكم ومن يزهدكم في العلم ممن لا خبرة له بما عليه أماثل القوم ، فإنهم على فريقين : إشراقية وبرهانية ، فأصحاب الأولى دأبهم تصفية النفوس من الأكدار ، وتوجيهها نحو الحق لتمنح المعارف والأسرار بدون تعلم ولا تعليم من بابا : " واتقوا الله ، ويعلكم الله " وأصحاب الثانية دأبهم إتباع الأوامر ، واجتناب النواهي ، واقتباس العلوم الأربعة : التي هي علوم الذات والصفات ، والفقه ، والحديث والآلات ، حسبما هو مبين عند الشاذلي وزورق رضي الله عنهما

    وطريق أستاذنا رضي الله عنه جامع بينهما . فمن أراد الإشراقية سلك به سبيلها ، ومن أراد البرهانية سلك به سبيلها ، وهي الأغلب على أحواله في نفسه لكونها أفضل الطريقين من حيث أنها أغلب حالات النبي r ، وغالب أصحابه

    والأمر الذي أمرناكم به ويكون معيناً لكم على سلوك السبيلين باقياً فيكم إلى يوم الدين ، فاسلكوا سبيل الاتباع واتركوا ما عداها وأن استوى على سوقه " فأما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " فتيقنوا واستيقنوا وثبتوا واستثبتوا . وعليكم بمذاكرة الصادقين من ابناء الجنس الصالحين ، فقد قال عليه السلام : " إن الإيمان يختلف في جوف أحدكم كما يختلف الثوب على ظهوركم ، فتعلوا اليقين بمجالسة أهل اليقين " . من الله علينا وعليكم بتمام الإيقان والإحسان بحيث لا نرى ولا نشهد إلا الكريم الديان بمنه وكرمه آمين

    وله رضي الله عنه وأرضاه

    إنه من عبد ربه سبحانه محمد بن على السنوسي الخطابي الحسني الإدريسي إلى أخيه في الله وصفيه وحبه ونهاية وده .

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وتحيته ورضوانه

    وبعد

    أخي : فالمطلوب منا جميعاً إقامة ما خلقنا لأجله من العكوف على التزام محققات العبودية ، واجتناب دواهي منازعات الربوبية ، بتعمير ظواهرنا بالآداب على متابعة أفعال وأقوال عبده الأكبر وصفيه الأنور r ، وتعمير بواطننا بمراقبته تعالى في جميع حركاتنا وسكناتنا بحيث لا نفعل ولا نقول إلا ما نعلم أنه يرضيه عنا ، وندع كل ما سواه ، ونخلص ديننا من شوائب الأكدار وملاحظات الأغيار ، بحيث يكون نصب العين في كل مشهد بكل ما يرى ويشهد ، ونشهده في ذلك الشهود إلى أن يغيب الشاهد في المشهود ، أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون ، فإذا شهدته كانت الأكوان معك

    وسبيل ذلك التزام الطاعة ، والمساعة إلى نوافل الخيرات على سنن النبي والنهج المصطفوي من باب " لا يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وفؤاده الذي يعقل به ، ولئن سألني لأجيبنه "

    ولا سبيل إلى ذلك السبيل إلا بالدخول من باب العلم الشرعي من حديث وتفسير وفقه على الوجه الأكمل الذي كان عليه السلف وورثه عنهم الخلف ، وهي طريقة الكامل من البرهان والعيان ، وهي أفضل الطريقين وأكمل الفريقين

    أو بالدخول من باب المجاهدة ، وارتكاب مشاق المكابدة بمخالفة النفوس ، وأذاقه البؤس ، وملازمة الأذكار آثار الليل وأطراف النهار ، حتى تنقدح الأنوار في قلب الذاكر فيستنير منه الباطن والظاهر من باب : " أن النور إذا دخل القلب انشرح وانفسخ . قيل : وهل لذلك من علامة يا رسول الله ؟ : قال التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والاستعداد للموت قبل نزول الفوت " ، ويستفيد العلوم منه به إليه ويستغني عن المعلم في كل ما يؤول أمره إليه من باب : " واتقوا الله ، ويعلمكم الله " ، وما اتخذ الله ولياً جاهلاً إلا وعلمه ، وليس العلم بكثرة الروايات ، إنما هو نور يضعه الله في قلب من يشاء ، وهي طريقة الإشراق

    فاختر لنفسك أي السبيلين تريد للوصول إلى الله به فإنه سبيل حق ، وإياك والخروج عنهما وسلوك غيرهما بالإهمال مع الغافلين المكبين على الأكوان الذاهلين ، فقد ورد : " من سجد وقلبه ينازع في أمر فإنما سجوده لما كان في قلبه "

    وورد : " من أحب شيئاً كان له عبداً ، تعس عبد الدينا ، تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الخميلة ، تعس عبد الخميصة ، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش "

    وفي الحكم : " ما أحببت شيئاً إلا كنت له عبداً " وهو لا يحب أن تكون لغيره عبداً

    وإياك أن تطلب على عملك جزاء عاجلاً أو آجلاً ، أو تشهد أن لك في ذلك العمل أثراً . فتشرك بخالق القوى والقدر ، فإن الإخلاص له مراتب : فرتبة إخلاص العوام عدم طلب الثناء والسمعة ن ورتبة إخلاص الخواص عدم طلب الجزاء الآجل أو المقامات المرتفعة ، ورتبة إخلاص خواص الخواص التبري من الحول والقوة ، وهي رتبة الكمل من أهل الفتوة ، وأعلاه رتبة كمال الموحدين غيبتهم عنهم فيمن له ، شاهدين باضمحلالهم في مشهودهم وافتقادهم مع وجودهم ، يعطون كل ذي حق حقه على الوجه المحمدي بطريق الإرث الحالي المشهد ، من الله علينا وعليكم بالإرث النبوي والعرفان الأحمدي المصطفوي ، إنه على ذلك قدير . وبالإجابة جدير . والسلام .

    وله رضي الله عنه وأرضاه






    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    الفصل الثالث : رسائل من تلاميذه

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 2:30 am

    إنه من عبد ربه محمد بن على بن السنوسي إلى أخيه ووليه وقرة عينه ونهاية وده

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وتحياته ورضوانه

    وبعد ..

    عليكم ببذل الوسع في تمام التوجه إلى الله تعالى ، والانحياش إليه بالكلية قلباً وقالباً ، حتى لا ترى ولا تسمع ولا تشهد سواه ، فافن عنك وافن عن فنائك باقياً به في فنائك ، معطياً كل ذي حق حقه جليله ودقيقه على منهاج مجابه الأعظم ورسوله الأكرم ، مكسياً ظاهرك بمجاهدته ، ومحلياً باطنك بمشاهدته ، فاستعن به على طاعته . جعلك الله هادياً وارثاً كلياً . إنه على ما يشاء قدير . وبالإجابة جدير آمين

    والذي أوصي به نفسي وإخواني تقوى الله بإتباع أوامره ، واجتناب نواهيه ، والوقوف عند حدوده بأعمال الظواهر بالمجاهدات ، وإغمار البواطن بالمشاهدات . فعليكم إخواني بشهود الله ، وإتباع السنة على سنة خير أمة يهدون إلى الحق وبه يعملون ، وبه يحيون وعليه يموتون

    فإن مراتب السلوك غالبها يمكن فيها بأنواع المجاهدات وارتكاب مشاق المعاناة . ألا إن أعلاها وأكملها وأنهاها هو تجلي الذات ، فليس لطامع فيه مطمع وأن علت رتبته إلا بمتابعة الرسول r في الحقير والجليل والكبير والصغير موقع القدم على القدم ، والحجر على الحجر

    فشدوا إخواني حياذيمكم عليها صابرين على مهام حبها ووقع صلبها ، والمرجو من ذي الفضل الكريم أن يسلك بنا وإياكم سننها على الصراط المستقيم أنه بر رحيم عفو كريم

    وإن سألتم عن الإخوان فهم ولله الحمد بخري جزيل وإقبال على الله . ولقد هذبهم السفر ، وأزاح عنهم كل شين وضرر فلم يبق فيهم لغير الله مأوى ولا لسواه شكوى

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن إدريس إلى أخيه وحبيبه الشيخ مكي ابن عبد العزيز . السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أما بعد

    فاعلم أن الذي أرجوه لك من الله خيراً كثيراً لا نهاية له ، وقد بشرنا في إخواننا كلهم خيراً كثيراً وأنت ولله الحمد من خواصهم عندنا ، والله المحمود على كل ذلك

    وأما ما ذكرت من أمر الجمعة فإنها صحيحة وإن لم يضق المسجد الأول ، وكل ما قيل غير ذلك فلا اصل له . والكتابة وقعت على عجلة . والحمد لله الذي جمع بينك وبين رسوله حتى سمعت منه r أننا وإياك على السنة والحمد لله على ذلك . والسلام على جميع من يلوذ بك من أولاد وأهل وإخوان والسلام

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن إدريس إلى أخيه وحبيبه وصفيه الشيخ مكي ابن عبد العزيز . السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أما بعد ...

    فإنك أيها الأخ سألت عن أشياء عرض عليك فيها أشكال ، واعلم أن الشريعة المطهرة لا معارضة فيها ولا أشكال إلا في فهم الذي ما عرفه الله حقيقة الحال وحقيقة الفقه الذي قلت فيه لا نأخذ مسألة من مسائل الصلاة وغيرها . فالعم أن حقيقته هي أقوال رسول الله r فركض جبريل عليه السلام برجله فنبع ماء ، فتوضأ جبريل عليه السلام ، والنبي r ينظر إليه حتى فرغ ، وجميع مسائل الوضوء مجموعة في هذه الكيفية بنظر العيان لا بنعت اللسان ، فإن المعاينة أوضح من كل قول عند الفطن والبليد خلاف القول . قال في الصلاة r :" صلوا كما رأيتموني أصلي " . فمن صلى معه r مرة واحدة أو مرتين أو أكثر علم جميع كيفية الصلاة علم عيان لا يشك في شئ منه ، وقد عين النبي r أحكام الزكاة حكماً حكماً . وحج r وقال : " خذوا عني مناسككم " ، فهذا هو عين الفقه الذي أرسل الله به رسوله

    وما أشكل عليك في الحديث من كون الصحابة كانوا مسافرين معه r في رمضان فقالوا : " منا الصائم ومنا المفطر " فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم . هذا كان في أول الأمر ، ثم بعد ذلك لزم على الناس الفطر وهي القضية الأخرى التي سافر فيها في رمضان فأفطر r وأفطر معه بعض القوم وصام بعضهم ، فقال في الصائمين : " أولئك العصاة ، أولئك العصاة " . وقال r : " ليس من البر الصيام في السفر " فإذا لم يكن من البر فليس هو طاعة . وقال r في حديث آخر : " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر " فليس بين هذا وبين ما تقدم تعارض ولا أشكال

    ثم اعلم يا أخي أعلمك الله بكل خير أن الأشكال الذي يقع لك في بعض الأشياء لا تنقطع مادته من القلب من جميع الوجوه إلا بالمواجهة حتى تعرف كل شئ في محله على أصله

    لنسأل الله أن يهيئ لك الأسباب حتى تأتي إلى هاهنا فتعلم حقيقة الحال الذي لا إشكال معه أبداً آمين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن إدريس إلى ولده محمد عثمان نظر إليه بعين عنايته الرحمن

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أما بعد

    فقد وصلت كتبكم من رسولكم . فالحمد لله على عافيتكم . أوصلكم الله إلى رضوانه الأكبر وسلطان تجليه الأعظم الذي لا حجاب بعده أبداً

    ثم اعلم أعلمك الله بكل خير أنا قد بعثنا إليك العام نحضك على القدوم إلينا ، فإلى الآن ما وصل أوان المجئ لأجل تلقيط ما بقي لكم من الرزق هنالك

    وقد وكلناك إلى الحق سبحانه وتعالى حتى يزعجكم إلى القدوم بالوارد الإلهي القهري الذي لا يمكن معه التخلف ولا يمكن مع العذر ولا الانفكاك بوجه من الوجوه ، ويتولاك في بيان الأمر كما تولانا فيه ، ولك البشرى وللإخوان جميعهم بما ترجوه من خير مولاكم

    والوصية الجامعة لك ولهم وصية الله في الأولين والآخرين قال الله عز وجل : ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله " ، فالله يحققنا وإياكم بتقواه حتى نكون من الذين قال فيهم جل وعلا : " أن الله يحب المتقين "

    وقد قال سبحانه وتعالى : " فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره ... " الخ الحديث ، فإذا صار الحق سمعاً وبصراً صرنا حقاً كلنا كما يليق بالجناب المقدس

    وقد أمر الأخ ابن مالك بكتابة الخلوة لكم فكتبها والحن فيها كثيراً . عسى الله أن يهديكم إلى فكها . ولا شك أن الخلوة إن لم يحصل فيها فتح يحصل منها صفاء القلب ، ويحصل فيها المبشرات . وأما فتوحكم الذي يحصل معه التجلي الكلي ورفع العطاء عن ملكوت السماوات والأرض فما يحصل ذلك إلا بعد حضوركم عندنا

    والسالم عليكم وعلى جميع من يلوذ بكم من الإخوان ورحمة الله وبركاته

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن إدريس إلى ولده وثمرة فؤاده عثمان بن محمد ابن أبي بكر عبد الله الميرغني

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أما بعد ...

    أسعدك الله بعنايته ووقاك شر خليقته آمين

    اعلم يا ولدي أن أهل زمانك وإن تملقوا بظواهرهم فقلوبهم محشوة بمقاصدهم الضيفة التي لا تفيد في جانب الله شيئاً . وما أمر الله سبحانه وتعالى رسوله أن يصبر نفسه إلا مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وصحبة أو باش الناس الذين لا يريدون في صحتهم الله ورسوله سموم قاتلة لحينها للدين إلا أن يعصم الله ، فتحفظ من أهل زمانك جهدك ، فإن ودهم ليس بخالص لله ، والله يعصمك من الناس .

    وأما ما ذكرت من التوجه إلى السودان ففيها متاعب كثيرة ، وفيها بعد المسافات وتطويل في الزمان . فإن أمكنك التخلص من ذلك فتخلص . وأما صلحاء السودان فقد كثرت عليهم الأثقال وأرادوا أن يحملوها غيرهم ويستريحون منها ، وأهوال هناك عظيمة وفيها بعض منافع للناس . والله المستعان . وهديتكم المباركة قد وصلت ، مقطع القماش وكذلك العمامة . أوصلك الله إلى رضوانه ودار السلامة آمين

    والسلام عليكم من جميع من عندنا ، والسلام منا على الشيخ صادق وعلى جميع من يلوذ بكم ورحمة الله وبركاته

    بسم الله الرحمن الرحيم

    وبه نستعين

    من أحمد بن إدريس إلى أخيه وحبيبه ووليه وصفيه الولي محمد بن مجذوب جذبه الله بتجليله إليه آمين

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أما بعد ...

    فالواصل إليك حامل الكتاب وهو رجل من علماء الهند ، وهو من إخوانك المحبين ، فلاحظه بما ينفعه في طريق محبة الله . وسلام منا على جميع الإخوان

    والكتابة عن عجل . وقد أرسلنا إليك كتبنا قبل هذا عسى أن تكون وصلتكم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    الحمد لله وحده

    ثم اعلم أيها الأخ أني عزمت أن أرسل إليك الحزبين العظيمين المسميين بالورد الأحمدي والسر السرمدي ، ويسميان أيضاً بالسر الأعظم والكنز الأكرم فأمرت بعض الإخوان بكتابتهما فكان مريضاً ولم يأتنا بهما عند الإرسال ويصلان إليكم إن شاء الله تعالى

    واعلم أن كل ما يرد عليك من المبشرات اكتبه ولا تضيعه ، كان r إذا صلى الصبح قال للصحابة : " من رأى منكم رؤيا فيقصها " وذكر أنها من الوحي ولا ينبغي تضييع الوحي ، فإنه ما أتى الله سبحانه به سدى ، وانظر قصة يوسف عليه السلام حفظ الرؤيا هو وأبوه سنينا طويلة ، فلما وقع تأويلها في عالم الحس قال على الفور – لكونها على ظهر قلبه هذه المدة الطويلة - : " يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً " فإياك أن تكون من المفرطين



    بسم الله الرحمن الرحيم

    من سيدي أحمد بن إدريس رضي الله عنه :

    سلام منا إلينا ورحمة الله تعالى وبركاته تعمنا . من الوالد إلى الولد ، وقرة العين غاية الأولياء ، المحمديين بلا شك ولا مين بشهادة رسول رب العالمين ، محمد عثمان الآخذ بأعلى غاية العروة الوثقى في مقام الإيمان والإحسان

    السلام عليك أيها الولد الصفي ورحمة الله تعالى وبركاته وتحيته ورضوانه

    أما بعد ..

    وصل إلينا كتابك الأول والثاني ، أوصلك الله إلى تجلي كماله

    ثم اعلم أن مخالطتك هذه مع الإخوان جعلها الله لك تسلية عن الفكرة في الأمر الذي تعلمه لأنه يعلم منك استعجال الوقت ولابد من كونه عن قريب إن شاء الله تعالى " كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار "

    واعلم أني ذكرت لك الكلمات التي تقتضي المدح في صدر الكتاب لتعلم فضل الله الأكبر ونعمته العظمى عليك ، فيتعين عليك حينئذ القيام بشكر المنعم جل وعلا

    واعلم أيها الصفي أنه لو سال من عيون العالمين جداول دموعاً شوقاً إلى الله تعالى وخوفاً منه لكان يحق لي ولك أن نبكي صديداً ، ولو سال من عيون العالمين جداول دموعاً لكان ينبغي لي ولك أن تسيل من عيوننا بحور دماً لعظم النعمة علينا " اعملوا آل داوود شكراً وقليل من عبادي الشكور "

    وكيف لا وقد قام سيدنا ومولانا رسول الله r حتى تورمت قدماه من طول القيام بين يدي الله لما نزل عليه قوله تعالى " إنا فتحنا لك فتحاً مبينا " .. السورة ، فقيل له : يا رسول الله تفعل هذا وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال r في جوابهم : " أفلا أكون عبداً شكوراً " وفي باطن هذا أن تأملت أموراً عظاماً تتحير فيها الأفكار ، وتذهل فيها العقول ، وقد علمت السبب الذي يجب علينا فيه الشكر . وفقني الله تعالى وإياك إلى شكره إنه قريب مجيب

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن إدريس إلى ولده البار وقرة عينه وسره وزينه محمد عثمان . جعله الله من خواص أصفياء الرحمن . انه حنان منان

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أما بعد ...

    فاعلم أعلمك الله تعالى بكل خير ، وأزال عنك كل هم وغم وشر وضير ، وأبدل مرارتك حلاوة ، وحجابك كشفاً ، وغفلتك ذكراً ، وأعراضك إقبالاً ، وأبدل لذتك بغيره لذة به ، وأغرقك به فيه حتى لا تعرف منك ولا من غيرك سواه

    فاتخذ لك ساعة تختلي فيها بربك ، وتوجه إليه في الخلوات بالحزبين العظيمين المسميين بالورد الأحمدي ، والسر السرمدي ، والمسميان بالتجليات العظمى والغرق في بحر الأسما فإنهما من أعظم أدوية القلوب في كشف أسرار الغيوب

    وابشر فإنها قد تواردت علينا بشائر الخير التي ليس معها ضير . وبعد هذا عن قريب يأتي بك إلينا على أحسن حال ، وأيسر إقبال ، وأعز مجالاً بلا غم ولا هم . وعن قريب إن شاء الله تعالى يأتيك البشير بقميص يوسف العزيز فترد بصيراً ، ويزيل عنك الضر والعجز . والسلام عليك وعلى جميع من لديك ورحمة الله تعالى وبركاته

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن إدريس إلى ولده وقرة عينه عثمان بن ابي بكر

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

    أما بعد ...

    أسعدك الله بتجليه ورضوانه . وباعد بينك وبين سخطه وعصيانه آمين

    ولقد ذكرت أنك تريد التاكة أو الحبشة فأنت مخير بينهما ، وجهة الحبشة أرشد . وحيث ما توجهت فأنت في حفظ الله وأمانة ، وأنت في وديعته التي لا تضيع

    والسلام عليك وعلى جميع من لديك من الأهل والإخوان ورحمة الله تعالى وبركاته

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن إدريس إلى ولدنا الصفي عثمان

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أما بعد ..

    فاعلم أعلمك الله بكل خير ، وصرف عنك كل شر وضير ، أن مكتوبك قد وصل ، أوصلك الله إلى رضوانه الأكبر الذي لا سخط بعده أبداً ، وأوصلك إليه إيصاله الأعظم الذي لا قطع بعده أبداً آمين .

    فهلم ثم هلم إلينا عسى الله أن ينقذك من كل هم وغم وعائق ومانع وقاطع ، وعسى أن يجمع الشمل ، ويتصل الفرع بالأصل ، وتزول الظلمات ، وتتوجه إلى المسرات ، ويهدي الله سبحانه وتعالى إلى الصراط المستقيم والدين القويم

    والسلام عليك وعلى أهلك وأولادك وجميع من يلوذ بك ورحمة الله تعالى وبركاته منا إلينا

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن إدريس إلى أخيه وصفيه وولده وقرة عينه محمد عثمان نظر الله إليه بعين العناية والرضوان آمين

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

    أما بعد ...

    فكلامي معك بلسان القلب لا بلسان العرف المعروف بين الإخوان . جعلك الله ممن كان الحق سمعه وبصره حتى سمع من ذلك اللسان وتعرف منه فصل الخطاب والبيان ، والسلام عليك وعلى جميع من لديك من الإخوان ورحمة الله تعالى وبركاته

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن إدريس إلى ولده ووليه وصفيه محمد عثمان تولاه الله بولايته الكبرى الواحد المنان واصطفاه لمشاهدته في غاية مقام الإحسان بلا سابقة بلاء ولا تعب ولا امتحان

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أما بعد ..

    فقد وصلت هديتكم المباركة مع الإخوان المباركين رفعهما دفعهم الله أعلى درجة مع المقربين الواصلين إلى الرحمن

    ثم اعلم أن البشائر قد تواترت من حضرة الرحمن إلى جميع الإخوان وقد تكفل لنا r فينا : من انتسب إليكم لم أكله إلى كفالة غيري ولا لولاية غيري أنا وليه وكفيله

    وهذه بشارة عظيمة ومنزلة كريمة . جعلنا الله لها من الشاكرين

    ووصيتي إليك وإلى جميع الإخوان وصية الواحد المنان في محكم القرآن " ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله " . جعلنا الله وإياكم من المتقين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون آمين . والسلام عليكم وعلى جميع من لديكم من الإخوان ورحمة الله وبركاته

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن إدريس إلى ولده وقرة عينه ونهاية زينه الشريف الكريم عثمان أيده بروح منه المنان

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ومغفرته ورضوانه

    وبعد ..

    لقد وصل كتابكم الكريم أوصلكم الله إلى نهاية البر والتكريم وحفظكم أينما كنتم أنتم ومن لديكم

    وما ذكرت من الخروج من مكة للعلة المذكورة فلا بأس فقد أصبت ، أصاب الله بك جادة الحق في كل شئ آمين . هذا ومن لديك كلهم متحوفون بالسلام ، وكافة من لدينا مسلمون على جميعكم ، جمع الله الجميع جمعاً لا يزايله فرق آمين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن إدريس إلى ولده محمد عثمان

    سلام الله منا وإلينا ورحمة الله وبركاته تعمنا

    أما بعد ..

    فإن الأمر الذي أخبرتك به لم يكن تعذراً ، ولو كان عندي غير ذلك لذكرته لك ، والأمر كما أخبرك به سيدنا رسول الله r الصادق المصدق الذي لا أصدق منه في جميع خلق الله . وأنه إنما مرادي أن يكون ذلك بأمر منه r الذي أمره هو أمر الله عز وجل ، لأن ذلك هو مبنى أساس الصوفية المتحققين بالحق الذين أنوارهم مبنية على أمر الحق لا على هوى أنفسهم وما يظهر لهم من عند أنفسهم ، وإلا نحن كنا عينا لكم المكان قبل هذا الوقت . والله سبحانه وتعالى عند حقائق الأمور ، والسلام



    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن إدريس إلى ولده عثمان ..

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أما بعد

    فإن الأمر كما أخبرك به r لا في حق فلان ولا في حق غيره . أما فلان فقد جاء نور فتح مرتين أو ثلاثة ، فيظهر شئ من جنابنا يسلبه منه لا شك في ذلك أبداً كما أخبرك r ، وإن عاد إليك فلان فأخبره بما قال لك r عنا وعنكم ، وأخبره بالصفة التي ذكرها لك r فإنها عند فلان محفوظة مقررة في نفسه . والأولى أن تتركه حتى يقع الاجتماع بيننا ونتكلم فيها . وأما ما أخبرك به r من رفع البلاء عنا وعنكم فهو كذلك . نعوذ بالله من الشك والتلبس

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بسم الله الرحمن الرحيم

    " تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شئ قدير . الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور "

    " فسبحان الله الذي بيده ملكوت كل شئ وإليه ترجعون "

    وبعد ...

    فإنه من عبد ربه سبحانه . أحمد بن السيد محمد الشريف ابن السيد محمد بن على بن السنوسي الخطابي الحسني الإدريسي إلى الأجل الأفضل الأعز الأمثل أخينا حفظه الله آمين

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته ومرضاته والموجب لهذا السؤال عن الأحوال لازالت محفوفة بالتكريم والإجلال . وإن سألتم عنا فإننا ولله الحمد تحت مجاري الأقدار ساكنون ، وفي قبضة من يقول للشئ كن فيكون ، ولنفحات المولى جل وعلا متعرضون ، وبما حكم به سبحانه وتعالى راضون ، وعن جميع ما لا يرضى الخالق بحوله وقوته معرضون ، وبما وعدنا به الله ورسوله موقنون ، ولاختلاس المنون مترقبون ، سائلين منه تعالى منح ما بشر به الصابرون القائلون عند المصيبة : " إنا لله وإنا إليه راجعون . أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون "

    آجرنا الله وآجركم في مصيبتنا ومصيبتكم ، فالأستاذ الذي طالما أرشد الخلق ، وإلى طريق الحق يهدي ، سيدنا السيد محمد بن السنوسي المهدي رضي الله عنه وأرضاه ، وجعل الجنة متقلبه ومثواه ، ونفعنا بأسراره وأسرار آبائه ، وجعلنا من المفلحين الذين هم حزب الله من أوليائه وأصفيائه ، فقد نقله الله من الدنيا إلى الآخر التي هي . في منتصف نهار يوم الأحد الثالث والعشرين من صفر الخير من سنة عشرين وثلاثمائة وألف

    ضاعف الله له الخيرات وضاعف الضعف ألوف ضعف ، وسقى بشأبيب الرحمة تربته ، وأسكنه مع الذين أنعم عليهم جنته . أنه جواد كريم بر رحيم . ومنا جزيل السلام على كافة الإخوان والمحبين . ومن عندنا مسلم عليكم صنونا السيد محمد عابد والسيد إدريس وكافة الأنجال والإخوان والمحبين في الثالث من المحرم عام 1320هـ

    وبعد كتابة هذا الخطاب انتقل الأخ محمد بن السيد أحمد الريفي إلى رحمة الله في شهر ربيع الأول . تولاه الله برحمته وأسكنه فسيح جناته

    قد نقلت هذه الكلمات التي سطرت في هذه الرسالة التي جمعت بين كرامات وخطابات للشيخ سيدي أحمد بن إدريس رضي الله عنه لأجل أن يعرف أبناؤه الذين هم أبناء روحه الآخذين طريقته المحمدية الأحمدية علو قدر شيخهم وما أعطاه الله تعالى من واسع فضله وعظيم كرمه ، لأن الفتوح في الطريق متوقف على أمور :

    الأمر الأول : أن يعرف المريد منزلة قدر شيخه حتى يمتلئ قلبه بتوقيره واحترامه ، ويشاهده عند تلاوة أوراده مشاهدة الأخذين عنه في أيامه

    الأمر الثاني : أن يحبه حباً عظيماً حتى لا يقدم عليه شيخا من الموجودين في زمانه ، لكي لا يميل قلبه إلى شيخ آخر ، فإن من مال قلبه مال وقفل الباب دون الوصال ، ولم يدر معنى حديث : " أرحنا بها يا بلال "

    الأمر الثالث : أن يعرف فضل أوراد شيخه حتى لا يستخف بها بتلاوة غيرها ويتركها ، ويكون مثله كمن غرس غرساً ومنعه الماء فمع نفسه الثمر ، وهيهات هيهات أن يثمر غرس بغير ماء .

    الأمر الرابع : أن يعلم أحواله كيف كانت في حياته الدنيا حتى يقتدي به ويكون حاله كما كان شيخه ، فإن كل شيخ يحب من مريده أن ينتهج نهجه ، ويكون على الحال الذي كان عليه من غير تغيير ولا تبديل ، وبذلك يكون وارثاً له حقاً ، لأن كل مريد يرث شيخه لكن بشرط أن يكون حاله كحال شيخه

    الأمر الخامس : ألا يعلو على شيخه بحال من الأحوال مهما وهبت له المعلومات ، ومهما كشفت له مكاشفات ، ويرى نفسه فرعاً لشيخه ، ودائماً سرمدا تتوق إليه روحه ، كما قال سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه : " أصلي الهوى والفرع يطلب أصله "

    الأمر السادس : الأدب مع الشيخ الذي لقنك أوراد الطريق فعليه أن يلقنك الأوراد / وأن يعرفك الشيخ والطريق وعليك أن تحبه وتتأدب معه من أجل شيخ الطريق ، لأن شيخ الطريق له باب وهو الشيخ الذي لقنك الأوراد . والحضرة المحمدية لها باب وهو شيخ الطريق الأصلي

    والحضرة الإلهية لها باب وهو النبي r

    وقلت بفضل ربي :

    الشيخ باب الشيخ أعرف فضله

    فبه الوصول إلى الذي هو أحمد

    وبأحمد بن إدريس تدخل حضرة

    فيها الحبيب هو النبي محمد

    باب الإله نبينا تدخل به

    في حضرة القدس التي لا تنفد

    واعلم بأن الورد خير وسيلة

    أنوار روحك دائماً تتجدد

    ما دمت تقرؤه فأنت محبب

    ومقرب ومعلم ومؤيد

    فابشر بخير أن دخلت طريقنا

    يأتيك فتح عن قريب تسعد

    فلشيخنا ابن إدريس خير تجارة

    الربح فيها للذي هو يقصد

    فعليك يا أخا في الله تعالى أن تفكر ، فإن التفكير من تمام الإيمان ، لا تنس أنك بأخذك للورد المحمدي الأحمدي صرت في كفالة النبي r . والدليل على قولي هذا لك ، رؤيتك له r مناماً ، وكان r يرشد الناس بالدروس العلمية بالقرآن العظيم ، وقد تبعه شيخنا سيدي أحمد بن إدريس رضي الله عنه في ذلك فكان يرشد الناس بالقرآن الكريم والعلم ، واستمر على ذلك حتى لقي ربه . وقد سألت الله تعالى أن يوفقني إلى ما كان عليه شيخنا العالم الشيخ ابن إدريس صاحب العلم

    رضي الله عنه . فعلى جميع اخواني أن يساعدوني في تصور الدروس العلمية ، وأن يحفظوا شيئاً من القرآن الكريم وإن شاء الله سنجعل مكاناً مخصوصاً للإخوان لحفظ القرآن ، فما عندنا إلا الدرس وحفظ القرآن ، فأعينوني بعلو همتكم . فما جمعتكم إلا على هذا الدرس الذي فيه تفسير القرآن وشرح الأحاديث النبوية والفقه في الدين وحفظ القرآن وتلاوته ، فالعبادة لله وحده ، والعلماء هم الوارثون المرشدون . قال r : " العلماء ورثة الأنبياء " .








    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    شهد مشاهد الأرواح

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 2:31 am

    الفصل الاول : المعرفة رأس مالى

    الفصل الثاني : الحب أساس


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    االفصل الاول :المعرفة رأس مالى

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 2:33 am

    مقدمة

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وسلم أجمعين .

    وبعد

    فيقول عبد ربه صالح المدنى بن محمد بن صالح بن محمد الجعفرى: قد اطلعت على شرح للسيد أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه مطبوعا فى رسالة منقولة عن خط السيد محمد بن السيد على اليمنى الإدريسى رضى الله تعالى عنه. شرح حديث :

    (المعرفة رأس مالى)

    فوفقنى الله تعالى إلى تصحيحها وطبعه وسميتها( شهد مشاهدة الأرواح التقية،من بحر علوم جد السادة الإدريسية) راجيا من الله أحسن الجزاء، إنه نعم المولى ونعم النصير.

    وإنى أوصنى إخوانى جميعا بقراءة هذه الكتب المنسوبة إلى شيخنا الأستاذ السيد أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه، إذ فيها المدد والفتوح، التى منها : كتاب العقد النفيس، وشرح القواعد، والمعانىالرقيقة، وشرح الصدور، وشهد مشاهدة الأرواح التقية، وكتاب المنتقى النفيس، وكنز السعادة، ومفاتح الحنوز، وكتاب التفسير المسمى الفيوضات الربانية.

    وإنى لأعجب من كتاب شرح القواعد كأنما سيدى أحمد يتكلم مع روحك، ولابد لكل آخذ لهذه الطريقة الإدريسية أن تشعر روحه بحال عند قراءة شرح القواعد، وقد أرسل لى بعض أهل السودان وصية يقول فيها : هذا الكتاب يجب أن يكون عند الوسادة، وكثيرا مايغلب على البكاء، ويليه كتاب المعانى الرقيقة ففيه أيا الذخائر الغالية.

    ثم أعلم ياأخانا فى الله تعالى، كشف الله ران قلبك، وعرفك أسرار ذكر ربك.

    أن طريقنا هذا كراماته معانى، تضىء لها الأوانى، ويتنفس نفيس صبحها للنفوس الساهرة، وينهل غيث مزنها على القلوب الطاهرة، فاستمع بروحك إلى مايتلى عليك من نقوش ظهر فيها نقش روحنا على لسان من أحبنا، ولا تشغل بجسدك عن روحك فإنه الحجاب عن شيخك الذى هو فى سماء العلو الروحانى، فالاتصال بروحك، لا بجسدك، ولا بمالك وولدك ( وما أموالكم ولا أولادكم بالتى تقربكم عندنا زلفى).

    فاستمع بارك الله فيك، فما الموقف موقف تعصب وجدال، ولاقيل وقال، وإنما هو موقف تدكدكت فيه الجبال، والرجال رجال.

    وانظر بارك الله فيك إلى شيخك تراه أسدا زائرا، وكوكبا سائرا، وبحرا زاخرا، وجندا حاضرا، ونورا ظاهرا، وسرا باهرا، وسوقا عامرا، وسيفا زاجرا، وسلطانا قاهرا، وأميرا آمرا، وملكا طائرا، وحميما ناصرا.

    تلك أمور حيرت العقلاء، وأدهشت الأذكياء، فما هى يابنى بمحسوسات تحس، ولا مكونات تجس، إنما هى :

    صفاء ولا دماء ولطف ولا هوى ونور ولانار وروح ولا جسم.

    فأفق من غفلتك، وإنتبه من رقدتك، وأقبل على وجه واحد يغنك عن جميع الوجود.

    وعلم ثم اعلم ثم اعلم أن طريقنا هذا جعلك فى كفالة إمام المرسلين_ صلى الله عليه وآله وسلم_ يتولى تربيتك كما يربى الوالد ولده فهل أيقن قلبك بهذا الحديث؟ وكيف حالك أمام رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم؟ فهل تريد أن تلتلفت إلى غير طريفنا لتتخذ لك شيخا غير النبى صلى الله عليه وآله وسلم فتلعب بك الأهواء، وتميد بك الغبراء؟

    فما عرفنا من تفلت منا، ولا أخذ الحقائق عنا، ولا شرب من رحيقنا من ترك سوقنا، ولا ورد وردنا من ترك أورادنا، ولا دندن ولا دنا، ولا حل بقلبه ودنا، شاهد بقلبك أن المربى ناظر إليك، ليصب ميازيب الرحمة عليك.

    فما أهل هذا الطريق إلا رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، اتصلت أرواحهم بمربيها، فكان الأمر منه وإليه.

    فلا شيخ لهذا الطريق الإدريسى إلا سيدى أحمد، وقد أحالنا إلى جده سيدنا محمد_ صلى الله عليه وآله وسلم.

    وتلقاها عنه السيد محمد بن على بن على السنوسى، فصار إماما فى المعارف والدروس.

    وتلقاها عنه السيد محمد عثمان الميرغنى، فشرب من بحر الحقيقة سر الشريعة السائغ الهنى.

    وتلقاها عنه السيد إبراهيم الرشيد، فشرب من بحر العلم المفيد.

    وتلقاها عنه السيد بن الأهل، فشرب من بحر العلوم كل علم عليه المعول، بحبه السيد أحمد من مكة إلى زبيد تحول.وتلقاها عنه الشيخ المدنى ظافر، فنال تطهير الباطن والظاهر.

    وتلقاها عنه السيد السواكنى المجذوب، فنال للسر العالى الموهوب.

    وتلقاها عنه البليانى، فدخل فى زمرة الأحباب.

    وتلقاها عنه الشيخ أحمد الصاوى، فبها هو للفضل حاوى.

    وتلقاها عنه الشيخ الحسن السودانى، فنال غاية الأمانى.

    وتلقاها عنه الشيخ عبد الله أبو المعالى، فنال منها الرتب العوالى.

    وتلقاها عنه الشيخ التوم السودانى، فدخل حضرة القرب والمعانى.

    وتلقاها عنه الشيخ المكى، فصار عن مآثر شيخه يقول ويحكى.

    وتلقاها عنه الشيخ عبد الله السنى، فغرف من كل فن.

    وتلقاها عنه خلق كثيرون، فنالوا السر المصون.

    وتلاميذهم أخذوا عنهم، فصاروا أقمار الدياجى، وكل يرشد الناس ولربه يناجى.

    فالذى تلقى هذه الطريقة عن رسول الله_ صلى الله عليه وآله وسلم_ هو سيدى أحمد بن إدريس_ رضى الله تعالى عنه_، فهو شيخ الطريقة حقا وصدقا، وكل من أخذ هذا الطريق وجب عليه أن يعرف صاحبه وإلا فلا فائدة فى مسعاه، لأن مدد الطريق يتوقف على معرفة الشيخ وتلاوة أوراده، ومن لم يكن كذلك فليس بذاك.

    فما طريقى بالذى ، وما أنا بالبذى.

    ولا ما أعجبك من عجب ، ولا ما أطربك من طرب.

    سبحان الله من سار ، على قدمى غلب.

    ماهذا الطريق إلا متابعة رسو الله صلى الله عليه ةآله وسلم فى الأقوال والأفعال ظاهرا وباطنا.

    طريق الله ظاهر ياناس ذهب صافى مافيه نحاس

    قرآن وسنه ، وخير لباس لباس التقوى، مافيه وسواس

    يذكر بالنية، ما كاين لباس طاهر مطهر، خالى الأدناس

    والشيخ ينادى، وقت العسعاس اذكر ياولدى، ذكر الأكياس

    واشرب شرابى، مايجيب نعاس يانايم ليلك، صيد الإفلاس

    اهجر منامك، شد الكراس اقرأ أورادك، عن خير الناس

    فعلى كل مريد سلك هذا الطريق المسارعة إلى مذاكرة كتب شيخه حتى يحصل انسجام بين الروحين، ينجذبان وبينهما برزخ لا يبغيان، ويحصل علم الأذواق، وهو ليس فى الأوراق، فعليك بالبحث عن الحقيقة فى السطور، لعلها أن تشع على الصدور، فيتنزل من سطورك، مايزيل لغرورك، ويأتى بسرورك (فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) فشتان بين جمع وجمع، وسمع وسمع ( واجمع بينى وبينه) ( فى مقام السماع العام)

    إياك أن تغفم عن الإشارة، أو تلتبس عليك العبارة، أو تتحكم فيك الأمارة.

    تجارتنا هذه نعمت التجارة، وربح ومربح مافيها خسارة.

    وقف على بابه الملوك والسلاطين وماوقف على بابهم، وحينما رأوه اقشعر إهابهم، وحاشاه ما أخذته رهبة وما هابهم.

    فإلى أين تنقل أقدامك، والموت أمامك، وإيش حالك، لايبفعك عمك ولا خالك.

    عملك إذا لم يكن خالصا لوجه الله لا يقبله الله، فأين إخلاصك؟ وهل خرجت من سجن نفسك أم لا تزال فى أقفاصك؟ وهل بلغك عنه كيف كان؟، وكيف أحرمت خلفه فى الصلاة وأوضعت الأركان؟! وهل وقف الوقفتين حتى تقفهما لله ولغيره ولم يخيل إليك أن عزتك عندهم ( ولله العزة ولرسوله) وما عليك لو نفضت يديك منها نفض القديد وتهيأت للتجلى الإلهى ففى كل نفس تجل جديد.

    هذا عسلنا فيه شفاء للناس مايصلح معه الحنظل، طوبى لعبد عرف مولاه وعيه توكل، وعلا وجهه الكريم أقبل.

    نفر منك كما يفر الطير إذا خالفت حالنا، وقد كنا معك كرواسى الجبال، وكالملائكة إذا إذا رأوا الكلب أو سمعوه أو الصورة أو سمعوا صوت الجرس، كذلك الأرواح العالية هذا حالها معك.

    فلا تنس قولى هذا لك وما أشرت به عليك، لعل الواردات أن ترد عليك، فإنه لا وارد بغير ذكر، ولا دخول فى حظيرة بغير فكر.

    أسرع أسرع إلى أنواع الموائد، فلكل ورد وارد، فما هى كموائدك التى أخلدت إليها فأثقلك بخارها وأثقلت ثقلها، وإنما هى موائد عز أن يوججد مثلها، يزال بها كسلك ونعاسك، وإضطراب قلبك ووسواسك، ورق بها كثائف الحجب، فترى الروح ماهو العجب، فتسمع مالم تكن تسمعه من قبل، وتقوم حق القيام بالسنة والفرض، وتمشى على الماء، وتطوى لك الأرض، لكن زهدنا فى ذلك لأنه هالك، وتمسكنا بقوله تعالى : ( كل شىء هالك إلا وجهه) فوجهت وجهى للباقى ( إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض) فشغلنى عن جميع الوجوه :

    شغلت بحسن وجهكم عن شواغلى

    ولى عن كل شغل بها شغل

    ولقد أناخت ببابه أنواع الكرامات، فنظر إليها نظره إلى الدنيا، وأعرض عنها إعراضا كإقبالك عليها، وفر منها فرارا كبحثك عنها، وزهد فى الملك وقد كان له ذلك، وهجر وطنه ليتفرع لعبادة المالك، فأبدله الله ملكا خيرا من ملكه، وأهلا أكثر من أهله، وبلادا بدل بلده، فكيف لا يكون كذلك وهو صاحب العلم النفيس، مولانا الشريف السيد أحمد بن إدريس_ رضى الله تعالى عنه.

    وهكذا شأن الصالحين كل يقول :

    ونلت مرادى فوق ماكنت راجيا

    فسر فى طريقهم، عساك أن تشرب من رحيقهم، فما احتار من سار، ولا عطلته المنغصات والأكدار، بل هو فى فرح من فرح أهل الجنة الذين هم فى جوار الله، وفرحهم لله.

    أول دعائهم تسبيح، وآخره حمد وشكر( دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين).

    فلا تترك نصيبك من الدنيا الذى به تنال نصيبك من الآخرة، فعلى قدر عبادتك فى الدنيا لربك يكون إرثك فى الجنة، قال تعالى :

    (ولا تنس نصيبك من الدنيا)

    وقال تعالى Sad وأحسن كما أحسن الله إليك)

    أى وأحسن إلى نفسك بالعبادة، كما أحسن الله إليك بالإيمان، وقال تعالى Sad ولا تبغ الفساد فى الأرض) لأنه ليس من شأن المؤمن، وقال تعالى : (بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان) فأحسن إلى نفسك إلى نفسك بعبادة ربك قبل أن يفوتك ذلك بالموت، قال تعالى :

    (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) أى الذين أحسنوا إلى أنفسهم بعبادة ربهم.

    جعلنى الله وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يوفقنى وإياكم إلى ما يحبه ويرضاه، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

    وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وسلم فى كل لمحة ونفس عدد ماوسعه علم الله.

    .

    حديث السنة المحمدية

    روى عن سيدنا على كرم الله تعالى وجهه أنه قالSad سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن سنته، فقال صلى الله عليه وآله وسلم :

    المعرفة رأس مالى، والعقل أصل دينى، والحب أساسى، والشوق مركبى، وذكر الله أنيسى، والثقة كنزى، والحزن رفيقى، والله سلاحى، والصبر زادى، والرضا غنيمتى والعجز فخرى، والذهد حرفتى، واليقين قوتى، والصدق شفيعى، والطاعة حسبى، والجهاد خلقى، وقرة عينى فى الصلاة، وهمى لأجل أمتى، وشوقى إلى ربى).

    شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم

    المعرفة رأس مالى

    روى عن سيدنا على كرم الله وجهه ورضى عنه ( أنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن سنته، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( المعرفة رأس مالى) هو أن يعرف الله عز وجل، هو الأول فليس قبله شىء، والآخر فليس بعده شىء، والظاهر فليس فوقه شىء، والباطن فليس دونه شىء، وهذا الحد هو الذى حد الله تعالى به نفسه كما جاء عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم : كان من دعائه_ صلى الله عليه وآله وسلم_ ( أنت الأول فليس قبلك شىء، وأنت الآخر فليس بعدك شىء) إلى آخر الحديث.

    فالمعرفة : أن يمحوا الكون جملة واحدة من نظره، ولا يكون وجهه إلا لله عز وجل( فأينما تولوا فثم وجه الله) فهو رأس المال، وبه تحصل التجليات.

    شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم

    والعقل أصل دينى

    (والعقل أصل دينى) العقل رأس كل خير، وما أنعم الله على عبد بنعمة أكبر من العقل، به يفرق بين الحق والباطل والإيمان والكفر، وبه يميز الحلال والحرام، وبه يعقل الأمور التى ترضى الله عز وجل، والأمور التى تغضبه، فهو رأس كل نعمة، والمعرفة التى هى أساس الإيمان لا تعرف إلا به، لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر، فلما عقل الإمتثال وعقل الأمر والنهى سمى عقلا مأخوذ من عقال البعير، فهو الذى يعقل الناس على مايحبه الله ويرضاه.

    شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    الفصل الثاني : الحب أساس

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 2:37 am

    (والحب أساسى) الحب أساس المعرفة، ورد فى الحديث ( ألا لا إيمان لمن لا محبة له)

    أى لله، وحقيقة الحب : الميل، فمن لم يمل بكليتيه انتفى منه الحب.

    وأفضله أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ) فإذا اتبعه وفعل الأمور التى يحبها الله عز وجل أحبه الله.

    والمراد أن يتبع رسول الله صلى عليه وآله وسلم فى أوامره ونواهيه، فإذا أحبه الله أقبل العبد عليه لا محالة، كان من دعاء داوود عليه الصلاة والسلام ( الهم إنى أسئلك حبك وحب من يحبك، وأسألك العمل الذى يبلغنى إلى حبك، الهم اجعل حبك أحب إلى من نفسى وأهلى ومن الماء البارد) نص على الأمور المذكورة، لأنها تأخذ القلب وتشغل عن الله عز وجل، فإن لم يشتغل بالله عز وجل واشتغل بتلك الأشياء، خيف عليه الجحد لنعم الله، والعياذ بالله تعالى.

    شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم

    والشوق مركبى

    ( والشوق مركبى) الذات الإنسانية مركب، والروح والشوق ريح ذلك المركب، فمادام التعلق حاصلا بالله عز وجل فالمركب سائرة، والشوق فوق الحب، والحب : الميل إلى الله عز وجل، والشوق: الإسراع بغير وقوف، فقد يوجد الميل ولا يوجد الشوق، وإنما إذا وجد الشوق فالميل موجود لا محالة.

    شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم

    وذكر الله أنيسى

    (وذكر الله أنيسى) ورد فى الحديث :

    ( اللهم أنت الصاحب فى السفر والخليفة فى الأهل) والمسافر لا يأنس فى سفره إلا بالمصاحب، وورد فى الحديث : ( ما من نفس يتنفسه الإنسان إلا وقد خطا به خطوة إلى الآخرة) فالأنفاس هى السفر، فإذا كان ذكر الله هو الأنيس فى ذلك السفر، فنعم الصاحب فى السفر، ونعم ما استأنس به من ذكر الله تعالى فى سفره.

    شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم

    والثقة كنزى

    (والثقة كنزى) ورد فى الحديث :

    ( لايؤمن أحدكم حتى يكون بما فى يد الله أوثق منه بما فى يده) وورد فى الحديث :

    (كنز المؤمن ربه) وورد : ( اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت) فما بقى مع العبد إلا الوثوق بالله عز وجل، إذا لم يعطنا الله مما فى أيدينا أو مما فى أيدى غيرنا لم نقدر أن نأخذ شيئا.

    شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم

    والحزن رفيقى

    (والحزن رفيقى) ورد فى الحديث :

    (من أسف على آخره فاتته تقرب من الجنة مسيرة ألف عام، ومن أسف على ديننا فاتته تقرب من النار مسيرة ألف عام) فالحزن يعظم على قدر عظمة المحزون عليه، والحزن والأسف على ما فات، فإذا كان الأسف على ما فات من التجليات الإلهية فنعم الأسف.

    شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم

    والعلم سلاحى

    (والعلم سلاحى) العلم أساس المعرفة، وأساس كل خير، وبه الوصول إلى عظمة الله فى القلب بحسن التفكر، كما قال تعالى : (فاعتبروا يا أولى الأبصار) ولا يكون ذلك إلا بالعلم.

    شرح قوله صلى الله عليه وسلم

    والصبر زادى

    (والصبر زادى) العبد مسافر فى أنفاسه ولحظاته، وزاده فى سفره اتباع الأوامر والنواهى، ولا يتم له ذلك إلا بالصبر، وإن لم يصبر مشت به نفسه إلى ما يغضب الله عز وجل.

    شرح قوله صلى الله عليه وسلم

    والرضا غنيمتى

    (والرضا غنيمتى) الغنيمة الكبرى الرضا بقسمة الله عز وجل، ورد فى المناجاة : (ياموسى إذا رضيت عنى فقد رضيت عنك، وإذا سخطت ولم ترض بقضائى استوجبت سخطى).

    شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم

    والعجز فخرى

    ( والعجز فخرى) العجز هو الإعتراف بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، قال صلى الله عليه وآله وسلم ( الفقر فخرى وبه أفتخر)

    والفقر فقد الأشياء من القلب، وامتلاء مكانها بالحب لله عز وجل، وهذا الفقر هو الذى افتخر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والفقر من حيث كونه فقرا لله عز وجل بالقلب فهو فقر محمود ومفتخر به، وأما الفقر المستعاذ منه الذى قرنه – صلى الله عليه وآله وسلم _ بالكفر فقال : ( اللهم إنى أعوذ بك من الكفر والفقر)

    وقال – صلى الله عليه وآله وسلم : ( كاد الفقر أن يكون كفرا) فهو فقد الحق من القلب، وتعلق القلب بالأشياء التى تصده عن الله عز وجل، فإذا انعدمت هذه الأشياء من القلب وامتلأ القلب بالتعلق بالله عز وجل فهو الفقر الذى افتخر به رسول الله صلى الله عليه وآله

    وسلم.

    شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم

    والزهد حرفتى

    ( والزهد حرفتى) والزهد رتبة عالية شريفة، وهو أن لا يتعلق القلب بشىء من الأشياء، بل يعرض عنها جملة واحدة، ويزهد فيها، ولا يأخذ منها إلا ما يقربه من سيده ومولاه، وأن يكون واثقا بالله عز وجل، ولا يدخل فى قلبه إلا مولاه، فقد ورد فى الحديث : ( كنز المؤمن ربه) وهذا هو الجنة المعجلة، ومن كان هذا وصفه فمطمعه أحسن المطاعم وملبسه أحسن الملابس، والمشتغل بغير مولاه دائما فى عذابه.

    فمن أقبل على الله تعالى بكليته وزهد فى الدنيا جعلها الله تعالى خادمة له، فقد ورد فى الحديث القدسى : ( يادنيا اخدمى من خدمنى واستخدمى من خدمك).

    قيل لبعض الأولياء : لم زهدت الدنيا؟

    قال : لزهدها فى، وقال بعض الملوك لبعض الأولياء : ما أزهدك يا فلان! قال أنت أزهد منى، قال : وكيف؟ قال : أنت زهدت فى الحور والقصور ومابقى، وأنا زهدت فيما يفنى من هذه الأمور الدنيوية، فانظر إلى هذه الموعظة التى وعظ بها الصوفى هذا الملك.

    شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم

    واليقين قوتى

    ( واليقين قوتى) اليقين شهود الحق، قال عز وجل : ( والذين هم بشهاداتهم قائمون) وقرىء ( بشهادتهم ) فشهود الحق هو قوتهم، فهم دائما قائمون بشهودهم شهودا بعد شهود.

    شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم

    والصدق شفيعى

    ( والصدق شفيعى ) الصدق نعم الشفيع عند الله عز وجل ( ومن أصدق من الله حديثا ) فمن أعطاه الله الصدق فقد أعطاه وصفه وخلقه بأخلاقه، فمن صدق فى توجهه إلى سيده ومولاه فلا شفاعة أعظم من ذلك، وأصل الطريق إلى الله عز وجل الصدق، والعلم بأن مولاه إنما خلقه لعبادته، فلا يزال العبد متوجها إلى الله فى عبادته صادقا فيها ( فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم ) فيصدق العبد فى طلب العلم، ويعلم لأى شىء خلقه ربه، ويتوجه بكليته إليه قلبا وقالبا، فالصدق سيف لا ينبو، وجواد لا يكبو، وإنما كان القرآن معجزا لكونه صدقا، وقال بعض الأولياء – وهو سيدى محيى الدين بن العربى _ : قيل لى : أتدرى بم صار القرآن معجزا ؟! قلت : لا، قيل لى : لكونه صدقا.

    اصدق يكن كلامك معجزا

    فعليك بالصدق فى مصاحبة الحق والخلق، فلا تصاحب الحق إلا بالصدق، ولا تصحب الخلق إلا بالصدق.

    وحقيقة الصدق التوجه إلى الله تعالى بالكلية، قال صلى الله عليه وآله وسلم : (( إن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا)) والتحرى هو أن ينظر فى ذلك الأمر الذى سيقدم عايه عن كان صادقا فعله وإلا تركه، لأن الحالف يظن أن ذلك يقرب الرزق وهو عين تبعيد الرزق عنه، وورد فى الحديث : ( ثلاثة لا يكلمهم الله عز وجل ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : السبل إزاره، والمان الذى لا يعطى إلا منة، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ) فإنه يغضب الله عز وجل ويكون سببا لذهاب الرزق لذهاب الرزق، وعليك بالصدق فى معاملة الحق والخلق، فإنه يأتيك إن شاء الله تعالى الخير الكثير.

    شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم

    الطاعة حسبى

    ( والطاعة حسبى ) أى : شرفى وكفايتى، فإنه من أطاع الله كفاه كل شرورهم، وورد فى الحديث : ( تنكح المرأة لأربع لمالها وجمالها وحسبها _ أى شرفها _ ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك ) أى : مسكت تراب الجنة ولصقت به، وهذه الكلمة دعوة صالحة من النبى صلى الله عليه وآله وسلم، وورد فى حديث آخر : ( من تزوج امرأة لمالها لم يزده الله إلا فقيرا، ومن تزوج امرأة لعزها لم يزده الله إلا ذلا، ومن تزوج امرأة لدينها كان سكان له منها وكان لها منه )

    شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم

    والجهاد خلقى

    ( والجهاد خلقى ) الجهاد جهادان : جهاد الكفار أى : الدعوة إلى الله عز وجل، وجهاد النفس لدعوتها لصدق الإقبال إلى الله عز وجل قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( لكل نبى حرفة وحرفتى الفقر والجهاد ) والفقر خلو القلب من الأشياء وامتلاؤه بالله عز وجل، وإنما اختار صلى الله عليه وآله وسلم الفقر لأن رياحه زعازع لا يثبت فيه إلا الكمل من الرجال. فإن بعض الناس أعطى بعض الأولياء شيئا من المال وضعه فى حجرة وهو جالس، فقال أردت بصدقتك هذه أن أكتب فى ديوان الأغنياء وتدعنى خمسمائة عام واقفا فى العرق والفقراء فى الجنة ؟! مالى إليها من حاجة. فقام فتساقطت فى موضعه قال : فما رأيت أعز منه حين تركها وقام، ولا أذل منى حين صرت أتتبعها، فأهل الله يخافون على زوال غناهم، قال الله عز وجل : ( إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) وقال الله عز وجل : ( يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله ) فالتزم _ صلى الله عليه وآله وسلم – فقره الذى سماه الله به، فإن المراد بالناس هو لأنه أصلهم _ إذ الكل من القبضة التى هى نوره _ حتى لقى الله عز وجل، ولم يرد أ، يشارك مولاه فى صفة الغنى صلى الله عليه وآله وسلم.

    شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم

    وقرة عينى فى الصلاة

    ( وقرة عينى فى الصلاة ) ولم يقل بالصلاة، لأنه غائب عن أفعاله بقرة عينه، والمراد بقرة عينه شهوده محبوبه عز وجل فى صلاته، وقال صلى الله عليه وآله وسلم لبلال : ( أرحنا بها يابلال ) يريد الصلاة، لأن فيها شهود الحق.

    شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم

    وهمى لأجل أمتى

    ( وهمى لأجل أمتى ) الإهتمام بأمور المسلمين من الحقوق الأكيدة، فقد ورد فى الحديث : ( من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم )، وقال الله عز وجل : ( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) وهى كثرة الهموم والغموم، فقد ورد فى الحديث : ( إنى لآخذ بحجزكم عن النار وأنتم تتفحمون فيها كما يتفحم الفراش فى المصباح ) فهم يغلبونه، أى : يخالفونه ويلقون أنفسهم، والمراد بالأمة أمة الدعوة وأمة الإجابة، لأنه _ صلى الله عليه وآله وسلم – رحمة للعالمين، قال الله عز وجل : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ).

    شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم

    وشوقى إلى ربى

    ( وشوقى إلى ربى ) قال الله عز وجل : ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) وإذا كان كذلك فكيف يكون الإشتياق؟ ولكن ذلك من باب قول القائل :

    ومن عجب أنى أحن إليهم

    وأسأل عنههم دائما وهم معى

    وتبكيهم عينى وهم فى سوادها

    ويشتاقهم قلبى وهم بين أضلعى

    وهذا الشوق كل واحد ينال منه على قدره، فإذا تمكن صار عشقا وشغفا، فإذا صار عشقا وشغفا غاب فى وعشوقه كمجنون ليلى، قال لها : إليك عنى فقد شغلنى حبك عنك، وهذا من ضلال المحبة أغناه الإتحاد بها عنها، وهو مقام الفناء، وحقيقة الفناء : الإتحاد ( فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به ) الحديث، كما يليق به عز وجل، وليس المراد مايتوهمه من لا بصيرة له مما ينزه مولانا جل وعلا عنه، فذلك كفر وضلال والإتحاد الذى يذكره أهل الله رضى الله تعالى عنهم أمر ذوقى لا يمكن التعبير عنه، فهو من علوم الأذواق لا من علوم الأوراق.

    فلم تهونى ما لم تكن فى فانيا

    ولم تفن ما لم تجتلى فيك صورتى






    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    المناظرة

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 2:39 am

    الفصل الاول : قبل البدء

    الفصل الثاني : انعقد المجلس

    الفصل الثالث : السيد يرد


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    الفصل الاول : قبل البدء

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 2:41 am

    بسم الله الرحمن الرحيم
    يقول الفقير إلى مولاه تعالى ، حسن بن أحمد بن عبد الله بن عاكش غفر الله له

    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين ، وآله المطهرين ، وصحبه أجمعين

    وبعد فقد سألني الأخ العلامة الصديق الفهامة الجليل ، المحقق النبيل : عز الإسلام ، ونور حدقة الأنام محمد بن شيخنا الشريف عبد الرحمن بن سليمان الأهدل ، مد الله أيامه ؛ أن أشرح له صورة المناظرة التي وقعت في شهر جمادى الثانية سنة 1245هـ بين شيخنا الرباني العارف بالله ، الجامع بين علمي الشريعة والحقيقة (سيدي أحمد بن إدريس الحسني المغربي) وبين الفقيه ناصر الكبيبي الجوني وبعض فقهاء عسير ؛ وهم عبد الله بن سرور اليامي ، وعباس بن محمد الرفيدي ، إذ كنت حاضر في ذلك الوقت ، وأنا أسبح في ذلك البحر ، بسبب ما ساعد البخت ، وذلك أن الله تعالى قد من علينا بقدوم شيخنا المشار إليه لبلدة صبياً في تلك المدة في شعبان سنة 1244 وكان ذلك من أجل نعم الله على هذا القطر ، وكانت صبياً في تلك المدة تحت حكم الأمير على من مجثل ، فاختارها الأستاذ للإقامة ، وقد أجرى عليه الأمير الكفاية ، وكان له في ذلك الشرف الأصيل ، والذكر الجميل ولما استقر صار كمية للقاصدين وهرع الناس إليه من كل فج ، في كل وقت وحين ، حتى كانت صبياً تضئ بالأنوار أيامها ، وتنشر على سائر البقاع أعلامها ولله در القائل

    وإذا نظرت إلى البقاع وجدتها تشقى كما يشقى الرجال وتسعد

    وكان يحضر لديه جماعة من علماء تهامة ، وكنت أنا من جملتهم ، وله في اليوم مجلسان مجلس بعد الإشراق حتى يتعالى النهار ، ومجلس بعد العصر حتى وقت المغرب ، وكان يحضر في ذلك الوقت أمم من الناس فينثر عليهم درر الفوائد في البكور والآصال ، على قدر مقام السائلين ، ويعطي كل أحد جوابه على قدر مداركه ، بحسن عبارة لها الجمادات تلين .

    وكان الفقيه عبد الله بن سرور مقيماً في صيبا ، ويحضر مجلسه في غالب الأوقات وينفر طبعه مما يسمع من كلام الأستاذ الإمام ، ويشمئز ثم يكثر من الأسئلة ، فأتولى الجواب على سؤاله عن الحاضرين ، لتخريج العبارة على وجه يقبله ذهنه ، ولهذا السبب وجد المنكر على الجانب الإدريسي من الجامدين على الظاهر باباً للقيل والقال ، أما أهل الدراية ومن يعرفون مصطلح السنة والكتاب ، فيعرفون أن طريقته جارية على صحيح الكتاب والسنة ، وفي الحقيقة إنه لم تصدر منه إلا علوم زاخرة ، ومعرف باهرة لأنه من العلماء الربانيين فإني بحمد الله قد لازمته ، وأخذت عنه علم الطريقة وعثرت من معارفه على زبد الحقيقة ، فهو رباني هذه الأمة المحمدية ، وقطب دائرة الولاية الأحمدية ، التي لم يصل إلى مداها أحد من أهل عصره ، ولم يتحل بحلى معارفه عالم من علماء دهره . قد خاض في بحر من العلوم بتوفيق القدير ، فدع قول غيري ممن مال عنه ، وخذ بقولي فلا ينبئك مثل خبير

    والفقيه عبد الله بن سرور هذا ممن حفظ القرآن ، ولم يتفقه إلا بشئ يسير أخذه من بعض علماء تهامة ، ولم يتمكن في العلوم ، حتى يميز بين المعلوم والموهوم ، واتخذ بلاد عسير وطنالة ، ودان بمعتقد الطائفة النجدية أي الذين هم على مذهب محمد بن عبد الوهاب في إطلاق الشرك الأكبر على جميع الأمة المحمدية ، من غير تفريق بين الموحد منهم والمشرك الذي يعتقد النفع والضر في غير الله تعالى ، وقد حدثت بين المتقدمين من أمرائهم وقائع مختلفة بسبب هذا الاعتقاد ، حتى سالت بها سيول من الدماء ، في هذا القطر التهامي . كما هو مسطر في تاريخ علماء اليمن ، ومعلوم بالتواتر لمن عقل ، وليس العهد ببعيد

    فتلقى الفقيه عبد الله تلك الكلمات من بعض أولئك الأتباع ، في مجلس أصحاب شيخنا السيد أحمد نفعنا الله به وعرضها على ما بلغ إليه علمه ، فأعتقد أنها خارجة عن معتقده ، وأنها ليست من العلوم التي دان بها هو وأهل بلده ومازال يراجعني فيما كان يسبح . وأرشده إلى ما يصون عرضه ودينه ، فلم يذعن لنصائحي ، وقد تحقق أني لا أقبل منه طعنة في شيخنا ، رضي الله عنه .

    ومازال يصرح أن السيد أحمد بن إدريس يعتقد مذهب ابن العربي من الاتحاد والحلول ، يعني أن الله تعالى يحل في كل صورة ، ويتحد بها . وهذا كفر ، وهو مذهب النصارى تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، وقد كتب نسخة حصر فيها اعتراضاته على شيخنا

    منها اعتقاده بهذه النحلة الكفرية ، وأن أصحابه يبالغون في تعظيمه بما يقرب من عبادة الخالق ، من تقبيل يديه ورجليه ، والخضوع الزائد له وأنهم يحملونه على السرير إلى بيته إذا خرج ، ولا يرضون مشياً على الأرض إكباراً وتعظيماً ، وأن هذا عين الشرك ، لأنه لا يستحق التعظيم بمثل ذلك إلا الله تعالى

    وإن أصحابه قد أشركوا بمثل هذا الفعل ، وأن إقرارهم عليه خطأ ، وأنه اعتقاد مذهب ابن العربي كفر كما كفره بذلك طائفة من العلماء

    وأن السيد أحمد يفسر القرآن بغير ما تدل عليه اللغة العربية ، مما لا تقتضيه دلالة الكلام ، على اختلاف أنواعه

    وأنه يؤخر صلاة العصر حتى تصفر الشمس ، ويصلي فريضة المغرب بقرب صلاة العشاء ، بسبب تطويل الركعتين قبل صلاة المغرب وكلا الأمرين منهي عنه

    وأن بعض أصحابه يصحب الأحداث ، ويستحسن مجالسة أهل الصورة الحسنة من المراد ، وربما جرى من بعضهم الفاحشة

    وان منهم من يختلي بالأجنبية من النساء ، ولا يحترز من المقدمات التي هي رائد الزنا

    ومنهم من يقدح في علوم الشرع ، وفيما ألفه علماء الإسلام من أصل وفرع وهذه أمور لا يحل لأي أحد السكوت عليها ، ولا يليق ولي الأمر أن يتغافل عنها

    ولما كتب عبد الله بن سرور هذه المسائل في رسالة . بعث بها إلى الأمير على بن مجثل فأرسلها الأمير أولاً إلى الشيخ العلامة إبراهيم بن أحمد الزمزمي ، وهو من العلماء الراسخين في العلم . وبعد إطلاعه عليها أرشد الأمير إلى إعدامها وتمزيقها ، وألا يصغى إلى شئ مما فيها ، ويزجر مؤلفها ويمنعه من التعرض لما لم يبلغ إليه فهمه . فلم يصغ الأمير إلى كلامه ، واستحسن رأي (مطاوعته) مثل الفقيه ناصر الكبيبي الذي تولى تقرير ذلك الأمر في الاعتراض واعتقد أن ذلك من نصرة الدين . حتى أدى الحال إلى أن الأمير أرسل كتاباً يخطه إلى السيد محمد بن حسن بن خالد . عامل صبياً يشير عليه بأن من يتبع أقوال السيد أحمد بن إدريس من اصحابه يؤمر بالخروج من صبيا . ويسفر إلى البلاد البعيدة . فلم يستحسن ذلك الصنع . بل راجع الأمير هو وبعض علماء الجهة في عدم استحسانه هذا الرأي . أما ناصر الكبيبي هذا فذو دعوة عريضة في العلم . وليس هو في الحقيقة كمستواه ، وإنما هو ذو مكر ونفاق . وقد خدع بمكره ونفاقه من لا يدري الحقائق . ولو أنه جلس بين يدي من يرشده إلى الصواب لرجع عن تخطئة غيره ورميه بكل مكروه فلما نزل الأمير من السراة إلى أبي عريش لجهاد الأتراك الموجودين فيه ، ووصل إلى صبيا أعاد الخوض في هذه المسألة فقام ناصر الكبيبي ؛ وقال للأمير أنا أقوم بمناظرة السيد أحمد بن إدريس ، وأورد عليه المسائل التي نسبها إليه عبد الله بن سرور ، وإلى أصحابه ، وبعد استقرار الأمير بصبيا استدعى يجمع من العلماء من أهل المخلاف الموجودين بصبيا ، فممن حضر من علمائهم وأعيانهم السيد يحيى بن النعمي ، والسيد العلامة على بن محمد بن عقيل الحازمي ، والسيد العلامة عيسى بن على ، والقاضي العلامة عبد الله بن محمد السبيعي ، والقاضي العلامة إسماعيل بن بشير ، والسيد العلامة على بن محمد الشوش . والفاضل السيد حسن بن محمد بن عبده ، والفقيه محمد بن عبده الجاوي ؛ وغيرهم من فقهاء البلد . وكنت ممن دعى إلى حضور ذلك المجلس فحضرت ولما تم اجتماع من ذكروا كافة بحضرة الأمير على طلب إحضاء فقهائه . فحضر ناصر الكبيبي . وعبد الله بن سرور . وعباس بن محمد الرفيدي وقال الأمير : إني لم أجمعكم إلا لما قد علمتم ما نحن عليه من الدعوة الإسلامية وإنا قائمون في تجديد التوحيد . وهدم الشرك وهذه رسالة كتبها عبد الله بن سرور ، فيها حوادث جارية مما ينافي التوحيد . ويقدم في جانب الإسلام وأهله . والمقصود إطلاعكم عليها . فإنا لا نقول ولا نفعل إلا بقول أهل العلم ، فقرأت تلك الرسالة في ذلك المجتمع . وتولى قراءتها الفقيه يحيى كاتب الأمير

    وبعد أن ألقاها تماماً قال الأمير : ما تقولون ؟ فبادر السيد على بالجواب وقال : هذه الأمور لم تكن صادرة من السيد أحمد . فعارضه ناصر الكبيبي قائلاً : لا تقل السيد أحمد ، فإن السيد هو الله . بل قل الشريف أحمد أو أحمد ابن إدريس . فقال له قد قال r لبسطه الحسن " إن ابني هذا سيد " وقال للأنصار لما أقبل سعد بن معاذ " قوموا لسيدكم ، ولفظ السيد إطلاقه في الشرع شائع لا محظور فيه

    فقال الأمير ليس هذا من مقصدنا ، إنما القصد أن تتكلم يا علي . فقال على ابن محمد بن على : أنا عرفت السيد أحمد بن إدريس أيام مهاجرته في مكة سنة 1236هـ . وهو من العلماء الأكابر ، ولا نظير له فيما علمنا بالأقطار الإسلامية ، في معارفة في العلوم الشرعية وعلوم الحقائق ، وليس يوزن بأحد من أهل هذا الزمان إلا رجحه . وقد أقر له بكمال العرفان الجهابذة من علماء الشرع الذين هم القدوة لنا في هذا الزمان . وهم مثل مشايخنا السيد عبد الرحمن بن سليمان . والقاضي عبد الرحمن بن أحمد البلهكي ، صاحب بيت الفقيه ومن في طباقتهم من علماء اليمن والشام ، ومثل عالم صنعاء القاضي محمد بن على الشوكاني الذي عرفه بالمكاتبة . وأطنب في الثناء عليه ، وأرشد الناس إلى الاستكثار من علومه . فقال إنها حديثة عهد بربها . فيما رأيته في خطاب له إلى السيد عبد الرحمن بن سليمان

    وكذا السيد الحافظ عبد الله بن محمد الأمير ، وأخوه المحقق قاسم بن محمد وابن أخيه العلامة يوسف بن إبراهيم . فإذا كان مثل هؤلاء العلماء الذي تسنموا غارب الاجتهاد . وما منهم إلا وله مصنف في علوم الإسلام . وهم رضي الله عنهم أئمة نقاد . طأطأوا رؤسهم له أدباً . وأذعنوا له فماذا يكون مثل ناصر الكبيبي ، وعبد الله اليامي . الذين نسبتهما إليه كنسبة صبيان المكتب إلى الجهابذة من العلماء . فإنكارهما على السيد أحمد منكر ولا ينبغي لك أن تساعدهما على ذلك

    فلما سمع الأمير قوله التفت إلى السيد يحيى بن محسن فقال له ما تقول أ،ت وهؤلاء العلماء . وكل منكم يتكلم بمفرده ، ويبدي رأيه . فهذا دين ما فيه محاباة فقال السيد يحيى : هذا الأستاذ رجل كما وصفه على بن محمد ويزيد على ذلك بأنه في الدرجة مثل السيد الصادق ، والسيد الباقر من أهل البيت ، وأنت قد نشرتم بقدومه إلى بلادكم . والآن بهذا العمل معه تكدرون المشرب فإذا لم تريدوا أن يقيم معكم في البلاد التي تحت حكمكم ، فاطلبوا منه الارتحال عنها ، لأنه قد فارق أشرف البقاع بدون هذا الإزعاج ، وأما فتح باب الاعتراض عليه من أمثالنا ، وأمثال هؤلاء الإخوان الذي تحت خدمتكم وطاعتكم ، فهو أمر لا يليق ، وحيثما توجه هذا السيد الإمام لقي الإكرام وقد سبح في بحر لسنا من الذين يخوضون فيه ، وما هلك من عرف قدر نفسه ، بل يكون ذلك من باب اعتراض من لا يدري على من يدري ، وهذا هو الجهل البسيط

    وقال عبد الله السبيعي وكان في طبعه حدة أنا بحضرتكم الآن وبموافقة هؤلاء الأعلام أناظر لكم ناصر الكبيبي وعبد الله ، وما اسألهما إلا عن بعض مسائل من ظواهر الشرع في باب الطهارة والمواقيت ، فإن أجابا على الصواب عرفت أنهما عالمان ، وحسن إطلاق (لفظ) عالم وفقيه عليهما وإن عجزا عن مناظرتي أيقنت أنهما عاجزان عن مناظرة سيدي أحمد بن إدريس ، حيث إنه البحر الذي لا ينزف

    وقد صوب كل الحاضرين هذا الرأي ، وتكلم كل أحد عن نفسه مستحسناً ما قرره هؤلاء العلماء

    فغضب عبد الله بن سرور وكان فيه طيش ، وقال للأمير إن هؤلاء الناس قبل أن يصلوا إليك ، تواطأوا على هذا الرأي فيما بينهم ، ثم التفت إلى الجماعة وقال لهم أنتم يا علماء تهامة ، ألا تغضبون لهذه المنكرات الصادرة من أصحاب السيد أحمد ، وعندكم عقائد في الصالحين ، تخافون من السيد أحمد ولا تخافون من الله ؟ فقال له بعض الحاضرين من العلماء إن هذا الكلام سفه ، فالغضب لله تعالى يكون عند وجود المنكر ، وفعل السيد معروف ، وأنت قد خلطت المعروف بالمنكر ، وأردت أن نساعدك عليه ، وقد برأنا الله سبحانه وتعالى من أن نرضى مخلوقاً فيما يغضب الخالق ، أو نقر باطلاً ، ولكن رأينا أن افتراء المعائب على مثل هذا السيد الإمام مما تعجل عقوبة المفتري عليه ، وأما قولك إننا نخافه فهو في غير محله ، لأنه لم يكن بيده سيف ولا سنان ، بل إن سلاحه الذي يحارب به المعاندين والمكابرين أدلة السنة وقطعيات القرآن ، وسهام الأدعية التي لا تخطئ مستحقاً وقد جاء في الحديث الصحيح " من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ) وإذا لم يكن العلماء أولياء لله فما في الدنيا ولي . ومن بارز الله تعالى بالمحاربة فقد هلك

    فقال الأمير نحن مالنا في جدالكم وخصامكم شئ ، وإنما نلزمكم في هذه الليلة أن تتوجهوا ومعكم ناصر الكبيبي ، وعبد الله بن سرور وتعقدوا مجلس المنازرة بينهما وبين السيد أحمد بن إدريس بوجودكم ، والحق أكبر من كل أحد ، ولا نقر أحداً في بلادنا على الباطل ، وحبل الدين متين ، فتفرقوا على هذا الاتفاق من عقدة مجلس المناظرة ،








    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    الفصل الثاني : انعقد المجلس

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 2:44 am

    ولما جاء وقت الاجتماع عين الأمي رطائفة من خواصه من عسير ، ليحضروا وقت المناظرة ، فأقبلوا وهم يحفون بالفقيه ناصر الكبيبي ، والفقيه عبد الله . ولما وصلوا إلى مكان السيد أحمد بن إدريس وجدوه جالساً على سرير وبين يديه من ذكر من علماء تهامة ، وتلاميذه كافة فعند وصولهم صافحوه وحفوا بسريره من كل جانب وجلس ناصر في صدر السرير وبالجانب الشرقي محمد بن حسن بن خالد والسيد علوان بن محمد ، وكثير من سادات المخلاف ، وكبار بني شعبة وبالجانب الغربي عامة الناس ، فلما غص المجلس بالحاضرين ، تنحنح ناصر الكبيبي . وابتدأ بخطبة في الوعظ على عادة النجديين (الوهابيين) وثنى بشرح دعوة النجدي . وكان استهلال كلامه إن الناس كانوا في جاهلية يعبدون الأصنام ، ويستحلون المحرمات فتجرد للدعوة محمد بن عبد الوهاب

    فقال السيد أحمد صواب هذا الكلام : فبعث الله رسوله محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام لأنه هو الذي أنقذ الناس من الجهالة . وتحمل أعباء الرسالة ، وشرع شرائع الإسلام ، فقال الكبيبي ، : محمد بن عبد الوهاب مجدد الإسلام . فقال السيد أحمد إنا لا ننكر فضله ، وله مقصده الصالح فيما صنع وقد أزال بدعا وحوادث ، ولكن شاب تلك الدعوة بالغلو ، وكفر من يعتقد في غير الله تعالى من أهل الإسلام واستباح دماءهم وأموالهم بلا حجة فقال الكبيبي ، ما فعل إلا ما هو الصواب ، فقال السيد أحمد هو عالم من العلماء والعصمة مرتفعة عن غير الأنبياء ، وهو يخطئ ويصيب ، فإن أصاب فله أجرام ، وإن أخطأ فله أجر ، وهو معفو عنه في خطئه ، ولكن لا يحل لكم أن تقلدوه فيما أخطأ فيه ، لأن ذلك مبلغ علمه ، وما وفق له ، ولم يكلفه الله إلا بذلك ، وأنتم مع هذا بمعزل عن أخذ دليله ، ومعرفة سبيله . فقال الكبيبي الشرك الأكبر قد عم الأقطار كلها . والناس كلهم قد رأوه . وضعف الإسلام في المشرق والمغرب . واليمن والشام . ولولا أن الشيخ محمدا جدد الإسلام . لكان الناس قد غرقوا في ظلمة الكفر . فقال السيد أحمد معاذ الله تعالى . ما كان هذا مذهب الشيخ محمد . أنا تعرفت في مكة بأولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب عبد الله وحسين وسليمان . وكذلك تعرفت بمسعود بن عبد العزيز فرأيته رجلاً عالماً . ومن ذكرتهم لك علماء يعرفون الحجة ويلتزمون اللوازم عند واضح المحجة . ولم يكن اعتقادهم ما أنت عليه . وهم بريئون مما تنسبه إليهم . وإنما أنت نشأت في بلدة أهلها عوام . وما عرفت من يرشدك إلى الصواب . بل حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء . وهذه الأمة المحمدية . الحكم عليها كلها في جميع الأقطار الإسلامية بالشرك الأكبر والضلال العام . يرده صريح الأدلة ، وقد أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أن أمته نصف أهل الجنة . هذا مع ترادف القرون من لدن آدم صلوات الله عليه . إلى بعثة نبينا r في ألوف من السنين ، وهم أمم متكاثرة ، لا يعلمهم إلا رب العالمين ، ومع هذا فهم نصف ، وهذه الأمة المحمدية نصف ، فزن كلامك بميزان الشرع ، لتعرف الخطأ من الصواب ، فقال ناصر هذه المشاهدة والقباب الموضوعة في اليمن ، ليست إلا الاعتقاد في أهلها ، فقال السيد أحمد لاشك أنه وقع من كثير من العامة ، ومن هو قريب منهم من الخاصة شئ من العقائد المفضية إلى الشرك ، وتنوسي الشرع المحمدي بسبب إهمال الملوك لذلك ، وعدم استماعهم لإرشاد أهل العلم ، والدنيا مؤثرة في كل زمان ومكان ، وأما خواص الأمة ، ففيهم طائفة من العلماء وغيرهم ، لا يزالون ما بقيت الدنيا قائمين على الحق ، يحفظ الله بهم الشرع ، فهم منزهون عن الشرك ولا يخلوا قطر من الأقطار منهم ، فلا يصح لكم الحكم بالشرك على الأمة جميعها بسبب من جهل من عوامهم ، ومن لم يتقيد بالشرع من خواصهم ، ومن كفر مسلماً فقد كفر بنص الأحاديث ، وأما القباب والمشاهد ، فهي بدعة منافية للشرع المحمدي ، لم يحدثها على القبور سوى جهالة الملوك ومياسير العوام من غير مشاورة العلماء ، والباطل لا قيد له . فوجم ناصر ، وأحصر عن الجواب ، ثم قال يا أحمد إنك لا تعرف الفرق بين الدينين . فقال السيد أحمد لا إله إلا الله هي الفرق بين الدينين ، ويا سبحان الله المثلى يقال هذا المقال ؟ وإنما أنت رجل محمول على السلامة ، لكونك ساكناً في البادية ، وفي الحديث (من سكن البادية فقد جفا) وقد خاطب جفاة الأعراب سيد الخليقة صلى الله عليه وسلم بما كدر خاطره فصبر ، ولنا به أسوة حسنة ثم قال ناصر ، أنت تعتقد نحلة بن العربي ، وهو يقول بوحدة الوجود ويصوب فعل إبليس ، لما ترك السجود لآدم ، وقد جعل العلماء سؤالاً في ذلك وأجاب علماء الإسلام من أهل عصر هو غيرهم بكفره ، وكفر من يعتقد مذهبه ، فقال السيد هذا ابن عربي توفي في سنة 726هـ وبينك وبين زمانه فوق الخمسمائة من السنين ، فهل شافهك بهذه المقالة ، حتى تهتك ما حرم الله عليك من رمي مسلم بالكفر ، ونحن من إسلامه على يقين ؛ فلا ننتقل عنه إلا بمثله فلا تتقول عليه ، فقال ناصر ، هذا الاعتقاد مذكور في كتبه صريحاً – فقال السيد وما يدريك أنه قائله ، لاحتمال أنه مدسوس عليه من البعض ، فاحكم على هذا الكلام إن ضاقت عليك وجوه التأويل أنه كفر ، ولا تحكم على ابن عربي أنه كافر ، لأنه لا يصح لك بأي طريق الجزم بكفره ، ولو عرفت الحقيقة ما خضت في هذا المجال الذي يضيق عنه بكل حال ، ولست من رجال هذه الطائفة ، وأهل كل فن يسلم لهم في فنهم ، وأضرب لك مثلاً يليق بالمقام ؛ رجل دخل السوق وعرف مخازنه ، وما اشتمل عليه من أنواع الفواكه والمعاطر وغيرها ، ورجل لم يدخل ذلك السوق ، فضمهما مجلس ، فاندفع داخل السوق يحدث الناس بما شاهده فيه ، ويصف الذي رآه عياناً ، وذلك الذي لم يدخله يعترض عليه فيما شاهده ، فهل هذا شأن عاقل بل يحكم عليه العقلاء بالجهل والسفه ، لأنه اعتراض بما لا حقيقة له به ، وفي مثل هذا أنشد بعضهم شعراً

    فإذا كنت في المدرك غرا ثم أبصرت حاذقا لا تمارى

    وإذا لم تر الهلال فلم لا ناس رواه بالأبصار

    فقال الكبيبي ، وأنت يا أحمد ، الناس يقبلون يديك ورجليك ، ويضخع لك أصحابك خضوعاً لا يليق إلا لله جل وعلا ، وهذا عين الشرك فالتذلل نوع من العبادة ، والعبادة لا تجوز لمخلوق

    فقال السيد أحمد إن كنت متعبداً بالشرع المحمدي فاسمع ما أقول لك ، قد صح في الحديث أن وفد عبد القيس لما وفد على النبي صلى الله عليه وسلم ، قبول يديه ورجليه ، وقد جمع بعض المحدثين جزءاً في جواز تقبيل اليدين والرجلين . وأوراد أحاديث جمة قاضية بجواز تقبيل أيدي أهل البيت وأيدي غيرهم من العلماء ، وأما قولك إن مثل هذا الفعل عبادة . فلو عرفت معنى العبادة ما قلت هذه المقالة ، العبادة في طريق . والتعظيم والأدب في طريق . فتعظيم العلماء واجب ، قال الله تعالى (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) وقال صلى الله عليه وسلم (ليس منا من لم يعرف لعالمنا حقه) ومن حقوق العالم التأدب معه بتقبيل يديه ، ومعرفة فضله ، ومن عظم عالماً فقد عظم الله ورسوله r ، لأن العالم حامل للشرع الشريف ، فالتعظيم في الحقيقة تعظيم لما هو حامله ذلك العالم ، وقد ثبت حديث (العلماء ورثة الأنبياء) وإذا كانوا ورثة الأنبياء كان للوارث ما للموروث من التعظيم كما أن ما عليه من تبليغ الشرع عليه على أن في الحديث المذكور (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم) الخ ، فإذا كانت الملائكة الذين هم خواص الله من خلقه تفرش أجنحتها لطالب العلم ، فما قولك في غيرهم ، ممن لا يداني شيئاً من علو شأنهم ، وجاء في الحديث القدسي أن النبي r قال حاكياً عن الله تعالى (من أراد أن يكرمني فليكرم أحبائي ، قيل يا رب من أحباؤك ؟ فقال العلماء) واعلم أن سادات الناس ثلاثة ، والملائكة والأنبياء والسلاطين وكلهم عظموا العلماء ، فقد عظم الملائكة آدم عليه السلام ، وسيدنا موسى عظم الخضر ، وعظم عزيز مصر سيدنا يوسف ، ومن عظم ما عظم فهو مؤمن ، ومن استهان بذلك فهو خارج عن دائرة الإيمان ، والأعمال بالنيات فمن قصد بذلك التعظيم امتثال أمر الله تعالى ورسوله r ، فقد فاز بالحسنى ، ومن أراد معتقداً فاسداً وظهر لنا حاله ؛ وجب إرشاده إلى الصواب ، ولا نقره على معتقده الفاسد ، وأما الترفع عن تعظيم ما يستحقه العلماء ، فهو من أخلاق المتكبرين الذين قال الله فيهم (فلبئس مثوى المتكبرين) أي جهنم . فقال ناصر أما نحن فعندنا مثل هذا شرك ، فقال السيد سبحان الله ، أورد لك الأدلة ، كتاباً وسنة ، وتقول هذا شرك ، إن هذا من الضلال البعيد

    فاستشاط ناصر من الغيظ ، وقال : أن الشرك تحت هذه العمة يعني عمامة السيد

    فتبسم السيد وقال أن الشرك الذي هو في اعتقادك لا يضرنا نسبته إلينا ، وأما باعتبار ما عند الله تعالى فنحن على قدم راسخ في التويح ، وأنتم بارك الله فيكم عرفتم هذه النسخ التي تسمونها الأصول والقواعد ، وظننتم أن علم الكتاب والسنة هو ما اشتملت عليه تلك المختصرات وهذا من الجهل المركب ، وقد تولى الله تعالى حفظ دينه وشرعه الذي أرسل به رسوله r ، وهيأ له علماً دونوه في الدفاتر ، وصار الشرع المحمدي بعناية أهل العلم محروساً من الزيادة والنقصان ، ولو اطلعتم على ما اطلع عليه غيركم من العلم الواسع ، لظهرت لكم الحقائق ، ومشيتم على أوضح الطريق ، ولكن ضيقتم على أنفسكم فضاقت عليكم المسالك ، وقصرتم دين الإسلام على ما عرفتم . وزعمتم أنكم ناجون وغيركم هالك وهذا من ضيق العطن . وتحجير الواسع . فالله يهدينا وإياكم . ثم قال ناصر وأنت يا أحمد تفسر القرآن بغير ما دلت عليه اللغة العربية ، وقد قال تعالى (إنا أنزلناه قرآنا عربياً) وهذا تحريف لكتاب الله تعالى ، فقال السيد حاش لله أن نفسر القرآن بغير مدلوله الظاهر منه ، وهذه تفاسيرنا للآيات معروفة ، وتحمل النصوص على ظواهرها من اللغة العربية ، ونرى أن العناية بالتفسير الظاهر لابد منه ، ولا مطمع في الوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر ، ومن ادعى فهم أسرار القرآن ، ولم يحكم التفسير الظاهر ، فهو كمن ادعى بلوغ صدر البيت قبل أن يتجاوز الباب ، ونحن بحمد الله ممن أحكم التفسير الظاهر ، ولا ننكر أن في طي الآيات القرآنية إشارات خفية ، إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك ، يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة ومعرفة ذلك من كمال العرفان ، ومحض الإيمان ، وعلى ذلك دل ما جاء في الحديث (إن لكل آية ظهراً وبطناً ، ولكل حرف حدا ، ولكل حد مطلعاً) قال أبو أبو الدرداء رضي الله عنه : لا يفقه الرجل كل الفقه ، حتى يجعل للقرآن وجوها ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : لا يفقه الرجل كل الفقه ، حتى يجعل للقرآن وجوها ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : من أراد علم الأولين والآخرين فليثر القرآن ، وقال باب مدينة علم المصطفى على بن أبي طالب كرم الله وجهه (لو شئت أن أوقر سبعين بعيراً من أم القرآن لفعلت) وهذا لا يحصل بمجرد الجمود على ظاهر تفسير الآيات وليس فيما نقول من تفسير الآية إحالة الظاهر عن ظاهره ، ولكن ظاهر الآية مفهومه منه ما جاءت الآية له . ودلت عليه في عرف اللسان العربي ، وثم إفهام باطنة يفهمها من الآيات القرآنية من فتح الله تعالى قلبه ، ومن اتقى الله علمه ما لم يعلم

    فسكت الكبيبي ، ولم يهتد لجواب . ثم قال يا أحمد أنت تميت صلاة العصر بتأخيرها عن وقتها وهذا لا يصح

    فقال السيد أحمد ، هذا لا نتعمده ، ولا نقصده حتى يكون من إماتة الصلاة ، ولا ندخل في الصلاة إلا في وقتها المضروب لها ، لكن يقع التطويل فيها ، كما كان عليه رسول الله r ، من أنه كان يذهب الذاهب إلى قباء ، وهي على نحو ميلين من المدينة ، ويلحقه اللاحق وهو في أول ركعة من صلاة الظهر والعصر على النصف من ذلك وقد صلى أبو بكر رضي الله عنه صلاة الفجر بسورة البقرة ، ولما سلم من الصلاة قال له بعض الصحابة كادت الشمس أن تشرق فقال لو أشرقت لم تجدنا غافلين ونحن لو غربت علينا الشمس لم تجدنا غافلين ولم نشتغل عن الصلاة بمال ولا بينين من أمور الدنيا بل هذا شأننا ومن لم يعرف هدى المصطفى r في الصلاة يعترض لمثل هذا فقال . الكبيبي قد قال النبي r من أم بالناس فليخفف فقال السيد هذا من وضع الدليل في غير محله لأن من قال هذا كان يصلي المغرب بالأعراف وهي مائتان وست آيات والأحاديث لا تناقض فيها والتخفيف أمر نسبي يختلف باختلاف حال المصلين والمؤتمين ولكل حال مقام وكان المصطفى r يدخل في الصلاة والمؤتمين ولكل حال مقام وكان المصطفى r يدخل في الصلاة وهو يريد التطويل فيسمع بكاء الصبي فيقصرها لئلا تفتن أمه وأصحابنا كلهم عز أب على قدم التجرد ولا شغل لهم غير التفرغ للعبادة فنحن نطيل بهم الصلاة وهم لا يرضون منا بغير ذلك ولا مشقة عليهم في هذا العمل لأن الصلاة راحة كل مؤمن كما قال سيد المؤمنين وإمامهم r أرحنا بها يا بلال أي بالصلاة وقد قال الله تعالى (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) فهي لا تكبر عليهم وليس بمعنى أنها صغيرة في صدورهم ولا يستثقلونها فهم لا يرونها إلا راحتهم العظمى لأنها مناجاة بين العبد وربه تعالى وقد جاء في صفة المنافق الأدبار عنها وينقرها نقر الديك ثم قال الكبيبي ويقع منكم التأخير لصلاة المغرب إلى قرب العشاء وهذا بدعة وفي الاشتغال بالركعتين قبل المغرب وتطويلهما مخالفة للسنة فقال السيد نحن نطيلهما عملاً بالسنة فقد كان r يقرأ فيهما بالطور ويقرأ فيهما بكثير من طوال السور كما هو معروف في محله وما علينا لو دخل علينا العشاء فإنا في طاعة وأما الركعتان قبل المغرب فهما سنة هجرها الناس اجتمع فيها أنواع السنن الثلاث ، من فعله وقوله وتقريره r ، فنحن نراهما من السنن ، لا نتركهما ، ومجرد ترك الناس لهما لا يلزمنا الترك ، لأنا لم نقل إنهما واجبتان ليكون الإخلال بهما معصية ، بل هما سنة ، فالإنكار متجه على المنكر لسنتيهما ، لا على من فعلها فأعرف ما تقول فسكت الكبيبي فقال له عبد الله بن سرور . أنسيت ما عليه أصحابه وكانت بيده نسخة ، فقال نعم يا أحمد ؛ أصحابك يقترفون المنكرات وأخذ يعددها وكان السيد مسنداً ظهره على الكرسي الذي هو جالس عليه فقعد في بحبوحته ، وقال اسمع يا أيها الرجل ، وخذ مني جواب هذه الأمور مجملاً ومفصلاً ، تنتفع به في هذه الموارد ، وتستضئ به لأنك للمعارف العلمية فاقد . فقال ناصر ، هات ، فقال السيد أخبرني أصحابي خير أم أصحاب رسول r ، وهم خير القرون ، فقال السيد ، هل قرأت القرآن ، فقال قرأته فقال هل مر بك قوله تعالى (الزانية والزاني . والسارق والسارقة ومن يعصي الله ورسوله . ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق – ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) قال نعم فقال السيد ، هذه أمهات الكبائر من المآثم ، هل نزلت عن أسباب أم مجردة عن ذلك ، فقال ناصر عن أسباب ، فقال السيد العصمة مرتفعة عن غير الأنبياء عليهم السلام ، وكل بني آدم خطاءون ، كما ورد في الحديث . فعلى فرض صحة ما تدعيه لا يلزمنا التجسس بل نقول كما قال معلم الشريعة من أتى شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله ، ومن أدى لنا صفحته أقمنا عليه حد الله تعالى ، وقد جاء رجل إلى ابن مسعود رضي الله عنه ، وقال له ههنا شربة الخمر مغلقين على أنفسهم الباب ، فقال له ، يا هذا نهينا عن التجسس ، ثم إن التكلم بهذا ونسخه في رسالة ، وعده من المعائب علينا ، إثمه عليكم أكبر ، لأن التكلم به معصية ، وفي هذا الكلام ما هو قذف ، وقد علمت أن الله تعالى يقول (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإن لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون) فمن روي شيئاً مما رقم في هذه النسخة ، بغير تمام النصاب الشرعي نقول له أنت كاذب كما قال الله تعالى ، وإن كان صادقاً فيما قال ، لأن صدقه وحده في هذا كذب عند الله ، فالقائل منكم أو من غيركم لهذا من غير إقامة نصاب الشهادة كاذب بنص الكتاب العزيز – وأما الجواب التفصيلي فاصغ له بقلب حاضر ، أعلم أن الله تبارك وتعالى له الخلق والأمر ، خلق عباده ليعبدوه ، وقدر مقادير عنده في لوح محفوظ ، قبل أن يخلق الخلق بألفي عام وعلم مآل عبده ، مؤمنهم وكافرهم وطائعهم وعاصيهم وسعيدهم وشقيهم واتصفت بصفات عليه الرحمن الرحيم . الغفور . الغفار . الستار . العفو الجبار المنتقم . وغير ذلك من اسمائه الحسنى الجمالية والجلالية ، وخلق مع ذلك دارين داراً لمن أطاعه وداراً لمن عصاه ، فوجود العاصي والمعاصي في الأرض محقق وثابت وقوعه أزلا كما قالت الملائكة عند خلق أبي البشر (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون) فقطع الحق جل جلاله بهذا الجواب لسان الاعتراض ؛ فمحال أن لا توجد معصية من المكلفين فمن لم يعصمه الله تعالى من تكليف مالا يطاق ، لأنه لو عدم العصاة من الأرض ما تبين فضل الطائعين ، ولولا طرق الأسقام ، ما عرف فضل العافية ، ولولا مس الجوع والظمأ ما عرف فضل الشبع والري ولولا وقوع الخوف ما عرف فضل الأمن . وعلى هذا التعداد وبضدها تتميز الأشياء ، ومع ذلك لو كان الناس كلهم مطيعين لله تعالى ، لا يوحد منهم عاص ، لتعطلت أكثر أسمائه الحسنى من المغفرة والرحمة والستر ، فأنها مظاهر آثار الذنوب ، ولكان خلق النار عبثاً : فقد اقتضت الحكمة الربانية وقوع المعاصي من المكلفين لا محالة ، لأنهم لا يستطيعون أن يقدروا الله حق قدره ، وليس في قدره المخلوق هداية الخلق أجمعين ، فقد قال الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) هذا سر القدر الكوني الذي من اطلع عليه من أفضل العلماء وأكابر الأولياء استراح وهو لا ينافي ما كلفنا به شرعاً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل يلزم كل مسلم الإرشاد ، لما أوجب الله تعالى على عباده ، والغضب في مخالفة أمره ونهيه ، والهداية بيد خالقها

    وقد علم المهتدي من الضال . ثم تكلم السيد هنا بكلام على طريق الأرشاديلين له الجماد ويهتز له من كان حاضر اللب والفؤاد بما يضيق عنه قلم التعبير ، وربما كان إيراده فتنة لمن لا يعرف الغوص في ذلك البحر الغزير

    مالي وللبحر وأهواله أسترزق الله من الساحل








    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    الفصل الثالث : السيد يرد

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 2:46 am

    ثم قال السيد . ولا يحسن منكم عد ذنوب غيرنا قدحاً فينا ، وتجعلونه من المعائب علينا ، وكل نفس بما كسبت رهينة ، ولو اطلعنا على شئ مما تنسبونه إلى أصحابنا لما سكتنا عنهم ، ولنقمنا عليهم غضباً لله تعالى ، وأرشدناهم إلى التوبة ، ولكن ما علمنا ذلك ، ولا نخوض فيه ولا يلزمنا الجواب عن هذه الأمور ، والكاملون نظرهم إلى محاسب الأعمال ، والناقصون نظرهم مقصور على معائب الرجال . فأطرق الكبيبي عند ذلك وغرق في بحر لا يحسن السبح فيه ، ولم يبلغ فهمه إلى تلقي هذه المعارف ، فحظه منه السماع لا الفهم لتلك اللطائف ، وقال بقيت مسألة واحدة ؛ أنت وأصحابك تقولون إن علوم الشرع هذه رسوم ، وقشر لا لباب فيه ، فقال السيد هذا أول مجلس ضمنا وإياك ، فهل سمعت ذلك مني أو روي لك به ذو ثقة عني ، ومع هذا لا يصح لك الحكم بما لم تسمع مني فقال ناصر يقول الناس فقال السيد إن الشيطان يلقى على من لم يتقيد بالقيود الشرعية ليرمي الناس بما هم منه بريئون منه بهذه الكلمة يقول الناس يقول الناس فقال الكبيبي يا أحمد أصحابك يصرحون بهذا . فقال السيد لا نكثر الهمهمة ، قطع الكلام ، إن العلم عندنا ، قال الله وقال رسوله ، وما هما غير الكتاب والسنة من لا يعرفها ، إن القرآن نزل بلغة العرب وما كان من علوم الفروع فهو مستنبط منها ولا حق بها وحاصل الكلام أن ما دل عليه صريح الكتاب والسنة بطريق الدلالات المعتبرة في الشرع من حكم أصلي أو فرعي ، وجب العمل به وإرشاد الناس إليه ، وما خالف الكتاب والسنة من أي عمل كما هو المشاهد من كتب الرأي المحض ، وما عليه الفلاسفة من تحكيم عقولهم ؛ ومن دان بدينهم بما لا يطابقه عقل ولا يوافقه شرع فهو من الرسوم التي لا يحل لمؤمن أن يدين الله بها والعصبية ، في اتباع المذاهب ، وتحزب أهلها أحزاباً وتضليل بعضهم بعضاً ، حتى صاروا كأنهم ملل مختلفة ، كما يعرف ذلك من عرف أيام الناس ، واطلع على مؤلفاتهم ، فهذا لا نرضاه وننهي كل مسلم عنه لأنهم أمة واحدة ، خير أمة ، ونبيهم واحد ، وكتابهم واحد ، وقبلتهم واحدة ، فأنى يكون التفرق والتعصب ، ولم نزل ننهي الناس عن ذلك في بلاد الحرمين وغيرهما ، والحمد لله ما من حاثة تقع في الدنيا إلا ولها منزع من كتاب الله تعالى (أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) والسنة هي شرح القرآن عرف ذلك من عرف ، وجهل من جهل ولا يستطيع أحد أن يرد علينا صحة هذا القول ، ولكن أكثر الناس قد آثروا الخلق على الحق ، وظهر آثار ذلك في الكون باختلاف الأحوال ، ووقع التعادي بينهم (وما ربك بغافل عما يعملون) ولكنه يمهل ولا يهمل ، فسكنت شقاشق الكبيبي ، ولم يدر ما يقول ، وقال دنت الشمس للغروب ، وبقي في النفس أشياء – فقال له السد الطيب ابن أخي سيدي أحمد بن إدريس إن غربت أتينا بالفوانيس والسرج ، وتمم اعتراضاتك ، فلم يصغ لذلك وقام من المجلس فأنشد بعض الحاضرين

    وابن اللبون إذا مالز في القرن لم يستطع صولة البزل القناعيس

    وتفرق الجميع ، وقد أذن المؤذن لصلاة المغرب ، فتقدم السيد رضي الله عنه وصلى بالناس ، وبعد انقضاء الصلاة دخل بيته ، واستدعى بالسيد على ابن محمد والسيد موسى بن حسن والشيخ عبد الله والسيد الطيب وأنا معهم ولما جلسنا بين يديه ، قال لنا ظهور الجهل من أشراط الساعة ، انظروا ما وقع من هذه الأمور التي ما كنت أحبها ، والتي لم يوجبها إلا جهلهم وضعفهم ، وهم مساكين قد جمدوا على ظواهر من الشرع ، وعرفوا جزئيات من العلم وضالوا من خالفهم بها ، وليتهم إذا لم يعلموا وعلموا فهموا ، وإذا ضلوا وأرشدوا قبلوا ، ولكنهم مجبولون على المكابرة والعناد ، وذلك شأن الجاهلين وقد ذكر الحكايات التي جرت له من المناظرة بينه وبين علماء المغرب عند خروجه من بلده من مدينة فاس ، بجامع القرويين ، وأيام إقامته بمكة ، وشكر نعمة الله عليه ، إذ ما من معترض أو مجادل إلا فلقه بالحق الواضح ، وأسكته بالحجة ، وفي صباح اليوم التالي وصلنا إلى جنابه على جاري عادتنا ، وبعد شروق الشمس وجلوسنا للدرس ، لم نشعر إلا والأمير على ابن مجثل وثلة من حاشيته قد وصول المقابلة السيد ، وعند وصولهم صافحوه ، فاستدعى بسرير للأمير على بن مجثل ، فجئ به ، واجلس عليه ، فابتدأ يلاطف سيدي أحمد بالكلام الطيب ، والسيد يسرد له الأحاديث التي فيها القوارع والزواجر ويملي عليه أنواع الوعظ للترغيب تارة والترهيب أخرى ، ويخوفه بخطر المقام الذي هو فيه ، إن لم يحصل منه السير على المنهج النبوي ، والتحكيم للشرع الشريف في الأقوال والأفعال ، واتباع سنة الخلفاء الراشدين حالاً ومقالاً ، فقام كاتب الأمير المسمى على بن يحيى وكلم سيدي أحمد سراً بأ، الأمير يريد أن يختلي معه ببيته خاصة ، ويكلمه فقام السيد ، واستدعى الأمير ، وقد دخلنا ضمن من دخلوا ثم اندفع الأمير يعتذر مما حصل من توابعه وفقهائه ، ومن سوء أدبه مع جناب السيد ، وإنما كان قصده غير هذا وهو لم يرض بذلك وإنما هم غلبوه على رأيه ، ولم يستطيع مخالفتهم ، لأنه ولا هم إلا حكام ، فقال السيد أنت في هذا المقام لا ينبغي لك أن تطاوع من لا يعرف من العلم إلا اسمه والتجرأ على العلماء ، وقد جاء في الحديث ما من خليفة أو أمير إلا له بطانتان ، بطانة تأمره بالخير وتحثه عليه ، فعلامة بطانة الخير أن ينقل إلى أميره محاسن الناس ويتقرب إليه بما ينفعه عند الله ، وعلامة بطانة الشر أن ينقل إلى أميره معائب الناس ، ويتتبع عورات المسلمين ، ومن الواجب على مثلك أن يسند أموره إلى عالم قد أخذ العلم عن أهله ، وتربى بين يدي المشايخ ، وشهد له العلماء بالسبق في المعارف ، وهم موجودون بحمد الله تعالى . وفي الحاضرين بمجلسنا من هو بهذه الصفة ، ولو سألت لعثرت على المطلوب فمنهم أخونا فلان ، وأخونا فلان ؛ وعدد جماعة ، وأما هؤلاء (المطاوعة) فهم يخبطون خبط عشوء ، ولا يحل لك أن تقلدهم الأمور الشرعية فإنهم يوردون الفتاوى والأحكام ، عن غير خطام ، ولا زمام ، فسكت الأمير ، وقال نحن يا سيدي أحمد على عزم لجهاد هذه الطائفة من الترك في أبي عريش ، فقال له السيد ، أن أبا عريش فيه طائفة من أهل البيت النبوي ، ابوهم رسول الله r الذي تدعو الناس إلى القيام بشرعه ، وفيهم العلماء ورثة الأنبياء ، وأناس فضلاء ، ومالا يحصون من المتصفين بالإسلام حقاً ، وهؤلاء الذين معهم من الترك إنما هم بعض عساكر والبلاد أمرها لصاحب مصر ، فكيف تقاتلهم على هذا الوجه ، والله سبحانه وتعالى قد منه خير خلقه عليه الصلاة والسلام ، من دخول مكة ، عام الحديبية ، ومن أن يطوف بالبيت الحرام ، نظراً لمن فيها من المؤمنين قال الله تعالى (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليما) فانظر كيف منع الله رسوله r من دخول مكة ، وأهلها كفار لأجل من فيها من المؤمنين خشبة أن تصيبهم المعرة ؛ أي المشقة ، فكيف لا يراعي الكثير ممن بهذه الصفة والإيمان والمطلوبون لكم ، هم قلة يسيرة ، فقال الأمير لابد أن نشعرهم فمن خرج من بينهم سالمناه ، ومن تأخر معهم قاتلناه وقام الأمير من المجلس فهذا حاصل ما وقع كتبناه ثم قرأناه على سيدي أحمد رضي الله عنه وحيث طلبتم نقله نقلناه لكم وذكرنا لكم الأسباب التي أوجبت هذه المناظرة وتفضلوا فأعرضوه على حضرة والدكم شيخنا وكافة أهل الحضرة ؛ والسلام عليكم ورحمة الله

    كتبه الفقير لمولاه حسن بن أحمد بن عبد الله بن عاكش في جمادى الثانية سنة 1245هـ

    وبعد كتابة ما تقدم من المناظرة ، عثرنا على أجوبة لم يوجد أصول أسئلتها ، إلا أننا رأينا الحاقها بالمناظرة ، لشدة ما بينهما من الارتباط ، بحيث تصح أن تكون إيضاحاً لبعض نقط منها وذلك إتماماً للفائدة

    قال الأستاذ الشريف سيدي أحمد ابن إدريس ذو المقام النفيس (أما بعد) نقول لكم إن بعض أصحابنا يقول إنه يرى النبي r ، فهذه دعوى

    والدعاوى مالم تقيموا عليها بينات اصحابها أدعياء

    وفي الحديث لو يعطي الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر ، فإن اثبتم عليه ذلك ، فحينئذ يرد ذلك إلى الله ورسوله ، إن وجد قبل ، وإن لم يوجد ترك ، ولا نقدر مفروضاً ونتكلم عليه وقد كان عمر رضي الله عنه ، إذا سئل عن شئ لم يقع يقول دعوه حتى يقع وكان عمر إذا سئل عن مسألة ، يقول أوقعت ؟ فإن قيل له نعم جمع الصحابة رضي الله عنه فتكلموا فيها إن لم يعلم فيها شيئاً من كتاب أو سنة ، وإن قيل لم تقع ، يقول دعوها حتى تقع . ينزلها الله بمن شاء يعني فإن أنزلها لهم . فتح عليهم فهم حكمها من الكتاب والسنة . وكان يقول لعن الله من يسأل عمالهم يقع فلنا بهم أسوة . وأما قولكم يحصل منهم التمايل والرقص . فلا نعلم أن أحداً يتمايل تمايل السكران ويرقص . فإن في حضرة الحق الذكرية شغلاً عن اللعب فإن المؤمن يستحي من ربه أن يراه على حال غير مرضي عنده ، ونحن لا نقول به . بل حين بلغنا عنكم سابقاً ما بلغ قلنا لهم أتركوا الاهتزاز في الذكر مع أنا لا نعلم فيها نهياً عن الله ورسوله موافقة لخواطركم لكونكم ترون تركه سد ذريعة . وأما قولكم يعظمون المخلوق بغير ما شرع التعظيم له به فإن كنتم تريدون بذلك التقبيل فهو مشروع . وقد ذكرنا لكم أدلته فاعترفهم بها أمس وقبل هذا قد بينا لكم منها ما يسر الله فقبلتم الحق فهو سنة متبعة لا ينكرها إلا من لا يدري أدلتها إذا دري وعلم وجب عليه القبول

    وإن كمنتم تريدون غير ذلك فلا وجود لشئ من ذلك عندنا حتى ننهي عنه والخضوع الذي هو مقصود للتعظيم ظاهر . ومن أهوى ليأخذ حاجته أو يصافح أخاه أو يساره فظاهر ولا يتمكن القائم مما ذكر مع القاعد إلا بالهوى وقد أهوى النبي r على عثمان بن مظعون وهو ميت مسجي فقبله وقال له رحمك الله يا عثمان ما نلت منها ولا نالت منك ، ولا خصوصية في ذلك ، وقد أهرى عمر ليقبل رجل أبي عبيدة ، وأهوى مسلم ليقبل رجل البخاري ، فما فعلوا ذلك إلا ليروا الناس أن هذا ليس منهياً عنه ، وأما الذكر جهراً فوارد فيه أحاديث صحيحة ، والنهي عنه يحتاج إلى دليل . فإن الله يقول (وما نهاكم عنه فانتهوا) وفي الأحاديث من قال (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شئ قدير) في السوق بأعلى صوته ، كتب (له ألف ألف حسنة ومحى عنه ألف ألف سيئة ، ورفع له ألف ألف درجة )، ومنها ما كان على عهد النبي r ، حتى قالت الصحابة ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله r إلا بالتكبير ، أي برفع الصحابة أصواتهم بالتكبير ، حين يخرجون من المسجد حتى تبلغ أصواتهم إلى أقصى المدينة ، ومنها أنهم كانوا يقولون عن أمر رسول الله r

    اللهم لولا أنت وفي رواية

    والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا

    فأنزل سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا

    ويقول ذلك r ، والصحابة (بأعلى أصواتهم يقول هؤلاء ويجيب عليهم هؤلاء ، وغير ذلك ، ولم يقل لهم الرسول r " لا تذكروا الله جهراً إلا في هذه المواضع " والنهي عن ذكر الله تعالى من أبدع البدع ، فلا نقول به ، ولا نرتضي لمسلم أن يلقى الله وهو يصد الناس عن ذكر الله ، ولو لم تكن استدامة الجهر . فإن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رأى رجلاً يصلي يوم عيد بالمصلى فقال له ما كنا نفعله على عهد رسول الله r ، قيل له لو نهيته قال قد أخبرته وما أحب أن أنهي عبداً إذا صلى ، فكيف وقد ورد الترغيب في الجهر في الصحيح ، فمن معاذ رضي الله عنه قال قال رسول الله r قال الله عز وجل لا يذكرني العبد في نفسه إلا ذكرته في ملأ من ملائكتي ولا يذكرني في ملأ إلا ذكرته في الرفيق الأعلى ، وهذا هو الجهر فليس قوله في ملأ هو السر وإلا فلا فائدة في قوله في نفسه ، وأما القول بأن رسول الله r لا يعلم الغيب ، فهو تذكيب للقرآن . وقد ذكرتم أول الآية وهو قوله تعالى (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا) وجوابكم هو الذي تركتموه (إلا من ارتضى من رسول) فالرسول ليس من نفسه علم بل ما أظهره الله عليه اطلع عليه ، وأين أنتم من قوله (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حدياً فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير) وأي غيب أعظم من هذا . وأي غيب أغيب من هذا ، ويلزم من هذا ففي جميع الشرع ، فإنه كله غيب جاءنا به رسول الله r ، وهذه المسألة هائلة ، لا ينبغي لمؤمن أن يلج فيها ، فإنظروا ماذا تقر لو ، فإن كنتم تريدون أنه لا يعلم شيئاً غائباً ، ولا يعلمه الله به أصلاً ، فارجعوا عن ذلك ، فإنه إذا علمه الله علم ، وإن كنتم تريدون أنه لا يعلم الأشياء كلها كما يعلمها الله ، فهذا كل مؤمن يقول به ، فما فائدة ذكره ، وأما أصحابنا فلا يدعي الغيب منهم مدع حتى ننهاه عنه ، وأما القول بما قال ابن العربي ، فإبن العربي وغيره ينظر في كلامهم ، فما كان حقاً قبل ، وما كان بالملأ وهي ، وهذا يستوي فيه حتى الكفار ، فإذا جاء الكافر بكلام حق قبل منه ، فإنه لا أكفر من إبليس ، ومع ذلك قال فيه الرسول للصحابي لما صدق أما إنه صدقك وإنه لكذوب ، ولما قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين ، قال له الحق (فالحق والحق أقول) يعني قلت الحق ، فأقول لك الحق ، وأما قول من قال بكفره ممن ذكرتم وغيرهم ، فهو وإياهم يقفون بين يدي ربهم ، وأما نحن فالذي يجب علينا أن نقول (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان وال تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم) (وتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون) إنما الواجب علينا التثبت في كلامهم ، ومن جملة ذلك الكلام في ابن العربي ، فاعلموا رحمكم الله ، أن ابن العربي من الناس من ذمه ، ومن الناس من مدحه وهم من أكابر العلماء ، يقر أولئك بجلالته عليهم ولا نرتكب مواقع الخطأ ولأن نسلك سبيل حسن الظن أحب إلينا ، فإن كان قد ذمه من ذكرتم فقد مدحه خلق أكثر ووثقه ونفي عنه ما نسب إليه جمع من العلماء والأولياء ومنهم الحافظ السيوطي ، وصنف فيه مصنفاً أسماه تنبيه الغبي في الذنب عن ابن العربي ، ومنهم القيصري والبرزنجي في مؤلف وابن جماعة وصاحب القاموس محمد بن يعقوب الفيروزابادي . حتى قال فيه بعد إطناب طويل

    والله والله والله العظيم ومن أقامه حجة لله برهانا

    إن الذي قلت بعض من مناقبه ما زدت إلا لعلى زدت نقصانا

    وذكر الشعراني في مؤلف له أنه ترجم له جماعة بالصديقية الكبرى وأن جميع ما في كتبه مما فيه الإلحاد مكذوب عليه دسه اليهود في كتابه الفتوحات . قال وقد وجدت النسخة التي له عليها خطه ، فلم أجد فيها شيئاً من ذلك فاختصرتها ، ونحن مسئولون عما نقول ، وهذه الكتب لم تتحقق أن جميع ما فيها من هذا الرجل ولا قرأناها على إنسان ، وهو قرأها على إنسان أوقفه على المراد منها ، وهكذا إلى أن تنتهي إليه ، بل هي كتب ننظر فيها بعين الإنصاف ، فما كان له شهادة الكتاب والسنة قبلناه ، وما رده الكتاب والسنة رددناه ، مع اعتقاد أنه لم يقله كما ذكر الشعراني ، فنبني على المحقق ونترك المكذوب ، وهؤلاء القائلون من العلماء بتكفيره وتضليله لو ثبت عندهم براءته ، وبلغهم ، وبلغهم ما بلغنا فيه ، لرجفوا عما قالوه ، وهم أولى بالرجوع ، فأنهم لم يكفروه إلا بما رأوا من الكلام المنسوب إليه ، ولم يجتمع به أحد منهم . فما حكموا إلا على المقالة ، لا على نفسه ، فهذا ظننا والله أعلم ونحن لا نقلد أحداً في دين الله . لا هو ولا غيره من العلماء ، إلا في النقل عن الله ورسوله فقط ، فتصدقهم في النقل خاصة ، وما قالوه من عند أنفسهم نرده إلى الله ورسوله . هذا ما يجب علينا مع كل من جاءنا بشئ من عند نفسه . (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) وما نحن معولون في شرع الله على رأي أحد ولا مكذبون للعلماء فيما ينقلونه إلينا عن الله ورسوله . فهذه حقيقة ما نحن عليه وإن اختلفنا في الوقت نرجع إلى الله ورسوله ، فوقت الصبح أوله حين يطلع الفجر إلى الأسفار . وأول العصر حين يصير ظل كل شئ مثله إلى أن تصفر الشمس وهو متفاوت في نفسه فينقسم إلى أول ووسط وآخر . والكل يطلق عليه أول

    وقد أمر رسول الله r المؤذن أن يصبر بعد الأذان بقدر ما يفرغ الآكل من أكله والمعتصر من حاجته . ثم يقيم فلابد بعد تحقق الوقت والأذان أن يصبر الناس من ذلك امتثالاً لأمر رسول الله ، ثم إذا دخلوا في الصلوات وأطالوا فلا بأس . صلى الصديق رضي الله عنه الصبح بالبقرة . قسمها في الركعتين . قال الصحابة حتى ترفنا الشمس فناداه عمر بعد أن فرغوا رحمك الله يا أبا بكر كادت الشمس أن تطلع . قال له لو طلعت لفتنا غير غافلين . ولأصلي عمر بآل عمران

    قرأ قراءة بطيئة حتى قال الراوي . لا أنسى قراء ألم الله لا إلا إلا هو الحي القيوم الخ وقرأس رسول الله r في المغرب بالأعراف قراءة مفصلة ، حرفاً بحرف حتى لو يشاء السامع أن يعد حروف القرآن لعدها ، قسمها في الركعتين فلا شك أنه استغرق الوقت كله قطعاً ، فإن غابت واخواننا فارغون عن شغل ، فما لم عذر في تخفيف الصلاة وخطفها ، وقد كانت صلاة رسول الله r تقام ، فيذهب الذاهب إلى قباء ورسول الله r في الركعة الأولى وفي رواية في الصلاة فإن تمادي الحال بالمصلي إلى استغراق الوقت كله ، فقد سمعت ما فعل الرسول r وصاحباه رضي الله عنهما ، ولا تحب أن ننقص عهد رسول الله r من تطويل الصلاة ، وما كان يخفف إلا لعارض كأن يسمع بكاء صبي فيخفف . ونحو ذلك قال رسول الله r (إني لأدخل في الصلاة أريد تطويلها فأسمع بكاء الصبي فأخفف مخافة أن أشق على أمة) والتأخير عن الوقت معلوم . وأما تعليق ما يكتب فيه أسماء الله أو شئ من القرآن الذي تسمونه التمائم . فهو وارد جاء أبو دجا== إلى رسول الله r لما وجد في داره ما يخلفه فكتب له رسول الله r كتاباً وأمره بتعليقه هناك ، فذهب ذلك . وكان ابن عمر يلقن أولاده من كان بلغ أوان التلقين . هذه الكلمات التي أخذها عن رسول الله r ومن لم يحسن الكلام منهم كتبها وعلقها عليه . وهي (أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون) فقد أنهينا إليكم بعض الأدلة فيما ذكر . والله يتولانا وإياكم بالتوفيق ويجنبنا الزيغ عن الطريق ، والحق أظهر من الشمس في الظهيرة ، لمن كان له بصر وبصيرة ، ولا يتعامى عنه من كان طالبه ، ولا خير في الشر من القول . والله يحفظنا ظاهراً وباطناً من طوارق ما يسخطه علينا آمين آمين

    قد انتهى من تبيضها تاليا لها امام السيد محمد شمس الدين الحنفي بن السيد محمد الشريف بن السيد عبد المتعال بن السيد أحمد بن ادريس – كل من الشيخ عبد الرحمن محمد صالح والشيخ إمام عثمان والشيخ عبد القادر عبده والشيخ عبد السميع أحمد امام بالقاهرة في يوم الاثنين 18 من شموال سنة 1354 الموافق 13 من يناير سنة 1936م والله سبحانه وتعالى يتولانا بلطفه ويجمعنا على حبه وحب نبيه الكريم والحمد لله أولا وآخرا

    تقريظ

    وهذه القصيدة لحضرة الفاضل الشيخ عبد السميع أحمد إمام الطالب بتخصص المادة الملحقة بكلية الشريعة من كليات الجامعة الأزهرية قالها في مدح سيدي أحمد بن إدريس رضي الله عنه

    نوره النوبة لاح في تبيانه فمحى ظلام الجهل ضوء بيانه

    كالشمس إلا أن مطلعها أتى غرباً فهل قد حان قرب أوانه

    أو كالشهاب أضاء لكن (ماله) سلم الخلائق من أذى نيرانه

    كيف الأذى من نبعة الهادي الذي شمل الأنام بعطفه وأمانه

    والغرس إن طابت أرومته أتى خير الجنى ثمراً على أغصانه

    قل للذي أحقاده اضطرت وقد ظهر الخفي على حصيد لسانه

    ياذا الذي أكل العناد فؤاده واسود حقدا قلبه بدخانه

    أقصر ولا تبغ المحال فإن ذا ميدان فضل لست من فرسانه

    هذا شهاب الله سيف قاطع للمبطلين بحده وسنانه

    (شمس) يرى بالقلب ساطع نورها لم لا تراه ، أأنت من عقيانه

    ورد صفا للشاربين ومنهل يشفي عليل القلب من أدرانه

    هذا تراث من هداه قد اكتسى ثوب الجمان وزاد في لمعانه

    يهدي القلوب إلى الحقائق بعدما غلب الضلال بها لطول زمانه

    أثر يدل على الكمال وحبذا شرف يجاوز في العلا لعنانه

    ومنارة يأوى إليها كل مضطرب الفؤاد من السرى حيرانه

    سر أذيع فذاع في طياته نشر وفاح المسك من أردانه

    أبداه أحمد للورى لما رأى فجر الهداية لاح في إعلانه

    يا أحمد الخيرات سرك في الحمى أقوى حمى شيدت ذرا أركانه

    يا,ى إليه السالكون لربهم يبغون في الظل من أفنانه

    فالجأ إليه يزدك ربك نعمة وكرامة في الخلد من رضوانه

    أمر بطبعة هذه المناظرة الحسيب النسيب السيد محمد الشريف الإدريسي حفيد سيدي أحمد بن إدريس وقد اختاره الله لجواره قبل تمام طبعها في يوم 29 يونيو سنة 1937 أفرنكية . تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    كتاب المنتقي النفيس

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 3:22 am

    الفصل الأول : نشأته وحياته

    الفصل الثاني : ما كتب عنه

    الفصل الثالث : التبغ

    الفصل الرابع : الأنفس

    الفصل الخامس : الصوفية

    الفصل السادس : براءة

    الفصل السابع : نفس إدريس








    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    الفصل الأول : نشأته وحياته

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 3:26 am

    بسم الله الرحمن الرحيم

    وصلى الله على مولانا محمد وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم

    الفصل الأول : -

    حقائق تاريخية فى حياة سيدى أحمد بن إدريس [المولد والنشأة]

    يقول الحسيب النسيب التقى الصالح والوالى الكامل والعالم العامل السيد محمد بن السيد على بن السيد محمد بن شيخ الطريقة ومعدن الحقيقة مولانا وسيدنا السيد أحمد بن إدريس الشريف الحسنى رضى الله تعالى عنه :

    الحمد لله رب العالمين حمداً يوافى نعمه ويكافئ مزيده . يا ربنا لك الحمد كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك فى كل لمحة ونفس عدد يا مولانا ما فى علمك . والصلاة والسلام على مولانا محمد وعلى آله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم .

    أما بعد : فإن الأستاذ مولانا السيد أحمد بن إدريس رضى الله عنه تعالى انتهى نسبه إلى السادة الحسنية الإدريسية القاطنين بالمغرب .

    وكان مولده كما رأيته بخط ابنه سيدى محمد ببلدة هناك تسمى (ميسورا) قريبة من " فاس " فى سنة ثلاث وستين ومائة بعد الألف ، وبها نشأ وقرأ القرآن الكريم على أخ له فى الله . وبعد ذلك توجه على فاس لطلب العلم فأخذ عن جماعة محققين منهم ، كما ذكر سيدى محمد بن السنوسى فى (الشموس الشارقة) العلامة عبد الكريم اليازغى والعلامة ابن شقرون والعلامة ابن كيران والعلامة سيدى محمد المجيدرى الشنقيطى والعلامة سيدى بن سودة التاودى .

    أقول : وعن هذا أى سيدى محمد التاودى يروى الأمهات الستة كما أخبرنى بعض العلماء من تلاميذ تلاميذ الأستاذ حين قراءتى عليه (نخبة الفكر فى مصطلح الحديث) للحافظ بن حجر ومشايخ ابن سودة واسانيه فى مصر مشهورة لا تكاد تخفى على أحد من أهل قطره . وقد وشح وريقات بذكر عشرة من أمثالهم ، منهم الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد السلام بنانى ، والإمام قاسم بن محمد جسوس ، والإمام أحمد بن المبارك السلجماسى اللمطى صاحب اللهب الإبريز . وأول هذه الثلاثة يحق أخذه من شيوخ أفاضل منهم الإمام محمد بن عبد القادر الفاسى عن أبيه ملين القلب القاسى عن عم أبيه العارف بالله الولى عبد الرحمن الفاسى عن شعبان عن ابن غازى وشيخ الإسلام زكريا الأنصارى والجلال السيوطى وثلاثتهم عن الحافظ ابن حجر العسقلانى بأسانيده وثانيهم يحق أخذه عن مشايخ عمه سيدى عبد السلام جسوس عن إمام الأمة عبد القادر الفاسى بسنده وقد تقدم .

    اللهم ارض عن الفطب النفيس مولانا السيد أحمد بن إدريس

    الفصل الثانى : -

    صلة السيد أحمد بن إدريس بشيوخه وعلماء عصره

    ولما أخذ من العلوم بالعروة الوثقى ، وارتقى فيها الغاية التى ليست لغيره ترقى ، جمعه الله بالإمام لهمام غوث عصره وفريد دهره مولانا السيد عبد الوهاب التازى الحسنى فسلك على يده علوم الطريق وعول عليه فى كل تحقيق ، وعنه يروى العلوم بجميع أنواعها وإليه يسند أدوية القلوب على اختلاف طبائعها ، ولكثرة اختصاره على هذا الشيخ ابتهج به سره ظن كثير من الإخوان أن لا شيخ غيره ، وهذا الشيخ له مشايخ أجلة وطرق معتبرة ، كما له عن الإمام العياشى بإجازته العامة عن الشيخ حسن العجمى ، لكن معولة على شيخ إرشاده مولانا عبد العزيز الدباغ الحسنى غليه فإليه غاية منتهاه وأقصى مرماه . ولسيدى عبد العزيز المذكور مشايخ أعيان كشيخه سيدى عمر ابن محمد الهوارى عن سيدى العربى الفشتالى عن سيدى محمد بن ناصر عن سيدى أحمد بن على الحال\ج الدرعى عن أبى القاسم الغازى عن سيدى على عبد الله الغيلانى عن سيدى أحمد بن يوسف الغيلانى الراشدى عن سيدى أحمد زروق رضى الله تعالى عنه بسنده المعروف إلى شيخ الطريقة وإمام الشريعه وتحقيقه إلى ابى الحسن الشاذلى الحسنى المغربى ، وأن نسبته التامة لمن لقنه الذكر مشافهة فى روضة سيدى على بن حرازم بأمر قيم الروضة وهو سيدى عمر الهوارى المتقدم ، كان قد استوصى به خيراً بقوله : (أوصيك به خيراً) وهذا الذكر هو (اللهم بجاه سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم إجمع بينى وبين سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم فى الدنيا قبل الآخرة) ..

    وكان سيدى عبد العزيز يذكره كل يوم سبعة آلاف مرة خمس سنين منذ لقنها لذه ذلك الرجل ، ألا وهو شيخ شيوخ وإمام الرسوخ مولانا أبو العباس الخضر عليه السلام القائل فيه الحق تعالى : (آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً) ، واجتماعه بالمصطفى وأخذه عنه ليس فيه عند أهل الله تعالى خفاء ، وفى أخذه عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم ما يحفظ به الإيمان ، كما ذكر ذلك الإمام القطب الشعراني بأعظم بيان.

    وقد تفضل الله تعالى على الأستاذ المترجم له بإبداع معنى هذا الذكر فى صلاته العظيمة مع نفائس زائدة لا يمترى فيها ذو بصيرة .

    وهذا لفظ الصلاة العظيمة

    ( اللهم إنى أسألك بنور وجه الله العظيم . الذى ملأ أركان عرش الله العظيم , وقامت به عوالم الله العظيم . أن تصلى على مولانا محمد ذى القدر العظيم . وعلى آل نبى الله العظيم . بقدر عظمة ذات الله العظيم . فى كل لمحة ونفس عدد ما فى علم الله العظيم . صلاة دائمة بدوام الله العظيم . تعظيماً لحقك يا مولانا يا محمد يا ذا الخلق العظيم . وسلم عليه وعلى آله مثل ذلك . واجمع بينى وبينه كما جمعت بين الروح والنفس ظاهراً وباطناً يقظة ومناماً . واجعله يا رب روحاً لذاتى من جميع الوجوه فى الدنيا قبل الآخرة يا عظيم ) .

    اللهم ارض عن القطب النفيس مولانا السيد أحمد بن إدريس

    الفصل الثالث : -

    أوراد الطريقة الأحمدية وفضائلها

    وذكر تلميذه سيدى محمد عثمان الميرغنى فى شرح أساسه ما نصه : أخرج الجزولى فى الدلائل عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (من صلى على صلاة تعظيماً لحقى خلق الله من ذلك ملكاً له جناحان جناح بالمشرق والأخرى بالمغرب ورجلاه مقرونتان فى الأرض السابعة وعنقه ملتوية تحت العرش يقول الله عز وجل له : صلى على عبدى كما يصلى على نبيي فهو يصلى عليه يوم القيامة ) . وذكر العلامة إسماعيل النواب فى ترجمته له ما نصه : وكان رضى الله عنه يقول : أملى على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأحزاب من لفظة حتى استشكل بعض أصحابه من العلماء مرة كلمة فى الحزب الخامس فقال : يا أخانا هكذا قالها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وقد كتب سيدى أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه رسالة إلى تلميذ له بالمخا بأرض اليمن يحثه فيها على قراءة الوردين العظيمين وهما الحزب الأول والثانى من الأحزاب وهذه هى الرسالة :

    خطاب سيدى أحمد بن إدريس لتلميذه الشيخ محمد بن جعفر

    بسم الله الرحمن الرحيم

    من أحمد بن إدريس إلى أخيه وولده وصفيه وحبيبه الشيخ محمد ابن جعفر جعله الله محموداً مكرماً عزيزاً فى حضرة قدس الله فى الدنيا والآخرة آمين .

    السلام عليك أيها الأخ الحميم والصديق الكريم ورحمة الله تعالى وبركاته . أما بعد : فاعلم أن لك عندنا فى القلب أمراًُ عظيماً راجياً لك بذلك أن تكون من المقربين فى حضرة التكريم إن شاء الله تعالى فكن من الشاكرين ، وتوجه بكليتك إلى ربك وتهيأ لما هو مهيأ لك من عند ربك لتكون من أول الفائزين . والزم قراءة الوردين العظيمين والحزبين الإلهيين المسمى :

    (أحدهما : بالسر الأعظم والكنز المطلسم) .

    (والثانى : يسمى بالتجلى الأكبر والسر الأفخر ويسمى بالتجلى الأقدس والنور المقدس فى حضرة القدس) ، ولهما أسماء كثيرة فإنه لم يسمع بمثلهما فى أحزاب الأوائل من المشايخ الذين سبقوا ، وقد تعجب الأنبياء عند سماعهما مثل الخليل وغيره صلوات الله وسلامه عليهم .

    وقد عظم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرهما تعظيماً عظيماً ، فاتخذهما سميراً وأنيساً ، وترنم بهما فى الأسحار ، وحرض إخوانك عليهما نصحاً لله ، فإنهما باب فتح الله الأعظم ، وفيهما من الأسرار ما لا يصح الإيضاح به والله أعلم . وسلم لنا أيها الأخ الحبيب ريحان سلاماً كثيراً وأخبره أنه ببالنا . والسلام عليك أيها الأخ المكرم وعلى جميع الإخوان ورحمة الله وبركاته .

    وهذه الأحزاب محتوية على العظيمية وقد علمت من هذا أنه حصل له ما سأله بقوله : (واجمع بينى وبينه) الخ .

    وهذا المطلب قد حصل لكل من الأشياخ الثلاثة . قال سيدى محمد بن على السنوسى رضى الله تعالى عنه فى كتابه "المنهل الرائق" : وقد أخذت عن جماعة ممن أخذوا عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم إما بواسطة واحدة أو بدونها . منهم شيخنا أبو العباس العرائشى يعنى السيد أحمد بن إدريس ، فقد أخذ أول مرة عن شيخه أبى المواهب التازى يعنى سيدى عبد الوهاب (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وأخبره ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقنه إياها قائلاً : لا شئ أنفع للعبد من (لا إله إلا الله محمد رسول الله) . واما شيخنا أبو العباس العرائشى فكان له فى ذلك القدم الراسخ كشيخه ابو المواهب التازى وشيخ شيخه الدباغ . وتتبع أحواله معه صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكن استيفاؤها إذ كان فى أول أمره بل وفى أوسطه وآخره ليس له معول إلا عليه ولا رجوع فى شئ إلا إليه صلى الله عليه وآله وسلم انتهى كلامه .

    خزنتها لك يا أحمد

    وذكر العلامة إسماعيل النواب المذكور أن الأستاذ المترجم له تلقى عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم تهليله المعروف وهو لا إله إلا الله محمد رسول الله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله وقال صلى الله عليه وآله وسلم فى شأن التهليل المذكور المخصوص لا إله إلا الله محمد رسول الله فى كل لمحة وكل نفس عدد ما وسعه علم الله خزنتها لك يا أحمد ما سبقك بها أحد علمت أصحابك يسبقون بها أو كما قال وقد رأيت فى مكتب للأستاذ المترجم له لتلميذه السيد محمد عثمان الميرغنى ما نصه : عليك بتلاوة الأحزاب ، وأكثر من هذا الذكر الذى خصنا الله به من بين أوليائه وقد أخذ من حضرة قدسه وهو (لا إله إلا الله محمد رسول فى كل لمحة وكل نفس عدد ما وسعه لعلم الله) ولقن هذا الذكر للإخوان فإنه منة عظيمة والعدد بحسب الطاقة ولا تعارض فيما بين الكتاب وبين ما فى قوله لأنه قال : وقد أخذ من حضرة قدسه ولم يبين الآخذ ويحتمل أنه النبى صلى الله عليه وآله وسلم أخذه عن الله ولقنه ولده هذا ولك فى التوفيق غير هذا . وعلى هذا الذكر العظيم وهذه الصلاة العظيمة والاستغفار الكبير ورد طريقته . ولفظ الاستغفار الكبير هو : (استغفر الله العظيم الذى لا إله إلا هو الحى القيوم غفار الذنوب ذا الجلال والإكرام وأتوب إليه من جميع المعاصى كلها والذنوب والآثام ومن كل ذنب أذنبته عمداً وخطأ ظاهراً وباطناً قولاً وفعلاً فى جميع حركاتى وسكناتى وخطراتى وأنفاسى كلها دائماً أبداً سرمداً من الذنب الذى أعلم ومن الذنب الذى لا أعلم عدد ما أحاط به العلم وأحصاه الكتاب وخطه القلم وعدد ما أوجدته القدرة وخصصته الإرادة ومداد كلمات الله كما ينبغى لجلال وجه ربنا وجماله وكماله وكما يجب ربنا ويرضى) .

    اللهم ارض عن القطب النفيس مولانا السيد أحمد بن إدريس

    الفصل الرابع :

    معالم الطريقة الأحمدية وكيفية سلوكها : -

    وأما مبناها وكيفية سلوكها قال مفتى الأنام السيد عبد الرحمن بن سليمان الأهدلى الزبيدى فى كتابه (النفس اليمانى) : وهذا السيد الجليل طريقته السالك لها والداعى إليها الإقبال بالكلية على تدبر معانى كتاب الله . ولقد ذكر لى عفاه الله أنه مكث عدة سنين لا شغل له إلا تلاوة كتاب الله والتعرض لنفحات أسرار علومه ولطائف رقائقه وفهومه ، حتى منح الله به بما منح وفتح به ما فتح . وهذه الطريقة هى التى أشار إليها الإمام بن القيم فى شرح منازل السائرين حيث قال ما نصه : (والطريقة المختصرة القريبة السهلة الموصلة إلى الرفيق الأعلى التى لا يلحق سالكها خوف ولا عطب ولا فيها آفة من آفات الطرق البتة وعليها من الله حارس وحافظ يكلأ السالكين فيها ويحميهم ويدفع عنهم . وهى أن تنقى قلب من وطن الدنيا إلى وطن الآخرة ثم تقبل به كله على معانى القرآن واستجلابها وتدبرها وفهم ما يراد منه وما نزل لأجله وأخذ نصيبك وحظك من كل آية من آياته وتنزلها على دواء قلبك) . ولا يعرف قدر هذه الطريقة إلا من عرف طرق الناس وغوائلها وقطاعها والله المستعان .

    وقال القاضى الحسن بن أحمد عاكش : وأعلم أن طريقته هى اتباع الكتاب والسنة . وكان يقول : التصوف هو تجريد القلب لله تعالى . وهو فى الحقيقة علم الوراثة الذى نتيجته العمل المشار إليه بحديث (فمن عمل بما عمل أورثه الله علم ما لم يعلم) وهذه الطريقة تسمى محمدية ووجه اختصاصها بالانتاسب إليه صلى الله عليه وآله وسلم مع أن الكل راجع إليه مستمد منه صلى الله عليه وآله وسلم لأن صاحبها بعد تصحيح البيت وسلوكه على مناهج الاستقامة المبينة فى الكتاب والسنة يشتغل بالصلاة على النبى صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن يثوى على قلبه ويتخامر قلبه لتعظيمه ويهتز عند سماع ذكره ويصير تمثاله بين عينى بصيرته فيسبزغ الله عليه نعمته ظاهرة وباطنة ولا يجعل لمخلوق عليه منة إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم فيراه يقظة ومنامة ويسأله عما يريد . وذكر أن نازل هذه الأسرار جماعة : منهم نور الدين الشونى والسيد أحمد التيجانى . ومما ذكره فى وجه التسمية هو بيان طريقه كما ذكره من أتباع النبى صلى الله عليه وآله وسلم الذى هو دليل حب العبد لربه وباب حب الله للعبد كما قال تعالى : (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله) ومن أتباع الكتاب والسنة والإقبال والفهم فيه الذى من رزقه فقد استمسك بالعروة الوثقى التى لا انفصام لها وأمن من الضلال أبداً وصار إلى الله على هدى وذلك لأن العبد لا يملك فى الاتباع وترك الابتداع وفهم الحق من القرآن الذى هو الطريق الأعلى إلى حضرة الحق إلا بحصول الحظ الأوفر من الطريق المحمدى بالاجتماع به يقظة كما ذكره الإمام السيوطى فى كتابه (تنوير الحلك فى جواز رؤية النبى والملك) ومن ثم جعل رضى الله تعالى عنه الصلاة العظيمة مدخلاً عظيماً فى طريقته كما أنها اشتملت على طلب الجمع به عليه الصلاة والسلام يقظة ومناماً الذى من تحصل عليه فقد أمن من الأغيار وسلك مسالك الأبرار وأنه يبقى لليل الجهالة والغواية بقاء مع إشراق الشموس وأنوارها .

    اللهم ارض عن القطب النفيس مولانا السيد أحمد بن إدريس

    الفصل الخامس :

    عدة السالكين للطريقة الأحمدية

    ومما يحسن سرد ما ذكر العلامة حسن عاكش فى كتابه (الدر المصون) . وكنت جمعت شيئاً يعنى من كراماته فى كراس واحد فرأيت منه الكراهه لذلك وقال : عندنا الاستقامة هى غاية الكرامة ونقل عنه كلاماً إلى قوله : ونحن جل قسطنا اتباع النبى صلى الله عليه وآله وسلم وخطوة القدم بالقدم فإنه كثيراً ما رآنى أمشى خلفه واضعاً قدمى حيث يضع قدمه فيقول لى : امشى فى طريقى حتى نوصلك إلينا . وإذا وصلت إلينا دخلت حضرة كان الله ولا شئ معه .

    هذا وقد ذكر سيدى محمد السنونسى فى الكتب النافعة لأهل هذه قائلاً : وأنفعها كتاب (كفاية المريد وحلية العبيد) وما كتب حجة الإسلام الغزالى فهى المرهم الشافى لجريح الأهواء فإنه ما من دسيسة للنفس إلا وبينها وأوضح مداخلالشيطان على السالك وسبل غروره بما لم يذكره غيره .

    قلت : وفى رسالة المترجم له المسماه بالقواعد ما قد احتوى على تلك الكتب الجامعة بل فيما كتبه لبعض تلاميذه ألا وهو السيد محمد عثمان الميرغنى قائلاً له فى مكتوب آخر : وفى الكتاب الذى وجهناه إليك لما قدمنا اليمن وأنتم فى ناحية السودان كفاية وقد وصل هذا الكتاب إلى أقوام فانتفعوا به غاية النفع وعلموا حقيقة طريقة الله على أى شئ وهذا الكتاب خلاصته :

    خطاب سيدى أحمد بن إدريس لتلميذه الميرغنى رضى الله عنهما

    أما بعد : أيدك الله بروح منه ولا أخلاك وقت عنه فشمر عن ساعد الجد ذيل الاجتهاد واترك الراحة والرقاد وقم لله عز وجل على قدم الصدق واجعل همتك فيه أعظم زاد . وإياك وإياك وإياك حتى من إياك . وإياك والإغترار بإقبال الخلق وتعظيمهم إياك ، فإنها فتنة وابتلاء ؟، وملاحظة إقبالهم سم قاتل ، وبرقهم خلب ليس فيه مطر هاطل ، فاقطع يأسك منهم ، واحسم طمعك عنهم واقبل على مولاك بكليتك قلباً وقالباً فإنه لا أضر على الفقير الصادق من طمعه فى الخلق ، فإن الطمع فى الخلق سيف قاطع عن الحق ، واعل همتك حتى يقتضى بك اخوانك ولا تستند إلى الراحة والبطالة فيأخذون بحظك فيهلكون واحملهم على الجد والاجتهاد وقو وقوفهم فى الله بالحال والمقال فإنه قد صحبنا جماعة من الإخوان المغاربة فعلت همتهم فحازوا قصب السبق فى معرفة الله فانفتح لهم الباب من الله فانخرطت لهم العوائد ظاهرهم وباطنهم فصاروا من المحدثين عن حضرة الحق بلا واسطة حتى أن كلاً منهم جمع كتاباً فى كراريس بما فتح الله عليه من المكاشفات والبشارات مما لا يسمع به عن أكابر الأولياء المتقدمين حتى أن بعض الأكابر كأبى يزيد استصغر نفسه فى جنب أحدهم .

    فجد السير واجتهد لتكون فى أول الصادقين فإنى تعجبت من صدق هؤلاء الذين ذكرتهم لك غاية العجب فإذا دخلوا الخلوة أتوا بالعجب العجاب من غرائب المعرفة والمكاشفات واللطائف وإذا حضروا المجلس كشفوا بما يبهر العقول بحسن معاملتهم مع الله وقطع ما سواه وأنى لا أحب أن تكون بينهم بل أحب أن تكون من أعلاهم . وقد اتخذت الله لك وكيلاً وكفيلاً فيما رغبتك فيه وجعلته خليفة عليك فأعنى على نفسك بعلو الهمة فى الله وقد العوائق والعلائق القاطعة عن الله تعالى .

    والسلام عليك وعلى أولادك وأهلك وجميع من يلوذ بك من الإخوان ورحمة الله وبركاته.

    اللهم ارض عن القطب النفيس مولانا السيد أحمد بن إدريس

    الفصل السادس

    سند الطريقة الأحمدية الإدريسية

    وأما سندها فمعوله كما عرفت مما تقدم على سيدى عبد الوهاب التازى وسيدى عبد العزيز الدباغ عن الخضر عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ولها أسانيد كثيرة كما تقدم عن الشيخ محمد المجيدرى عن القطب الجان القاقوى عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله تعال عنه وكرم الله وجهه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبهذا السند نفسه قال المترجم له : أخذنا الحزب السيفى . وعن الشيخ أبى القاسم الملقب بالوزير قال المترجم له : وسنده يتصل بالشاذلى بوسائط كثيرة وسند الشاذلية يتصل بسيدنا الحسن بن على رضى الله تعالى عنهما . تركت ذكر سنده لطوله . أقول : قال سيدى محمد السنوسى فى المنهل الروى : إن أبا القاسم المذكور أخذ عن سيسدى أحمد بن محمد بن عبد الله وهو لقنه سيدنا أحمد بن يوسف الفاسى وهو لقنه سيدى عبد الرحمن المجذوب وقد لقنه سيدى على السنهاجى المعروف بالدواز وقد لقنه سيدى إبراهيم أقحام وهو لقنه سيدى أحمد زاروق وساق سنده وتركته لشهرته . وبجملة فمعول سند هذه الطريقة على سيدى عبد الوهاب وكثيراً ما كان يقتصر الأستاذ المترجم له عليه ولتمام الفائدة فلنذكر بعض أسانيد المترجم له المتعلقة بالعلوم الظاهرة .

    فذكر سيدى محمد السنوسى فى (الشموس الشارقة) أنه يروى تفسير الجلالين عن الأستاذ عنجملة من شيوخه من أعلاهم سند العلامة السندى بإجازته العامة عن أبى البقاء المكى كذلك عن البابلى عن أبى النجا سالم بن محمد السنهورى عن شمس الدين العلقمى عن الجلال السيوطى المذكور فى تفسير وحديث وفقه وغيره من سائر العلوم . وفى هذا السند كفاية عظيمة لأن الإمام السيوطى من تأمل فى كتبه رأى أنها احتوت على بغيته . وفى عهده أن كتابه شرح التقريب فى المصطلح قد احتوى على أسانيد كثيرة من الحديث وإن أردت الزيادة فلنزدك بسند الصحيحين فيروى المترجم له البخارى عن شيخه المعمارى عبد الوهاب التازى عن أبى اسحاق عن عبد الله بن سعيد اللاهورى عن قطب الدين بن علاء الدين النهروانى عن أبيه عن أبى الفتح الطوسى عن المعمر الهروى عن محمد بن شاذ يخت الريحانى عن يحيى الختلانى المعمر مائة واحدى وأربعين عاماً عن العزيزى عن الإمام البخارى وعلى هذا فيكون بين المترجم له والإمام البخارى عشر وسائط بل تسع على مال الإمام محمد بن على الشوكانى من أنه وقف على إجازة على الحافظ محمد بن الطيب المغربى عن القطب النهراوى عن أبى الفتوح باعتبار ثلاثيات البخارى ثلاثة عشر رجلاً .

    وهذا السند عالى جداً ولما لا وقد قال معاصر المترجم له محمد بن على الشوكانى فى سند له فيه أكثر من رجال هذا السند يتصل بالبخارى يكون باعتبار الثلاثيات بينه وبين النبى صلى الله عليه وآله وسلم اربعة عشر واسطه وهذا غاية فى العلو لا يكاد يوجد مثله اليوم ويروى عن الإمام بن سوده عن شيخه بنانى المذكور عن شيخه بن الحاج عن الشيخ عبد القادر الفاسى عن عم والده عن القصار عن سيدى رضوان الفاسى عن السقيانى عن شيخ الإسلام زكريا الأنصارى بسنده .

    اللهم ارض عن القطب النفيس مولانا السيد أحمد بن إدريس

    الفصل السابع

    وفاة السيد أحمد بن إدريس رضى الله عنه

    ولما أن درس العلوم بالمغرب الأقصى وأحيا معالم الطريقة واهتدى به جمع لا يحصى توجه إلى الحجاز فمر على مصر والصعيد وبعد أن أقام بالحجاز مدة توجه إلى اليمن وبها توفى فى ليلة السبت الحادية والعشرين من رجب سنة ثلاث وخمسين ومائتين بعد الألف (1253هـ) .

    ودفن بمدينة صبيا وقبره بها يزار وتلوح منه للوافدين أنواره وقد رثاه جماعة منهم أقضى القضاة الحسن بن عاكش بقصيدة طويلة منها :

    لولا التأسى لساء بالأسى مهج على الإمام عظيم القدر والشأن

    أعنى النفيس هو ابن إدريس من ظاهرت فينا مكارمه من غير نكران

    شيخ الشيوخ وسلطان الرسوخ ومن ببحره العذب يروى كل ظمآن

    لقد دعاه إلى الغفران خالقه فراح فى هذه الدنيا برضوان

    وفتت أكبد من بعده حزنا وفى الضلوع اشتعال مثل نيران

    لو كان يفدى فديناه وحق لنا بمن على الأرض من إنس ومن جان

    وقال آخر :

    وأنى بطيب العيش من بعد أحمد لمن بات آمنا أو أطال نهارا

    فبلغ الأمانى نجل إدريس الذى يتوق على السبع الطباق منارا

    فما ضر شمس الظهر لو أنصفت له بأن ضربت فوق الخدود خمارا

    وما ضر جنح الليل لو جر ذيله على الصبح حتى لا أخال نهارا

    فحق لهاذ الرزء شق قلوبنا إذا شققت منه الجيوب عذارى

    ولو أنا أعرنا للسحاب مدامعا لما خلت من بين الأنام غبارا

    فحق لصبيا اليوم أن تحقر الثرى وتطلب من فوق السماء فخارا

    ولو رأى نورها كل ناسك لما شد للبيت العتيق ضمارا

    وقال الفاضل الخيرى من قصيدة طويلة :

    أغمض الموت منه غضب لسان كان منه للواعظ بالآثار

    وطوى من بعد أن نشر الســـ ــنة للناس غضة الاثمار

    وأودع النور فى قلوب ذوى الـ ـرف وأضحى وديعة الأسرار

    عم بالهدى للأنام فعم الز ء منا لكل بيت ودار

    فاستوينا فى رزئه فبكى البا دون منا عليه كالحضار

    لا تلمنا إن سكبنا دمو عا جاريات عليه كالأنهار

    موته فى الحشى لظى جمرا ت وحرم الكرى على الأشفار

    من لصوم النهار فى زحمـ ـة القيظ ومن للقيام فى الأسحار

    من لهذا الأنام من ظلمة الجـ ـهل وخلط الأعذار بالإنذار

    لو حمى سيدا من الموت حام لحمته جلالة المقدار

    وقد اشتهرت طريقته فى اليمن والحجاز ومصر والشام وبلاد الترك والهند وحضرموت والسودان وجاوة والمغرب وليبيا والصومال والجبرت والحبشة . وبلغ صيته فى أقرب وقت جل المعمورة ، وأقبلت الناس على اسانيده وعلومه وأوراده .

    الفصل الثامن :

    مناقب السيد أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه

    وقد الف فى مناقبه واحواله واشياخه الجهابذة من المحققين تفضل الله علينا كما تفضل عليهم ورضى الله تعالى عنا بهم وجعلنا من أكمل حزبهم . إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير . وفى هذا القدر كفاية لمن استبصر .

    لكن لما جرت عادة أهل التراجم بذكر شئ من فضائل مترجميهم ومناقبهم يعتنى به تنبيهاً للواقفين بأن ذلك مما يعتنى به عند العارفين ، فلنختم بذكر شئ من مناقب المترجم له وفضائله التى لا تخرج عن طريق أهل السنة والجماعة ، وحيث كان البحث فى الترجمة عن وجوه ثلاثة عن الاستاذ من حيث سيرته وعن طريقته وعن أورادها اللازمة كما بينته ، فليكن الكلام على مناقب سيرته فيختصر من جهتين : من جهة علماء الكشف الفائزين برؤية النبى صلى الله عليه وآله وسلم ، يقظة فى الدنيا جائزة كما عليه أهل السنة .

    وقد ألف فى ذلك الإمام الجلال السيوطى كتاباً أسماه (تنوير الحلك فى جواز رؤية النبى والملك) والإمام ابن مغيزيل الشاذلى كتابا سماه (الكواكب الزهرة فى اجتماع الأولياء بسيد الدنيا والآخرة) .

    ما كتبه علماء الظاهر من مناقب شيخ الشيوخ ابن إدريس رضى الله تعالى عنه .

    أولاً : فأما من جهة علماء الظاهر فمن ذلك ما قال العلامة السيد محمد بن على ابن عقيل مخاطباً لقوم كما جمع فى المناظرة الكبيبية لاقضى القضاة الحسن بن عاكش وهو : أنا عرفت ابن ادريس من ايام مهاجرتى بمكة سنة اربع وثلاثين ومائتين بعد الألف .

    وهو من العلماء الأكابر ولا نظير له فيما نعلمه فى الأقطار الإسلامية فى معارفه وعلومه الشرعية وفى علوم الحقائق ، وليس يقارن به أحد من أهل زمانه ، وقد أقر له بالعرفان الجهابذة من علماء الشرع الذين هم القدوة لنا فى هذا الزمان وهم مشايخنا مثل السيد عبد الرحمن بن سليمان الأهدلى والقاضى عبد الرحمن البهلكى صاحب بيت الفقيه ومن فى طبقتهم من علماء اليمن والشام ومثل القاضى محمد بن على الشوكانى قاضى صنعاء عرفه بالمكاتبة وأطنب فى الثناء عليه وارشد الناس إلى الاستكثار م علومه قائلاً بعد كلام طويل : (فإنها حديثة العهد بربها) . كما رأيته فى جواب له للسيد عبد الرحمن بن سليمان ، وكذلك عبد الله السيد الحافظ عبد الله بن محمد الأمير وأخوه المحقق قاسم بن محمد وابن أخيه العلامة يوسف بن إبراهيم .

    فإذا كان مثل هؤلاء العلماء الذين تسنموا غارب الاجتهاد وما منهم إلا مصنف فى علوم الإسلام وهو إمام نقاد طأطأ إليه النقباء وأذعنوا له ثم ساق كلاماً ليس من غرضنا . وقال خاتمة الحفاظ المجتهدين وجيه الإسلام والملة والدين السيد عب الرحمن بن سليمان الأهدلى فى (النفيس اليمانى) بعد أن ذكره ، ونزل على العبد الفقير الحقير ، وكان نزوله كنزول العافية على السقيم والشفاء للجريح ، والحمد لله على ذلك ، نسأل الله التوفيق لدوام الشكر على ما هنالك .

    وكانت مدة إقامة السيد المذكور أولاً عشرين يوماً ثم بدا له التوجه إلى بندر المخا ثم جهة موزع فلما وصل إلى تلك الجهات ازدحم عليه الخاص والعام وانتفعوا فى أمر دينهم انتفاعاً عظيماً لأن السيد المذكور هدية فىعباداته وعاداته الهدى النبوى سيما الصلاة فإنه نفع الله به كان يقيها على الوجه التام الذى وردت به الأحاديث الصحاح الحسان من معلم الشريعة صلى الله عليه وآله وسلم ثم بعد إقامته مدة أربعة أشهر فى تلك الجهات عاد إلى مدينة زبيد – والعود أحمد كما يقال فى المثل السائر - ، فأقبل عليه الخاص والعام أشد من الإقبال الأول ، ولم تزل الأيام والليالى زاهرة ورياضها بلطائف العلوم ورقائق الفهوم معمورة أوقاتها بالعبادات ، والأقلام تكتب من إملاء السيد المذكور من الفوائد والعوائد والنوادر والشوارد مما ملئت منه الدفاتر ثم قال : وفى تلك المدة وقعت إجازة من السيد المذكور لكل من طلب الإجازة من أهل زبيد خصوصاً وأهل اليمن عموماً ، كما وقع نظير ذلك للحافظ ابن حجر عند قدومه من زبيد ، وفى أثناء هذه المدة لما دعا الشيخ عبد الغنى ليصلح بينه وبين حذام حاكم وصاب عزم السيد على الطلوع إلى تلك الجهة ، ولما شاع خبر العزم اشتفهه العلامة عبد الكريم العتمى بقوله : مولاي سمعت بعزم على الطلوع إلى وصاب ، وقد وقفت فيما سبق على أثر فى أمر الزمان يأوي الدين إلى وصاب كما تأوي الحية إلى جحرها ، فعلمت أنه أنتم ، ثم ذكر كلاما إلى أن ذكر القصيدة التى أنشأها عند توجه الأستاذ من زبيد إلى جهة الحجاز أولها :

    أما آن يستوقف الركب منشد وينجد ملهوف الشكاية منجد

    على رسلكم لا تعملوها فإنها مواطئها أحشاء قوم وأكبد

    خذوا من ثرى آثارها قبضة لنا فطيب ثراها للنواظر إثمد

    ألم تعلموا أن العقيق تشعبت مجاريه فى خد الحزين تخدد

    زفرت دموع العين قبل فراقه لما بعده فالأمس لليوم مسعد

    ونحن وإن كنا شيوخاً فإنما لأحلامنا مهد الأصاغر تمهد

    وقد رضعت من حافل الفيض منكمو لبان الهدى يروى الغليل ويرشد

    وقد تعلموا أن الرضاع لمدة فما كملت فاستكملوها وأسعد

    أبى الله أن ينأى بنا طلب العلا على حيث ما كنا وأحمد أحمد

    ثم قال : وكان توجهه إلى بندر الحديدة وتلقاه أهلها بالإعزاز والإكرام ، ووقع فيها من تلك المجالس الفائقة الرائعة ما انتفع به بفضل الله تعالى الخاص والعام ، وامتدحه أدباء البندر بعدة قصائد ، منهم الفقيه العلامة خطيب البندر سالم بن داود والسيد الأديب أحمد بن عبد الله بن أحمد صائم الدهر والفقيه إبراهيم بن عبد الله الخيرى ، ثم سار إلى المرازقة واجتمع به سادتها وعلماؤها ثم توجه إلى القطيع ثم إلى باجل ونزل عند الفقيه العلامة محمد التازى ، ثم سار إلى صبيا وتلقاه أهلها بالإعزاز والإكرام ، ثم قال : ولله السيد السند الإمام محسن بن عبد الكريم حيث يقول :

    شرفت صبيا بكم فغدت مورداً للعلم والنزل

    ليت شعرى ما الذى فعلت فعلت قدراً على زحل

    ثم قال : وامتدحه أهل تلك الجهات بقصائد فرائد ، ومما كتبه إليه القاضى العلامة المحقق الفهامة الوجيه عبد الرحمن بن أحمد البهلكى قاضى بيت الفقيه عافاه الله تعالى وبارك فيه :

    علمت شوقنا إليها فزارت وأشارت أن ثم ود صحيح

    عبرت فى الثرى على حب ليلى ولها فى الهدى بهم تبريح

    فاستعادت أنفساً وهى تسرى فعليها منهم أريج مريح

    عبرت على كل منزل نزلته فهى تسعى وكل ند يفوج

    حضرة تحضر الملائك فيها ولهم فى مجالها تسبيح

    حلق الذكر والعبادة لله وروح للمصطفين وروح



    اللهم ارض عن القطب النفيس مولانا السيد أحمد بن إدريس

    ثم قال : وقد اعتنى بترجمة حافلة فى كراريس للسيد المذكور السيد الجليل النبيل العلامة محمد بن على الديلى قاضى زبيد بتلك المدة استوفى فيها أكثر ما قيل فيه من المدائح ، وشرح كثيراً من أحواله الشريفة ، انتهى ما أوردناه من كتاب (النفس اليمانى) وقال المحقق النقاد القاضى حسن عاكش فى كتابه (عقود الدرر) بعد أن ذكر ما نصه : وأخذ علم الشرع من علماء وقته ، وأخذ الطريقة عن شيخه العارف بالله تعالى السيد عبد الوهاب التازى ولاحظته السعادة والعناية حتى صار فى أوان شبابه إمام القوم فى جميع العلوم ثم قال : وكان صبوراً على الذكر ، ويقول : (أكبر إذا لنفسى ذكر الله ولو أتركه ساعة لم أستطع) ، ثم يضرب رضى الله عنه مثلاً بالحوت إذا كان فى البحر فحياته فى ذلك فإذا فارقه مات ، وكان فى قيام الليل قد يستكمل الختم فى ركعتين وربما يردد الىية فى الركعة ويبكى حتى يصبح ، ومن شاهد عينيه رآها كالشراك البالى من البكاء .

    وأما الصلاة إذا دخل فيها فهو يستفرغ الفكر فيها ويقبل عليها الإقبال الكلى حتى لو وقع أى حادث قريب منه لم يشعر به وقد سقط سقف أحد غرف منزله رضى الله تعالى عنه وهو فى الصلاة مرة وعندما فرغ منها قال له أحد تلاميذه : ربما سقط سقف أحد غرف المنزل فقال رضوان الله تعالى عليه : هل أتاكم أحد من المنزل ؟ فقالوا : لا ونحن فى الصلاة فقد سمعنا رجة ، فقال : سبحان الله تصلون وتسمعون ! ولا رأيت أحداً من أرباب العلم يحسن الصلاة بآدابها النبوية على الوفاء والكمال منه ، ومن صلى معه لم تطب له الصلاة مع غيره ، وإذا دخل الصلاة يقترب فيها من الخشية والبكاء مع كمال حفظ النفس من المحافظة بالشرع ، فهو شبيه بما ورد فى حق النبى صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا صلى كان له أزيز كأزيز المرجل ، وقد شاهدت منه هذه الصفة كثيراً ثم قال : وقد كتبت عنه كثيراً من العلوم الشرعية ولم تر عيناى مثله فى حسن تصرفه فى المعارف العلمية من سائر العلوم الشرعية ما بين السماع والعرض والإجازة والمناولة وكان مما أخذته عنه من كتب الحديث كتب الأئمة الثلاثة الشافعي وأحمد وأبى حنيفة رضى الله تعالى عنهم ، وكتب السنة : صحيح البخاري ومسلم ، والسنن الأربعة لأبى داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه ، وغيرهم من جوامع الكتب الحديثة كجامع الأصول لرزين العبدى ثم عدد جملة من جمع الجوامع والكتب الحديثة ، فمنها المختصر جامع رزين لابن الأثير ومختصراته الثلاثة : البارزى والربيع اليمنى والعيني ، وجوامع الإمام الأسيوطي الثلاثة وجامعها ، وغيرها للحافظ العراقى وفيه مالئة ألف حديث ، ثم قال : ومما أخذت عنه علم النفس بالطريقتين : طريقة أهل الظاهر بوجهتيهما الأسرى والتأويلى ، وطريق أهل الإشارة . ثم قال بعد أن عدد تفاسير أهل الإشارة الآخذ لها من الأستاذ نفسه : وتلك جميعاً ما يتفجر على قلبه مترجماً عنه بلسانه من الوجوه المبتكرة والنفائس المعتبرة العديدة بصريح الكتاب كنقطة فى بحر ومما أخذتنه عنه أيضاً علم التصوف بالطريقتين السلوكية والعرفانية مما وصل إليه من طريق القوم آخذا عنه آدابها ملقناً إياي أورادها وملبساً خرقها ومصافحاً ومجيزاً بأسانيدها إلى أربابها بأسانيدهم إلى النبى صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنابني فى ذلك كله رضى الله تعالى عنه وكل ما يصح له وأنابني مقام نفسه قائلاً : من أخذ عنه فقد أخذ عنى ، ومن أخذ عنا فقد أخذ عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم . والله على ما نقول وكيل .

    ثم قال : ومما أخذ عنه ايضاً علم الفقه على طريقة السلف كالائمة الأربعة وغيرهم من أئمة المذاهب يأخذون مداركه الأصلية من الأحاديث النبوية والآيات القرآنية ن وكان فى ذلك رضى الله تعالى عنه الآية العظمى التى لم يسمع بمثلها فى مشرق ولا مغرب ، فما سئل عن نازلة إلا أجاب عنها بديهة بصريح النص فى الكتاب والسنة بوجه لا يكاد يهتدى إليه غيره غالباً ، وربما فتش عن ذلك أهل اهتدى إليه أحد أم لا ؟ فلم يوجد من حام حول الحمى ولا من قارب ذلك المرعى . ثم قال : ومما أخذته عنه علم التوحيد بذلك الطريق المختار عن السلف ومحققى أهل الله من خاصة الخلق مما هو مقرر ومعروف من طريقتي التفويض والتأويل ، وكان رضى الله عنه سلفاً من السلف مع ماله ولو شرحت ماله م الأحوال الإلهية ولو أردت مجملاً من علومه لعجز القلم عن إحصائها إذا توالت ، وفى الحقيقة يكثر عن التعبير عن شرح فضائله قلمى ولساني ، ويضيق صدر هذه الأوراق عن إظهار ما أجنه من وصف جنانى . وعلى الجملة فإنه ملك العلم بأزمته والعرفان بكلياته وجزئياته . وايم الله الذى خلقه فى أحسن تقويم وحباه هذا الفضل العظيم أنه ما شاهدته خصوصاً إذا خاطبته إلى رأيت العلم والعرفان يلوحان من شمائله . ورايت علماء الدهر عيالاً على فضله ، وقرأت نسخة التقوى من وجهة وألحاظه فاقتنصت شوارد الإفادة من ألفاظه ، وذكرت قول ابن الرومى :

    لولا عجائب صنع الله ما ثبتت تلك الفضائل فى لحم ولا عصب

    انتهى ما رمته من العقود .

    وقال خاتمة المحققين طراز عصابة الصديقين سيدى محمد ابن على السنوسى فى كتابه (البدور السافرة) فقال بعد أن ذكر : فقد أخذت عنه رضى الله تعالى عنه علوماً جمة وفنوناً تامة من أحاديث وتفسير وفقه وتصوف وغيرها مع ماله من الأبحاث الرائعة مع أهل التأويل مما لا تكاد تجده مسطراً لغيره ، وأما التوحيد الأخص فكان فيه إمام العارفين ومربيهم ، وكثيراً ما كان يخصنى بجزيل مواهبه حيث يكون وحده ، وغالباً مجالسه مطرزة بالكلم الجامع فى الإشارات الساطعة مما لا يعرفه إلا أربابه .

    اللهم ارض عن القطب النفيس مولانا السيد أحمد ابن إدريس



    ثانياً : ما كتبه علماء الكشف من مناقي شيخ الشيوخ أبن إدريس رضى الله تعالى عنه : -

    وأما من جهة علماء الكشف والعيان فمن ذلك ما قاله ختم أهل العرفان ، وخلاص مقام الإحسان سيدى محمد عثمان الميرغنى فى مناقبه لأستاذه المذكور بعد أن ذكره ولقبه بكلام طويل فاق على الشيخ الأكبر ابن العربى فى الدقائق والعلوم ، وفاق على الحكيم الترمذي فيما أعطى من القول المرسول ، فلو سمعت أذناك حميد كلامه فى الحقائق المرونقة أو طرق فؤادك جلال كرمه فى الحضرة المدققة لقلت : أقسمت بالله تعالى وبشأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أعطى أحد من الأولياء مثل هذا المشهد الذى هو فيه مجعول . فنسأل الله الذى منحه ووهبه من خزائن فضله أعطاه أن ينيلنا قطرة من شرابه الذى لم ينله أكابر العارفين ، وأن يجعلنا من خواص خواصه المقربين.

    وما فى تكميل تلك المناقب مما لفظه :

    وكان رضى الله تعالى عنه يعنى المترجم له كشف ومقام عال يرقى بلفظه فى أقل لحظة إلى أعلى الدرجات ، ويوصل السالك إلى أرفع المدارك ، كما اتفق لاستاذنا الختم رضى الله تعالى عنه لما لقنه الذكر واشتغل به ما شاء الله ، فدعاه يوماً من الأيام وأعطاه الحزبين وقال (هيئ لك محلاً خالياً وسدد جميع المسام واشتغل بالذكر والعبادة فعند الظهر يأتيك الفتح) قال : ففعلت كما أمرنى فلما كان وقت الظهر وقع لى ما وعدنى فرأيت سقف الخلوة انفرج ونزل على نور عظيم ودخل مسا ذاتى فوقت مغشياً على من الظهر إلى الضحى من اليوم التالى الذى بعد يوم الفتح فلما أفقت صار جسمى كله عيوناً تنظر فأبصر من أمامى ومن خلفى ومن جميع جهاتى وكشف لى عن عوالم الملك وشاهدت الارض إلى (قاف) من محلى وغبت فى حب الله فلما استطعت القيام أتيت غليه فلما رآنى قال : يا أخانا عثمان أنت إلى الآن فى شهود الأكوان هاه فشاهدت الديوان الأعلى واتصل شهودى بالحضرة الإلهية إلى هذا الآن ولم يزل يرقبنى بلفظه ويربينى بلحظه حتى إنى كنت يوماً جالساً بين يديه فسألته عن (أرض السمسمة) فقال : سبحان الله يا أخانا عثمان أنت إلى الآن ما شاهدت (أرض السمسمة) ؟ فلما قلت له ما شاهدتها قال : هاه فوجدت نفسى فى تلك الأرض وهكذا كان حاله كلما سألته عن مقام عالى يوصله إلى فاتفق له يوماً أن سأله عن (السطح) الذى هو عبارة عن بلوغ أقصى الدرجات المعبر عنه (بالباب) وما وصل إليه من كمل من الأغواث والأفراد إلا قليل كسيدى محيى الدين وسيدى تيفور وأشباههم فعندما سأله عن هذا المقام قال : يا أخانا عثمان أنت إلى الآن ما وصلت (السطح) هاه فبمجرد قوله هاه ترقى أستاذنا الختم إلى أعلى مقامات المكافحة والفتوى .

    اللهم ارض عن القطب النفيس مولانا السيد أحمد ابن إدريس

    وما فى واردات الأستاذ المحقق والإمام المدقق سيدى محمد السنوسى رضى الله تعالى عنه من قوله : وفى ليلة ثالث وعشرون وقع اجتماع ببعض أهل الله وفيهم الشيخ السمانى رضى الله تعالى عنه والقوم ناظرون كلهم فى وصف الشفا : يعنى سيدى أحمد ابن إدريس فى سمو مقامه وتحققه وجزيل إرثه الذى كاد أن يكون به عين مورثة قال الشيخ المذكور : غاية ما أطلعنى عليه وعرفنى به مما بلغ سنام الولاية الكبرى والفردانية النورا من أكابر فحول أقطاب هذه الأمة كابى يزيد وسهل وجيلانى والحاتمى وما واحد منهم حام حول حماه ولا اكتحل بنور ثناه ثم أخذ ورقة وسطرهم فيها بلا مراء وهو يعددهم واحداً بعد واحد ويتمعن فيماله وصار داهشاً متحيراً بما يراه من عظيم مقامه .

    حتى قال : لو اجتمع هؤلاء كلهم وزنوا لكانوا معه كالعدم ثم ناولنى تلك الرقعة وعددت المسطر فيها فوجدتهم خمساً وأربعين ثم نظرت فإذا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فى جماعة من أصحابه وها أنا أنزر وأتفحص مع أصحابى هل أحد حذا حذوة واقتفى أثره فلم أجد . أ هـ .

    ولعل السر فى قوله : فلم أجد دون فلم نجد لأنه هو وأصحابه كالشئ الواحد وما فيها أيضاً من أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال له بطريق الكشف فى الثناء على أساتذه المترجم له : (أنا هو من كل وجه فمن لم يعرفه لم يعرفنى) يريد ككما هو ظهر المعرفة الكاملة كما للخواص . والله تعالى أعلم .

    وقال : قل فى شأنه ووصفه ونعته كما يصح فى حقى لأجل هذا كثيراً ما نريك كيف اتحاد ذاته بذاتى وكيف هو ممتزج معه ومتحد ثم التفتت إلى الشيخين وقال لهم : أتشهدتن بهذا ؟ قالا : يشهد الله بذلك وملائكته وانبيائه ورسله وصالح المؤمنين – أقول : وقوله (كيف ممتزج معى ...... الخ) كما هو ظاهر كناية عن القرب والاتصال الكاملين ومما يناقى هذه المنقبة مما نقل من قوله رضى الله تعالى عنه :

    لقد صار رب الخلق سمعى وناظرى وطرفى ورجلى مع يدى ولسانى

    وبشرنى أن لا يعذب مسلماً رآنى حقا أو رأى من رآنى

    وأنتم بمثل السمع منى قراراكم بأوسط قلبى من أذاكم أذانى

    لأنى كبير الأولياء بأسرهم جمعت من العرفان كان بيان

    فلستم تخافون الوجود بأسره يعوقكم عنى فلا والمثانى

    وقوله : لقد صار رب الخلق يشير إلى حديث قدسى (ما تقرب إلى عبدى بشئ أحب إلى من أداء ما افترضته عليه الخ) الحديث وهو حديث قدسى شهير عند المحدثين وقد تكلم عليه الإمام الشوكانى فى مؤلف جليل سماه (قطر الولى) وقد حصل الكلام على اختصار من الأستاذ عند قوله النبى صلى الله عليه وآله وسلم (وشوقى إلى ربى) فقال رضى الله تعالى عنه : قال الله عز وجل (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) وإن كان كذلك فيكون الشوق من باب قول القائل :

    ومن عجب إنى أحن إليهمو واسأل عنهم دائماً وهمو معى

    وتبكيهمو عينى وهم فى سوادها ويشتاقهم قلبى وهم بين أضلعى

    وهذا الشوق كل ينال منه على قدره فإذا تمكن صار عضقاً وشغفاً فإذا صار عشقاً وشغفاً غاب العاشق عن معشوقه قال مجنون ليلى لما جاءت إليه : إليك عنى فقد شغلنى حبك عنك وهذا ضلال المحبة أغناه الاتحاد بها عنها وهو مقام الفناء ، ومقام الفناء الاتحاد . ثم قال رضى الله تعالى عنه : (فغذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به) الحديث كما يليق به عز وجل .

    وليس المراد ما يتوهمه من لا بصيرة له مما يتنزه مولانا عنه . فذلك كفر وضلال . والاتحاد الذى يذكره أهل الله رضى الله تعالى عنهم أمر ذوقى لا يمكن التعبير عنه ، فهو من علوم الأذواق لا من علوم الأوراق .

    فلم تهونى ما لم تكن فى فانياً ولم تفن ما لم تجتلى فيك صورتى

    ولطالما نبه رضى الله تعالى عنه على أن لا يفهم هذه الكينونة على غير شئ لا يليق ، فمن ذلك ما قاله فى شرحه لبيت : (توضأ بماء ويداً ورجلاً ، كما يليق بجلاله من غير حلول ولا مزج ، ولا أن يرجع العبد رباً ولا الرب عبداً . وتكلم على هذا الحديث فى موضع بما لا تسعه هذه الوريقات وما فى عقود الدرر للرشيد الهمام . فقال : وقال يعنى الأستاذ رضى الله تعالى عنه : وسأل بعض إخواننا المقربين أهل الوصلة والاجتماع برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حالنا عند الله وعنده فقال له عليه الصلاة والسلام : ابنى أحمد بن إدريس غوث لا كالأغواث وفرد لا كالافراد وجرس لا كالأجراس ، فوق الكل وممد الكل . والله على ما نقول وكيل . وجوابنا هذا نرده بين يدى الله تعالى يوم القيامة . ولقد حكاها لنا شيخنا الوالد . زاد بعد وممد الكل مما لا يعلم حقيقته غير ربه .

    اللهم ارض عن القطب النفيس مولانا السيد أحمد بن إدريس

    الفصل التاسع : -

    مناقب الطريقة الأحمدية وأفضليتها

    وأما الكلام عن مناقب طريقته فمن ذلك ما للقاضى حسن المتقدم ذكره فى عقود الدرر ، قال : وقد قال يعنى الأستاذ : أرباب هذه الطريقة أخذوا طريقهم بوسائط ، وأنا أخذت طريقتى عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلا واسطة ، فأنا طريقتى محمدية أحمدية ، مبدؤها من النور المحمدى ومنتهاها إليه . وما كتبه الأستاذ السيد محمد عثمان الميرغني الختم فقال : اعلموا أن البشائر قد تواترت من حضرة الرحمن إلى جميع الإخوان ، وقد تكفل لنا رسول الله r بجميع الإخوان ، فمن انتسب إليكم لم أكله إلى كفالة غيري ولا إلى وكالة غيري ، وهذه بشرى عظيمة ومنزلة فخمة كريمة . وما في تكملة المناقب للسيد محمد عثمان الميرغني : ورأى بعض الصالحين النبي r ومعه أكابر أهل السنة ، وكان كل واحد منهم يذكر طريقته ويصححها على النبي r : طريقتي هي طريقة أحمد ابن إدريس . فقالوا : يا رسول الله السنا كلنا على طريقتك ؟ فقال لهم : كلكم على طريقتي ، ولكن طريقتي الخاصة هي طريقة أحمد بن إدريس .

    فضائل أذكار الطريقة الأحمدية

    وما يتعلق بالأذكار فمنها التهليل والعظيمية كما في (تعمير الأوقات) ، ففيه قال رسول الله r لبعض العارفين : لو أن واحداً يقول (لا إله إلا الله) وأمد الله في عمره من لدن آدم إلى النفخ في الصور ، وآخر قال هذه الصيغة مرة واحدة لفضلت بما لا نهاية له ، ويريد بالصيغة : (لا إله إلا الله محمد رسول الله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله) وفيه : فكيف إذا صليت بالصلاة العظيمية التي قال فيها رسول الله r لبعض العارفين : إن المرأة فيها تعدل الصلاة الجزولية ألف ألف هكذا بالتضعيف حتى حسبها عشرين مرة . وأما الاستغفار فمما له ما روي عن الأستاذ من قوله : ومن أعظم استغفار كنت كتبت به إلى بعض الأولياء فأرسل كتاباً يقول فيه : الاستغفار الذي بعثت به إلى قرأته مرة واحدة ، فغفر الله لي ذنوبي كلها ولم يبق منها شئ ، ثم قال : هذا يدل على أنه يعلم أن الله غفر له علماً صحيحاً من الله وإلا كيف يقول غفر لي ، وأما فاتحة الأوراد التي تستعمل أوائل كل عمل وهي (اللهم إني أقدم إليك بين يدي كل نفس ولمحة وطرقة يطرف بها أهل السماوات وأهل الأرض وكل شئ هو في علمك كائن أو قد كان أقدم إليك بين يدي ذلك كله) ، فقد ذكره الإمام الشاذلي في حزب البر وفضله معروف ، وأما صيغة الصلاة التي تذكر قبله وهي : (اللهم صل وسلم وبارك على مولانا محمد وعلى آله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علمك آمين)

    ففي التعمير المذكور : أنها الصلاة التي يصلي بها المهدي عليه السلام على النبي r ، وأما كفارة المجلس وهي (سبحانك اللهم وبحمدك . أشهد أن لا إله إلا أنت . أستغفرك وأتوب إليك . عملت سوء وظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) فهي أشهر من أن يذكر فضلها ، وأجل من أن يرى مثلها ، ثم اعلم أنه كما مر لك أن العدد في التهليل بحسب الطاقة ، كذلك في الباقي إلا الاستغفار في السحر فيعين بالسبعين ، وما تفعلوا من خير فلن تكفروه . ومن أراد البسط على هذه فعليه برسالة الأذكار بأكثر مع حل معانيها وعليه برسالة مختصر الأنوار القدسية في الطريقة المحمدية الأحمدية الإدريسية وفي رسالتي التي هي دفع الاعتراض عن سيرة شفاء الأمراض كلام على التهليل يشفي الغليل من بعض الحيثيات . وفي كتاب النفس اليماني جعل تقليعاً حافلاً يتعلق بالكلام وعلى أوراده جميعاً وعلى اللازم منها خصوصاً بحيث يحصل به الإقناع الموافق من المؤلف والمخالف . والله المستعان وبه البلاغ وعليه التكلان . ولا حول ولا قوة غلا بالله العلي العظيم وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين . والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

    اللهم ارض عن القطب النفيس مولانا السيد أحمد بن إدريس



    ، وقد أعجبني تلك المناقب التي جمعها الأستاذ السيد محمد بن السيد على المشهور بالسيد اليمني . ولا بأس بقراءتها عقب كل حول . وفي عزمي إن شاء الله جمع المناقب كلها في مجلد واحد وهي مناقب السيد السنوسي والسيد محمد عثمان والسيد إبراهيم والسيد الأهدلي وغيرهم ، وتسمى هذه المجموعة : مناقب شيخ الأولياء للسادة الأولياء . حتى يكون كل مريد من أهل هذا الطريق على بصيرة من شيخ شيخه قد وفقني الله تعالى إلى إضافة فصول إلى المناقب التي جمعها السيد اليمني فجاءت بحمد الله ميسرة ، وقد سماها السيد أحمد بن إدريس (المنتقى النفيس) والحمد لله على ذلك

    الفصل العاشر

    ما كتبه العلامة محمد البشير ظافر الأزهري من كتابه " اليواقيت الثمينة "

    ومما كتبه العلامة الشيخ محمد البشير ظافر الأزهري في كتابه المسمى (اليواقيت الثمينة في أعيان مذهب عالم المدينة) ما نصه : السيد أحمد بن إدريس والقطب الغوث العارف العالم العامل الفرد الهمام الكامل . يقيه السلف وعمدة الخلف . خاتمة العلماء المحققين صاحب العلم والتدريس الحسنى نسباً من ذرية الإمام الشريف السيد إدريس بن السيد عبد الله المحض . المغربي بلداً ، ولد السيد أحمد بن إدريس بقرية يقال لها ميسور ، بالقرب من فاس ، ونشأ من صغره مجبولاً على الاجتهاد في كسب العلوم بهمة عرشية ، فأخذ رضي الله عنه علوم الظاهر عن أكابر علماء أهل عصره وجهابذة أهل وقته ، حتى صار في أوان شبابه إماماً في جميع علوم الظاهر ، ثم أخذ طريق السادة الشاذلية عن الأستاذ التازي وسيدي أبي القاسم الوزير الغازي

    وأخذ عن أجلاء المغرب ، وارتحل من فاس سنة 1213هـ إلى الأقطار المصرية ، وأخذ بالصعيد عن الشيخ بن حسن القنائي والشيخ محمود الكردي ، ثم ارتحل إلى الأقطار الحجازية ، ومكث بها أربعة عشر سنة بمكة المشرفة ، ثم عاد إلى الأقطار المصرية وصعد إلى صعيد مصر ، وأقام ببلدة تسمى الزينية خمس سنين

    ثم عاد إلى مكة وأقام بها اثنتي عشرة سنة ، ثم انتقل إلى الأقطار وأقام بها تسع سنين . وتوفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين وألف ، ودفن جسمه الشريف بصبيا (بلدة باليمن) ولديه من الكرامات مالا يحصى ولا يحصر

    وقد أفرد بها تآليف ، وأذعن له علماء اليمن بالولاية ، وأخذوا جميعاً عنه طريق القوم . ولقد أخذ عنه أجلاء وقته من فضلاء العلماء والسادة في سائر الأقطار ، كالأستاذ العلامة الشهير السيد محمد بن على السنوسي صاحب الجبل الأخضر رضي الله تعالى عنه ، والأستاذ القطب العارف الأكبر جدنا الشيخ محمد حسن ظافر المدني رضي الله تعالى عنه ، والسيد عثمان الميرغني رضي الله تعالى عنه ، والشيخ المجذوب السواكني رضي الله تعالى عنه ، والشيخ إبراهيم الرشيد رضي الله تعالى عنه ، وله مؤلفات ومجالس علمية ككتاب (العقد النفيس في نظم جواهر التدريس) ، والصلوات المسماة بالمحامد الثمانية وغير ذلك

    وكان رضي الله تعالى عنه يتكلم في علوم التفسير والحديث بما يبهر العقول من أنواع العلوم والبلاغة وحسن التعبير ، وكان رضي الله عنه له قوة فكر في أخذ الدليل من الكتاب والسنة استنباطاً وانتزاعاً ، ولم يكن له في زمانه من يدانيه في الحفظ وملكة الاستحضار . وتعصب عليه علماء مكة ، وجمعوا له أحاديث مقطوعة وموصولة وضعيفة وصحيحة ، وخلطوا أسانيدها ، وجمعوا له مسائل من فنون العلم ليختبروه بها ، فلما جلسوا بين يديه أجاب كل واحد عن مسألته ، ورجع الأسانيد إلى الأحاديث ، وتكلم في العلم بكلام صحيح يكاد يخرج عن طور العقل يعجز عنه فحول العلماء . وكان جامعاً بين الشريعة والحقيقة ، له الباع الطويل في جميع العلوم ، والشهرة التامة في علمي القرآن والحديث رواية ودراية كشفاً وتحقيقاً . وأخذ عنه علماء الأعلام أئمة العصر كالسيد عبد الرحمن الأهدلي مفتي زبيد والشيخ محمد عابد السندي صاحب الثبت في الأسانيد وغيرهم ، رحمه الله تعالى ونفعنا به وبعلومه

    قلت : وقد طالعت كتابه المسمى (بالعقد النفيس في نظم جواهر التدريس) ، ونقلت ما بقي من كلامه رضي الله تعالى عنه



    وقد تركت ما نقله الأستاذ محمد البشير عن العقد النفيس ، لأنه مطبوع وموجود بكثرة بمصر بمكتبة الشيخ مصطفى الحلبي

    اللهم ارض عن القطب النفيس

    مولانا السيد أحمد بن إدريس

    الفصل الحادي عشر

    ما كتبه الشيخ محمد خليل الهجرسي في كتابه " القصر المشيد "

    ومما كتبه فضيلة الشيخ محمد خليل الهجرسي الشافعي الأزهري الإدريسي طريقة رضي الله تعالى عنه في كتابه (القصر المشيد) ما نصه :

    لقد سمعت منذ كنت بالأقطار الحجازية بطريقة تدعى بالطريقة الرشيدية الإدريسية ، فاجتمعت برجال من أهلها أولى كمال ، فسألت عن حقيقة هذه الطريقة ، فأخبروني أنها جامعة للخلوتية والشاذلية ، وقد تلقوها عن سيدي إبراهيم الرشيد ، وهو تلقاها عن سيدي أحمد ابن إدريس ، وهو تلقاها عن الأستاذ التازي ، وهو تلقاها عن الغوث الدباغ . فقلت : وهل تقرءون أوراد سيدي أبي الحسن الشاذلي المشهورة ؟ أو أن الأستاذ الرشيد أو شيخه الإمام ابن إدريس جعل لأولاده أحزاباً يقرءونها تناسب الحال والوقت كما هي عادة الأساتذة قديماً ؟ فقال : بل إن أستاذنا السيد أحمد بن إدريس صنف أحزاباً مستقلة قد تلقاها عنه أستاذنا السيد إبراهيم الرشيد ، ثم أطلعوني على تلك الأحزاب ، فإذا هي أمر من أعجب العجاب ، ثم سألوني أن أشرح لهم الصلوات فقط ، وقد أراد الله ذلك وشرحتها شرحاً كبيراً بالمدينة المنورة سميته " الفتوحات المدنية الهجرسية " . ولما جئت من تلك الأقطار القدسية إلى هذه الأقطار المصرية ورأى هذا الشرح دولت مختار باشا الغازي المندوب العثماني بهذه الديار فأعجبه هذا الشرح غاية الإعجاب ، ولكن رآه واسعاً ، فاستحسن اختصاره في شرح صغير سهل التناول وقد كان ، وأعانني الكريم المنان على اختصاره ، وطبع واشتهر ، ثم إني سألت جماعة الأستاذ سيدي إبراهيم الرشيد وأنا معهم في تلك الديار عن مناقب الأستاذ السيد أحمد بن إدريس ومناقب خليفته الأستاذ الرشيد ، وكانت مدونة عند بعض جماعة منهم فأحضروها إلى ، وكان بعض أكابرهم كالعلامة الشيخ إسماعيل النواب أخبرني شفاها عن بعض كراماته قبل إطلاعي على المدون فوجدته مذكوراً فيه أيضاً كما أخبر ، وبعد حضور إلى هذه الديار المصرية سنة تسع بعد الثلثمائة وألف هجرية اجتمعت بخليفة هذه الطريقة الرشيدية الإدريسية المدعو الشيخ موسى أغا راسم فوقع بيننا مودة ، فسألني عن تصنيف هذا الكتاب في بيان ما يجب على المريد فسألني في التوحيد ، وتعقبت ذلك بذكر مناقب الأستاذين السيد ابن إدريس والسيد إبراهيم الرشيد ، وما تواتر عنهما من الكرامات التي أكرمهما الله تعالى بها

    اللهم ارض عن القطب النفيس

    مولانا السيد أحمد بن إدريس

    الفصل الثاني عشر

    ما كتبه الشيخ النبهاني في كتابه " جامع كرامات الأولياء "

    ومما كتبه العلامة القاضي فضيلة الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني رئيس محكمة حقوق بيروت في كتابه (جامع كرامات الأولياء) ما نصه : هو أحمد بن إدريس أحد أفراد مشاهير الأولياء العارفين الذين ظهروا في القرن الثالث عشر ، وهو صاحب الطريقة الإدريسية المشهورة ، من أعظم كراماته التي لا يفوز بها إلا الأفراد اجتماعه بالنبي r ، وأخذه عنه مشافهة أوراده وأحزابه وصلواته المشهورة ، وقد قرأتها جميعها – والحمد لله – يرونه عامياً صالحاً ويحترمونه لكبر سنه ، فإنه عمر مائة وثلاثين سنة تقريباً ، ثم قال له المجيدري بعد قليل إن الشيخ لم يأذن لي في ذلك ، وقال ائتني به أجمعه برسول الله r ، فازداد تعجباً من ذلك . فذهب سيدي أحمد مع المجيدري إلى سيدي عبد الوهاب التازي وأخذ عنه الطريق وأقبل عليه ولازمه وانقطع بكليته لديه . ثم بعد مضي مدة يسيرة قال له أستاذه التازي : أن شيخك الممجيدري توفي إلى رحمة الله تعالى . قال : بم عرفت ذلك يا سيدي ؟

    قال : إن الشيخ المربي له أوقات يخصها بالتوجه إلى مريديه لأرواحهم ، فما داموا أحياء لا يلقاهم على حالة واحدة ، بل يراهم تارة أنور وتارة أظلم بحسب سلوكهم وطاعتهم ، وتارة أقرب إلى الله وتارة أبعد . ولي عدة أيام ألقاه على الحال الذي تركته عليه ، والمكان الذي أعهده فيه . وهذا العلامة المجيدري هو الذي تلقى عنه سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه الحزب السيفي بروايته عن الققائي قطب الجان عن سيدنا على كرم الله تعالى وجهه . وحين أقبلت الركبان من شنقيط في ذلك الوقت أخبروه بوفاة المجيدري رحمه الله تعالى . وكان الأمر كما ذكر سيدي عبد الوهاب . ومرة ذهب سيدي عبد الوهاب بسيدي أحمد إلى ضريح شيخه سيدي عبد العزيز الدباغ المذكورة مناقبه في كتاب (الذهب الأبريز) لسيدي أحمد بن المبارك ، وقال له عند الزيارة : هذا شيخي وأبي من الرضاع ثم قرأ هذين البيتين :

    لقد نثتت في القلب منكم محبة كما نبتت في الراحتين الأصابع

    حرام على قلبي محبة غيركم كما حرمت يوماً لموسى المراضع

    وكان أحياناً يذكر سيدي عبد العزيز الدباغ رضي الله تعالى عنه ثم يقول :

    تعشقتكم طفلاً ولم أدر ما الهوى

    فشاب عذارى والهوى فيكمو طفل

    يا أحمد أمرنا كله جد

    وكان سيدي عبد الوهاب أحياناً يقول بين أصحابه امتحاناً لهم : وددنا لو أن أحداً جاء لنا بفاكهة بلد كذا . فيقول بعض أصحابه : كبر سن الشيخ فيتكلم بمثل هذا . فيقوم سيدي أحمد يتهيأ ويتزود للسفر ، ثم يأتي للوداع ويقول : يا سيدي إني مسافر لذلك ، فإذا قبل يده يقول له سراً في أذنه : يا أحمد أمرنا كله جد من أعطى الجد يعطي الجد . ومن كلام سيدي عبد الوهاب رضي الله تعالى عنه : قصدي أن تعرفه يا أحمد ولو جاءك في صورة كذا ، ومن كلامه رضي الله عنه حين سئل عن الشيخ المربي ، أهو الذي أطلعه الله تعالى على ضمائر خلقه ؟ قال : لا . ثم قيل له : أهو الذي كشف الله تعالى له من الفرش إلى العرش ؟ فقال : لا . قيل : فمن هو يا سيدي ؟ فأجاب بقوله تعالى (لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) . ثم أنه رضي الله عنه لازم سيدي عبد الوهاب مدة سنتين إلى أن توفي رضي الله عنه ، فاستخار الله سبحانه وتعال في صحبة أحد من المشايخ ، وكان يحب ويتشوق أن يصحب بعض إخوان طريقه من تلامذة شيخه كان يسمى عبد الله ، وكان من كمل العارفين بالله . ومن كراماته رضي الله تعالى عنه : أنه غاب عن بلده مرة ليذكر إخوانه في الله ومعه جملة من أصحابه ، فمات ولده ، فأخبروه بذلك فأرسل إليهم أن لا تدفنون حتى أحضر ، فحضر بعد ثلاثة أيام ، فقال له : من قال لك تموت ؟ قم بإذن الله تعالى . فقام حياً . فلم يشر له في صحبته وأمر بصحبة سيدي أبي القاسم الوزير الغازي فرجع من التازي للغازي رضي الله تعالى عنهم أجمعين

    وكان سيدي أبو القاسم هذا من الأفراد ، فلما جاء إليه حسب الإشارة قال له سيدي أبو القاسم : إن شيخي سيدي على بن عبد الله ترك لك أمانة فهي وديعة عندي ، وصف ذاتك لي حتى أخبرني أن أول قدومك تسكن البيت الذي عند المقابر ، وهذا شيخه سيدي على ابن عبد الله أخذ عن شيخه سيدي أحمد بن يونس عن سيدي أحمد زورق عن الشيخ عقبة الحضر من عن يحيى القادري عن سيدي على وفا عن والده سيدي محمد وفا عن داود الباخلي عن سيدي ابن عطاء الله السكندري رضي الله تعالى عنهم أجمعين

    قال : وسأل شيخنا شيخه سيدي أحمد بن إدريس رضي الله عنهما عن وصول الأمانة المودعة ، وكيفية استفاضته عن سيدي أبي القاسم الغازي ، إن الأمانة التي أودعها سيدي على وصلتني قبل وصول إلى سيدي أبي القاسم ، وطريق استفاضتي منه أكثرها كان بالتوجه القلبي ، كنت أجلس في صفة قرب مجلسه مراقباً له إذا حضرت عنده وأسأله بقلبي ما بدا لي وهو يجيبني بقلبه . قال شيخنا له : يا سيدي ماذا كانت الأسئلة ؟ قال : من حضرة كان الله ولا شئ معه فصحبه سيدي أحمد ولازمه إلى أن توفى إلى رحمة الله . ثم توجه إلى الله تعالى في أن يشار له إلى الشيخ المربي في مشرق الأرض ومغربها ، وكان يقول : مما وجدت من المنفعة في خدمة المشايخ كان لي حرص عظيم ، وكنت أظن أني لا أنقطع أبداً عن صحبة واحد بعد واحد ، حتى قيل لي من الحضرة الإلهية (لم يبق على وجه الأرض أحد تنتفع منه إلا القرآن) قال رضي الله عنه تعالى عنه : فجلست سنين عديدة لا أشتغل بشئ غير القرآن العظيم . ثم : أخي رسول الله r بيني وبين القرآن وقال : أبد له ما فيك من العلوم والأسرار . فكان رضي الله عنه إذا سئل عن آية من القرآن العظيم يأتي من الحقائق من معانيه ودقائقه بما يبهر العقول ، وتعجز دونه الأفكار والنقول

    وقد ذكر لنا شيخنا سيدي إبراهيم الرشيد رضي الله تعالى عنه غير مرة أنه حضر ستة مجالس في ثلاثة أيام في كل يوم مجلسين : مجلساً بعد صلاة العصر إلى المغرب ، ومجلساً من بعد صلاة الصبح إلى ما شاء الله من النهار . وقد سأله بعض الحاضرين بعد العصر عن قوله تعالى (والذي قدر فهدى) فأتى من علومه وأسراره بما أذعنت له القلوب وابتهجت به الأسماع وأيقنت أنه إلهام قريب عهد بربه . ثم عاد الرجل السائل صبيحة تلك الليلة وأعاد السؤال عن تلك الآية ، فكمل المجلس في تفسيرها بنمط آخر أبهى وأبهر وأعلى وأفخر مما مضى . ثم جاء الرجل بعد العصر أيضاً وقال : يا سيدي : (والذي قدر فهدى) فشرع رضي الله عنه في تفسيرها بما كان أشد تأثيراً ووقعاً في القلوب بنمط عجيب غير ما تقدم من الأسلوب الغريب ولم يزل الرجل يسأل عن تلك الآية يعينها إلى أن أكمل المجالس الستة في الأيام الثلاثة . ثم قال رضي الله تعالى عنه : (لو عمرت ولبثت ما لبث نوح عليه السلام في قومه أتكلم على هذه الآية الشريفة في كل مجلس بشرط أن لا أعيد لكم ما سبق ما نفد . وما تم ما من الله به على ، وإن أحببتم خرجنا إلى الساحل وتكلمنا في آية أخر)

    وقال شيخنا رضي الله تعالى عنه : ما حضرت بنفس ولكن نقل لي ثقات أهل اليمن أن سيدي أحمد رضي الله تعالى عنه لما كان في ربيد تكلم بمحضر علمائها وفقهائها ورجالها إثني عشر يوماً يستغرق أوقاته في تفسير قوله تعالى (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات) الآية من سورة الأحزاب حتى كتبوا تفاسيره وكلامه وتقاريره عليها فبلغت سبعين كراساً والله تعالى أعلم

    واشتهر بل وتواتر في الحرمين الشريفين واليمن أنه رضي الله تعالى عنه كان إذا سئل عن شئ من القرآن العظيم نظر إلى باطن كفه ثم شرع يفسر بما شاء الله تعالى من العلوم اللدنية . وإذا سئل عن الحديث الشريف نظر إلى ظاهر كفه ثم يقرر من الأسرار الإلهية والمعارف الإلهامية ما يبهر به العقول ويحير أهل المعقول والمنقول ، فكانت يده رضي الله تعالى عنه لوح العلم المكنون

    قال شيخنا رضي الله تعالى عنه : وقد ترك ذلك في آخر أيامه ، فكان إذا سئل عن شئ من تفسير أو حديث فسر وحدث من دون نظر إلى يد ولا غيرها . وصحبه رضي الله تعالى عنه في بلاد المغرب قبل مجيئه إلى بلاد المشرق خلق كثيرون من الفضلاء والعلماء الأعلام ، وظهر على يده هناك جملة جمة من الكرامات والخوارق يطول ذكرها ، وعرفوا فضله واستقامته ومكانيته من العلوم والعرفان ، حتى إنه اتفق له مرة أنه أتى له برطب فأكل منها وبقي من سؤره رطبات ، فتنافس فيها المريدون حتى أخرجوها إلى المزاد وتزايدوا فيها ، فبلغ ثمنها نحواً من الف ريال ، فذهب الذي وقعت عليه ببيع كتبه ليوفي ثمنها فكان هناك ما شاء الله . ثم توجه رضي الله تعالى عنه إلى بلاد المشرق قاصداً مكة المكرمة . وكان وصوله لمصر في سنة ثلاث عشرة من القرن الثالث عشر . ثم وصل مكة المشرفة ومكث فيها نحواً من ثلاثين سنة . وذهب إلى صعيد مصر مرة أو مرتين يذكر الإخوان في تلك المدة . وإلى المدينة المنورة والطائف مراراً عديدة . وأمر رضي الله تعالى عنه بالتوجه إلى اليمن ، ومكث بزبيد مدة ، وفي مخا وغيرها مدة ، ثم أقام بصبيا قرية شهيرة عند أبي عريش ومكث بها نحواً من تسع سنين . وتوفي بها إلى رحمة الله تعالى ورضوانه . وله بها إلى الآن ذرية صلحاء . وبالجملة كان جامعاً بين علمي الظاهر والباطن والباع الطويل فيهما . وله المعرفة والشهرة التامة في علمي القرآن والحديث رواية ودراية كشفا وتحقيقاً . أذعن بفضله الخاص والعام وأخذ عند العلماء الأعلام . فممن أخذ عنه وصحبه العلامة الفاضل الأكمل السيد عبد الرحمن بن سليمان الأهدلي مفتي زبيد من أعيان علماء عصره المتفق على جلال قدره في العلم والعمل في عصره ، ومنهم المحدث الفقيه الشهير بالمناقب المأثورة شيخ العلماء في وقته بالمدينة المنورة محمد عابد السندي صاحب الثبت في الأسانيد المسمى (بحصر الشارد في اسانيد محمد عابد) ومنهم علامة وقته من الفضلاء الفحول الجامع بين علمي المعقول والمنقول السيد محمد السنوسي رضي الله تعالى عنه ، أخذ الطريقة عن مشاهير أولياء المغرب في وقته العارف بالله تعالى سيدي الشيخ العربي الدرقاوي والسيد أبي العباس أحمد التيجاني رضي الله عنهما ، ولما وصل إلى مكة المشرفة أخذ عن سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه وأذعن له الإذعان التام ، وصحبه ولازمه ودل عليه . وشهرة فضله وكماله يغني عن وصف حاله . وممن أخذ عنه وأثنى عليه العارف بالله سيدي الشيخ محمد المدني ظافر من أعيان المدينة المنورة ووجهائها رضي الله تعالى عنه ، فإنه لما رجع من المغرب كاملاً مرشداً مأذوناً من حضرة شيخه سيدي العربي الدرقاوي رضي الله تعالى عنه اجتمع بسيدي أحمد بن إدريس بمكة المشرفة وأخذ عنه الطريقة وأثنى عليه الثناء الجميل ، ومنهم المجذوب السواكني من أولياء السودان الشهير في وقته بين الخلائق بالكشف الصادق والكرامات والخوارق وأخذ عنه وصحبه مدة مديدة . ومنهم القطب الشهير والسيد الخطير السيد عثمان الميرغني جد السادة الميرغنية بمكة المشرفة والسودان . وآخرهم أخذاً وصحبة وملازمة شيخنا الكامل وارث سره ومظهر خصائص فيوضاته وبره صاحب الكرامات والتأييد سيدي وسندي إبراهيم الرشيد رضي الله عنه ، فإنه صحبه بصبيا ثم لم يفارقه مدة حياته واغتنم فيوضات بركاته إلى أن توفي ورأسه الشريفة على ركبته ، وظهرت على يده أسراره العرفانية وأنواره الظاهرية والباطنية ، وخصوصياته وكمالاته اللدنية للخاص والعام . كما شاهدناه منذ سنين وأعوام ، ولا دليل بعد عيان . ثم إن سيدي أحمد بن إدريس قدس سره النفيس خصه الله تعالى بالمواهب المحمدية والعلوم اللدنية والاجتماعية الصورية الكمالية بالنبي r والأخذ والتلقي منه حتى لقنه r بنفسه أولاد الشاذلية ، فهو تلميذه وآويه ووارثه ومريده الخاص ، فإنه r أعطاه أوراداً جلية وطريقة تسليكية خاصة ، وقال له : من انتمى إليك فلا أكله إلى ولاية غيري ولا إلى كفالته بل أنا وليه وكفيله

    اجتماع سيدي أحمد بالنبي r

    قال سيدي أحمد رضي الله تعالى عنه : اجتمعت بالنبي r اجتماعاً صورياً ومعه الخضر عليه السلام فأمر النبي r الخضر أن يلقنني أذكار الطريقة الشاذلية ، فلقنني إياها بحضرته ثم قال r للخضر عليه السلام : يا خضر لقنه ما كان جامعاً لسائر الأذكار والصلوات والاستغفار ، وأفضل ثواباً وأكثر عدداً فقال : أي شئ هو يا رسول الله ؟ فقال : قل (لا إله إلا الله محمد رسول الله فى كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله) فقالها وقلتها بعدهما ، وكررها صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثا ثم قال : قل : ( اللهم إنى أسألك بنور وجه الله العظيم ) إلى آخر الاستغفار الكبير ، فقلت بعدها وقد كسيت أنواراً وقوة محمدية ، ورزقت عيوناً إلهية ، ثم قال r : يا أحمد قد أعطيتك مفاتيح السماوات والأرض ، وهي الذكر المخصوص والصلاة العظيمية والاستغفار الكبير المرة الواحدة منها بقدر الدنيا والآخرة ، وما فيهما أضعافاً مضاعفة

    قال سيدي أحمد رضي الله تعالى عنه وقدس سره : ثم لقنها لي r من غير واسطة ، فصرت ألقن المريدين كما لقنني به r ، ومرة قال له رسول الله r : (لا إله إلا الله محمد رسول الله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه الله خزنتها لك يا أحمد ، ما سبقك بها أحد ، علمها أصحابك يسبقون بها) . وكل رضي الله عنه يقول : أملي على رسول الله r الأحزاب من لفظه حتى استشكل بعض أصحابه من العلماء مرة كلمة في الحزب الخامس فقال : يا أخانا هكذا قال لي رسول الله r وكان يقول : أخذنا العلم من أفواه الرجال كما تأخذون ، ثم عرضناه على الله والرسول فما أثبته أثبتناه وما نفاه نفيناه ، والله العظيم الآن لو ما قيل لي : قل ، ما قلت ، وأحياناً كان يؤكد ذلك فيقول : يا ويلي يوم العرض على الله إن غيرت أو بدلت

    وله القدم الراسخ والتحري الكامل في متابعته r قولاً وفعلاً وحالاً ودلالة مع كثرة استغراقه في الأوقات العادية والصلوات . وكان يطيل صلاة الصبح ، وإذا وقف فيها سالت عيناه الهطالتان من الدموع مع عدم قوة النظر والإدراك لها في الغالب إلا بقدر ما تجوز به الصلاة ، ونفسه العالي في علم الحقائق لا يخفى على من يطالع هذه الأحزاب الشريفة نفعنا الله تعالى بها . انتهى كلام الشيخ إسماعيل عبد التواب رحمه الله تعالى


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    الفصل الثاني : ما كتب عنه

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 3:30 am

    الفصل الثالث عشر :

    ما كتبه سيدي إبراهيم الرشيد في كتابه " عقد الدر النفيس "

    ثم بعد نقل ما تقدم اطلعت على كراسة ألفها خليفته سيدي الشيخ إبراهيم الرشيد وسماها (عقد الدر النفيس) في بعض كرامات ومناقب شيخه سيدي أحمد بن إدريس ، وهي غير كتاب (العقد النفيس) الكبير المطبوع ، وها أنا أنقل ما فيها من الكرامات مما لم يتقدم ذكره في رسالة الشيخ إسماعيل النواب السابقة فأقول : قال : ومن كراماته رضي الله عنه أنه في بعض الأيام حضر مجلسه جماعة من العلماء الأعلام مع رئيس العلماء القاضي حسن أحمد عاكش ، وسألوه عن جملة من المسائل العلمية ، فأفادهم بما لا يخطر لهم ببال من المواهب من الملك المتعال ، ورجعوا إلى مقرهم وقالوا : كلام السيد هذا وجيه ولكن كنا نرجع كلام العلامة فلان والعلامة فلان . فقال لهم القاضي حسن : نحن وأنتم ندعو الله تعالى أن يبين لنا الحق معه أو مع من ذكرتم من العلماء ، فاستحسنوا ذلك ودعوا الله تعالى ورقدوا . وأرى الله للعالم السائل منهم أنه رأى رسول الله r في المنام وسأله عن المسائل التي اختلفوا فيها ، فقال يا رسول الله هل نتبع قول فلان ؟ فقال : اتبعوا من أقواله ما وافق الكتاب وسنتي حتى عدهم كلهم والنبي r يقول له : اتبعوا من أقواله ما وافق الكتاب وسنتي . ثم قال : يا رسول الله أتبع قول السيد أحمد بن إدريس ؟. فقال له عليه الصلاة والسلام هي كالمتعجب سبحان الله فهل لإبني أحمد من كلام ؟ إنما يتكلم بسنتي ويعبر بلساني . وأصبح الرجل فرحاً مسروراً ، وأخبر أصحابه وأتوا إلى السيد أحمد وذكروا له الرؤيا ، فقال : الحمد لله الذي أظهر لكم الحقيقة .

    قال الشيخ إبراهيم الرشيد : ولما قدم رضي الله تعالى عنه إلى زبيد اليمن وأقام بها هرعت إليه أكابر سادات العلماء ، كالسيد عبد الرحمن مفتي زبيد وغيره وصاروا يترددون إلى مجلسه صباحاً ومساء ، ويسمعون منه الغرائب من العلم اللدني الذي لا يخطر لهم ببال ، ويسألونه عن المسائل العويصة ويجيبهم بما ينشرح إليه الصدر من الجواهر النفيسة ، فلما رأوا ذلك منه اتفق رأيهم على أن كل واحد منهم يكتب ما يراه صعباً من مشكلات التفاسير والأحاديث ويجعلونه في ورقة . قالوا : وأنت يا سيدي عبد الرحمن تتولى السؤال ونحن نسمع ، فإن أجاب سلمنا له . وحضروا بين يدي الأستاذ رضي الله تعالى عنه ، فأقبل عليهم وقال للسيد عبد الرحمن بطريق الكشف : أخرج ما عندك من الأسئلة وانظر أول سؤال وهو للسيد فلان ، وتكلم عليه بما يبهر العقول . ثم قال : السؤال الثاني هو للسيد فلان وهو كذا وكذا وتكلم بما لم يخطر على بال . وعلى السؤال الثالث وصاحبه وتكلم عليه بما يدهش العقول . وهكذا حتى استوفى جميع الأسئلة فتعجبوا من صدق كشفه كأنه معهم ، وغزارة علمه وأجوبته عن كل سؤال بلا كلفة ولا مشقة ، فأذعنوا له وعرفوا فضله رضي الله تعالى عنه ، وصاروا يأتون بعد العشاء ويسألونه عن تفسير بعض الآيات ، وجملة ما سألوه عنه تفسير قوله تعالى : (إن المسلمين والمسلمات) آية الأحزاب ، فجلس في تفسيرها أحد عشر يوماً مجلساً في الصباح ومجلساً في العشاء ، وفي كل مجلس يأتي بغرائب وعجائب لم تسمع قبل ذلك ، ثم التفت إليهم وقال لهم : لو أطال الله أعمارنا وصرنا نتكلم في تفسير هذه الآية إلى يوم القيامة وكان مجلس فيه شئ جديد لفعلنا ذلك . فصدقوه ودونوا جميع ما تكلم به

    قال الشيخ إبراهيم الرشيد : ومما حكاه لنا رضي الله تعالى عنه واقعتان وقعتا له في ابتداء أمره في المغرب قال : كنت ذات يوم أمشي في السوق ومعي جماعة . مرت علينا جماعة من الشرطة محتاطين بواحد مشدود الوثاق لا يمكن خلاصة منهم ، فقال الشيخ لبعض جماعته : هل لمثل هذا في نظركم مخرج من بين هؤلاء ؟ فقالوا : لا . فقال لهم : انظروا كيف تصريف الله تعالى وخرق العادة ، والتفت إلى الشرطة وقال لهم : اهدءوا فخرجت القيود والأغلال من الرجل ، وتفرقت الشرطة عنه ، ومضى لسبيله وكان مظلوماً . والواقعة الثانية أنه خرج رضي الله تعالى عنه إلى باب مدينة فاس ، فرأى الشرطة على الباب والمكاسين يأخذون من الفقراء الداخلية مما معهم من أثمار البساتين التي تسقط ويأتون بها لعيالهم وضعفائهم ، فضج الفقراء من ذلك وقالوا : لعلنا نجد معيناً أو شافعاً ، فلما رأى الشيخ رضي الله تعالى عنه ما بهم قام حسبة لله تعالى وقال : ائتوني برجل منكم شجيع يبلغ الخبر للملك كما آمره ويرد لنا الجواب ن فقام رجل من الحاضرين وقال : أنا أذهب إلى الملك فقال : قل للملك : واحد يقول لك ولا تسمني : الأمر الذي جعلته على ضعفاء المسلمين اتركه ولك في تركه خير ، وإن لم تتركه تنظر ما يحصل لك . فوصل الرجل إلى السلطان فأخبره بكلام الشيخ ، فطأطأ رأسه ورفعه وقال للرجل : من هذا الذي أرسلك ؟ فقال له : أمرني أن لا أخبرك باسمه ، فقال له : قل : قد أعطيتك مطلوبك وتركت للناس حالهم كما أمرت ، وأنا عندي حاجة وهي أن القبيلة الفلانية خرجت من طاعتنا ، وجهزنا عليهم جيوشاً كثيرة ولم نظفر بهم ، وحاصل منهم فساد كثير . ولا يصلحون إلا بدخولهم تحت طاعتي . فرد عليه الشيخ مع الرجل أن قل للملك : قد أعطيناك ذلك . فلم يلبثوا أن أقبل كبراؤهم وعرفاؤهم وطلبوا الصلح من السلطان ودخلوا تحت الطاعة

    وقال سيدي إبراهيم الرشيد : إني كنت في بلادنا أي بلاد السودان أطلب العلم بين يدي والدي القاضي صالح الرشيد ، فجاء أخ لي أكبر مني يقص رؤيا رآها على الوالد ، وكان للأخ امرأة توفيت في تلك الأيام فقال : رايتها في المنام وسألتها : ما فعل الله بك بعد قدومك عليه ؟ فقالت : جمعنا الله سبحانه وتعالى نحن والأموات جميعاً بين يديه وقال لنا : أنتم حضرتم زمن عبدي أحمد بن إدريس فسامحتكم جميعاً من أجله . هذا ما سمعته من الأخ قد حكاه في مجلس الدرس بين يدي والذي ونحن في بلاد السودان وسيدي أحمد رضي الله تعالى عنه بأرض اليمن ، ولم نكن أخذنا عنه الطريق ولا رأيناه ، بل كنا قد سمعنا به سماعاً ووصل إلينا صيته . وبعد ذلك جمعنا الله تعالى به ، وأخذنا عنه الطريق ، وجلسنا بين يديه وأخبرته بقصة المرأة المذكورة وقلت له : هل هذا الأمر صحيح ؟ قال : نعم

    وقال سيدي إبراهيم الرشيد : وحكى لي بعض الإخوان من الأكراد أنه كان في السياحة قال : فاتفق في بعض الأيام وأنا في البراري والقفار ، إذ اشتد على الحر حتى أشرفت على الهلاك ، فعمدت إلى شجرة هناك بقرب الطريق ، فهيأت لي مضجعاً وقلت : هذا هو القبر ، ثم تذكرت أن الشيخ سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه قال لنا : إن مريدي إذا ناداني وهو بالمغرب وأنا بالمشرق أو عند جبل قاف أجيبه ، وإن كان صادقاً سمع الرد والجواب ، والإجابة له بلبيك . فقلت : يا سيدي أحمد أدركني فأنا على ما تراني من الهلاك عطشا ًوجوعاً ، وكنت مستلقياً على وجهي وطرف الثوب على ظهري ، فسمعت حركة شئ وضع في الشجرة ، فرفعت الثوب عن وجهي ، فرأيت بين أغصان الشجرة شيئاً مثل البطيخة وعليها رغيفان كبيران ، فقلت في نفسي تخيلات فمن يأتي بالرغيفين والبطيخ في هذا الموضع ؟ فوضعت الثوب على وجهي وأيقنت بالموت ، وبقيت متردداً في كون هذا خيالاً أو حقيقة وكشفت الثوب عن وجهي ، ونظرت فإذا بالبطيخة والرغيفين ، فقمت إليهما وإذا هما كأنهما أخرجا من التنور الآن والبطيخة من أطيب ما يكون . فأكلت حتى شبعت ، ورويت من ماء البطيخة ، وسرت حتى وصلت إلى أرض العمران ، وذلك ببركة الأستاذ رضي الله تعالى عنه

    وقال : وحكى لي هذا الأخ الكردي أنه سافر مرة مع جماعة ، فبينما هم في فلاة من الأرض خرج عليهم سبع فجعلوه من الجهة التي فيها السبع ، وهم خلفه ورقدوا ، فأتاه السبع ، فلما شمه ولى هارباً مثل المطرود ورجع إلى غابته

    وقال سيدي إبراهيم الرشيد : ومن كراماته رضي الله تعالى عنه أنه كانت لواحد من أصحابه المغاربة امرأة مسيئة ، فضربها مرة ضربة شديدة فماتت ، فخاف على نفسه من الحكام ، فأتى في الليل حتى طرق الباب على الأستاذ رضي الله تعالى عنه فأخبره بذلك ، فقام الشيخ معه إلى أن أتى المرأة فوجدها ميتة وقال لزوجها : نحن نتوجه إلى الله تعالى في كشف هذا الكرب ، وأنت استر ما ترى . فجعل الشيخ عصاه على المرأة فأحياها الله تعالى ، وعاشت بعد ذلك ما شاء الله أن تعيش

    وقال سيدي إبراهيم الرشيد : ومن كراماته رضي الله تعالى عنه أن أمر بعض الإخوان بالتوجه إلى الصعيد ومعه جماعة أمره عليهم عملاً بالسنة ، فنزلوا إلى جدة وتعسر عليهم الحال من عدم الزاد والمصاريف ، فرأى أميرهم في منامه سيدي أحمد وأنه أعطاه كتاباً وقال له : خذه وسافر على بركة الله تعالى ، فجعله في جيبه ، فلما أصبح تذكر الرؤيا فقصها عليهم ، ومد يده إلى جيبه فوجد الكتاب فأخرجه فوجده مكتوباً (رب يسر ولا تعسر ، رب تمم بالخير يا كريم) ففرح الإخوان بذلك وفرج الله تعالى عنهم ، وتيسرت لهم الأمور على أحسن حال ، وسافروا على بركة الله تعالى

    قال سيدي إبراهيم الرشيد : ومن كراماته رضي الله تعالى عنه أن بعض أصحابه قال يوماً وهو في المدينة المنورة جالس مع بعض الإخوان المحبين وكان هو من العارفين قد نظر إلى السماء رأى عصافير ، فقال لمن حضر من الإخوان : لو دعوت هذه العصافير باسم سيدي أحمد لأجابت ، فتساقطت كلها بين يدي الحاضرين ، فمات بعضها وطار البعض

    قال سيدي إبراهيم الرشيد : ومن كرامات سيدي أحمد رضي الله تعالى عنه ما وقع قبل وصولنا إليه ونحن بمكة قد أتينا للحج وهو باليمن ن فبعد فراغنا من الحج أصابني مرض شديد حتى أني لا أستطيع القيام لقضاء الحاجة ، فخشيت من الموت على هذا الحال ، فتضرعت إلى الله تعالى أن أظفر بشيخ كامل يعرفني بالله تعالى المعرفة الخاصة وبرسوله r حتى أموت على معرفة تامة ، فتوسلت بسيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه ، فبمجرد ما غمضت عيني للنوم رأيت سيدي أحمد بن إدريس جاء إلى وأنا مضجع على سرير فوقف عندي وقال لي : دواؤك أن تجعل بين جلدك ولحمك ماء زمزم . فقلت له : يا سيدي أنا مريض وأنت افعل لي ، فالتفت وقد حضرت عندي قربة من ماء زمزم على ظهر سقا ، فلما وصل عندي سيدي أحمد خرق الجلد في خصيتي ووضع رأي القربة في ذلك المحل ، فصار لها دوى في بدني كدويها في الدوارق إلى أن حصلت كلها في ذاتي ، وسال مني شئ كثير من العرق حتى نزلت تحت السرير ، فاستيقظت وأنا أجد لي قوة إلى القيام والمشي على رجلي إلى أي مكان ، فحصلت لي العافية ببركة الأستاذ

    وبعد أيام حصل لي مرض شديد فتوسلت بالشيخ رضي الله تعالى عنه ، فرأيته في المنام في خيمة عظيمة في محل مرتفع وهو وحده فسلمت عليه ، وقال لي : اجلس فجلست أمامه فقال لي : أنت خائف من الموت . قلت له : نعم ، فأخذ ورقة وكتب فيها سطرين :

    الأول : ما تموت حتى يكون عمرك ثمانين سنة

    والسطر الثاني : ما تموت حتى تكون من أكابر العارفين بالله تعالى . وأعطاني الورقة وقال لي : اقرأها فقرأتها فحمدت الله تعالى على ذلك . ثم تذكرت أني لم أر النبي r فذكرت ذلك للأستاذ فقال لي : اجلس نوريك فرأيت في يده شيئاً يطوي فيه الغزل وأنا صرت في مثال كيفية الغزل ولا أرى نفسي إلى غزلاً ، وخرج مني خيط وجعله في ذلك الشئ وطوي مني نصيباً ، فظهر لي شخص فإذا هو على كرم الله تعالى وجهه ، ثم طوي ما شاء الله تعالى فظهر شخص ثان فإذا هو عثمان رضي الله تعالى عنه ، ثم طوى نصيباً فظهر لي شخص ثالث فإذا هو عمر رضي الله عنه ، ثم طوى ما شاء الله فظهر شخص رابع فإذا هو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه . وأنا بقيت ضعيفاً جداً مثل الصبي الذي يرضع ، ثم طوى نصيباً فظهر لي النبي r ، فاستيقظت من نومي فرحاً مسروراً بهذه الرؤيا

    وبعد انقضاء الحجم توجهنا إلى اليمن ، واجتمعنا بالأستاذ رضي الله تعالى عنه في مدينة صبيا المباركة في أرض اليمن في ابتداء سنة 1248هـ

    وفي أول ليلة من قدومنا عليه ونحن بحكم الضيافة فبمجرد ما غمضت عيني أطلق على بحر من نور عظيم أغرقني واستولى على فلم استطع الخروج منه حتى كدت أن أهلك من شدة تراكم الأنوار على ، فاستيقظت من نومي وجسدي يضطرب . وفي اليوم الثاني أخذنا عنه الطريق . وعلمت أن لهذا الشيخ أمراً عظيماً فبعد أخذنا الطريق عنه وانتسابنا إليه قال : إ، أنا طريقي ما عندي كون يترقى فيه المريد إلى أن يصل إلى مقصوده الأعلى وهو ليس وراء الله مرمى (وأن إلى ربك المنتهى) بل ما تحط قدمك إلا عنده في حضرته

    قال سيدي إبراهيم الرشيد : والحمد لله تعالى حصل لنا منه المدد الذي لا يدخل تحت حصر العبارة وهو مصداق قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ن ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر) فإذا واجهك الكريم بفضله فلا راد لحكمه ، وربك فعال لما يريد

    قال سيدي إبراهيم الرشيد : ومن كراماته رضي الله تعالى عنه أنه اتفق لي ذات يوم وأنا أقرأ في أحزاب التجليات أن جاءني من نفحات الجود وتجليات المعبود ما يوجب الاستهلاك من السحق والمحقق والفناء المحض إلى أن ألجأني إلى عدم الإدراك ، وبعد مدة من الزمان أتتني القوة والشعور بالموجودات وبقي كل عضو من الأعضاء بل كل جزء من الأجزاء فيه ألم عظيم من تجليات الجلال ، وفي كل ساعة أنتظر خروج الروح في آخر الليل مع تمام اليوم إلى الليلة الثانية ، فخطر لي أن أخبر الأستاذ بذلك الأمر ، فأرسلت إليه واحداً من الإخوان يحكي له القصة وأنا مشرف على الهلاك وأن يقول له : أنا مشرف على الهلاك إذا لم تدركني بنظرة تخرجني من الجلال إلى الجمال ومن الفناء إلى البقاء ، فأرسل مع الرسول قل له : يقول لك (كان) . فوصل عندي الرجل وأنا لا استطيع القيام ، فبمجرد ما قال لي : يقول لك الشيخ (كان) ذهب عني الألم جميعه ووقفت من ساعتي ، وصرت كأن لم يكن بي شئ قط ، وحمدت الله تعالى وعرفت أنه متحقق بما قال السادة الصوفية : (أول الطريق جنون ، وأوسطه فنون ، وآخره كن فيكون)

    وقال سيدي إبراهيم الرشيد : ومن كراماته رضي الله تعالى عنه أن شخصاً اشترى لحماً ووضعه في ثوبه وأدركته الصلاة فصلى معه رضي الله تعالى عنه ، وبعد انقضاء الصلاة ذهب بلحمه إلى بيته ووضعه في القدر وأوقد عليه النار فلم تؤثر فيه شيئاً ، فأكثر عليه من النار فلم تفد فيه شيئاً فأخبر بذلك الشيخ رضي الله تعالى عنه فقال : نحن بشرنا أنه من صلى معنا لم تمسه النار

    وقال : ومن كراماته رضي الله تعالى عنه أنه ركاب بغلته انكسر فأمر خادمه بإرساله إلى الحداد ليصلحه ، فوضعه في النار مراراً فلم تؤثر فيه شيئاً ، فرجع إلى الشيخ فأخبره بذلك فقال له الشيخ : أنا عبد من عبيد الله أكرمني الله بأنه من جاورني لم تحرقه النار ، فكيف بمن جاوره في بلده الأمين . وكان رجل بالمجلس لا يرى للجوار أثراً فانقطع من هذه الواقعة وعرف فضل ومراعاة الجيران

    قال : ومن كراماته رضي الله تعالى عنه أن واحداً من مريديه مات بمكة المشرفة زادها الله شرفاً ودفن بالمعلاة ، وكان رجل من أهل الكشف منور البصيرة من الإخوان واقفاً عنده حين الدفن ، فرأى سيدنا عزارئيل عليه السلام أتى بفرش من الجنة وسرج عظيمة ، ووسع القبر مد البصر ، وفرش للميت المذكور ووضع له السرج ، قال الرائي في نفسه : ليتني إذا مت يكرمني ربي بمثل هذه الكرامة ، فالتفت إليه سيدنا عزرائيل عليه السلام وقال له : كل واحد منكم له مثل هذه الكرامة ببركة الصلاة العظيمية المنسوبة للأستاذ سيدي أحمد بن إدريس . وهي قد تقدم ذكرها

    أوصاف سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه

    قال سيدي إبراهيم الرشيد : وأما أوصاف سيدي أحمد رضي الله تعالى عنه : (فهو طويل القامة ، أبيض اللون ، مشرب بحمرة ، نحيف الجسم ، واسع العينين ، طويل الوجه ، أزج الحاجبين ، في شعره شيب ، توفي سنة 1253هـ ودفن بمدينة صبيا من أرض اليمن ، وضريحه فيها مبارك ميمون . فرحمة ربي تغشاه إلى يوم يبعثون)

    قال ( ) صالح الجعفري (رضي الله عنه) : وقد رأيت بفضل الله تعالى سيدي أحمد بن إدريس في المنام مراراً فإذا هو (أشبه الناس به حفيده السيد محمد الشريف رضي الله تعالى عنه

    والوصف الذي وصف سيدي إبراهيم الرشيد ينطبق على السيد محمد الشريف شيخي ن فإنه كان طويل القامة ، ابيض اللون ، واسع العينين ، طويل الوجه ، بشعره شيب ، وكثيراً ما أراه يلبس عباءة حمراء) . قلت : وينبغي للمريد أن يعرف أوصاف شيخه ليتخيله عند قراءة أوراده ، ويدعو الله تعالى له ويملأ قلبه من محبته ، فيتسبب له من ذلك رؤيته في النوم وهي من أعظم طرق الإرشاد عند السادة الصوفية ، فإن الأولياء أحياء عند ربهم كالشهداء ويسمون شهداء المحبة ، ولم ينقطع إرشادهم بعد موتهم لأرباب القلوب بين مريديهم الذين صفت قلوبهم ، واتصلت أرواحهم ، واستنارت أنفسهم ، ويجدون بذلك فتحاً عظيماً

    سمعت عن بعض المشايخ من علماء الأزهر أن طالبين كانا يذاكران في شرح الشيخ الخرشي المالكي فتوقفا في جملة ، فذهب أحدهما إلى الميضأة ، ونام الثاني ، فرأى في منامه الشيخ الخرشي وأخبره بشرح الجملة ، فلما استيقظ كتبها قبل حضور صاحبه ن فلما حضر صاحبه قال له : أنا فهمت المسألة وقرأها عليه ن فأنكر عليه صاحبه وقال له : هذا الكلام ليس منك . فقال له : نعم جاءني الشيخ في منامي الآن وأخبرني بها

    ومن إرشادات سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه في المنام أنني رأيته وعمري نحو خمسة عشر سنة فقال لي : قد أجزتك بجميع أورادي ، وإن قراءاتك للأحزاب تذكرك القرآن . ثم رأيته مرة أخرى وقد حصل لي فرح في بدني وأنا ببلدي فقلت له : أين أنت ؟ فقال لي : الله معك . اقرأ فقه المذاهب الأربعة . فلما أصبحت قصصت الرؤية على شيخ لي ، فقال : إن صحت رؤيتك فتأويلها أنك ستذهب إلى الجامع الأزهر ، وقد حقق الله تعالى تلك الرؤية . ورأيته مرة يقول لي : لا أرضى أن تأخذ عهداً غير عهدي ، ولكن اقرأ بردة البوصيري ، وأجازني بعض أحزاب المشايخ

    ومن أعجب ما رأيت منه رضي الله تعالى عنه وأنا بالجامع الأزهر ذلك أن قلبي تعلق بشيخ من العلماء تعلقاً كثيراً ، فلما مات حزنت عليه ، وفي يوم قرأت له الفاتحة قبل النوم ، فلما نمت رأيت نفسي بمسجد سيدنا الحسين رضي الله تعالى عنه ، ورأيت رجلاً جالساً على الكرسي الذي كان يجلس عليه الشيخ الذي مات وهو يدرس والناس حوله كثيرون ، فجئت وجلست في حلقة الدرس ، فلما قضي الدرس جاء الناس يسلمون على الشيخ فسألت أحد الناس من هذا ؟ فقال لي : هذا الشيخ أحمد بن إدريس ، فتقدمت لأسلم عليه بعد أن وقف فإذا هو رجل أبيض مشرب بحمرة عليه عباءة حمراء ، فلما سلمت عليه وقبلت يده نظر على بغضب ، وفتح عينيه وخاطبني بلهجة المغاربة لأهل فاس بقوله (الطريق كالمسمار – الطريق كالمسمار)

    فلما استيقظت من منامي علمت منه أنه يحب مني أن لا أقدم عليه هذا الشيخ الذي تعلق قلبي به وجلس في مكانه وقرأ الدرس ليعلمني أنه عالم ، فإن أحببت الشيخ الأول لعلمه فها أنا عالم . وقد أرشدني الله تعالى بهذه الرؤيا ووجه قلبي إلى شيخي ، وعرفني ربي منزلته حتى لا يميل القلب إلى شيخ سواه

    فهنيئاً لمن أحبوه وعرفوه ونحواً نحوه وصاروا على طريقه ، فإنه على القدم الراسخ الذي لا تزلزله شبهة بوجه من الوجوه

    اللهم ارض عن القطب النفيس

    مولانا السيد أحمد بن إدريس

    الفصل الرابع عشر :

    ما كتبه السيد محمد عثمان الميرغني رضي الله تعالى عنه

    ومما كتبه ختم أهل العرفان سيدنا ومولانا السيد محمد عثمان الميرغني رضي الله تعالى عنه قال : أخذنا الطريقة النقشبندية عن شيخنا العارف بالله سيدي أحمد بن إدريس ، وهو ولد بالمغرب في أواخر القرن الثاني عشر بقرية يقال لها القارة من أعمال فاس ، وهو شريف إدريسي أخذ العلم ببلدة فاس ، وكان له مهارة في علوم الظاهر أخذها عن جملة علماء : منهم سيدي العارف بالله الجامع بين الشريعة والحقيقة سيدي محمد المجيدري وأخذ عنه الطريق الشاذلية والحزب السيفي وأخذه عن قطب الجان سيدي محمد الققاوي وهو عن سيدي على بن ابي طالب كرم الله تعالى وجهه ، وأخذ الحقير الحزب المذكور عن سيدي أحمد وعن الفقاوي وعن سيدنا على ، وأخذت عن السيد أيضاً الطريقة الشاذلية ، وأخذ الطريق الشاذلية سيدي أحمد عن شيخ إرشاده وتربيته سيدي عبد الوهاب التازي ، وكان هو غوث وقته ، صبحه سيدي أحمد أربع سنوات ففتح الله عليه وألحقه بمن عنده

    وما توفي سيدي عبد الوهاب التازي إلا وقد صار سيدي أحمد من أهل الأحوال العظيمة لأنه ذكر لي أنه شاهد النبي r يقظه يوم وفاة سيدي عبد الوهاب . ثم قال لي : نظرت إلى أكبر من كان من الأولياء في المغرب فكان سيدي أبا القسام الوزير وكان من الأفراد وكان يقول : أنا لا أحس بحركة الكون من عرضه إلى فرشه إلا كحركة البعوضية وذلك لغيبته في الله . وكانت صحبة سيدي أحمد له أربع سنوات قال : كنت أتردد عليه كل يوم صباحاً ومساءً في المدة المذكورة أجلس عند باب داره فإن خرج إلينا يخبرنا بما لاح في ضميرنا ، أو دخل إنسان إليه فيخبره بما لاح في ضميره وسره ولا نحن في مكاننا ، أو خرج أحد من عنده فرآنا فعاد فيخبره فيخرج إلينا ويتكلم معنا في بعض أسرار القوم ومقاماتهم وإن لم يخرج عندنا إلى مكاننا ، ويقول : المعاملة مع الله تعالى ، فانظر إلى حسن هذه الآداب وحال القوم مع مشايخهم . قال سيدي أحمد : وكان في يوم من أيام اجتماعي بالشيخ أن قال لي : يا أحمد كان لي صاحب من الأبدال من السودان ، فجاءني ليلة بالخطوة فقال : اخرج معي إلى خارج البلد فخرجت معه فقال لي : اجلس هنا ، وذهب وغاب عني إلى آخر الليل وقال لي : يا فلان إنه سيظهر هناك قريباً رجل اسمه أحمد بن إدريس طالب علم ، وأنا ألقى إليك علوماً فأخبره بها إذا جاءك . قال سيدي أحمد : لما أخبرني بذلك قلت له : هل تأذن لي أن أخبركم بذلك قبل أن تكلمني ؟ قال : أذنت لك . قال سيدي أحمد : فقلت له كذا وكذا إلى آخر تلك الأسرار فقال لي : هي ما تركت منها شيئاً

    ثم توجه سيدي أحمد إلى الحجاز وجاور بمكة مدة سنوات من عام إحدى عشر إلى عام ثمانية وعشرين من القرن الثاني عشر ، وفي هذه المدة صحبته وفتح الله تعالى علي ، ثم توجه إلى الصعيد من إقليم مصر وأقام بها نحو ست سنوات أو سبعاً بقرية يقال لها الزينية . ثم عاد إلى مكة وأقام بها إلى عام ثلاث وأربعين . ثم توجه إلى اليمن وأقام به عشر سنوات ، وتوفي بقرية يقال لها صبيا عام ثلاث وخمسين ليلة الثاني والعشرين من شهر رجب . وتولى الغوثية وفي رأسها مات . وكان أوحد وقته علماً وحالاً ، لم أر في وقتي مثله مع أني رأيت جملة أغواث أقطاب : منهم سيدي عبد الله القندقلي . وسيدي أحمد أبو الربيع وسيدي محمد جامع وآخرين وسيدي عبد الله المتولي الآن ، فما رأيت في هؤلاء مثله أحداً في المعرفة ولا في سعة الحال وصون الوقت وعلو الهمة ولا في غيرهم من كبار الأفراد الذين رأيتهم . ولقد رأيته في أواخر مدة إقامته بمكة يماً وهو جالس بجانب باب البسطية من المسجد الحرام ونظرت في عظم حاله والأنوار التي كانت عليه ، فكنت أرى أنه يخرج من لحيته الكريمة نور سري نور شعرة منها في الدنيا لصار أهلها أولياء . وأخذ الطريق النقشبندية عن شيخ إرشاده المذكور . وله بعض أذكار أخذها شيخه عن سيدي الغوث سيدي عبد العزيز الدباغ وهو أخذ سلوكه عن الحضر عليه السلام . وسند الطريقة النقشبندية عن شيخ إرشاده المذكور . وله بعض أذكار أخذها شيخه عن سيدي الغوث سيدي عبد العزيز الدباغ وهو أخذ سلوكه عن الخضر عليه السلام . وسند الطريقة النقشبندية الذي عن سيدي عبد الوهاب غير سنده عن الدباغ

    ويقول سيدي الختم سيدي محمد عثمان الميرغني رضي الله تعالى عنه : كنت أتردد على شيخ لي يسمى الشيخ أحمد بناه المكي في تلك الأيام . فقال لي : إن تتميم أمرك على يد السيد أحمد بن إدريس الإمام وكان ذلك ابتداء اجتماعي في تلك الأيام بأستاذنا ذي التقديس مولانا العارف بالله السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه وصار لي على يده ما فتح الله تعالى به

    ثم قال الختم : اجتمعت بالعارف بالله تعالى الولي العالم العام مفتي زبيد الأهدل سيدي ومولاي السيد عبد الرحمن بن سليمان رضي الله تعالى عنه ، وأخذت منه بعض الأوراد بفضل المنان ودلني على مرشدي سيدي السيد أحمد بن إدريس وقال لي : إنه حصل لك منه الدر النفيس وكان هذا يعتني بي ويحبنى كثيراً ويقول لوالدي ما معناه : إنه يجئ منه خير كثير ، وجمع بيني وبين أستاذي سيدي أحمد بن إدريس فصحبته وفتح الله تعالى لي على يده . غمر الله ضريحه بالنور آمين

    قلت : وللسيد محمد عثمان الميرغني رضي الله تعالى عنه مناقب عظيمة لشيخه السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه وهي لم تطبع حتى الآن ، وقد نقل منها شيئاً يسيراً السيد اليماني ، وقد نقل في أول هذا الكتاب . وللختم قصائد في مدح شيخه ابن إدريس وقد طبعت

    اللهم ارض عن القطب النفيس

    مولانا السيد أحمد بن إدريس

    الفصل الخامس عشر :

    ما كتبه السيد عبد الرحمن الأهدل رضي الله عهنه

    هذه نبذة ملخصة من سيرة سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه مما كتبه مفتي الأنام وشيخ الإسلام تلميذه السيد عبد الرحمن بن سليمان الأهدلي مفتي زبيد باليمن رحمه الله تعالى

    قال : هو سيدنا ومولانا وفخرنا وملجؤنا وسندنا وذخرنا السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه من السادة الأدارسة المشهورين ببلاد المغرب . فهو شريف حسني من نسل سسيدنا ومولانا الحسن بن على بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه ورضي الله تعالى عنه

    مولده بلدة عرايش على ساحل بحر المغرب من أعمال مدينة فاس اشتغل من أول عمره مدة سنين بتحصيل العلوم الظاهرة إلى أن برع فيها ببلدة فاس ، وأذن له بالتدريس من أساتذته الأكياس وصار يدرس فيما شاء الله ، وكان من جملة من يحضر في درسه أحياناً شيخه عبد الوهاب التازي رضي الله تعالى عنه قبل أن يأخذ عنه ، حتى كان سيدي عبد الوهاب يقول لسيدي أحمد بعد انقطاعه إليه وكمال تأدبه بالحضور بين يديه: أين تلك الهدرة يا أحمد ؟ يشير بذلك إلى هدرة التدريس

    وأما طريقته رضي الله تعالى عنه فسماها العارف بالله تعالى السيد محمد السنوسي رضي الله تعالى عنه في كتابه (المنهل الروى الرائق في أسانيد العلوم وأصول الطرائق) الطريقة المحمدية ولفظه وأروى الطريقة المحمدية من وجوه أعلاها ما أخذنا عن شيخنا قطب العارفين وإمام المحققين مولانا أحمد بن إدريس عن شيخه العارف بالله السيد عبد الوهاب التازي عن شيخه العارف بالله تعالى السيد عبد العزيز بن مسعود الدباغ الفاسي عن سيدنا ومولانا أبي العباس الخضر عليه السلام عن النبي r ، وهو من أعالي الأسانيد القليلة الوجود ، وهذا باعتبار اجتماع الخضر عليه السلام بالنبي r حال حياته كأخذ سائر الصحابة عنه ، وأخذ السيد عبد العزيز عنه كأخذ التابعين عن ثابت الصحبة من معاصري النبي r وهلم جرا ، فتكون الوسائط بيننا وبين النبي r أربعة . ولله الحمد وله الشكر . وأما الأخذ عنه والاجتماع به r يقظة ومناماً بعد موته صلى الله عليه وسلم فقد حصل لكل من مشايخ السند الثلاثة بل لم يكن لكل منهم في آخر أمره معول في شئ إلا عليه ولا رجوع إلا إليه صلى الله عليه وسلم ، وفيه أيضاً أن شيخنا أبا العباس العرائشي أخذ في أول أمره عن شيخه أبي المواهب التازي ولقنه (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقنه إياها قائلاً : لا شئ أنفع للعبد من (لا إله إلا الله محمد رسول الله)

    وفيه أيضاً وأما شيخنا أبو العباس العرائشي فكان له في ذلك أي الاجتماع به صلى الله عليه وسلم القدم الراسخ كشيخه أبي المواهب التازي وشيخ شيخه الدباغ ، وشرح أحواله معه صلى الله عليه وسلم لا يمكن استيفاؤها إذ كان آخر أمره بل أوله وأوسطه ليس له معول إلا عليه ولا رجوع في شئ إلا إليه صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم . وأما عنوانها فعنوان الطريقة الشاذلية رضي الله تعالى عن أصحابها لأن تسليكهم بالتهليل والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستغفار والأدعية والأحزاب المحتوية على أنواع الالتجاءات والافتقار والتضرع والاضطرار كما قال صلى الله عليه وسلم : (الدعاء مخ العبادة) ، والدعاء هو العبادة ، وطريقة سيدنا أحمد بن إدريس رضى الله تعالى عنه يسيمها أحمدية نسبة إلى ذاته قدس الله تعالى سره لما قد خصه صلى الله عليه وسلم بها وبأذكارها الجامعة وأحزابها ومشاربها الواسعة ، حتى قال قدس الله تعالى سره كما سمعناه من شيخنا مراراً : (ما يعرف أحدكم مقدار طريقتي إلا إذا أغمضت عينه الرجال إيش حطوا له) . وكان رضي الله تعالى عنه يقول (لكل نبي دعوة مجابة ، ولكل ولي له عند نبيه صلى الله عليه وآله وسلم طلبة مقبولة) لما جاء وقتها سألته صلى الله عليه وسلم أن يتولى أصحابي بذاته الخاصة في الإمداد فقال : من انتمى إليك فلا أكله إلى ولاية غيري ولا إلى كفالته بل أنا وليه وكفيله ، وكان قدس الله تعالى سره يبني على هذه المقالة ويذكرها للمريدين عند سؤالهم منه ويقول : (قد حولناكم على من هو أحسن منا وقبل الحوالة ، فتوجهوا إليه وأعرضوا سؤالكم وحاجتكم عليه) وكان يقول : طريقتي ما فيها إلا كون القدم الأول هاهنا والثاني عند الله)

    ومما يستأنس به هاهنا ما حكاه الشيخ الشعراني عن شيخه على الخواص من قوله : (جميع أبواب الأولياء قد تزحزحت للغلق وما بقي الآن مفتوحاً إلا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلوا كل ضرورة حصلت لكم به صلى الله عليه وآله وسلم) . ومن قوله : (لا يكمل الفقير في باب الإتباع لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى يصير مشهوداً له في كل عمل مشروع ويستأذنه في جميع أموره من أكل ولبس وجماع ودخول وخروج ، فمن فعل ذلك فقد شارك الصحابة في معنى الصحبة) ، ومثله قول الشاذلي رضي الله تعالى عنه : (حقيقة الإتباع أن تشهد المتبوع عند كل قول وفعل)

    وكان طريقة سيدي عبد الوهاب هذا أولاً شاذلية ناصرية وشيخه سيدي محمد بن زيان القندوسي عن شيخه مبارك بن عدي الغيلاني عن سيدي محمد بن ناصر الدرعي عن سيدي أحمد بن على الحاجي الدرعي عن شيخ الشيوخ سيدي أبي القاسم الغازي المتوفي سنة إحدى وتسعين وتسعمائة هجرية بسنده الشهير إلى شيخ المشايخ سيدي أحمد زروق إلى الشاذلي رضي الله تعالى عنه . وطريقة ساداتنا بني ناصر أشرف الطرق الشاذلية بالمغرب ولا يسمحون بها إلا للعلماء ، وله إجازات كثيرة في أكثر الطرق عن مشايخ وقته ، ثم أنه رضي الله تعالى عنه لازم سيدي عبد الوهاب مدة سنين إلى أن توفي رضي الله تعالى عنه في أوائل العشر العاشر من القرن الثاني عشر ، ثم توجه رضي الله تعالى عنه إلى بلاد المشرق قاصداً مكة المشرفة ، وكان وصوله لمصر في سنة ثلاث عشرة من القرن الثالث عشر ، ثم وصل مكة المشرفة ومكث فيها نحواً من ثلاثين سنة ، وذهب إلى صعيد مصر مرة أو مرتين يذكر الإخوان في تلك المدة ، وإلى المدينة المنورة والطائف مراراً عديدة

    ثم أمر رضي الله تعالى عنه بالتوجه إلى اليمن سنة ألف ومائتين وأربعة وأربعين هجرية ومكث بزبيد ، ومر على مخا وغيرها من بلاد اليمن ، ثم أقام بصبيا قرية شهيرة عند ابي عريش ، ومكث فيها نحواً من تسع سنين وتوفي بها إلى رحمة الله تعالى ورضوانه سنة ثلاث وخمسين ومائتين وألف من القرن الثالث عشر وله بها إلى الآن ذرية صالحة . وبالجملة كان جامعاً بين علمي الظاهر والباطن وله الباع الطويل فيهما ، وله بها المعرفة والشهرة التامة في علمي القرآن والحديث رواية ودراية كشفاً وتحقيقاً ، أذعن بفضله الخاص والعام وأخذ عنه العلماء الأعلام والجهابذة الكرام ، رحمه الله تعالى رحمة واسعة في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله . وأمد في طريقه ما تعاقب الملوان آمين

    اللهم ارض عن القطب النفيس

    مولانا أحمد بن إدريس

    الفصل السادس عشر :

    ما كتبه الشيخ مخلوف في كتابه

    " شجرة النور الذكية في طبقات المالكية "

    ومما كتبه العلامة الجليل الأستاذ الشيخ محمد بن محمد مخلوف في كتابه " شجرة النور الذكية في طبقات المالية " في الجزء الأول صحيفة 396 عند ذكر علماء فاس من المالكية في عدد الرتبى رقم 1580 ما نصه : أبو العباس أحمد بن إدريس الشريف الإدريسي الحسني القطب الغوث العارف العامل الفرد الهمام الكامل بقية السلف وقدوة الخلف خاتمة العلماء المحققين والأئمة العارفين ولد بقرية بالقرب من فاس يقال لها مييسور . نشأ من صغره مجبولاً على الاجتهاد في طلب العلوم فأخذ علوم الظاهر عن أكابر علماء عصره حتى صار في أوان شبابه إماماً في علوم الظاهر

    وأخذ طريق السادة الشاذلية عن الأستاذ الشيخ عبد الوهاب التازي عن الشيخ أبي العباس أحمد الصقلي عن الشيخ مصطفى البكري وهذه الطريقة شاذلية خلوتية وأخذ أيضاً عن الشيخ أبي القاسم الوزيري الغازي وغيرهما من أجلاء المغرب . وارتحل من فاس سنة 1213هـ إلى الأقطار المصرية وأخذ بالصعيد عن الشيخ محمود الكردي وغيره ، ثم ارتحل للأقطار الحجازية ومكث بمكة أربع عشرة سنة . ثم رجع للأقطار المصرية ومكث بالصعيد خمس سنين . ثم رجع لمكة وأقام بها اثنتي عشرة سنة . ثم انتقل إلى الأقطار اليمنية وأقام بها تسع سنين إلى أن توفي هناك سنة 1253هـ له كرامات لا تحصى أفردها بعض العلماء بالتأليف . أذعن له علماء اليمن واعترفوا له بالولاية وأخذوا عنه جميعاً طريق القوم . وأخذ عنه أيضاً أجلاء وقته من فضلاء العلماء والسادة في سائر الأقطار كالأستاذ الشهير العلامة الفاضل الشيخ محمد بن السنوسي صاحب الجبل الأخضر والأستاذ القطب العارف الأكب الشيخ محمد حسن ظاهر المدني والشيخ عثمان الميرغني والشيخ المجذوب السواكني والشيخ إبراهيم الرشيد والشيخ عبد الرحمن الأهدلي مفتي زبيد والشيخ محمد عابد السندي صاحب الثبت في الأسانيد . له مؤلفات ومجالس علمية كالعقد النفيس في جواهر التدريس والصلوات والمحامد الثمانية . كان جامعاً بين الشريعة والحقيقة له الباع الطويل في جميع العلوم والشهرة التامة في علمي القرآن والحديث رواية ودراية كشفاً وتحقيقاً

    اللهم ارض عن القطب النفيس

    مولانا السيد أحمد بن إدريس

    الفصل السابع عشر :

    كلمة السيد اليماني رضي الله تعالى عنه حول مناقب سيدي أحمد بن إدريس رضي الله عنه وبعض كراماته

    قال ( ) صالح الجعفري : وقف سيدي محمد على اليماني خطيباً واعظاً ببلدة دنقلا بالسودان فقال : قد بلغني عن الثقات أن رجلاً وضع رطل لحم نيئ في جيبه وصلى الظهر خلف جدي السيد أحمد ابن إدريس رضي الله تعالى عنه ولما انصرف من الصلاة وذهب إلى بيته وضع اللحم على النار ليطبخه فمكث ساعات ولم يتغير اللحم عن حاله ، فرجع إلى السيد أحمد وأخبره بذلك فقال له : أما علمت أن من صلى خلفنا لا تحرقه النار ، ثم قال السيد محمد على اليماني بعد هذه القصة : يا اخوان الاستقامة خير من ألف كرامة من مثل هذه فعليكم بالاستقامة ما استطعتم ، وأن العبد الحقير سيسافر إلى اليمن ولكن إذا عاد إليكم سيعود على غير هذه الحالة إن شاء الله تعالى ، وأن المسجد الذي طلب مني أهل بلدة أرجو بناءه سيأتي أحد السادة الإدريسية ويساعدهم على بنائه ويتم بخير إن شاء الله تعالى ، وبعد سنتين من كلامه حضر السيد محمد عبد العالي الشريف رضي الله تعالى عنه وبنى لهم المسجد كما أخبرهم السيد اليماني بذلك

    ومن كرامات سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه أن رجلاً يسمى عبد الرحمن كان مؤذنا بمسجد سيدي عبد الرحيم القنائي ، عنده ربيبة بالبيت تبلغ من العمر ست سنوات ، فضربها ذات يوم فأغمى عليها وفقدت الحياة وصاح النسوة إنها قد ماتت . فأخذت الرجل الدهشة فتسجى بثوبه ونام فسمع قائلاً يقول له : : قل (اللهم صل على سيدنا محمد الذي ما استغاثك به جائع إلا شبع ولا ظمآن إلا روى ، ولا خائف إلا أمن ، ولا لهفان إلى أغيث) . قال : فقلت هذه الكلمات في منامي ، فاستيقظت فسمعت النسوة يزغردن وقلن : إن الله قد أحيا فلانة : فسألت بعض الإخوان لي في الله تعالى عن هذه الصلاة فقال : هي لسيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه . قلت : وهذه الكلمات في آخر الصلاة الرابعة من الصلوات الأربعة عشر


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    الفصل الثالث : التبغ

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 3:33 am

    حكم شرب الدخان عند السادة الإدريسية

    قلت : وأخبرني بعض الثقات من أهل الزينية أن رجلاً قد سقط حمل بعيره في العقبة ليلاً وليس معه أحد فأناخ البعير وجلس بجواره مضطرباً خائفاً من السراق ، وكان من أهل طريقة سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه وقال : اللهم ببركة سيدي أحمد بن إدريس خلصني من هذه الورطة واجعل لي فرجاً مخرجاً ، فرأى رجلاً يلبس قفطاناً أبيض ووضع الحمل على البعير وانصرف ولم يكلمه ، وكان الرجل يشرب الدخان

    قلت : ولعل السبب في عدم التسليم عليه من هذا الذي حضر أن صاحب الجمل كان يشرب الدخان ، وشرب الدخان حرام عند سيدي أحمد بن إدريس وعند أولاده وتلاميذه

    وللمناسبة : سمعت عن سيدي محمد الشريف رضي الله تعالى عنه يقول : جاء رجل لوالدي السيد عبد العالي رضي الله تعالى عنه بمال فقال له : هذا ثمن القمح وهذا ثمن القول وهذا ثمن الدخان

    فقال السيد عبد العال بغضب : سبحان الله يا أخانا من الذي يأمرك أن تزرع الدخان في أرضنا ؟ ولم يقبل منه ثمن الدخان ، وأمره أن يتركها سنة بلا زرع حتى تطهر

    ويحكي أن سيدي محمد بن على اليماني رضي الله تعالى عنه دعاه رجل بدنقلة إلى بيته فقال : إن شاء الله نجيب دعوتك ، فمر بالسوق على حانوت هذا الرجل فوجد فيه الدخان فقال : سبحان الله يا أخانا أتبيع الدخان ؟ طعامك حرام رجعت عن قبول دعوتك ، ولم يذهب إلى بيته

    وقد أخبرني شيخي العارف بالله تعالى قطب أهل الوصال الشريف السيد محمد عبد العالي بأن عالماً طلب من السيد أحمد بن إدريس أن يريه النبي صلى الله عليه وسلم قال : فلما اجتمع سيدي أحمد رضي الله عنه برسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا رسول الله إن فلاناً يريد أن يراك في المنام ، فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم . ثم رآه مرة ثانية وثالثة فأخبره بالخبر السابق فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم ، قال سيدنا أحمد : فقلت في نفسي ما بال هذا العالم يعرض النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره ثلاث مرات ؟ قال : فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : هذا يشرب الدخان وأنا لا أذهب إلى من يشرب الدخان . قال سيدي أحمد رضي الله تعالى عنه : فلما جاء العالم أخبرته بهذا الخبر ، فحزن وبكى حتى أغمي عليه ، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أقبل عليه وسلم عليه ، وقال سيدي محمد الشريف رضي الله تعالى عنه : وذلك لأن الرجل قد تاب من شرب الدخان ، وتأسف على ما كان منه فتقبل الله تعالى توبته وبركة سيدي أحمد بن إدريس وببركة مجلسه الشريف المبارك وصله الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم

    اللهم ارض عن القطب النفيس

    مولانا السيد أحمد بن إدريس

    الفصل الثاني عشر :

    ثناء سيدي ابن السنوسي على أحزاب شيخه

    السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه

    ومما قاله العالم التحرير والقطب الكامل الشريف السيد محمد بن على السنوسي في فضل أحزاب شيخه سيدنا ومولانا القطب النفيس السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه ما نصه : رأيت سبعة سناجق (أي رايات) قد نصب : ثلاثة بيض وأربعة خضر ، لكل سبع من أسباع أحزاب الشفاء – وهو الأستاذ السيد أحمد بن إدريس

    واحدة الأولى : راية سر القيومية ،

    الثانية : راية مقام الاستواء ،

    الثالثة : راية توحيد الذات ،

    الرابعة : راية عظمة الذات ،

    الخامسة : راية الكلام الإلهي ،

    السادسة : راية الكلام الإلهي ،

    السابعة : راية المحبة الإلهية . وقال : هذه السبعة الأسباع هي محققة الجدوى والانتفاع . هذه معلومة المنعة والدفاع هذه الشافعة لمؤلفها وقارئها . وكل من له من المحبين والأتباع . هذه المدخلة جنة المعارف جميع من تعلق بها ومن لاذ بمؤلفها من الأتباع هذه أسباع حزب الشفاء . هذه أوراد الرسول المصطفى . هذه لطائف أهل الوفا ، هذه رحيق مختوم سلسبيل أهل المودة والاصطفا . هذه حياة مهج المهيمين في الملأ الأعلى وذوي التحقيق بالمتابعة والاقتضا هذه التي من الله تعالى بها على من اراد إكرامه ورحم بها من أراد إجلاله وإعظامه

    هذه خلاصة لب الألباب . هذه لخاصة مخلص الحب والاقتراب من رب الأرباب . هذه التي يدفع الله تعالى بها عن قارئها وحافظها جميع العذاب . هذه فوائد الفضل والكرم . هذه التي من تمسك بواحد منها فقد اعتصم بحبل الله . ومن قرأها فقد صار من أهل الله . ومن تحصن بها أمن من عذاب الله ، ومن هيم قلبه في حبها فقد صار مقرباً من حضرة مولاه . فطوبى لمن صرف في معرفة معانيها فكره وصار يرددها حتى صارت شعاره وذكره

    هنيئاً له إن الإله يحبه وليس له عن ربه قط حاجب

    هنيئاً له إن العباد بأسرها له خدم والكل للخبر جاذب

    هنيئاً له إن المعارف طوعه وعما قريب سوف تبدو عجائب

    تعقيب سيدي الشيخ صالح الجعفري على ثناء

    ابن السنوسي رضي الله تعالى عنهما

    سأتكلم بتوفيق الله تعالى على بعض ما أثنى به السيد ابن السنوسي على أحزاب شيخه الشفا رضي الله تعالى عنهما بشرح لطيف وكلام طريف

    قوله رضي الله تعالى عنه : (رأيت سبع سناجق) يحتمل أن يكون ذلك في اليقظة من باب خرق العادة كما تقدم له في قوله السابق (سناجق) جمع سنجق عند المغارب وهي الراية وعند أهل الصعيد وأهل السودان هي البيرق ، يقول قدس الله تعالى سره : رأيت سبع رايات قد نصبت في مكان . كل راية تدل على حزب من أحزاب شيخه . ولكل راية معنى يفهم منها من باب الإشارة

    وكون الثلاثة الأولى (بيض) إشارة إلى النفوس الثلاثة : الأمارة واللوامة والملهمة : وإن جلاءهم وبياضهم يتوقف على هذه الأحزاب الثلاثة وتكسي الأنفس البياض لأمرين : لأن النفس ستموت من شهواتها ، وأفضل الثياب للميت البياض وكما في الحديث (فكفنوا فيه موتاكم) ، ولأنه زائر للحضرة الإلهية فيتحلى بأحب الثياب وفي الحديث (أحب الثياب إلى الله البياض)

    قال سيدي عبد السلام الأسمر رضي الله تعالى عنه :

    البس الأبيض والطيب معاك لذكر ربك تهيأ

    أقر الوظيفة وساعد رفقاك ورد بالك إليا

    وأما (الرايات الخضر) فهي للأنفس الأربعة الباقية وهي لأنها اتصفت بصفات أهل الجنة ، فحق أن تلبس ما يلبسون

    الراية الأولى : راية سر القيومية :

    قال سيدي أحمد رضي الله تعالى عنه ي الحزب الأول : وتجل لي يا إلهي بسر القيومية الإلهية التي قامت بها شيئيات الأشياء كلها سر قيوميتك الإلهية المودع في قولك : (الله لا إله إلا هو الحي القيوم ......الآية) فبتلاوة الحزب الأول يحصل سر القيومية ، وهو بالنسبة للمبتدئ يسمى تجلي الأفعال كما أشار إلى هذا البوصيري رحمه الله تعالى يسمى تجلي الأفعال كما أشار إلى هذا البوصيري رحمه اللع تعالى في همزته بقوله :

    ما أقام الصلاة من عبدا لله وقامت بربها الأشياء

    ومعنى قامت بربها أي المؤثر فيها الله وحده لا شريك له

    الراية الثانية : مقام الاستواء :

    قال سيدي أو العباس العرائشي شيخ الأولياء رضي الله تعالى عنه : (وتجل لي يا إلهي بمقام الاستواء الجامع للمراتب الحقية حتى أعطى كل مرتبة إلهية حقها من نفسي من غير إخلال بوزن قسطاس الأحدية الإلهية المستقيم)

    ومن معنى المراتب الحقية الشئ الذي يطلبه الحق سبحانه من عبده ويدخل ذلك في قوله تعالى : (واصطنعتك لنفسي) حتى أعطي كل مرتبة إليها حقها بعد الكشف والشهود والتحقق بمقام العبودية والعبودة ، فالعبودية هي القيام بأوامر الحق سبحانه ، والعبودة هي الصبر على قضائه والرضا به ، كما قال الشيخ الجمل رحمه الله تعالى عند قوله تعالى : (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) الأول إشارة للعبودية والثاني إشارة للعبودة أ هـ

    قال سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه : (حتى لا أنام عن عبوديتي ولا أذهل عنها في المشاهد القدسية) لأن النوم في غير موضعه والذهول يتنافيان مع الشهود فلا يكون معهما في مقام الاستواء الذي صاحبه يعطي كل مرتبة إلهية حقها ، واضرب لك مثلاً يا أخانا في الله تعالى للمراتب الحقية لعله أن يشع عليك شعاع شمس علم حقيقة الذين أحاط بهم الوجد الإلهي والكشف السمعي .

    اعلم أن البسط والقبض رتبتان ، ولكل رتبة حال تقتضيها ، فإذا تجلى عليك الله بالبسط فالله سبحانه وتعالى بالبسط والحال مبسوط وأنت محل البسط فمثل البسط مثلاً كمثل البرد يطلب الدفء ، ومثل القبض كالحر يطلب الهواء ، فإذا قابل البسط بما يليق به والقبض بما يليق به فقد أدى حق تلك المرتبتين

    قلت :

    فحالك في بسط يخالف يا فتى لحالك في قبض فلا تجهل المعنى

    فمن قام في بسط بحالته التي تليق فقد أدى المراتب واستغنى

    واو أخذت في النقل لتهت في وسع هذا الميدان ، ولكن أشرنا إليها ببعض إشارتنا لعلك ترشد إلى ما أردنا منت جواهر معاني غيوب ما فهموه في مقام السماع الإلهي مقام مشاهدة معنى شاملاً كل وجهة على بساط (أين المشتاقون إلي) ؟ من الذين لا يسهون إذا سها الناس ، الذين لا تنصرف لهم جارحه إلا بإذن صريح ، أولئك الذين هداهم الله به إليه فعرفوه من جميع الوجوه

    الراية الثالثة : راية توحيد الذات :

    قال سيدي أحمد بن إدريس رضي الله عنه : (وتجل لي يا إلهي بسر توحيد الذات المطلسم في آية الأنانية الموساوية (أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) حتى يكون ذلك السر وحياً لذاتي من جميع الوجوه) توحيد الذات المطلسم هو الذي أشار إليه سيدي أحمد بن إدريس بقوله :

    ظهرتم بأوصاف الكمال لناظري

    فغبت وعنكم لا تغيب سرائري

    وشاهدت حسنا شاملاً كل وجهة

    وكانت من الوجهات أيضاًَ مظاهري

    قلت : لماذا خاطب الحق سبحانه وتعالى سيدنا موسى بن عمران على نبينا وعليه الصلاة والسلام سمع الخطاب بجميع جوارحه ، وغاب عن الأكوان بمكالمته الرحمن ، فكان لا يسمع إلا عن الله تعالى ، وقد أشار سيدي ابن الفارض رضي الله عنه إلى هذا المقام بقوله

    إذا ما بدت ليلى فكلي أعين

    وإن هي ناجتني فكلي مسامع

    كذلك العارفون إذا كانوا في مقام التجلي غابوا عن كل شئ سوى الحق سبحانه لاسيما في أوقات العبادة كالصلاة ، فهم يعبدون الله تعالى بأحوال خارقه للعادة يسمعون ما لا نسمع ، ويرون مالا نرى ، ويعرفون مالا نعرف كما قال سيدي ابن الفارض

    فسمعت ما لم تسمعى ونظرت ما

    لم تنظري وعرفت ما لم تعرفي

    فالعابد العارف في هذا المقام الذي يكون فيه هذا السر روحاً لذاته من جميع الوجوه ، فيغيب في الله عما سواه . تمكن سيدي ابن إدريس تمكينا عظيماً في هذا المقام الذي رسخت فيه أقدامه ونصبت فيه أعلامه ، الذي عبر فيه كلامه عن مقامه رضي الله تعالى عنه وأرضاه

    الراية الرابعة : عظمة الذات

    قال سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه : (وتجل لي يا إلهي بعظمة الذات التي لا تبقى ولا تذر للمتجلي عليه بها من جميع وجوهه وحيثياته وإدراكاته كلها مشهوداً غير الله) وإلى هذا أشار بعض العارفين بقوله :

    ما خلقت لك الأكوان إلا لتراها بعين من لا يراها

    فارق عنها رقى من ليس يرضى حالة دون أن يرى مولاها

    وإلى هذا أشار سلطان العاشقين ابن الفارض رضي الله تعالى عنه بقوله :

    عود الشوق مهجتي سهر الليل فصارت من غير نوم تراكا

    وقول العارف :

    حرمت عيني منامي فعلي الطيف سلامي

    أنا يقظان أراهم في قعودي وقيامي

    وقول سيدي ابن الفارض رضي الله تعالى عنه :

    يا رب بالخل الحبيب محمد نبيك وهو السيد المتواضع

    أنلني مع الأحباب رؤيتك التي إليها قلوب الأولياء تسارع

    وعلى هذا يحمل ويفسر جميع ما قاله العارفون من رؤية الله عز وجل في اليقظة وهي الرؤية القلبية ، وقد فسر الشيخ الصاوي المالكي رضي الله تعالى عنه بهذا المعنى قول ابن الفارض نفسه في قوله :

    وإذا سألتك أن أراك حقيقة فاسمح ولا تجعل جوابي لن ترى

    قال شيخنا الصاوي : كلام ابن الفارض هذا يفسر بما قاله في العينية من سؤاله الرؤية القلبية ، وأخبر بأن قلوب الأولياء تسارع إليها

    قلت : وبهذا التفسير نفسر قول الشيخ الأكبر سيدي محي الدين ابن عربي وقول السيد عبد الكريم الجيلي وقول سيدي أحمد بن إدريس وقول السيد عبد الغني النابلسي وجميع العارفين رضي الله تعالى عنهم أجمعين . ومن فسر بغير هذا فقد أخطأ ، لأن الحق سبحانه وتعالى لا يرى في الدنيا ، والعارفون أنفسهم يعترفون بذلك كما هو مسطر عندهم في كتبهم ، قال سلطان العارفين وإمام الغارفين من جواهر بحور علم اليقين سلالة النبي المصطفى الملقب بالشفاء صاحب العلم النفيس سيدنا ومولانا أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه في أحزابه : (سأل النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام بقوله : عل رأيت ربك ؟ فانتفض وقال : إن بيني وبينه سبعين حجاباً من نور لو دنوت من أدناها لاحترقت)

    وقال في الشيبانية وهي المنظومة الأزهرية :

    ومن قال في دار الحياة رأيته فذلك زنديق طغى وتمردا

    وقد تلقيت بفضل الله تعالى هذا البيت وشرحه عن المعمر الشيخ حسان الفيومي الأزهري عن شيخه الشيخ محمد عليش رحمه الله تعالى ، وقرر فيه أن رؤية الله تعالى بقظة في الدنيا ممتنعة ، ولم تثبت لأحد إلا لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . روي الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه عن البني صلى الله عليه وسلم قال : (رأيت ربي ليلة أسرى بي) وهذا الحديث ذكره الحافظ ابن حجر رضي الله تعالى عنه في شرحه للبخاري في كتاب التفسير عند قول البخاري رحمه الله تعالى : باب قول الله تعالى : (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس)

    قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : (هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به) قال صاحب الجوهرة : هذا وللمختار (دنيا ثبتت) . وقد شطرت رائية ابن الفارض بما يدفع الاعتراض عنه لاسيما في مسألة الرؤيا فإنني قد جعلتها في الجنة حيث قلت :

    وإذا سألتك أن أراك حقيقة في جنة الفردوس في دار القرى

    أو قلت أشهدني النبي كرامة فاسمح ولا تجعل جوابي لن ترى

    وعلى هذا الشهود القلبي الذي تقدم ذكره يحمل كلام شيخنا النفيس حيث يقول في أحزابه : (حتى لا أرى في وفي كل شئ وفي لا شئ إلا إياك) وقوله :

    فلفوا قتيل العشق في ثوب وصفكم يراكم بكم والكل فيكم مغرق

    الخامسة : راية الكلام الإلهي :

    قال سيدي أحمد رضي الله تعالى عنه : " وأسألك بكلامك الإلهي المنزه عن الانتهاء الموصوف عظمته بقولك : (ولو أنا ما في الأرض من شجرة اقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات الله إن الله عزيز حكيم) الذي لا يقوى لسماعه منك بلا واسطة إلا من اصطفيته بعنايتك الأزلية من خواص مملكتك إلخ)

    قلت : (وهذا الكلام الإلهي هو الذي أسمعه الله سبحانه وتعالى لحبيبه ورسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج

    وقد سمع كلام الله تعالى سيدنا موسى بن عمران على نبينا وعليه الصلاة والسلام . وقال سيدي أحمد بن إدريس : (وتجل لي يا إلهي بكلامك الإلهي ، وأوقفني وراء الوراء بلا حجاب عند اسمك المحيط في مقام السماع العام حتى تطربني لذة المكالمة الإلهية)

    قلت : يلوح لي أن هذا هو سماع القرآن للعارف حين يتلوه بطريقة خارقة للعادة كما أشار إليه سيدي أحمد نفسه بقوله : (حتى أتلواه بلسانه الذي يتكلم به) أشار بهذا إلى حديث : "ك كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي يتكلم به " فإذا وصل العارف إلى هذا التجلي وتحقق بهذه الأوصاف وقف وراء الوراء وهو فناؤه لنفسه وغيره من الموجودات ، فيدخل في مقام السماع العام الذي تكل عن وصفه العبارة ولا تكفي فيه الإشارة ، فهو كأس يشرب وليس حروفاً تكتب ، تتضاءل أمامه الفحول وتتحير عن كنه وصفه العقول ، وقد أشار العارفون في بعض مؤلفاتهم على وفق مقاماتهم فكل يترجم عن حاله ببديع مقاله ، فهم في اقتراب والسامعون لهم في حجاب إلا من أصلح السريرة وكشف ران البصيرة ، وسلم نفسه لشيخ عارف حتى يكشف له عن تلك المعارف ، فهنا جيوش تتزاحم ، وفرسان تتقاحم ، تدكدكت له الرواسي من الجبال . وثبت فيها الراسخون من الرجال ، كمال قال شاعرهم : (تد كد كت الجبال والرجال رجال)

    وقال سيدي عمر بن الفارض رضي الله تعالى عنه

    صارت جبالي دكا من هيبة المتجلي

    ولاح سر خفي يدريه من كان مثلي

    وقد أشار الغزالي رحمه الله إلى هذا المعنى إشارة خفية فقال : المرتبة الاولى لمن يتلوا القرآن كأنه يشاهد بقلبه أنه يسمعه من الحق سبحانه وتعالى ، ومن هذه الجملة يتفرع ما قاله سيدي أحمد والعرافون في سماع الكلام الإلهي ، وهناك شئ فسره علماء الظواهر عندما يقول بعض العارفين : سمعت الهاتف يقول كذا وكذا .

    كما قال ابن الفارض رحمه الله تعالى :

    من الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط

    فأجابه الهاتف :

    محمد الهادي الذي عليه جبريل هبط

    وقال بعضهم مخاطباً الحق سبحانه وتعالى وكانت له كتب كثيرة :

    أعطيتني وقا لم تعطني ورقا

    عندي بلا ورق لم تنفع الحكم

    فخذ من العلم شطراً وأعطني ورقاً

    ولا تكلني إلى من جوده عدم

    فأجابه الهاتف بقوله :

    لو كنت ذا حكم تعترض حكما

    عدلا لطيفا له في خلقه قسم

    هلا نظرت بعين الفكر معتبرا في معدم ماله مال ولا حكم

    قال العلماء : هو ملك يتكلم وليس المسموع كلام الله عز وجل ، وأما في المنام فالرؤية والكلام من الله عز وجل ، كما إذا رأى الحق سبحانه وتعالى في المنام وسمع منه كلامه ، كما روى بالسند الصحيح عن الحافظ عبد الله عن أبيه الإمام أحمد بن حنبل قال : (رأيت رب العزة في النوم تسعة وتسعين مرة فقال : لئن رأيته تمام المائة لأسألنه فلما رأيته قلت : يا رب ما أفضل ما يتقرب به إليك المتقربون ؟ قال : بكلامي يا أحمد . قلت : بفهم أم بغير فهم . قال : بفهم وبغير فهم) وكذا وقع مثل هذا للإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه . قلت : اشترط العلماء في الكلام المسموع عن الله تعالى عنه . قلت : اشترط العلماء في الكلام المسموع عن الله تعالى أو عن نبيه صلى الله عليه وسلم في النوم أن يكون موافقاً للكتاب والسنة من غير معارضة لهما ولا يزاد شئ يتنافى معهما وإلا رد وكان الرائي ليس من الراسخين ، بل قال علماء التوحيد : من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فهي حق ، فإذا سمع منه كلاماً يخالف الشريعة فهو من الشيطان ، ويدل على عدم تمكن الرائي في مقام الرؤية حتى لعب الشيطان به ، وخيل إليه أنه يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يخالف الشريعة ، والحال أنه عليه الصلاة والسلام لم يتكلم معه بشئ .

    الراية السادسة : راية العلم

    قال سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه :

    (وتجل لي يا إلهي بغيب الهوية الإلهية الإطلاقية الإحاطية حتى أطلع على جميع خزائن أسرار الغيب الإلهي المطلق فاعلم الأمور كلها كما هي جملة وتفصيلا من غير شبهة ولا التباس سر روح (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) وإلى هذا المعنى أشار شاعر الصوفية بقوله :

    وبعد الفنا في الله كن كيف ما تشاء

    فقولك لا جهل وفعلك لا وزر

    قلت : هذا مقام بسط بساط البسط لأخذ مفاتح كنوز جواهر بحور الفيوضات الر بانية على نهج سبيل (وعلمناه من لدنا علما) بنتزلات لطائف غرائب جواهر المعاني الخفية على ساحل بحر وقف عند ساحله الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وهذا هو بحر الدنيا وقف الأنبياء عند ساحله لعصمتهم أنتم أعلم بأمور دنياكم وخاصة الأولياء ببركة النور المحمدي فما ابتلوا

    إن لله رجالا فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

    جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا

    قال الشفا سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه :

    (وهي تجري بهم في موج حقائق إذا تقرب إلى العبد شبرا تقربت إليه ذراعا ، وإذا تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا . وإذا أتاني مشيا أتيته هرولة ، وإذا أتاني هرولة أتيته سعيا)

    وقال أيضا رضي الله تعالى عنه : (جادا على منهاج ما تقرب إلى عبدي بشئ أحب إلى من أداء ما افترضت عليه ، ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه الخ)

    قلت : فإذا أحبه علمه ، ولا يدري أحد كيف علمه ولا مقدار ما علمه ، فتظهر عليه المظاهر العلمية المكتسبة الإجمالية والتفصيلية ذات الوراثتين (العلماء ورثة الأنبياء) والثانية (ورثة الله علم ما لم يعلم) وهذان سبيلان : سيل عرم طوفان العلوم الشرعية وثمارها اللدنية

    قال سيدي الشفا أبو الوفا ، الشارب من بحر أهل الصفا ، ذو المعالي والد سيدي عبد العال السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه : (حتى لا ينبغي لشمس حقيقتي أن تدرك قمر شريعتي فيقع خوف التخليط ، ولا لليل غيب سري أن يسبق نهار روحي في الوجد والشهود)

    قلت : وذلك يحصل للعارف الوطيد البرزخ في بين بحري علمي الشريعة والحقيقة على سبيل (مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان) ، (يخرج منها اللؤلؤ والمرجان) فلا يختلط المالح بالعذب ، وذلك يدرك بالذوق ، ولا اللؤلؤ بالمرجان وذلك يدرك بالنظر ، والتمييز يتقوى بالنور المحمدي ، والنور يتوقى ويزيد بالإتباع ، وعلى قدر الإتباع يحصل التوجه النبوي ، وعلى قدر التوجه النبوي يحصل الثبات الروحاني والجمع الذي لا يقع به خسوف التخليط

    قال جد السادة الإدريسية في صلاته العظيمية (واجمع بيني وبينه كما جمعت بين الروح والنفس ظاهراً وباطناً)

    قلت : وإنما قال ظاهراً وباطناً للإشارة إلى العلمين الوراثيين الذين تقدم ذكرهما

    الراية السابعة : راية المحبة الإلهية

    قال الشفا سيدي أحمد بن إدريس سلالة المصطفى رضي الله تعالى عنه : (وتجل لي يا إلهي بعين بحر محيط المحبة الذاتية الإلهية الفياضة أنهار المحبة على سائر الوجود ، فتنفتح أبواب خزائن سماء روحي كلها بماء زلال المحبة الأزلية الذاتية الإلهية المقدسة عن شوائب كدورات الأغيار)

    قلت : لما نادى الحق سبحانه أزلا أرواح عباده (ألست بربكم) تنزل من حضرة الحق سبحانه على رسله وأنبيائه وأوليائه الحب الغلهي فانفتحت له أبواب خزائن سماء الأرواح فقالوا بلى بحب ، فلم يجيبوا حتى أحبهم وأحبوه (يحبهم ويحبونه)

    وقال سلطان العاشقين سيدي ابن الفارض رضي الله تعالى عنه :

    ولي في هواها نشوة قبل نشأتي ستبقى معي أبدا وإن بلى الجسم

    وقال :

    شربنا على ذكر الحبيب مدامة سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم

    فلما سمعوا حبيبهم يكلمهم ، فهذا السماع مدامهم من قبل خلق كروم أجسامهم ، فتعلقت أرواحهم بحبيبهم تعلق المحب بحبيبه ، وذلك التعلق منزه عن كدورات الاغيار ، لأنه قابل الروح قبل تعلقها بأي شئ سواه

    أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى

    فصادف قلبا خاليا فتمكنا

    فهو الصبغة الإلهية لأرواح أهل المحبة الأزلية ستبقى مع أرواحهم وإن بليت اشباحهم (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة)

    (لطيفة) كان السيد محمد على اليماني الإدريسي بالأزهر بمصر وكان أسمر اللون ، فإذا سمع إنساناً يقول له يا أسمر أو مثل ذلك يقول : سبحان الله (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة) وإنما سمى بحر المحبة محيطاً لأنه شمل كل شئ ، فما من شئ في الوجود إلا وفيه قطرة من هذا البحر ، فلا ملك ولا إنس ولا جن ولا حجر ولا شجر ولا بحر إلا وهو يحب الله تعالى ويسبحه ، فما سبحه حتى أحبه (وإن من شئ إلا يسبح بحمده) فأجسام الكفار وأجسام الجن تعرف الله وتسبحه ، ولذلك تؤدي الشهادة لله يوم القيام وتنطق بالحق

    قال ذو النون المصري رحمه الله تعالى : " كأني أسمعه الآن " يعني الخطاب الأزلي

    وماء زلال المحية الذاتية الإلهية هو الحب الذي تنزل على الأرواح عند الخطاب الذاتي الإلهي ، ولذلك وصف بأنه حب خالص كالماء الزلال الصافي ، ولذلك وصف بأنه ذاتي إلهي . قلت :

    فأهل الحب قد شربوا شراب الحب من قدم

    وهاموا في محبته بحب فاض كالديم

    وكأس الحب صافية لمن قاموا على القدم

    لابن إدريس سيدنا شراب غالي القيم

    فعرج نحو حضرته بذكر الورد بالهمم

    اللهم ارض عن القطب النفيس

    مولانا السيد أحمد بن إرديس


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    الفصل الرابع : الأنفس

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 3:34 am

    الفصل التاسع عشر :

    مولانا الشيخ صالح الجعفري عن الأنفس السبعة ، ونقل ما قاله سيدي ابن السنوسي ، وسيدي أحمد الدردير رضي الله تعالى عنهم

    قال راجي عفو مولاه ومغفرته وإحسانه العبد الفقير (من تنزلت على قلبه الشريف لطائف غرائب جواهر المعاني الخفية ففتح الله تعالى به مغاليق العلم الإلهي سيدي الشيخ ) صالح الجعفري (رضي الله تعالى عنه) : لما ذكر سيدي الشيخ الأكبر والإمام العلامة الصادق في مقاله ، الوارث لشيخه في حاله ، دواء القلوب والصدر ، ومصباح السرور والنور الشريف الحسني سيدي محمد بن على السنوسي رضي الله تعالى عنه وأرضاه ، أنه رأى سبع رايات كل راية لحزب من أحزاب شيخه الشفاء وقلت في شرحي لكلامه : كل راية تشير إلى نفس من الأنفس السبعة ، بمعنى أن تلاوتها تنقل كل نفس من حال إلى حال وبها تكمل النفوس السبعة وهي : الأمارة واللوامة ، والملهمة ، والمطمئنة ، والراضية ، والمرضية ، والكاملة ، وقد نظمت الأنفس السبعة بقولي :

    وقسم الأنفس أهل البر لسبعة أمارة بالشر

    لوامة ملهمة عن ربي والمطمئنة التي في القرب

    راضية مرضية وكاملة فهذه عدتهن حاصلة

    قال السيد ابن السنوسي رضي الله تعالى عنه :

    (النفس الأمارة) وردها (لا إله إلا الله) بمد لفظ " لا " وتخفيف همزة " إله " وعدم فصله من قولك (إلا الله) مع تسكين الهاء من الجلالة ، ولابد :

    1- من الإكثار منه في القيام والقعود والاضطجاع . إذ المقصود من هذا الاسم وغيره لا يحصل إلا بالإكثار

    2- والإجهاد آناء الليل وأطراف النهار . وأضمر في قلبك نفي كل معبود غير الله ، ويكون قولك " إلا الله " بقوة وشدة لأنك تضرب به الجانب الأيسر من صدرك بخضوع وخشوع ، وأغمض عينيك وألق سمعيك إلى ذكرك

    3- ولازم الطهارة

    4- وقلل الطعام والمنام ، وهذه أربعة في كل مقام

    (والنفس اللوامة) : وردها (الله) بتحقيق الهمزة وسكون الهاء ومد الألف التي قبلها ويكون بالجهر والشدة لدفع الوسوسة ، وارفع رأسك إلى فوق واضرب به صدرك وأغمض عينيك . واجعل لك وقتاً تجلس فيه مستقبلاً القبلة إن أمكنك

    (النفس الملهمة) : وردها (هو هو) وليكن أولاً بياء النداء ثم بدونها قياما وقعودا آناء الليل وأطراف النهار ، ولتقل في بعض الأوقات " لا هو إلا هو " بمد ، وبمد واو " هو " ، لأنه ذكر عظيم الشأن ، مع استحضار أن ليس في الوجود إلا هو إله الحق ، ما سواه صفاته وأفعاله حتى يصير ذلك لك حالاً لا تنفك عنه و(هو) غاية قصوى

    (النفس المطمئنة) : وردها (حق حق) بحرف النداء وبدونه آناء الليل وأطراف النهار

    (النفس الراضية) : وردها (حي حي) وزد معه الفتاح الوهاب

    (النفس المرضية) : وردها (القيوم)

    (النفس الكاملة) : وردها (القهار)

    قال أبو البركات سيدي أحمد الدردير رضي الله تعالى عنه في التحفة معللاً اختيار السادة الخلوتية للأسماء السبعة التي هي : لا إله إلا الله . الله . هو . حق . حي . قيوم . قهار

    قال رحمه الله تعالى : النفس سبعة أقسام . وإن صاحب النفس المطمئنة التي مقامها مبدأ الكمال متى وضع السالك قدمه فيه عد من أهل الطريق واستحق لبس خرقتهم ؛ لانتقاله من التلوين إلى التمكين ، وصاحبها سكران هبت عليه نسمات الوصال ، يخاطب الناس وهو عنهم في بون ، لشدة تعلقه بالحق تعالى ، يناسبه الإكثار من الاسم الرابع من التلقين يعني (حق) ، وأن الأمارة ذات الحجب الظلمانية التي مقامها مقام الأغيار يوافقها في تمزيق حجبها الإكثار من (لا إله إلا الله)

    وأن اللوامة الكثيرة اللوم لصاحبها التي مقامها مقام الحجب النورانية لكونها ليست كثيفة وهي توابة يناسبها الإكثار من اسمه (الله)

    وأن الملهمة التي ألهمت فجورها وتقواها مقامها مقام الأسرار صاحبها نشوان يغلب عليه المحبة والهيمان والتواضع والإعراض عن الخلق والتعلق بالحق ، يناسبه كثرة استعمال اسمه تعالى (هو) بالمد لتخلص من ورطتها . وأن الراضية كثيرة الرضا بالقضاء والتسليم مقامها الوصال صاحبها غريق السكر يناسبه الخلوة وكثرة ذكر اسمه تعالى (الحي) ليحيى به نفسه

    وأن النفس المرضية صاحبها لا يرى صدور الأفعال إلا من الله تعالى لأن مقامه مقام تجليات الأفعال فلا يمكنه الاعتراض على أحد ، حسن الخلق يتلذذ بالحيرة كما قيل :

    زدني بفرط الحب فيك تحيرا وارحم حشا بلظى هواك تسعرا

    ويناسبه كثرة ذكر اسمه تعالى (قيوم) . وأن النفس الكاملة مقامه مقام تجليات الأسماء والصفات يناسبها كثرة ذكر اسمه تعالى (قهار) ليحصل لها تمام القهر ويزول عنها بقايا النقص ، وحالها البقاء بالله تسير بالله إلى الله ، وترجع من الله إلى الله ، ليس لها مأوى سواه ، علومها مستفادة من الله كما قيل :

    وبعد الفنا في الله كن كيفما تشا

    فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر

    ثم قال الشيخ الدردير رحمه الله تعالى : واعلم أن طريق أهل الحق مدارها على الصدق ورأس مالها الذي ، ونهايتها الغرق

    وقال العارفون : حكم القدوس ألا يدخل حضرته أرباب النفوس . كثرة الكلام وجب عدم الاحترام ، كثرة مصاحبة الناس توجب الإفلاس

    لا يطهر من الرعونات إلا من خالف نفسه في الشهوات ، وذكر الله في جميع الحالات ، من لم يحرق البداية لم تشرق له النهاية ، من لم يخالف النفس والشيطان لم يتحقق بصفات أهل العرفان ، من لم يكن عبداً للرحمن فهو عبد للشيطان ، فانظر أيهما يستحق العبادة أ . هـ

    قال (من لاحظته العناية والسعادة حتى صار في أول شبابه إمام القوم في جميع المعارف والعلوم سيدي الشيخ) صالح الجعفري (رضي الله تعالى عنه ونفعنا بعلومه آمين) : نفس أولها نون متحركة وآخرها نون ساكنة فحركتها اضطرابها قبل ذكرها وسكونها طمأنينتها بعد ذكر الله (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) . وتارة تكون مع الشيطان ، فيكون نونها نفورها ، والفاء فرارها من الحق إلى الباطل (كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة) والسين تسويلها لصاحبها (وكذلك سولت لي نفسي) (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا) وإذا كانت مع الله تعالى فنونها نور يلوح لها عند ذكر ربها (فهو على نور من ربه) . والفاء فتح الله لها بعد نصرها على شيطانها وهواها (نصر من الله وفتح قريب) والسين سبل الله الموصلة إليه (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)

    ويحتمل أن تكون النون إشارة إلى النصر ، فيكون بعد نصر الله تعالى يأتي فتحه (إذا جاء نصر الله والفتح)

    قال بحر اللآلئ أبو سيدي عبد العالي رضي الله تعالى عنهما : (حتى لا يبقى على عين بصيرتي بل ولا على عين ذاتي كلها من خيالات الباطل من شئ حتى تنهزم جيوش الباطل كلها وتنعدم لما جاء نصر الله والفتح)

    قلت : وقد أشرنا إليك يا أخانا في الله تعالى ، ونشير إليك بما يفتح الله تعالى به علينا لعلك ترشد إلى بحر أحزابنا الذي تلاطمت أمواجه واتسعت فجاجه ، ولمع جوهره ، وارتفع عن العقول منبره ، وتضاءلت أمامه العبارات ، وكلت بجانبه الإشارات ، واغترف منه من اغترف ، وحرم منه من انحرف ، وبه تكشف غوامضها ، خذها إليك واجعلها لك ورداً ، تطلع شمسها في سماء روحك من جميع الوجوه

    وقلت بفضل ربي تعالى قولا لمناسبة الأسماء للأنفس :

    النفس الأولى الأمارة : تأمر بالسوء ناسبها النفي والإثبات ، لأن التهليل فيه نفي الباطل وإثبات الحق ، والنفس إذا تركت المعاصي وكرهتها وأحبت الطاعة وفعلتها فقد نفت الباطل وأثبتت الحق ، واللوامة : تلوم صاحبها على ما كان منه في التفريط والمعاصي فيقال لها : اتركي اللوم واذكري الله تعالى (ولذكر الله أكبر) ولا يخلو الحال من تخيل فبتجليه سبحانه عند الإكثار من ذكر ذلك تزول جميع الخيالات الخلقية ، قال سيدي ابن الفارض رضي الله تعالى عنه :

    لم أخل من حسد عليك فلا تضع

    سهري بتشنيع الخيال المرجف

    قال سلطان المعارف الفقيه الجامع بين بحر الشريعة والحقيقة ، مولانا السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه : (وتجل لي يا إلهي باسم الذات الاسم الله مرجع الصفات والأسماء الحقية توحيداً صرفاً تجلياً ينسف بصرصر عظمته وكبريائه جبال الخيالات الخلقية في نظري نسفا فيذرها قاعا صفصفا فتزول غشاوة عمش الأغيار عن بصري وبصيرتي)

    قال ( سيدي الشيخ) صالح الجعفري (رضي الله تبارك وتعالى عنه : وفي قوله عن بصري إشارة إلى ما قاله سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه (ما رأيت أحدا إلا ورأيت الله قبله) ما رأيت ببصري إلا رأيت ببصيرتي ، فيتغلب الشهود الباطني على الشهود الظاهري ، فيخرج من ظلمة ليل الغفلة إلى نهار نور المشاهدة (فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) قال الشفا سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه : (حتى لا ينبغي لليل سري أن يسبق روحي في الوجد والشهود)

    وأمرت الملهمة : بذكر (هو) لأنها في بحر الأسرار والإلهامات الخفية وهو ضمير والضمير مستتر ، فهنا إمداداتها خفية وأسرارها علية ، فيناسبها هذا الذكر ، ولما رأت العجائب والغرائب وتنزلت عليها النفحات والبركات انتقلت إلى :

    مطمئنة ، والطمأنينة سكون عند التجلي . فناسب ذلك أن تقول (حق) لأنها تريد أن تتحقق بما يسمى عندهم بالحقائق ، كما قال الشفا سلالة المصطفى r سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه : حتى أكون متحققاً بتحقيق (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به)

    وقال سيدي أحمد الدردير رضي الله تعالى عنه :

    ويا حق حققني بسر مقدس لأدري به سر البقاء مع الفنا

    وناسب الراضية أن تذكر (الحي) ، لأنها تحب الخلوة وتفر من الخلق وتحب الأنس بالله ، قال ابن الفارض : (واستأنست بالوحش إذ كانت من الإنس وحشتي) أي سكنت بالجبال مساكن الوحش يقول : ولما استوحشت الإنس كان استيحاشي للوحش من باب أولى ، فلا يحمل اللفظ على ظاره لأن الأنس بأي شئ سوى الله في هذا المقام نقص . نقل الغزالي رحمه الله تعالى في الإحياء أن رجلا عابدا كان في البيداء يعبد الله عشرين عاما ، فجاء طائر إلى شجرة بجواره وصار يغرد بصوت حسن ، فانتقل العابد من مكانه إلى الشجرة التي بها الطائر ، فسمع النداء : أتبيع أنسنا عشرين عاما بصوت طائر ؟ إذا عرفت هذا الكلام عرفت كلام ابن الفارض رحمه الله تعالى

    ولما كانت النفس تريد حياة جديدة وهي حياة الأنس بالله تعالى ناسب ذلك ذكرها لاسمه تعالى (حي) (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) والحياة الطيبة أنواع ، وتتفاوت بحسب المقامات ، ومن أجلها حياة الأنس بالله . قال ابن الفارض رحمه الله تعالى :

    فالموت فيه حياتي وفي حياتي قتلي

    ولما وصلت الراضية إلى الحياة الثانية ناسب أن تذكر (القيوم) ، لأنها صارت

    مرضية : تحتاج إلى قوام حياتها الجديدة التي قوامها وغذاؤها الواردات النورانية والمعارف العلمية ، فهي في مقام (ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء) على بساط (لقد كان فيمن قبلكم محدثون) ولذلك قال الشيخ الشوكاني رحمه الله تعالى لجماعة من أهل العلم : عليكم بالأخذ عن السيد أحمد بن إدريس فإنه قريب عهد بربه : قلت : أراد أنه من الملهمين عن الله تعالى ، والإلهام نوع من الخوارق للعادة المسماة بالكرامات

    اللهم ارض عن القطب النفيس

    مولانا السيد أحمد بن إدريس

    الفصل العشرون :

    شرح حديث (إنما يسلط على ابن آدم ......) للعارف بالله تعالى سيدي الشيخ صالح يقول

    المتصل عن السيد محمد إدريس السنوسي عن شيخه العارف بالله تعالى السيد أحمد\ بن الشريف السنوسي عن شيخه العارف بالله تعالى السيد محمد المهدي السنوسي عن شيخه العارف بالله تعالى السيد أحمد الريفي عن شيخه العالم العلامة والبحر الفهامة الحافظ المحدث السيد محمد بن على السنوسي ، عن شيخه العارف بالله تعالى سيدنا الإمام العالم المحدث الحافظ المفسر الصوفي التحرير والمرشد لطريق الحق بالحق القطب النفيس صاحب البيان والتدريس سيدنا ومولانا السيد أحمد بن إدريس الشريف الحسنى رضي الله تعالى عنه بسنده المتصل قال : وعنه r أنه قال :

    (إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه ابن آدم ، ولو أن ابن آدم لم يخف غير الله لم يتسلط عليه أحد ، وإنما وكل ابن آدم لمن رجا ابن آدم ، ولو أن ابن آدم لم يرج إلا الله لم يكله الله إلى غيره)

    قلت : الخوف من الله عز وجل صفة من أجل الصفات ، اختص الله تعالى بها رسله وأنبياءه وخاصته وأوليائه

    ولما كان الخوف من الله ، من أعظم الصفات كافأ الله صاحبه في الدنيا بالأمن وعدم الخوف من غير الله ، وعاقب الخائف من غيره بأن عجل له العقوبة في الدنيا بتسليط من يخافهم من غير الله تعالى عليه

    ومما يوضح لنا ذلك ما ذكره الصوفية من أن رجلا زار رجلا صالحا بالبادية ، فبات عنده ، فلما انتبه من نومه ذهب ليتوضأ من عين بجوار مسكن الصالح ، فلقي الأسد عندها فجاء مهرولا مرعوبا . فقال الصالح : ما شأنك ؟ قال له الأسد . فقام وذهب معه إلى الأسد وقبض على أذن الأسد وقال له : أما نهيتك عن التعرض إلى أضيافي ثم انصرف الأسد فقال الصالح للضيف : خفتم من غير الله فأخافكم الأسد ، وخفنا من الله فخاف منا الأسد

    وإذا اتصف العبد بهذه الصفة وهي صفة الخوف من الله تعالى وحده لا شريك له دخل في هذا الصون الإلهي الذي أشار إليه سيدي الشفاء السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه بقوله : (وصني يا إلهي بصون حجاب العزة الأحمى خلف سرادقات العظمة والكبرياء في حضرة الذات عن جميع الأغيار والمخالفات حتى لو طلبتني جميع البلايا كلها طلبا حثيثا لم تدركني لكوني مصونا عندك في حضرة لا يتصور فيها بلاء)

    هذا الصون في حضرة الأمن الإلهي على بساط القرب الرباني ، قال تعالى : (وآمنهم من خوف) ، أي لما خافوا منه وحده لا شريك له آمن خوفهم من غيره ، ولما علم ان الغير يطالبهم أدخلهم في حفظه ، وضرب عليهم سرادقات العظمة والكبرياء ، وهي التي يرى بها صاحبها مجللا موقرا ، وفي الحديث (اللهم أرني نفسي في عيني صغيراً وفي أعين الناس كبيرا)

    وفي الحديث (اللهم رب ، لك فذللني ، ورب لك فحببني وفي أعين الناس فعظمني) وفي هذين الحديثين الإشارة إلى سرادقات العظمة والكبرياء ، وقد أشرنا إليك يا أخانا في الله تعالى بهذه الإشارة وإن لم تف بالعبارة ، ولما علم الغير مطالبهم صانهم خلف حجاب العزة الأحمى (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستورا)

    وهذا الحجاب لعله الذي أشار إليه سيدي أحمد بقوله (حجاب العزة الأحمى) يناله بطريق الوراثة المحمدية ، ولعل ذلك هو السبب الذي يسر تلاوة القرآن على سيدي أحمد رضي الله تعالى عنه . فقد ذكر تلميذه الختم رضي الله تعالى عنه في مناقبه بأن شيخه ابن إدريس كان يختم القرآن كل ليلة في ركعتين

    قلت : وهذا حال من أحوال الصوفية سببه ما ذكرته لك وبه تقوى الروح على الجسد حتى تتصف بالصفات الملكية التي منها نشاط البدن ، وتيسير العبادة ، وعدم الغفلة وقلة النوم ، وقلة المطعم والمشرب ، وكثرة الإلهام والكشف ، وحفظ العلوم ، والذكاء والفهم فيها ، وخرق العوائد ولذلك كان سيدي أحمد إذا سئل عن التفسير بسط كفيه وقرأ فيهما ما شاء الله أ، يقرأ ، وإذا سئل عن الحديث قلب كفيه وقرأ فيهما ما شاء الله أن يقرأ ، وإذا سئل عن الحديث قلب كفيه وقرأ فيهما ما شاء الله أن يقرأ . وكان في آخر عمره يقرأ من غير أن ينظر إليهما ، وهذا الحجاب مع منعته وحصانته موصوف بالعزة ، هي الحفظ من الأعداء مع الغلبة والظهور عليهم

    قال سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله تعالى عنه فبدعائه : (فمن اعتز بعزتك فهو عزيز لا ذل معه ، ومن اعتز بدون عزتك فهو ذليل)

    قلت : ووجه كونه يقرأ في كفيه لأنه كان كثيراً ما يبسطهما على الأرض للسجود لربه ، وليظهر فضل الله عليهما في الدنيا قبل الآخرة , وقال العلماء : كل معجزة لنبي يجور أن تكون كرامة لولي

    وقد أجرى الله الشفاء على أيدي النبيين والمرسلين عليهم الصلاة والسلام

    وأجرى على أيديهم خوارق مختلفة ، وكذلك على أيدي كثير من أوليائه وأصفيائه من الأمم السالفة ، ومن أمة سيدنا محمد r سلفا وخلفا

    وإنما كانت كرامة سيدي أحمد علما ؛ لأن حاله كذلك وميوله كان ميولاً علمياً ، وكان حاله قبل التصوف حالا علمياً علقت به روحه ، فلما تصوف نماه بطريق الوراثة حتى نال فيه خرق العادة

    كما حصل لسيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام حينما قلب الحجر الذي كان يقلبه أربعون ، وذلك أنه لما اعتاد فعل الخير بيده قبل حصول هذا الحال له ، خرق الله العادة على يديه الشريفتين ، وهذا الحال سببه توجه قلبه إلى ابنتي نبي ورسول وهو سيدنا شعيب على نبينا وعليه الصلاة والسلام ، وكانتا ترتديان ثوبين من أنوار النبوة والرسالة . فلما رآهما بعيني البصيرة توجه قلبه إليهما ، ولو كانتا كافرتين مثلا ما توجه قلبه إليهما ولا خرقت له العادة

    ولكن نبي ورسول يسقي لا بنتي نبي ورسول يخرق الله له العادة لا بنتي نبي ورسول ، وكأن روحه عليه السلام أحست بزوجته وعلمت بها عن طريق (الأرواح جنود مجندة) وهي التي ذهبت إليه عقب دعوته عليه السلام حينما جلس تحت الشجرة وقال : (رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير)

    وهي التي قالت (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين)

    أما قوته فقد شاهدتها في رفع الحجر وسقى الغنم ، وأما أمانته فقد شاهدتا في سيرها معه ، وأظن أنها هي التي تزوج بها والله تعالى أعلم . وقد علم سيدنا شعيب عليه السلام بسيدنا موسى عليه السلام

    ولذلك أرسل إليه ابنته ولو لم يعلم به لأرسلهما معاً ، أو أرسل رجلا أو غلاما من الجيران ، وأيضاً قال (لا تخف نجوت من القوم الظالمين) ، وقد حقق الله هذين الخبرين فكان من أول ما سمع عن ربه (لا تخف إني لا يخاف لدى المرسلون) وقوله تعالى (لا تخف إنك أنت الأعلى) فحقق الله نفي الخوف

    وقال تعالى (وأنجينا موسى ومن معه أجمعين) فحقق الله له النجاة ، ثم زوجه شعيب ابنته من غير بحث عنه ، ثم أمنه على ماله في الظاهر وأدخله مدرسة التربية في الباطن والله تعالى أعلم

    وقد ورث من هذا الشأن شيئاً كثيراً سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه ، ومن ذلك أنه لما قدم سيدي إبراهيم الرشيد رضي الله تعالى عنه ، ومن ذلك أنه لما قدم سيدي إبراهيم الرشيد رضي الله تعالى عنه من السودان إلى اليمن وجد سيدي أحمد يقرأ بالمسجد ، وترك ما كان يقرؤه وانتقل إلى قوله تعالى (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين) وذكر أن الشيخ العارف يعرف تلاميذه من عالم الأرواح

    وأشار إلى سيدي إبراهيم بأنه يعرفه منذ عهد قديم . فرسخ في قلب سيدي إبراهيم ما سمعه من السيد عثمان الميرغني رضي الله تعالى عنه حينما زار بلادهم وأخذ عنه العهد والد سيدي إبراهيم ، ثم قدمه للسيد الميرغني وقال له : أعط ابني إبراهيم هذا الطريق فقال السيد الميرغني له : ابنك هذا فتوحه على يد شيخي السيد أحمد بن إدريس . وهذه الكلمة هي السبب في سفر سيدي إبراهيم إلى سيدي أحمد

    قلت : ومعرفة سيدي الميرغني له عجيبة ومعرفة سيدي أحمد له أعجب

    قلت : ولعل سبب ذلك أن الله يلقى شبه الشيخ على المريد في روحه وجسمه يرى الناظر على حسب كشفه وحاله مع ربه ، وقد ينال المريد ذلك قبل اتصاله بشيخه ظاهرا ويكون ذلك مكتسبا له باتصاله به قديما وباطنا في عالم (الأرواح جنود مجندة)

    وهذا الشبه سببه الاتصال والقرب ، فحال الشيخ مع المريد كالأرض والثانية ودورانها والماء فقلب المريد هو الأرض الطيبة ، والأوراد هي الثانية ، ودورانها قراءة الأوراد والماء الخارج هو الثواب والنبات هو المعارف والخوارق والتجليات

    لا تخالف شيخا رباك انصح واخدم بنيا

    أنت شجرة وهو مسقاك تنال الرتبة العليا

    ويقول رضي الله تعالى عنه :

    اقرأ الوظيفة وساعد رفقاك ورد بالك إليا

    أنا الشيخ الأسمر دوما نرعاك اعرف مقامي وزيا

    وفي قوله (اعرف مقامي وزيا) إشارة إلى ما يتوقف الفتوح عليه فمعرفة مقام الشيخ وجدان قلبي روحاني تظهر للمريد إشارة في عالم الملك والملكوت على حسب قوة معرفة المريد بشيخه . وأول خارق للعادة يناله المريد يشاهده في شيخه ، ومنه ينتقل إلى المريد على حسب صدقه على سبيل الوراثة ، وقد قال سيدي أحمد بن إدريس للسيد ابن السنوسي رضي الله تعالى عنهم : (أنا أنت وأنت أنا) وقالها سيدي ابن السنوسي لتلميذه وابن شيخه سيدي عبد العالي بن السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنهم بعد أن رباه وعلمه ولقنه الأوراد (أنا أنت وأنت أنا) . وكان يحضر أحيانا في مجلسه (بجغبوب ببرقه) وهو يدرس الإحياء للغزالي ، لأن سيدي عبد العالي درس الإحياء في حياة شيخه بمسجد جغبوب ، وفي ذلك سر عظيم لأن الشيخ يمد تلميذه حينما يحضر درسه مددا روحانيا . ويكون ذلك كالختم له بأنه صار أهلا لهذا المقام . قال لي أحد المشايخ : إن جدي السيد محمد بن علي السنوسي ربي سيدي عبد العالي وعلمه ولم يفارقه أبدا في حياته

    الشيخ صالح الجعفري وشيخه سيدي الشيخ محمد عبد العالي رضي الله تعالى عنهما

    ومما من الله به على أن شيخي قطب أهل الوصال السيد محمد عبد العالي قد حضر مجلس درسي بالأزهر الشريف وأظهر كرامة ، وهي : كنت وأنا صغير إذا سلمت عليه بالبلد يقول : (أهلا شيخنا) ، ومرة سلمت عليه ، ومعي مشايخي فسلم عليهم وعلى ، فلما رجعنا قال لي أحد مشايخي : لماذا السيد يقول لك أهلا شيخنا ونحن مشايخك لا يقول لنا هذه الجملة ؟ فقلت له : الله أعلم . فلما أتيت الأزهر الشريف وكان حضوري إلى الأزهر بأمر والده سيدي عبد العالي بطريق الإشارة ومنه رضي الله تعالى عنهما بطريق العبارة ، وبعد أن مكثت بالأزهر سبع سنوات حضر سيدي محمد الشريف بدرسي يوم الجمعة وكنت أفسر سورة (الكوثر) والناس يزدحمون ما بين جالس وواقف . فلما حضر قال : من هذا ؟ قالوا له : هذا الشيخ صالح ، قال ك صالح ابني صالح تلميذي ؟ قالوا : معم فأخذه حال وفرح عظيم رضي الله تعالى عنه ، فلما انتهى الدرس قلت : يا أيها الإخوان إن شيخي قد حضر فقوموا جميعا وسلموا عليه ، فلما سلمت عليه وقبلت يده تبسم وقال : (أهلا شيخنا) فتذكرت كلمته التي كان يقولها لي سابقا

    وقد استبشرت روحي بحضوره عند تفسير هذه السورة ، وأخذت منها البشرى بكثرة الخير وكثرة الحجم وقطع دابر أعدائي . ولشيخي هذا أسرار وكرامات ونفحات وعجائب وغرائب . سره مكتوم ، وأمره معلوم ظاهره باطن ، وباطنه ظاهر ، له سيف قاطع ، ونور ساطع قد ورث عن جده ووالده أحوالا ، ونال من بركاتهما منالا . كان مرة يمشي خلف والده ببلدة دنقلا بالسودان والناس يزدحمون بالإقبال والإجلال فحدثته نفس هل أ،ا إذا بلغت عمر والدي هذا يكون لي من الاحترام والإكرام ما حصل له ؟ فالتفت إليه والده سيدي عبد العالي رضي الله تعالى عنه وقال له : (وأكثر من هذا يا محمد) فكان كما قال ، والحمد لله على كل حال والصلاة والسلام على النبي وعلى جميع الأصحاب والآل

    والخوف من زوال الرزق لا من الرزاق يؤدي إلى زواله ، والهم في تحصيله وهو عيب عند الصوفية كالخوف من الخلق ، ولهذا يقول سيدي على أبو الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه : (اللهم إني أعوذ بك من خوف الخلق وهم الرزق وقرب مني قربا) فطلب القرب بعد زوال الخوف من غير الله لأنهما لا يجتمعان قال . سيدي أحمد ابن إدريس رضي الله تعالى عنه :

    فلفوا قتيل العشق في ثوب وصفكم

    يراكم بكم والكل فيكم مغرق

    وثوب العشق كساء العاشقين المصنوع من خيوط لا تحصى ولا يتم إلا بها . من تلك الخيوط خيط عدم الخوف من غير الله ، فلو نقص هذا الخيط لما ساغ العاشق أن يلف به ، وإنما يغزل هذا الثوب به ومن أجله فيقدم خيوطه ليتم غزله له ، وهذا بخلاف ما أراده حجة الإسلام رضي الله تعالى عنه حيث قال :

    غزلت لهم غزلا رقيقا فلم أجد

    لغزلي نساجا فكسرت مغزلي

    لأنه شبه الألفاظ التي تدل على هذا الثوب الذي ذكرناه بالصوف الذي يحتاج للنسج وشبه القابلية بالنساج ، فكأنه قال : ألفت لهم كلاما ولكني لم أجد القابلية والاستعداد له

    قال سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه : (وأوقفني وراء الوراء بلا حجاب عند اسمك المحيط في مقام السماع العام حتى تطربني لذة المكالمة الإلهية) قلت : ولا يكون الطرب إلا بعد زوال الخوف عند سماع المتكلم

    وليس الطرب هنا كما يعلمه الناس وإنما هو اهتزاز خيوط شعاع الروح التي هي كشعاع الشمس ، فإذا سمعت بالحق عن الحق اهتزت إجلالاً وإكباراً له ، وتحصل لها أحوال تنزل بها عليها معارف وأسرار وصفها الشريف المكي السيد محمد عثمان الختم الميرغني رضي الله عنه تلميذ صاحب هذه الترجمة بقوله في الأسرار الربانية : (وما ظهرت أسرار وحكم ، والزم في البعض الكتمان)

    وهذه الهزة ليست كالتي ذكرها الشاعر بقوله :

    (وإني لتعروني لذكراك هزة)

    فإنها جثمانية شهوانية نفسية وما نحن بصددها روحانية قلبية وجدانية

    سارت مشرقة وسرت مغربا شتان بين مشرق ومغرف

    وإنما لا تحصل المكالمة مع الخوف من الغير لوجود المشاركة للغير في القلب ولهذا يقول الله عز وجل : (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) فهو ينهاه عن الخوف من غير الله المسبب للحزن ، ثم ينقله إلى معية الله المسببة للأمن والفرح ، فكأن النبي r يقول لسيدنا ابي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه : لا تخف من غير الله لأننا في حضرة الله تعالى . ولما رأى سيدنا موسى عليه السلام الحية وخاف منها قال الله تعالى له : (لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون) أي لا خوف من غيره في حضرته وعند مشاهدته وعلى هذا المنهج كل نبي وولى لله تعالى : ويقول سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه : (حتى أعلم مأخذ كل نبي ورسول)

    قلت : ومن ضمن هذا المأخذ عدم الخوف من غير الله في حضرة الله تعالى . وقال أيضاً رضي الله تعالى عنه : (حتى يخاف سطوتي كل ناظر إلى بسوء) قلت : وهذا الوصف لا يتم للعارف إلا بعد عدم الخوف من غير الله تعالى والتمكن في الخوف من الله تعالى ، فيحاط من الله بجلال يرعد كل ناظر إليه بسوء ، ومن ذلك ما حصل للرجل حينما دخل على النبي r فصارت ترتعد فرائصه ، فقال النبي r : (مهلا عليك إنما أن ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد) أو كما قال . قال سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه : (فأوجد لذة الوحي القرآني الإلهي مني إلى)

    حصول لذة الذكر للذاكر

    قلت : ولا تحصل تلك اللذة إلا بعد عدم الخوف من غير الله تعالى فيطمئن القلب ويحصل الأنس والتلذذ حيث لا يتم ذلك إلا بعد أن يلف في الثوب الذي تقدم ذكره وهذا الثوب كالجسد وما يحصل بسببه كالروح وهي لا تنفخ في الجسد إلا بعد تمام الجسد كما أنه إذا كان الجسد تاما سليما حصل تمام الإبصار وتمام السمع وتمام الذوق . كذلك يقع ذلك لمن تم غزل ثوبه كما ينال الإنسان بتمام كل حاسة ما يترتب على تمامها ، كذلك يحصل بوجود كل خيط ما يترتب على وجوده

    فمثلاً خيط الإكثار من الذكر يترتب عليه إعطاء منشور الولاية ، قال سيدي ابن عطاء الله السكندري رضي الله تعالى عنه : (الذكر منشور الولاية فمن أعطى المنشور أعطى الولاية) ومثل خيط الإكثار من تلاوة القرآن يترتب عليه ما قال سيدي أحمد رضي الله تعالى عنه بقوله : (حتى أتلوه بلسانه الذي يتكلم به)

    اعلم يا أخانا في الله تعالى أن لهذه الجملة معاني ذوقية تكاد أن تكون من السر المكتوم ، وهذا المعنى غير الذي أشار إليه الغزالي بقوله : (قارئ القرآن له ثلاث حالات) :

    الحالة الأولى : كأنه يسمعه عن الله تعالى

    والحالة الثانية : كأنه يسمعه عن جبريل عليه السلام حين يسمعه للنبي r

    والحالة الثالثة : كأنه يسمعه من رسول الله r وإن كانت الحالة الأولى قد قاربت ما ذكره سيدي الشفا أبو العباس العرائشي السيد أحمد بن إرديس رضي الله تعالى عنه

    وقوله (في ثوب وصفكم) فالإضافة للتشريف لأنه يستحيل على الحادث أن يتصف بصفات القديم ، فيكون المعنى بثوب صفات تحبونها جليلة كريمة عندكم فشبه شدة العشق الحاصلة للعاشق بالقتل والعاشق بالمقتول ، وشبه الألطاف الإلهية النازلة عليه والموائد الأنسية بما يحصل لمن لف بالثوب فيكون في هذا الثوب مستوراً مع فقد الحركة التي لا يتأتى معها تمام اللف بالثوب . كذلك العاشق لا يتم له الدخول في الألطاف الإلهية إلا بعد فقد أوصافه المباينة من إرادة ورغبات وتدبير وتفكر والتفات إلى السوى ، كما أنشدني شيخي قطب أهل الوصال الشريف السيد محمد عبد العالي رضي الله تعالى عنهما قائلاً : قال سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه :

    ظهرتم بأوصاف الكمال لناظري

    فغبت وعنكم لا تغيب سرائري

    قلت : جمع بين الضدين الغيبة وعدمها فغاب عن الخلق ظاهرا وشاهد الحق بقلبه باطنا وقد أشار إلى هذا المعنى باب مدينة علم المصطفى r سيدنا على رضي الله تعالى عنه وكرم الله وجهه بقوله (إن لله عبادا هم مع الناس بأجسامهم وقلوبهم معلقة بالملأ الأعلى)

    وأشار إلى ذلك سيدي الشفا مولانا أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه بقوله : (وغيبني فيه غيبة لا أخرج بها عن المحافظة على أوامرك الإلهية) . قلت : فقام في ما يتعلق بالظاهر لله سبحانه ، وهذا معنى كلام الإمام على كرم الله وجهه هم مع الناس بأجسامهم الخ يعاملونهم بأحكام الشريعة فلا يخرج قولهم وفعلهم على الشريعة بالمخالفة ، هذا الحال فيه تمام الوراثة المحمدية وغالبا لا يكون صاحب هذا الحال إلا عالما بعلوم الشريعة ليصدق عليه حديث النبي r (العلماء ورثة الأنبياء) وتارة صاحب ذا الحال يتكلم عن نفسه ويخبر الناس بآثار مقامه . كما أخبرنا سيدنا على كرم الله وجهه بذلك . ويحكي أن سيدنا أبا العباس العرائشي رضي الله تعالى عنه كان يصلي إماما بجماعة من أصحابه بالبيت فسقط جزء من البيت فأحدث دويا وصوتا عظيما فلما فرغوا من الصلاة قالوا : لسيدي أ؛مد أن جزءا من البيت قد سقط . قال لهم : وكيف علمتم بهذا وأنتم معي في الصلاة ؟ فقالوا : سمعنا صوت سقوطه فقال : (سبحان الله تصلون وتسمعون) قلت : لأن للعارفين بأرواحهم وقلوبهم ما يمنعهم سماع الغير في حال التجلي الإلهي والمشاهدة ومن ذلك ما يحصل لهم عند دخولهم في الصلاة وقد حكى عن بعض الصالحين أنه كان إذا صلى غاب عن الكون وكان له مرض في ساقه فجرحوها وأخرجوا منها الأذى وهو في الصلاة ولم يشعر

    (لطيفة) حضر السيد عبد العالي من جغبوب بلدة شيخه إلى الزينية فسمع رجلا يصرخ في الصلاة فقال ما هذا ؟ قالوا : رجل صالح يخشع في صلاته فقال : سبحان الله لابد من اختباره فإن كان صالحا اتبعناه وإن كان غير ذلك نهيناه . فأمر بجمر يوقد ويوضع فيه مسمار حتى يحمر ووكل إنساناً به وقال له إذا صاح هذا الرجل فضع المسمار على عنقه . فلما سمع الرجل بهذا الخبر صلى وترك ما كان من الصياح . فأحضره السيد وسأله لماذا تركت عادتك ؟ قال : لأنني سمعت بخبر المسمار قال : (سبحان الله يا أخانا أتخاف من نار الدنيا ولا تخاف من نار الآخرة تب إلى الله من صنيعك هذا) فتاب إلى الله وحسنت توبته . فلو كان هذا الرجل غائبا في صلاته صادقا في حالة ووضعوا عليه نار الدنيا ما أحرقته

    (وللمناسبة) جاء رجل معمر من تلاميذ سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه فالتف الناس حوله وصار يتحدث معهم عن مقام شيخه وأحواله ، فصاح رجل من الجالسين صيحة عظيمة فقال الرجل المعمر : هذا من الذين كان يجاهدهم سيدي أحمد رضي الله تعالى عنه

    لذة العارفين في عبادة ربهم

    وجعل الله لذة العارفين وقرة عينهم في عبادته ، وإلى هذا المقام أشار رسول الله r بقوله : (وجعلت قرة عيني في الصلاة) . ويقول r (أرحنا يا بلال) عند مجئ وقت الصلاة . وبقوله r (المصلي يناجي ربه) ويقول r (من أراد أن يتكلم مع الله فليقرأ القرآن)

    وفي الحديث القدسي (أهل الذكر في حضرتي) وقال تعالى : (أقم الصلاة لذكري) (فاذكروني أذكركم) وفي الحديث القدسي (وأنا معه حين يذكرني) وفي الحديث القدسي (أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه)

    وقد يخبر بعض الأولياء في أحوالهم بما أكرمهم الله به من خرق العوائد ، فمنهم من يتكلم نثرا ومنهم من يتكلم نظما ، فإذا سمع شيئاً من ذلك المريد فليستحضر شيخه بقلبه موجها إليه هذه الأوصاف معتقداً رسوخ شيخه فيها غير منتقص لمقام شيخه بما سمع من الشيخ الآخر فإن ذلك من القواطع بل يعتقد أن كل ما سمعه عند شيخه وزيادة ليتم له تمام الإقبال الذي يحصل به تمام الاتصال

    أب الروح وأب الجسد

    قال سيدي الشفا السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه : قال عليه الصلاة والسلام : (من لا أب له فهو لقيط)

    واعلم يا أخانا أن الأب أبوان : أب الروح وأب الجسد . وأب الروح أفضل من أب الجسد ، لأن أبا الجسد يتولى تربية الجسد الترابي ، وأبا الروح يتولى تربية الروح الذي هو من أمر الله

    قلت : رضي الله تعالى عن شيخ الأولياء سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه حيث جعل الشيخ كالأب . وتوضيح ذلك أن الأب له اتصال بابنه لأنه برز منه فهو قطعة من أبيه . قال r : (من أراد أن ينظر إلى قطعة من كبده تمشي على الأرض فلينظر إلى ولده) والمراد بالولد هنا كما في الميراث الذكر والأنثى ، كذلك الأم لها هذا الاتصال لأن الجنين يتخلق من الماءين

    شرح قوله تعالى :

    (يخرج من بين الصلب والترائب)

    قال تعالى : (يخرج من بين الصلب والترائب) قيل : صلب الرجل وترائب المرأة وفي الحديث (ومن أين يكون الشبه)؟ قال ذلك r لأم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها حين أنكرت ماء المرأة ، ثم أثبت r أن الجنين يتخلق من ماء أمه وأبيه ، ولذا تارة يشبه أباه وتارة يشبه أمه ، فيكون هذا الحديث موافقا لتفسير الآية الذي ذكرته لك آنفا

    وقد ذكر الشيخ محمد عبده رحمه لله تعالى هذا التفسير الذي سبقه إليه غيره ولم يدلل هو ولا غيره عليه بالحديث الذي ذكرته ، وذلك من فضل ربي على فله الحمد وله الشكر . وهذا الاتصال الجسماني هو الذي يتسبب به عطف الوالدين على الذرية وعطف الذرية على الوالدين ، ولولا ذلك ما حصل عطف ، ولذلك اللقيط لا عاطف عليه إلا أمه

    (لطيفة مهمة) لم يذكر العلماء سبب إنكار السيدة عائشة رضي الله عنها ، وأقول بفضل الله تعالى : أن سبب ذلك أنها عصمت من الحلم الشيطاني إكراما لرسول الله r فلم تر في منامها مثل ما يرى الرجل ، وكذلك باقي أمهات المؤمنين بعد دخوله r بهن ، لأ، الله تعالى عصمهن من الإنس والجن يقظه ومناما وإلا لو كانت ترى مثل ما رأت السائلة لما أنكرت ذلك أمام رسول الله r دلل على أنه حياته r أرقى من حياة الشهداء لأن الله تعالى أباح تزويج نسائهم ، وأما سبب الاتصال بأب الروح فهو بسبب التآلف الأزلي في عالم (الأرواح جنود مجندة) ولأن الروح القوية لها شعاع يشع على الروح الضعيفة كما يشع ضوء الشمس على نور ضعيف فيدخل شعاع الشمس في ذلك الضوء الآخر ويكون متصلا به باعتبارين : باعتبار المقاربة وباعتبار المجانسة وذلك يخالف اتصال شعاعها بالمواليد الثلاثة : وهي عالم الحيوان وعالم النبات وعالم الجماد

    اتصال الشيخ بتلميذه من الأزل

    فاتصال شيخ الروح بتلميذه قديم وعظيم ، ولأن الأول جسماني وهذا نوراني ، وهناك شئ أعظم من هذا وهو انفتاح ما مع الروح للنداء الإلهي الأزلي عند قوله تعالى (ألست بربكم) فبعض الأرواح أخذتها نشوة فنفخت في جسدها بها فهي منعمة بنشوتها ، مغيبة بها عن الغير في مقام الحب والجذب كما قال سلطان العاشقين سيدي عمر ابن الفارض رضي الله تعالى عنه مشيرا إلى هذا المعنى بقوله :

    ولي في هواها نشوة قبل نشأتي ستبقى معي أبدا وإن بلي الجسم

    فناء المريد في شيخه

    ولنرجع إلى ما كنا بصدده من اتصال المريد بشيخه . أقول إن بعضهم غلب عليه الاتصال حتى ظهر شبه شيخ على جسمه . وهذا معنى ما ذكرناه لك من قول سيدي أحمد بن إدريس لتلميذه السيد ابن السنوسي رضي الله تعالى عنهما (أنا أنت وأنت أنا)

    قال الشاعر :

    أنا من أهوى ومن أهوى أنا

    نحن روحان سكنا بدنا

    وقال السيد محمد على اليماني الإدريسي مخاطبا السيد سر الختم الميرغني رضي الله تعالى عنهما

    وإن تعددت الأشباح وابتعدت

    فالذات واحدة في أصل مبناها

    قلت : ونهاية هذا المقام سببه المريد وهو فناؤه في شيخه ، فإذا علم منه الشيخ ذلك أخبره بهذه المقالة الدالة على اتحاد الروحين

    (نادرة) زرت يوما العارف بالله تعالى والمرشد لطريق الحق ولي الله سيدي محمد أمين الكردي البغدادي النقشبندي رضي الله عنه ، وبعد زيارته في خلوته خرجت أتحدث مع تلميذه الشيخ تمام في مسألة علمية وبيننا وبين شيخه جدار الخلوة والشيخ تمام مصري ، فكنت أسمع منه صوت الشيخ باللهجة الكردية ، وأخيراً قال لي : إن الذي يكلمك هو الشيخ ، فتعجب من ذلك وليس الأمر بعجيب فإن الشيخ كان من أكابر الأولياء

    كنت في أيام حياته قد سافرت إلى شمال السودان ، فرأيت في منامي كأن شيطاناً يريدني بسوء فهرولت منه ، فإذا أمامي خلوة يشع النور منها ، فلما دخلتها وجدت الشيخ بها ونور وجهه يضئ وله شعاع كالشمس ، فجاء الشيطان إلى باب الخلوة فنفخ الشيخ عليه فصار رماداً ثم سلمت على الشيخ وقبلت يده ودعا لي بخير رضي الله تعالى عنه وأرضاه آمين

    أنس العارفين بالله تعالى :

    والخوف من غير الله تعالى لا يحصل للعارف بالله تعالى لأنه في حضرة أنس وقرب وحب ، مستوحشاً من غيره سبحانه مستأنسا به ، كما قال سيدي ابن الفارض رضي الله تعالى عنه : " واستأنست بالوحش إذ كانت من الإنس وحشتي "

    قلت : أما قوله : استأنست بالوحش فعلي غير ظاهره لأنه لم يستأنس بغير الله ، وهو أراد وسكنت بصحراء الوحش فراراً من أن يميل القلب إلى الأنس بالانس ونفر من أنس الإنس ، فمن الأولى أن يفر من غيره ، وفي هذا تصريح بعدم الخوف من غير الله ولذلك سكن جوار الوحوش ولم يخش بأسهم ، وقد تولى الله حفظه مع العلم أن الشرع لا يبيح لأحد الذهاب إلى غابات الوحش ، ولكن الذي تولى سيدنا يوسف عليه السلام إلى غيابات الجب ، ونجي سيدنا يونس عليه السلام من الظلمات ، ونجي خليله – عليه السلام- من النار ، وكتب السلامة لحبيبه r في الغار ، قادر على أن يحفظ أحبابه إذا ساقهم الحال إلى الصحراء والجبال

    حكى الغزالي رحمه الله تعالى في إحيائه أن رجلاً من الصالحين من أرباب الأحوال كان يمشي بالصحراء فسقط في حفرة لم يستطع الخروج منها ، فمر عليه جماعة فاستحيا من الله تعالى أن يستغيث بهم ، وبعد قليل رأى يدا مدت إليه فتعلق بها فلما خرج فإذا هو بأسد ألهمه الله أن ينقذه من هذه الورطة ، ثم انصرف الأسد وتركه ، فقال الرجل : سبحان من أنجاني من الهلاك بالهلاك ، وهذا الرجل الصالح إنما وصل إلى هذه المنزلة وأكرم بهذه الكرامة لكونه لم يخف من غير الله ، لرسوخ حب الله تعالى في قلبه فيصدق عليه قوله تعالى (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) لأنهم خافوا من الله لا من غيره ، والخوف إنما يكون من الغير ، لمشاهدة الغير ولا يحزنون أي لأنهم شاهدوا حبيبهم معهم وإنما يكون الحزن بحجب الحبيب

    ولما فسر سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه قوله تعالى (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا) قال : فهم قوم من الآية وأن الرحمن لكم حبيب فاتخذوه حبيبا ، فاشغلوا بالحبيب فكفاهم الحبيب مضرة العدو

    قلت : وذلك لعدم خوفهم من العدو وأنسهم ووثوقهم بالحبيب ولما سمعوا نداء الحق سبحانه وتعالى (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) وهنا نداء للعوام والخواص ، فنداء الخواص إن كنتم مؤمنين بي وشاهدين لي ومحبين لي ، لأن الخوف من غيري لا يجتمع مع تلك الصفات


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    الفصل الخامس : الصوفية

    مُساهمة  Admin في الإثنين نوفمبر 08, 2010 3:37 am

    شرح حكمة صوفية لسيدي الشيخ صالح الجعفري رضي الله تعالى عنه

    قال سيدي على وفا : (من وجدك فما فاته شئ ، من فقدك فقد فاته كل شئ جهلت نفس لم ترك عليها رقيبا ، وخسرت تجارة رجل لم ينل من حبك نصيبا متى غبت حتى تحتاج إلى دليل وأنت حسبي ونعم الوكيل)

    قلت بفضل الله الملك القدوس في معنى كلام سيدي على وفا بالنفس الإدريسي : من شاهدك بقلبه غاية مشاهدتك فما فاته شئ من نعيم الدنيا والآخرة ولذلك يقول سيدي الشفا الإمام أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه (وارزقني غاية مشاهدتك) وغاية المشاهدة باعتبارات وقد تكون باعتبار مظاهر الأسماء الحسنى ولابد للمريد من ذكرها ، قد أدخلها شيخنا في أوراد طريقه وجعل لها دعوة منها هذه الجملة (وغاية مشاهدتك) وكان ابنه سيدي عبد العالي رضي الله تعالى عنه يواظب على ذكر الأسماء الحسنى عقب صلاة المغرب مع جماعة ، ثم يدعو بعدها بدعاء والده الذي أوله : (اللهم يأمن من هو هكذا)

    وللمشاهدة أسرار عجيبة . وأحوال غريبة ، وكلمات فوق سماء الأحلام ، هي لأربابها الشهد والمدامة إذا سمعوها ذكرتهم ، وإذا فكروا فيها أبكتهم ، ليلها كنهارها ، وذكر المهيمن شعارها ، والروح منغمسة في أنهارها ، محاطة بأنوارها ، أنشدنا شيخنا يوسف الدجوري رحمه الله في الدرس :

    إذا لم أحج البيت مذ شط ربعه حججت إلى من لا يغيب عن السر

    ومن رام نفرا بعد حج فإنني مقيم على نسكي حياتي بلا نفر

    قلت : يقول هذا الصوفي إذا لم أحج البيت مذ بعد ، شاهدت الله بقلبي ، وإذا الحجاج رجعوا بعد حجهم إلا بلادهم فإني مقيم على مشاهدتي لربي مدة حياتي كلها من غير مفارقة لتلك الحالة ، وهي المشاهدة الإلهية ، ولذلك يقول شاعرهم لما وقف بمشعرهم وشعر بمشاعرهم ، وذاق من كئوس معارفهم على طور تجليات ينوبع عيون حكمهم في معرفة عرفات معارف عوارف شموس أرواح تنزلات فيوضات نفحاتهم

    جمالك في عيني وذكرك في فمي وحبك في قلبي فاين تغيب

    أي جمال مبدعاتك لأن الله سبحانه وتعالى لا جمال له يرى بالبصر في الدنيا

    إذا ما رأيت الله في الكل فاعلا رأيت جميع العالمين ملاحا

    فالمرئي هي ملاحة العالم وحسنه بإضافته لفاعله ، قال ابن عطاء الله رحمه الله تعالى (إنما اعتزال الزهاد والعباد الخلق لفقد الحق فيهم ، ولو شاهدوه فيهم ما اعتزلوهم) وقوله هذا على سبيل المعية لاستحالة الظرفية كقوله تعالى (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) أي وأنت معهم

    وقال سيدي ابن الفارض رضي الله تعالى عنه :

    ولو خطرت لي في سواك إرادة على خاطري سهوا قضيت بردتي

    وليس الردة هنا الكفر ولكن هي التخلي عن الحب والعشق الإلهي وهو عندهم كالمحال كما قال رحمة الله تعالى : (لو تخليت عنه ما خلاكا)

    وقد أنشدنا الشيخ الدجوي بدرس التفسير بالجمع الأزهر عام 1360هـ

    ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي وأبحث جسمى من أراد جلوس

    فالجسم مني للجليس مؤانس وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي

    قلت : وهذا الكلام ينطبق على طريقة شيخنا الشفا رضي اله عنه وسيرته المرضية فلم يغلب يوما حاله مقاله ، ولا جلاله فعاله ، فيقع خسوف التخليط بل كان باطنه في مشاهدة واقتراب ، وظاهره على الكتاب وسنة النبي الأواب ، لم تدرك شمس نهاره قمر ليلة في عالم وراء الوراء ، ولم يغب عن الحضرتين عند تجلي الأسماء والصفات بل كان كما وصفه تلميذه ختم أهل العرفان حيث بين أوصافه بطريق الشهود والكشف غاية البيان فلا تنس يا أخانا مقام شيخ الأولياء والأخذ عن جده مفتاح السماوات والأرض بأوراد بها ثوب وارتقاء صاحب العلم النفيس السيد أحمد بن إدريس القائل لتلميذه الختم رضي الله تعالى عنهما : (وعليك يا أخانا بالإكثار من هاذ الذكر الذي اختصنا الله تعالى به من بين أوليائه (لا إله إلا الله محمد رسول الله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله)

    الفناء في مراد الله تعالى

    قال ابن الفارض رحمه الله تعالى :

    فلم تهوني ما لم تكن في فانيا

    ولم تفن ما لم تجتل فيك صورتي

    قلت : الله تعالى أعلم بما أراده الناظم

    ولكنني أقول فيه بحول الله تعالى وقوته على وفق ما يلهمني ربي سبحانه : الفناء في الحب الإلهي تقديم ما يريده الحق سبحانه على ما يريده المحب ، فنفسه تحب الحياة وربه يحب أن يقتل شهيداً ، فيقدم القتل في سبيل الله على الحياة

    فلما أعرض عن أوامر نفسه إعراضاً نهائياً كأنه أفناها وأعدمها ، والفاء للسببية . فكأنه يقول : كن فانيا بسبب تقديم أوامر الله ورغباته على أوامر نفسك ورغباتها . فكأنه أفناها بسبب ذلك

    وهذا معنى كلام الشفا سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه (حتى لا أرى في وفي كل شئ وفي لا شئ إلا إياك) والمعنى حتى لا أرى في نفسي بسبب شهودي لربي إلا آثار قدرته ، وفي غيري وفي الفراغ أيضاً فإن كل شئ هو أثر لقدرة الله تعالى ، ولا تأثير لسواه

    قال العارف السيد أحمد الدردير رضي الله تعالى عنه :

    والفعل في التأثير ليس إلا للواحد القهار جل وعلا

    وعلى هذا المنوال يحمل كل ما أوهم من كلامهم رضي الله تعالى عنهم

    تجلي الأفعال

    وقوله : ولم تفن ما لم تجتلي فيك صورتي

    أشار إلى تجلي الأفعال وهو مشاهدة عنى قوله تعالى (والله خلقكم وما تعملون) ، فيرى صور الأعمال فيه وفي غيره صادرة عن الحق سبحانه وتعالى بقوله (كن فيكون) . فاجتلاء الصورة ظهور صورة العمل أنه صادر عن الحق سبحانه بمعنى أنه أثر القدرة الإلهية ، ولكل عمل عند الله تعالى صورة حاصلة قبل وجوده ، ومعنى ذلك أن علمه سبحانه وتعالى تعلق بها

    قال سيدي ابن عطاء الله السكندري رضي الله عنه . (الأعمال صورة قائمة وحياتها سر وجود الإخلاص فيها)

    قلت : العارف بالله تعالى تارة يتكلم بمقاله دون حاله فلا يحصل لبس ، وتارة يتكلم بحاله فيحصل لبس عند من يغلبهم التأويل

    وقد وفقني ربي سبحانه في تأويل قول سيدي ابن الفارض في قوله : (فاسمح ولا تجعل جوابي لن ترى) بتشطير جيد قد تقدم ذكره

    ولما رأى ابن الفارض الجمال المحمدي قال :

    وأباح طرفي نظرة أملتها فغدوت معروفا وكنت منكرا

    فدهشت بين جماله وجلاله وغدا لسان الحال عني مخبرا

    لو أن كل الحسن يكمل صورة ورآه كان مهللا ومكبرا

    ثم قال رضي الله تعالى عنه بعد رؤيته للجمال المحمدي

    بجمال حجبته بجلال هام واستعذب العذاب هناك

    وفي هذا المعنى قيل إن يوسف عليه السلام أعطاه الله شطر الحسن ، والنسوة افتتن بجماله ، ونبينا r أعطاه الله الحسن كله والنسوة لم يفتتن به

    والجواب عن ذلك : أن الله سبحانه كسا جمال سيدنا محمد r بجلال يرعد الأسد الضارية . وهذا معنى قوله (بجمال حجبته)

    قوله r (وإنما وكل ابن آدم لمن رجى ابن آدم الخ)

    التوكل تفويض الأمر للوكيل والرجاء تعلق القلب بما عند الوكيل فمن توكل على الله ورجا الله تعالى لم يكله الله إلى غيره في جميع الأمور ورحم الله تعالى القائل :

    فوضت أمرى لخالقي وقلت لقلبي كفاك الجليل

    يدبرني ولا علم لي وهو حسبي ونعم الوكيل

    وما من رسول أو نبي أو ولي وقد توكل على الله تعالى ورجا الله تعالى

    والوراثة المحمدية في التوكل على الله عند الصوفية

    وتوكل الصوفية توكل ذوقي شهودي بالوراثة المحمدية

    على سبيل قوله r : (عني أيها الناس فقد عصمني الله) وذلك لما نزل قوله تعالى (والله يعصمك من الناس) وقول الخيل عليه السلام حين أرادوا إلقاءه في النار ، جاءه سيدنا جبريل عليه السلام فقال له : (هل لك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا ، وأما إلى الله تعالى فعلمه بحالي يغني عن سؤالي) قال عليه الصلاة والسلام : (حسبي الله ونعم الوكيل دعوة أخي إبراهيم حين ألقى في النار) والتوكل على الله حسن حصينة ودرع واقية ، وبه تحصل للقلب أحوال عشر :

    الأولى : الطمأنينة إلى الله تعالى

    الثانية : سكون القلب إلى قضاء الله تعالى وقدره مع وجود حلاوة يدركها القلب عند حلول القضاء والقدر

    الثالثة : جمع هم القلب بعد شتاته

    الرابعة : حصول الشجاعة عند مقتضياتها

    الخامسة : الثبات في مواقف الفرار

    السادسة : عدم التفكر فيما سيقع في المستقبل

    السابعة : عدم الحزن والخوف والجزع

    الثامنة : عدم التوجه إلى الخلق بقلبه

    التاسعة : الرضا بما حصل

    العاشرة : خلو القلب من تعب الفكر والتدبير

    والتوكل لا يمنع الأخذ في الأسباب ولا تنافي بينهما . قرأ الشيخ سليم البشري شيخ الجامع الأزهر رضي الله تعالى عنه دراً بالجامع الأزهر جمع فيه بين التوكل والسعي فقال : قال رسول الله r (لو توكلتم على الله حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا) ثم قال : قال عليه الصلاة والسلام : (جعل رزقي تحت ظل رمحي)

    وقال الله تعالى : (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) فانظر كيف جميع بين الأدلة وجعل المقصد واحداً حيث يقول : الأول فيه التوكل لقوله (لو توكلتم) وفيه السعي لقوله (تغدو وتروح) فالغدو والرواح سببان : (الأول سبب للرزق والثاني سبب للحفظ وأيضاً في قوله r (جعل رزقي تحت ظل رمحي) قال : والرمح إنما يحصل له ظل إذا تحرك وساربه حامله وقائل به ، ففي الحديث التوكل وهو حاله r ، والسعي وهو قوله (تحت رمحي)

    وفي قوله تعالى (فامشوا في مناكبها) السعي وفي قوله تعالى (من رزقه) التوكل لتصديقه أن الرزق من الله تعالى . وإذا قرأ المؤمن بقلبه وروحه هذه الآية وملأ قلبه من نورها واطمأن إليها لابد أن يحصل على جانب عظيم من التوكل وهي قوله تعالى (وما بكم من نعمة فمن الله) لأنها تخاطب المؤمن بأروع خطاب حيث تلفت نظره إلى أن جميع النعم الحاصلة للإنسان مخلوقة لله ، والذي أعطاها للإنسان هو الله وحده ، ولا يستطيع أحد نزع شئ من هذه النعم ولذلك يكون متوكلا معتمداً على ربه في جميع أحواله وحركاته وسكناته وخطراته دائماً أبدا سرمدا حتى لا يخاف زوال شئ من شئ متوكلا مستسلما للذي (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) فإذا كان كذلك لم يكله الحق سبحانه إلى أحد سواه ، وقد أشار الحديث النبوي إلى هذا المعنى أيضا (اللهم اجعلني ممن توكل عليك فكفيته)

    (وتاء) : التوكل تسليم فلابد أن يسلم أمره كله لله تعالى كما قال شاعرهم :

    ومن الدلائل أن تراه مسلماً كل الأمور إلى المليك العادل

    ومن الدلائل حزنه ونحيبه جوف الظلام وما له من عازل

    (وواوه) : ولاية الله (إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) المتوكلين على ربهم تولى الله أمرهم ، فلم يكلهم إلى أنفسهم ولا إلى أحد من خلقه طرفة عين ، بل عاملهم وفق عقيدتهم فيه سبحانه ، فلما اعتقدوا فيه أنه وليهم وناصرهم حقق لهم ذلك

    وفي الحديث (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين ولا أقل من ذلك)

    (وكافة) : كفاية من الله تعالى حتى لا يحتاج إلى سواه في ظاهر أمره وخافيه

    يحكي أن رجلا من العارفين كان نائما تحت ظل شجرة في صحراء فرأى بعض العارفين ضفدعا خرج من نهر صغير ، ثم جاء عقرب ، فحمله هذا الضفدع وذهب به فوق النهر إلى جهة الشرق التي فيها ذلك الرجل النائم تحت الشجرة ، وإذا ثعبان عظيم جاء قاصدا ذلك الرجل ، فقابله العقرب فلدغه فمات ، ثم رجع العقرب وحمله الضفدع ورجع به إلى مكانه

    وكان العارف قد قطع النهر لينظر ما يصنع العقرب والضفدع ، فشاهد هذه الأعجوبة ، ثم جلس بجوار العارف النائم حتى استيقظ من منامه ، فوجد بجواره ثعباناً عظيما ميتا فأدهش منه ، فقال له الذي هو جالس بجواره من أنت ؟ قال عبد متوكل على ربه فقال له صدقت ثم أنشده قول الشاعر :

    وإذا العناية لاحظتك عيونها

    نم فالمخاوف كلها أمان

    فاصطد بها العنفاء فهي حبائل

    واقتد بها الجوزاء فهي عنان

    (واللام) : (لهم ما يشاءون عند ربهم) بسبب توكلهم على ربهم وذلك في الدنيا والآخرة . قال سلطان العاشقين ابن الفارض رحمه الله تعالى :

    فنلت مرادي فوق ما كنت راجيا

    وهكذا حال من توكل على الله وحده لا شريك له واعتمد عليه وفوض أمره إليه . قال الله تعالى حكاية عن سيدنا موسى بن عمران على نبينا وعليه الصلاة والسلام : (وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد) فأعطاه الله ما شاء وفق ما شاء ، لأنه شاء النجاة والتمسها فسخر له البحر وجعل له فيه طريقا يبسا ، وأغرق أعداءه أجمعين ، وورثه ومن معه متاعهم وديارهم ، وهكذا شأن من يتوكل على رب العالمين ، والتوكل توجه روحاني عظيم إلى رب عظيم . وبه يكون مكرما عند به (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر) لأنه بسبب توكله يتولى الله أمره ، ولا يكله إلى أحد غيره ، وبهذه الولاية الإلهية يكون في منتهى التكريم

    ألا ترى أنه إذا كان في البحر في سفينة لا يكون مطمئن القلب هادئ البال إلا بتوكله على ربه ، فالمؤمن ينسى نفسه ويبرأ من حوله وقوته إلى حول ربه وقوته ، ذاكرا قول خالقه سبحانه (هو الذي يسيركم في البر والبحر)

    وأما الكافر فلا يعرف ربه ولا يذكره ولا يعتمد إلا على نفسه وحوله وقوته (وكان الكافر على ربه ظهيرا) (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون)

    خلق الله تعالى الإنسان ليتوكل عليه ، فإذا نسى التوكل على الله تعالى فقد نسي الخير كله ، ثم ينسى نفسه أي نجاتها فيهلك ، لأن المتوكل على الله يدافع الله تعالى عنه ، ومن كان كذلك فلا غالب له (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) والذين آمنوا هم الذين توكلوا على الله

    ولما قال أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (حسبنا الله ونعم الوكيل) كفاءهم الله شر عدوهم وآمن خوفهم ورزقهم من فضله ورضي عنهم وهكذا حال من يتوكل على الله رب العالمين

    وكان الفراغ من شرح هذا الحديث بعد عصر يوم السبت الموافق سنة 1380هـ بالجامع الأزهر الشريف

    اللهم ارض عن القطب النفيس

    مولانا السيد أحمد بن إدريس

    الفصل الحادي والعشرون :

    خطاب سيدي أحمد بن إدريس إلى سيدي الميرغني رضي الله تعالى عنهما

    قال شيخنا خزينة العطايا الإلهية والإمدادات المحمدية سيدي الشيخ صالح الجعفري رضي الله تعالى عنه وعنا آمين : وجدت خطاباً مخطوطاً عن أخ لنا في الله قد أرسله سيدي أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه إلى تلميذ له ببلدة كردفان بأرض السودان، فأحببت ذكره في هذه المناقب لما فيه من الفوائد التي سأشرح بعضها إن شاء الله تعالى

    كتب صاحب الدر الغوالي والد سيدي عبد العالي ببنائه الذي طالما سطر من بيان إلى بلده تشرف أهلها بخطابه حتى الآن ، والمرسل إليه الخطاب هو السيد الختم الميرغني رضي الله تعالى عنه

    بسم الله الرحمن الرحيم

    وصلى الله على مولانا محمد وعلى آله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله ، من أحمد بن إدريس إلى ولده وقرة عينه عثمان بن أبي بكر ، بل منا وإلينا والسلام علينا ورحمة الله وبركاته من جميع جهاتنا يعمنا

    أما بعد : وصلنا كتابكم بمكة أعزها الله تعالى فجاء إلينا الكتاب في اليوم السادس من محرم عام خمس وثلاثين ومائتين وألف فحمدنا الله تعالى على عافيتكم فلنا سنة كاملة في مكة . فدخلنا مكة عام أربع وثلاثين ومائتين وألف حضرنا حجة الجمعة فانتظرنا قدومك في هذه السنة فلم تحضر . وقد أذن لنا بالقدوم إلى مكة فقدمنا خير مقدم فالعجل العجل بالحضور كيف ما أمكن فقد حان وقت حضوركم ولكم البشرى بحصول مقصودكم . فهلم ثم هلم إلى أرض الحرم المقدسة التي هي من أول جمع على التقوى مؤسسة ، أن هلم إلى الخيرات والنور والبركات ، أن هلم إلى الأسرار والحضرة المحفوفة بالأنوار

    أن هلم إلى سرك واتصالك بربك ، أن هلم إلى قدسك وزوال همك وعكسك ، أن هلم إلى عرسك الذي يملؤك فرحاً من فرشك إلى عرشك ، أن هلم إلى السر المكنون الذي هو من الله كن فيكون ، أن هلم إلى شرح صدرك الذي يضع عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ويرفع لك ذكرك أن هلم إلى كوثر النور المحفوف بالأفراح والسرور ، أن هلم إلى رفع القدر الذي ليس معه شر . أن هلم إلى الوعد الصادق الذي هو من جميع الجهات بالنور دافق ، أن هلم إلى الوعد الذي لا يخلف ، والسر الذي لا يكشف ، فحدد نظرك واشحذ فؤادك ، واعزم بكليتك ولا تترك وراءك جزء من جزئياتك ، اقبل فقد جاء ، وعد النصر والسرور ، وهو قوله r (نصرت بالصبا وهلكت عاد بالدبور)

    والسلام منا ورحمة الله وبركاته على الأخ الصادق العربي الخطيب وله البشارة بما يرجوه من القريب المجيب ، فعن قريب إن شاء الله يأتيه ما يسره فيقول يا ابت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا . والسلام منا على كافة الإخوان وعلى من لاذ بكم وانتسب إليكم مدى الأزمان . وولدكم المبارك محمد بخير وأخته التي زادت بعدكم فاطمة بخير وأمهم كذلك . والسلام عليكم وعلى من تعلق بكم من إنس وجان . ونسأل الله أ، يجمعنا وإياكم جمعاً لا فرق فيه في أعلى حضرات الرحمن المصونة من كل عائق وقاطع وشيطان إنه جواد حنان منان ، لا إله إلا هو إليه الإنابة وعليه المعول ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

    الفصل الرابع والعشرون :

    قصة السيد عبد العالي مع الشيخ عبد الله كلمسيد رضي الله تعالى عنه

    بلغني أن السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه كتبوا عنه في تفسيره لآية واحدة في سورة الأحزاب سبعين كراساً وهي قوله تعالى (إن المسلمين والمسلمات) مكث ثلاثة أيام يفسر قوله تعالى (والذي قدر فهدى) من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس ، فلما تعجبوا من ذلك قال لهم : لو مكثت معكم ما لبث نوح في قومه لأتيتكم كل يوم بتفسير جديد

    وحصل مثل ذلك لابنه سيدي عبد العالي وذلك أنه لما قدم إلى بلده دنقلا العرضي بشمال السودان كان يقرأ دروساً بالليل وبالنهار

    وقد أخبرني بعض أهل العلم من تلك البلدة أن السيد كان يقرأ تفسير القرآن بطريقة المغاربة ، والذي يقرأ له الآيات الشيخ عبد الله كلمسيد الدنقلاوي المشهور رحمه الله تعالى ، وكان السيد يفسر في قوله تعالى (تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا) فقرأ الشيخ للسيد ، الآية وفسرها السيد وقال بعض العلماء للشيخ كلمسيد : إذا جئت في غد فلا تقرأ الآية الثانية ولكن اقرأ هذه الآية التي فسرها السيد لننظر هل يستطيع أن يأتي بتفسير جديد ؟ فلما جاء اليوم الثاني قرأ الشيخ كلمسيد الآية الأولى ففسرها السيد بتفسير غير الأول وأبدع فيه الغاية . ولما جاء اليوم الثالث قرأ السيد الآية بنفسه وأتى فيها بتفسير جديد وأبدع فيها غاية الإبداع . فقبل الشيخ كملسيد يده وصار يبكي . فقال له السيد ما يبكيك يا أخانا الشيخ عبد الله ؟ قال : يا سيدي أبكي لأنك جئت بلادنا وأنا شائب وكنت أتمنى أن أكون شاباً قوياً لأتلقى هذا العلم . فقال السيد له : لوم لبثت فيكم ما لبث نوح في قومه لأتيتكم كل يوم بتفسير جديد

    تفسير قوله تعالى (والذي قدر فهدى) للعارف بالله تعالى

    وقد وقفت على هذا الباب متطفلاً وطفيلي الكرام يكرم . فأقول بفضل الله تعالى : (والذي قدر فهدى) من بحر جواهر معانيها . والذي قدر لك في الأزل أن تكون مسلماً فهداك للإسلام وهذه نعمة من أعظم النعم وأجلها . قال سيدنا على كرم الله تعالى وجهه ورضي الله تعالى عنه : (فلك الحمد على ما جعلتني من أمة محمد r وهو أفضل النبيين دعوة وأفضلهم شفاعة وأقربهم منزلة) أي قدرت لي ذلك ثم هديتني إليه

    والذي : قدر لك العلم فهداك إلى طلبه وتحصيله حتى صرت عالما

    والذي : قدر لك الولاية فهداك إلى منشورها وهو الذكر

    والذي : قدر لك شيخا عارفا يرشدك فهداك إليه

    والذي : قدر لك التجارة فألهم قلبك حبها وهداك إليها حتى صرت تاجرا

    والذي : قدر فلانة زوجا لك فهداك إليها فتزوجت بها فولدت لك ما شاء الله أن تلد

    والذي : قدر لك المصيبة وألهمك الصبر وهداك إليه لتنال صلوات من ربك ورحمة وهداية

    والذي : قدر لك الحج فهذاك إلى السفر في العام الذي أجله لك والذي قدر لك الصلوات فهداك إليها

    والذي : قدر لك المكان الذي تصلي فيه وهداك إليه

    والذي : قدر لك الصوم وهداك إليه فصمت في الأعوام التي شاءها والأماكن التي أرادها لك

    والذي : قدر لك المعصية فهداك إلى التوبة فتبت لتنال مغفرته

    والذي : قدر لك التخلي فهداك إلى البعد عن الشهوات والضلالات

    والذي : قدر لك الإحسان فهداك إلى الإنفاق مما أعطاك الله من العلم والمال

    والذي : قدر لك المرض فهداك إلى الدواء فتداويت وشفيت لتعالج ما أنزل من داء بما أنزل من دواء

    والذي : قدر لك الوصل فهداك إلى الآداب اللازمة

    والذي : أشعل في قلبك سرج الحب الإلهي والحب المحمدي فهداك إلى زيت تسريجها

    والذي : قدر فتح مسامع القلوب بمفاتيح أسرار الغيوب فهداك إليها

    والذي : قدر لروحك إلهام معرفة (كان الله ولا شئ معه وهو الآن على ما عليه كان) فهداك إلى معرفة ذلك بالوقوف على ساحل بحر (كل من عليها فان) ليدرك الموصوف لاحق وصف سابقه

    والذي : قدر لك غاية المشاهدة فهداك إلى الغيبة فيها عن مشاهدة ما سوى المشهود

    والذي : قدر لك شراب كئوس حلاوة مناجاته فهداك إلى القيام بالأسحار والذي قدر لك تنزلات غيوث أسرار معارف جواهر آياته فقدر لك التدبير فيها لتتعرض إلى وابل غيثها

    والذي : قدر لك التغذي من معاني موائد بركاته سور كتابه فهداك إلى الدخول في سور موائد سوره وكلماته

    والذي : قدر للمعاني أن تكون مختلفة الأذواق والمرامي فهداك إلى تمييز غرائب بدائع أسرارها

    والذي : وعدك بالدخول في حضرة سلطان حضراته فهداك إلى كثرة الصلاة والسلام عليه لتكون من أهل بركاته ونفحاته

    والذي : قدر لك الفيض من جلال قهر جبروته فهداك إلى الابتهال لتنزل ألطافه وبسطه وعناياته

    والذي : قدر لك الدخول فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فهداك إلى معرفة ما لم تكن تعرف وعلم ما لم تكن تعلم وسماع ما لم تكن تسمع على بساط قربه وأنسه في حظية مناجاته وقدسه

    والذي : فتح باب الخيرات والبركات فهداك إلى اغتنامها

    والذي : قدر للأرواح الشوق حتى كادت أن تطير من عالم أجسادها فهداك إلى الصبر (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه)

    والذي : قدر لهم الغرق في بحر الحب الإلهي فهداهم إلى التمسك بأنوار الشرع المحمدي فحملهم على سفينة النجاة وهي تجري بهم في بحر حقائق دقائق إذا تقرب إلى العبد شبرا تقربت إليه ذراعا

    بسم الله مجريها بالاقتداء المحمدي ومرساها بالوقوف عن درك الإدراك مع مشاهدة المخاطب (بلولاك لولاك ما خلقت الأفلاك) ، ليتم شهودك به كما قد تم إسلامك بلا إله إلا الله محمد رسول الله

    إلهامات صوفية لقوله تعالى (تبارك الذي جعل في السماء بروجا)

    (تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا) من بحر جواهر معاني بدائع هذه الآية ، جعل في سماء روحك بروجاً لشمس إسلامك وقمر إيمانك ، فبروج شمسك خمسة بني الإسلام على خمس ، ومن أجلها خمسك الصلاة عماد الدين فشمسك لمنافع جوارحك وقمرك لمنافع باطنك ، وقمرك مستمد من شمسك ، وشمسك تجري لمستقرها وهو برزخك ، وقمرك منازله تطورات عمرك فيزداد بزيادة شمسك وينقص بنقصها قمر المؤمن منتهاه كماله على نهج (خيركم من طال عمره وحسن عمله) والضعفاء في العمل كلما قل عملهم ضعفت شمسهم ، وكلما ضعف شمسهم ضعف قمرهم حتى عاد كالعرجون القديم

    وفي غروب الشمس وخروجها بعد الغروب دليل على أن الله قادر على أن يعيد الإنسان بعد دفنه حياً كما كان (كما بدأكم تعودون) وقد قال تعالى في وصف الشمس (سراجا) وفي وصف القمر : (منيرا) قال تعالى . (وجعلنا سراجا وهاجا) (وقمرا منيرا) وقد جمع الله تعالى هذين الوصفين لنبيه r في قوله (وسراجا منيرا) فهو r شمس الشريعة وقمر الحقيقة

    ولما كانت الشمس واحدة وترى في جميع العالم كذلك سراج القلوب يرى للقلوب في جميع الأقطار . فمن كانوا في نهار أنوار أعمالهم رأوه شمسا ومن كانوا في ظلمة معاصيهم رأوه قمرا ، فما من قلب مسلم إلا وله منازل فيه على حسب الحب والإيمان ، وفي الحديث (لا إيمان لمن لا محبة له)

    ويعجبني جواب لرجل تكروني ختمي قال بعض الناس إن شيخكم الميرغني يقول : (وأخبرني أنه يحضر في قراءته) فلوا فرضنا أن المولد قرئ في بلاد كثيرة في ليلة واحدة فكيف يكون الحضور ؟ فقال التكروني كحضور الشمس فإنها واحدة وتحضر في كل مكان

    وقد أجاد هذا التكروني في هذا الجواب وأحسن وما أظنه غلا من قبيل الإلهام . وكما جعل الله لوجود الشمس والقمر منافع حسية ومعنوية كذلك ظهوره r فيه منافع حسية أشار إليها القرآن العظيم إجمالاً وتفصيلاً ن فالإجمالي منه منافع حسية أشار إليها القرآن العظيم إجمالاً وتفصيلاً ، فالإجمالي منه قوله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) والرحمة حسية ومعنوية والعالمون ما سوى الله تعالى فهو r رحمة إلى جميع خلق الله حتى الكفار ، إذ به r رفع الخف ونزول الحاصب من السماء والغرق وغير ذلك ، وهذه الرحمة لا تزال مستمرة إلى ما شاء الله . وبه r أعطى الله المؤمنين العزة حيث يقول سبحانه وتعالى (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) فذكره وحده r لرفعة ذكره وعلو شأنه وعطف عليه أتباعه المؤمنين لأنه السبب في عزتهم . وكذلك صلاته عليهم في كل حين من الأحيان سكن لهم (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) أي رحمة وطمأنينة

    ومادامت الشمس فالخلق ينتفعون بها وما دام السراج المنير r فالمسلمون ينتفعون بصلاته عليهم . والشمس تنفع البدن بحرارتها وتذهب ضرر الرطوبة ، وذلك لمن توجه إليها واستقبلها شتاء ، كذلك يحصل النفع الروحاني ويذهب الضرر النفساني ممن استقبله r بالمحبة والصلاة والسلام عليه

    علاج لمل ما يصيب الإنسان في حياته

    يقول سيدي الشيخ صالح الجعفري رضي الله تعالى عنه

    فائدة مجربة إذا أظلمت نفسك أو قسا قلبك وضاق صدرك وغاب رشدك وأظلمت أنوارك وكثرت أوزارك فوجه قلبك إلى رحمة الله للعالمين r بحب وشوق مصلياً ومسلماً عليه مادحاً باكياً فبإذن الله تعالى تنقلب ظلمة نفسك نوراً ن وقسوة قلبك لينا ، وضيق صدرك انشراحاً وكثرة أوزارك توبة تعقبها مغفرة ، وعند ذلك يهدأ بالك ، وينصلح حالك ويكثر سرورك وحبورك وتذهب همومك ، وتزداد علومك ، ويزداد نشاطك في الطاعات ويمحى هجومك على المخالفات ، ويقوى إسلامك ، ويزداد إيمانك ، وتنقضي الحاجات ، وتنصلح النيات ، وتفتح أبواب سعادتك ، وتقفل أبواب شقاوتك . فجرب تجد فإذا ظفرت فزد . وقد جعل الله في السماء بروجاً ، ولكن جعل السماوات كلها بروجاً له r حيث شرفت كل سماء بشمسه المنيرة البهية إلى ما فوق السماء السابعة

    واعلم يا أخانا في الله تعالى ما أمليه عليك واسمعه مني بأذن واعية لعلك ترشد وتهدى إلى الصراط المستقيم . واعلم أنه r نور لا كالأنوار بل يفوق جميع الأنوار التي خلقها الله تعالى ، فلو حل أي رسول أو أي ملك أو شمس أو قمر في المكان الذي كان فيه ليلة المعراج لاحترق . دليلنا هنا قول سيدنا جبريل عليه السلام : (لو تقدمت خطوة لاحترقت بالأنوار) فهو الشمس التي منها الشموس والقمر الذي منه الأقمار

    شرح حديث (حسين منى ......)

    سيدي الشيخ صالح الجعفري قال r : (حسين مني وأنا من حسين)

    واعلم يا أخانا في الله تعالى هذا المعنى الغريب العجيب بفتح الله القريب المجيد هذا الحديث يفسره قوله r (كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وطهري)

    اعلم أن الشمس لها شعاع متصل بها لا ينفصل عنها إذ لو انفصل عنها لأظلم ، فالنبي r هو الشمس وذريته هم الشعاع فمعنى حسين مني أي نور شع مني ، ومعنى وأنا من حسين يعني وأنا متصل بالحسين كاتصال الشمس بشعاعها ، كأنه r يقول : ذريتي ليست كذريتكم ، فإنها منفصلة عنكم ولكنني نور وذريتي نور فهي لا تنفصل عني بل تكون متصلة بي إلى الأبد كاتصال الشمس بشعاعها . ولذلك عندي أن الشريف المنسب يستحيل عليه الكفر لأنه شعاع متصل بالشمس فما دامت منيرة دام الشعاع منيرا ، ومن استقبل الشعاع لو رفع رأسه لرأى الشمس فوق الشعاع . وفي ذلك إشارات لأهل الإشارات وعبارات لأهل العبارات ، ولا اراها إلا أذواقاً جفت أورقا ، ومشاهدات لأرباب العنايات وتنيمهم شرب لأهل الحب والقرب فلا تكن عن قولي لاهيا ، ولا عن ما أشرت لك به ساهياً ، فإنما الولايات بالعنايات ، والإمداد على قدر الاستعداد

    قال البوصير – رحمه الله – مادحا خير خلق الله r :

    فإنه شمس هم كواكبها يظهرن أنوارها للناس في الظلم

    فهو r فضل الله بين خلق الله (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) فعلي قدر توجهك لهذا الفضل ينهل عليك من سحاب غيثه ما شاء الله لك فهيئ نفسك لتنزلات فضل ربك ومننه وفضله ورحمته وشمسه وسراجه وبشيره ونذيره ونبيه ورسوله وشاهده وحبيبه وصفيه ومنتقاه ومصطفاه . ونوره في سائر الأقطار والبراري جامع المعارف والعلوم والأسرارا والعلوم ممد الكل من مادة (أوتيت جوامع الكلم) r

    بعض من خصوصياته r

    والشمس والقمر لا ظل لهما وكذلك المصطفى r لا ظل له لأمور

    الأول : خشية أ، تطأه الأقدام فإذا كان ظله يحترم وتخرق من أجله العادة فكيف بذاته r ؟

    الثاني : الكفر معلق بأي ازدراء أو إهانة توجه إليه r أو إلى أي شئ يتعلق به r فلو فرض أن له r ظلاً لحرم وطؤه بالأقدام ومن تعمده كفر ، كذلك المكان الذي جلس فيه r إذا تعمد إنسان البول فيه كفر ، ولذلك أمر r أن يقسم شعر رأيه بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، فكان من وصلت إليه شعرة أو شعرتان كانتا أحب إليه من الدنيا وما فيها كما رواه البخاري

    وروي البخاري (وما تنخم رسول الله r نخامة إلا سقطت في كف أحدهم ، فيدلك بها وجهه وجلده ، وإذا توضأ كادوا أن يقتتلوا على وضوئه)

    قال شارح البخاري القسطلاني رحمه الله تعالى : يفعلون ذلك تبركا بآثاره r " وأن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يضع يده على منبر النبي r ويمسح وجهه" والتبرك بآثاره r ثابت في البخاري وغيره كالتبرك بجبته r وبعرقه r ، ولما رأى r الصحابية أم سليم رضي الله تعالى عنها تأخذ عرقه الشريف وتضعه في زجاجة قال لها ما هذا ؟ قالت له r : نصلح به طيبنا ونبرك به صبياننا رواه البخاري ، فأقرها r على ما قال : والصحابية شربت بوله r فوجدته أبرد من الثلج وأزكى من المسك وأحلى من العسل فبشرها r أن النار لا تلج بطنها ، وتفل r في عيني سيدنا على رضي الله تعالى عنه وكرم الله وجهه فعادتا أحسن مما كانتا في الحين . وبصق في عيني قتادة رضي الله تعالى عنه وردها فعادت أحسن مما كانت لا تركد إذا رمدت الأخرى . ورد ذراع الذي قتل أبا جهل وبصق فيه فعاد سليما

    قال البوصيري رحمه الله تعالى :

    كم أبرأت وصبا باللمس راحته وأطقلت أربا من ربقه اللمم

    وقلت بفضل ربي :

    وريقه قد شفا من كان ذا رمد وبارك الرشح صبيانا بذي حرم

    وأصلح الطيب والأصحاب قد دلكو بريقه جلدهم حفظا من السقم

    وشعره كان عند الصحب تحمله حرزا وحبا لعالي القدر والهمم

    الأمر الثالث : كونه r لا ظل له إشاره إلى أنه نور r

    قال تعالى (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) وقال تعالى (وسراجا منيرا)

    وفي الحديث (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر) أخرجه الحافظ عبد الرازق رحمه الله تعالى في مسنده ونقله القسطلاني رحمه الله تعالى في المواهب اللدنية ، ونقله النبهاني رحمه الله تعالى في الأنوار المحمدية

    وإليك كلام شيخ الإسلام الباجوري رحمه الله على مولد أبي البركات سيدي أحمد الدردير رضي الله عنه قوله : " قبض الله قبضة من نوره أي من نور خلقه الله تعالى ، لأن نور الذات يستحيل عليه أن يقبض أو أن يخلق منه شئ " والشمس حارة والقمر بارد . وكان r من أشد الناس غضباً إذا انتهكت حرمات الله . وكان r من أحلم خلق الله وأصبرهم حتى شهد الله تعالى بذلك بقوله تعالى (وإنك لعلى خلق عظيم) والشمس والقمر عشرة أحرف ومحمد وأحمد مع التنوين عشرة أحرف قال الله تعالى (وليال عشر) وأشمس نهارهما بشمسه وأقمر ليلهما بقمره وللشمس وقت يسمى الضحى مسبوق بنوره ، وبعده ضوء الظهيرة

    فالمصطفى r كنوز الضحى الذي لم يسبقه ظلام ولا يلحقه ظلام إشارة إلى أنه r معصوم قبل النبوة وبعدها

    عصمة النبي r قبل النبوة وبعدها

    (مسألة) واعلم يا أخانا في الله يا من وفقه الله أنه r معصوم قبل النبوة وبعدها عن الصغائر والكبائر وكيف لا يكون كذلك وقد قال r : (أدبني ربي فأحسن تأديبي) فهذا الحديث أعظم دليل على العصمة قبل النبوة وبعدها

    إن المربي يغفل عن مربيه فيقع في الخطأ والله تعالى ليس كذلك . ومن أدبه له وترتبيه أن شرح صدره عند الطفولة ليتلقى عهد الطفولة بعزة وكرامة واستعداد ، فكان r من أحسن الأطفال أدبا وعقلا وكمالا

    ولما بلغ عهد البلوغ شق صدره الشريف أيضاً ليستقبل عهد الرجولة فكان r من أكمل الرجال حتى لقب بالأمين

    وعند تمام الأربعين شق صدره الشريف r لأجل الإسراء والمعراج . فهو r معصوم مدة حياته كلها محوط بعناية ربه وحفظه مستعد للخيرات والبركات والكمالات ، وعلماء النفس يقولون : الإنسان به غرائز للخير وغرائز للشر


    _________________
    خليفتي كذاتي

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس أكتوبر 19, 2017 2:03 pm