شباب الختمية

منتدى شباب الختم يتناول قضايا الشباب وفعالياتهم

    كتب السيد احمد ابن ادريس استاذ الختم

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 1949
    تاريخ التسجيل: 10/01/2008

    كتب السيد احمد ابن ادريس استاذ الختم

    مُساهمة  Admin في الأحد نوفمبر 07, 2010 1:09 am

    لحب السيد وتعلقه بالسيد المفضال العلم الفهام سيدي السيد احمد بن ادريس آثرت على وضع كتبه ضمن السادة المراغنة الكرام ، اخترت بعض منها لتوفرها

    1- العقـد النفيــس

    2- الفيوضات الربانية

    3- الالهـام النافـع

    4- المعانـي الرقيقة

    5- حظيرة التقديس

    6-شهد مشاهد الأرواح

    7- المناظـــــرة

    8- المنتقـي النفيس

    9- شـرح الصـدور

    10- لوامـع البراق

    11- كيميـاء اليقين

    12- الأحزاب والأوراد


    عدل سابقا من قبل Admin في الأحد نوفمبر 07, 2010 3:05 am عدل 2 مرات


    _________________
    خليفتي كذاتي

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 1949
    تاريخ التسجيل: 10/01/2008

    العقـد النفيــس - الفصل الأول : العقيدة

    مُساهمة  Admin في الأحد نوفمبر 07, 2010 1:14 am

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين ، وصلي الله وسلم على رسوله الأمني ، وآله الطاهرين وصحبه أجمعين .... (وبعد) :0

    فهذا ابتداء الكلام على نقل ما سمعته من الشيخ سيدي أحمد بن إدريس ، أزاح الله بشمس علمه ظلم التلبيس ، وهدانا لاقتباس نور علمه ، ورزقنا حفظ ما قنص من شوارد المعاني بشباك ذوقه السليم وفهمه ، (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم) (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شئ عليم)

    سئل :

    (رضى الله عنه) : ما معنى الدعاء المأثور عن رسول الله r : "اللهم رضنى بقضائك ، حتى لا أحب تأخير ما عجلت ، ولا تعجيل ما أخرت " ؟

    فأجاب :

    إن معنا التسليم لله تعالى ، حتى إن المصيبة العظيمة تكون عند وقوعها أحب إليك من عدم وقوعها ، وإن كانت النفس لا تشتهي إلا عدم وقوعها ، فإن الخير لك في وقوعها باعتبار المآل ، فإن الله سبحانه لا يفعل إلا ما يعود عليك نفعه ، فإن المصائب مثلاً مقدمات للنتائج ، لو اطلعت عليهن لتمنيت وقوع المصيبة عند عدم وقوعها ، فإن الله سبحانه جعل الوجود خيراً من العدم ، فأوجدك من العدم ، بحيث لم يكن لك اختيار.

    فكن في الوجود كأنك في العدم ، وربما منع عنك ما نفسك وهواك يشتهيانه ، ولكن الخير لك في منعه ، ألا ترى أن الصبي ربما أنس إلى النار فسعى نحوها ، والمشفق عليه يدرؤه عنها فيبكي من ذلك المنع ؟ ولكن لو علم أنها تحرقه حمد المانع له بعد سعيه إليها ، وذلك التسليم هو الذي أوصى به غبراهيم بنيه ويعقوب حيث قال تعالى :

    (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسملون)

    ثم قال : انظر إلى تسليم ابي بكر الصديق رضي الله عنه لما مرض المرضة التي مات فيها ، قيل له : هل نأتي لك بطيب ؟ فقال : الطيب أمرضني ، يعني أن الطبيب الأعظم – وهو الله جل وعلا – أمرضني ، فعلمت أن ذلك المرض عين الطب ، ثم انظر إلى إبراهيم الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام ، لم يسأل ربه حين رماه النمروذ في النار ، بل لما تعرض له جبريل عليه السلام ، وهو في الهواء قال : ألك حاجة ؟ قال أما إليك فلا ، وأما الله فبلى ، قال : سل ربك ، قال : علمه بحالي يغني عن سؤالي ، فهذا غاية التسليم عند وقوع الحادثة ، وأما عند كون الدعاء عبادة فدعاؤه عليه الصلاة والسلام كثير ، كما في قوله : (رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبي إنه كان من الضالين ولا تخزني يوم يبعثون) فتأمل موافقته للمقام ومطابقته للحال

    ثم سئل :

    (رضي الله عنه) : ما الدليل على وجود الحق سبحانه وتعالى ؟

    فأجاب :

    أن انظر إذا خرجت إلى البر ، فرأيت هناك خيمة أنت تعلم أن لها ناصباً ، لأنها لا تنصب نفسها علماً ضرورياً ، كذلك تنظر إلى خيمة السماء المرفوعة بلا عمد ، بهذا الإتقان والإحكام ، فتعلم علماً عقلياً ضرورياً أن لها صانعاً سبحانه وتعالى ، وهو لا يتحيز جل وعلا في مكان ن وانظر إلى السمن في اللبن لا يتحيز في جهة ، بل هو في جميع أجزائه (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا)

    وسئل :

    (رضي الله عنه) : هل صح أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة ؟

    فأجاب :

    إن ذلك من عند خلق آدم ، وأما الدنيا فلا يعلم ابتداء خلقها إلا خالقها ، فإن رسول الله r سأل جبريل عن عمره ، فقال : لا أعلم غير أن كوكباً يطلع في الحجاب الرابع في كل اثنين وسبعين ألف سنة مرة ، وقد رأيته اثنين وسبعين ألف مرة ، فقال النبي r : " وعزة ربي أنا ذلك الكوكب " فسبحان العالم لا إله إلا هو .

    وسئل :

    (رضي الله عنه) : عن القدر ؟

    فأجاب :

    أن لا يملك الإنسان لنفسه نفعاً ولا ضراً ، ويقول الله تعالى في كتابه العزيز (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) وقال تعالى : (ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا) وقال تعالى حاكياً عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام : (الذي خلقني فهو يهدين والذي يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين) ثم لما نسب المرض إلى نفسه التي لا تنفع ولا تضر ، أعقبه بالدعاء بغفران ذلك الذنب فقال : (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين)

    وزعم بعض المفسرين أن الخطيئة هي أنه قال عليه الصلاة والسلام : (بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) وهو كذب وليس كذلك فإنه معصوم ، ولا يجوز عليه الكذب بل المعنى : (بل فعله كبيرهم) وهو الله جل وعلا ، لأنه إله الآلهة ، وهم مقرون بالحق جل وعلا ، ويقولون : (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) فأجاب على ما عندهم ، مطابقة للمقام فقال : بل فعله كبيرهم ، وقوله : هذا مبتدأ محذوف الخبر أي : (هذا) قولي (فاسألوهم إن كانوا ينطقون)

    وسئل :

    (رضي الله عنه) : عن قوله تعالى : (فويل للمصلين الذين هم عن

    فأجاب

    هم الذين يصلون وقلوبهم مشتغلة بغير الله سبحانه وتعالى ، انظر إلى المصلي إذا توجه إلى غير الكعبة ، هل تصح صلاته ؟ كذلك إذا توجه بقلبه إلى غير الله تعالى بل توجهه بقلبه إلى الله تعالى أحق من أن يتوجه بقالبه إلى الكعبة ، فوصفهم سبحانه وتعالى بأنهم : (عن صلاتهم ساهون الذي هم يراؤن) يعني يصلون بقوالبهم لا بقلوبهم ، ألا يراؤون ، والرياء هو الشرك نسأل الله السلام والعافية (ويمنعون الماعون) وهو الإناء يعني أن الله سبحانه وتعالى خلق آدم ، وخلق قلبه إناء له سبحانه وتعالى ، فمنعه وشغله بغيره ، وكذلك جميع الذات لم يخلقها الله تعالى إلا ماعوناً ، أي إناء لذكره وعبادته ، بدليل قوله سبحانه وتعالى : (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وقوله تعالى لموسى : (واصطنعتك لنفسي) فإذا منعتها مما خلقت له ، وشغلتها بغير ما خلقت له ، فأنت ممن يمنع الماعون .

    وما فسر المفسرون في الماعون داخل تحت هذا المعنى ، فإن يعقوب عليه الصلاة والسلام لما اشتد حبه ليوسف ، والقلب لا يسع إلا الواحد ، فرقه عنه تأديباً له ، ثم خفى عليه وهو في الجب بالقرب منه لما أراد أن يفرقه عنه ، وحين أراد اتصاله به ، وجد ريحه من مصر إلى كنعان ، فسبحان القادر لا إله إلا هو ، وكذلك إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما عظم في قلبه حب إسماعيل ، وذلك لكونه بشر به ، وقد بلغه الكبر وامرأته عاقر ، فبلغ به الحب إلى الغاية ، فبلاه الرب جل وعلا بذلك البلاء العظيم ، وهو ذبحه له ، فسلم غاية التسليم ، ثم فداه الله سبحانه بذبح عظيم ، وهذا كذلك لكون القلب لا يسع إلا الواحد ، مع كونه قد عظم حب إسماعيل فابتلاه بذلك ؛ ليخلي قلبه له جل وعلا .

    والذبيح إسماعيل بلا شك ، لا كما قيل : هو إسحاق ، لثلاثة أدلة :

    الأول : أن الله سبحانه وتعالى ذكر قصة الذبيح إلى آخرها ، ثم قال : (وبشرناه بإسحاق) وذلك الترتيب في كتاب الله تعالى تقتضي الحكمة فيه ذلك .

    الثاني : أن إسحاق لم ينقل أحد ولم يسمع أنه سكن مكة ، بخلاف إسماعيل فالنص القرآني (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) والذبح وقع بمنى

    الثالث : أن الله سبحانه وتعالى بشر إبراهيم بإسحاق ، ومن وراء إسحاق يعقوب في حالة واحدة ، ولو كان إسحاق لما صح الابتلاء ، وهو يعلم أن في صلبه يعقوب ، كما بشره الله به .

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن الحق تعالى هل يرى ؟

    فأجاب

    نعم . بلا كيفية ، وتتلاشى عند رؤيته الحواس ، فإن رآه رآه بجميعه ، وإن سمعه سمعه بجميعه ، لا يجارحه فقط ، ولهذا قال ابن الفارض :

    إذا ما بدت ليلى فكلي أعين وإن هي ناجتني فكلي مسامع

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن أهل الطريقة ، هل جميعهم عارفون بالشريعة ولا يفتون إلا بها أم لا ؟

    فأجاب :

    إن منهم من يكون عالماً ومن لا يكون ، إنما العالم منهم يكون نطقه إذا افتى بالكتاب أو بالسنة ، والذي ليس بعالم قد يأتي بلفظ يصيب به المعنى المقصود من الشارع لكن بعض إصابة ، وقد يخطئ بذلك اللفظ المعنى الذي أراده الشارع ، لأنه ليس بمعصوم ، إذ لا يكون معصوماً إلا كلام الله ، أو كلام الرسول r

    ثم قال : والفرق بين المعجزة من النبي والكرامة من الولي ، أن المعجزة تكون على جهة التحدي والإعجاز ، ليعلموا أن تلك المعجزة لا تدخل تحت طوق البشر ، وأما الكرامة فتنقسم إلى قسمين باختيار الولي وبغير اختياره ، فالتي بالاختيار كشرب خالد ابن الوليد رضي الله عنه للسم ؛ لأنه رمى بقطرة من ذلك السم بعيراً فتفتت أعضاؤه ، فتناول الإناء الذي فيه السم وشربه جميعه ، والقوم ينظرون ، فهذه باختياره متيقناً أنه لا يضره لأنه لو شربه غير متيقن أنه لا يضر كأن آثماً ، لأن قتل النفس حرام

    وكما اتفق للشيخ محيي الدين بن العربي حين جاءه رجل ، يعتقد أن التأثيرات للطبائع في الثمار وفي المخلوقات ، فدارت المذاكرة في إلقاء النمروذ لإبراهيم عليه الصلاة والسلام في النار ، فقال ذلك الرجل / ليست النار هذه التي تحرق بالطبع ، إنما هي نار الغضب ، وليس هناك نار تأجج ، فقال الشيخ محيي الدين : أهذه النار التي تراها هي التي تحرق بالطبع ؟ قال : نعم ، فقال لبعض أصحابه : هات تلك النار ، ثم مد كم قميصه وقال : ألقها على كم القميص فألقاها ، وجعل يحدث ساعة ، ثم كشف كمه ، وإذا النار قد عادت فحما ولم تحرق شيئاً من ثوبه ذلك ، فكانت سبب توبة ذلك الرجل ، وما أبداها إلا لهذا الغرض ، إذ لو كانت على جهة التفاخر لكانت مذمومة عقلاً وشرعاً

    فإن رجلاً منهم جاء إلى رجل يتصيد الحوت في البحر ، ولكنه لم يقبض شيئاً فأدخل ذلك الولي يده في الماء ، فخرج في كل شعرة من شعر يده حوت ، فقال ذلك الصياد : وهو منهم – أتفخر علي ؟ ثم أومأ إلى البحر أن هيا الرواح ، فجعل الماء يمشي بعده ، فكلا الرجلين بقيا زماناً يجاهدان في أن يعودا إلى الدرجة التي كانا فيها فما أمكن

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قوله تعالى (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو)؟

    فأجاب :

    قال : العفو : هو أن تعفو عمن أساء إليك ، وإذا كنت كذلك فقد اتصفت بصفة من صفات الله تعالى ، فحقاً عليه أن يعاملك بما اتصفت به (سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم) لا كما قيل : من أن العفو هو ما فضل من القوت ، بل قال الله تعالى / (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) ومنه ذلك العفو ؛ لأنه أحب ما يكون على الإنسان ، سيما عند احتياجه إليه في يوم القيامة ، والقرآن يخدم بعضه بعضاً

    وقال رضي الله عنه : إن (كان) إذا دخلت على اسم من أسماء الله تعالى ، فإن عملت في الاسم الرفع وفي الخبر النصب فلا تسمى ناقصة تأدباً ، إنما يقال لها : الحرف الرافع للاسم الناصب للخبر ، وإذا لم تعمل سميت التامة ، وكذلك الذي تسميه النحاة زائداً ؛ لا يقال له في القرآن : زائد ، وليس بزائد بل تحته معنى ، نحو قوله تعالى : (حتى إذا ما جاؤها) بقيت ما هنا النافية لتؤدي معنى ، وهو أن يبقى في الإثبات شم من النفي ؛ لأنهم ما جاؤها هم باختيارهم ، إنما سيقوا إليها (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا) فبقيت النافية لتؤدي هذا المعنى ، وكذلك قولهم في قوله تعالى : (فاتوا بسورة من مثله) إن من هنا زائدة ، وليس كذلك تعالى الله ، بل لا يستقيم المعنى إلا بها ، لأن قوله : (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله) أي من مثل عبدنا ، فالضمير راجع إلى عبدنا ، ولا يصح المعنى إلا بها فتأمل .

    وكذلك قوله تعالى : (إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات) فهي وإن كان المعنى للثبوت ، لكن أتى بالنافية – هنا – ليبقى للنفي شم ، وهو يؤدي معنى أنهم غير واثقين بالتقوى منهم ، وذلك شأن المؤمن فإنه ورد في حديث بعض السلف : أنه عرف (كذا) عدداً من الصحابة كلهم يخشى على نفسه النفاق ، ذكره البخاري ، فتأمل فائدة الإتيان بها .

    وقال رضي الله عنه : في العالم الإنساني : ما اشرف هذا الجوهر ، لو عرف بقدره ، فإن الإنسان إذا ملك جوهرة نفيسة يحرص عليها غاية الحرص ، ويضن بها فيضعها في صندوق ([1]) ، من فوق سبع سماوات ، ومن تحت سبع ارضين ، وهو في بطنهن ، وجميع ما فيهن مسخرات له ، قائمات في خدمته : شجر الدنيا وحجرها ومدرها وحيواناتها وجميع ما فيهن مسخرات له ، قائمات في خدمته ، وجامدها ومائعها ونجوم السماوات وشمسها وقمرها وسحابها ومطلعها وما فيها ، حتى الملائكة أسجدها له ، ومن أبى منهم صار طريداً بعد أن كان قريباً ، ملعوناً بعد أن كان في جيش الملائكة . وجميع الملائكة في السماوات حتى حملة العرش في خدمته : (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم) ثم لما أهبط الله آدم إلى الأرض قال : (للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك)

    هنا ذكروا المساوئ ولم يذكروا المحاسن ، مع أن في بني آدم محاسن ، لكن حملتهم الغيرة على التكلم بذلك ، وحق لهم أن تعتريهم الغيرة على الخلافة ، فقال : (إني أعلم ما لا تعلمون) ولما أراد أن يظهر لهم سر الخلافة (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) أي في زعمكم ذلك (قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم) هذا كان موضعه عند قوله : (إني جاعل في الأرض خليفة) وهذه الآية وهي قوله : (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم) ينبغي لكل طالب للعلم أن يقرأها عند ابتداء كل حضور في موقف شيخه ، وبالله التوفيق ؛ لأن الملائكة لما قالوها ، كذلك أمر آدم أن يعلمهم الأسماء

    (استدراك من قوله : ما أشرف هذا الجوهر) لكنه أهمل نفسه ووضعها في غير موضعها ، وتكلف مالا يعنيه ، وتحمل مشقات من الدنيا لم يخلق لها ، كما قال تعالى / (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى) فما أحسن هذا الشاهد في حقه ، وقد أثقله الحمل ولا شئ على ظهره .

    وقال رضي الله عنه في الصحابة رضي الله عنهم : هم مخصوصون بأمور لا تعم جميع الأمة ، فلا يقول العالم : أحكم باجتهادي وأقيس ، عملاً بقول معاذ رضي الله عنه حين بعثه النبي r إلى اليمن وقال له : " بم تحكم " قال : بكتاب الله قال : " فإن لم تجد " قال : فبسنة النبي r قال : " فإن لم تجد " قال : أجتهد رأيي ؛ لأن معاذاً قال فيه النبي r : " أعلمكم بالحلال والحرام " ، وجاء في الحديث أنه يحشر يوم القيامة في مقام العلماء ، والعلماء بعده بقدر رتوة ([2]) حجر ، وفي بعض روايات هذا الحديث أنه قال النبي r - بعد أن قال : أجتهد رأيي – " فثبت حتى تعلم أو تكتب إلى " فلا يجوز للعالم الآن أن يجتهد رأيه في حكم من الأحكام ، أو يقيس ؛ لأنه يحكم بما لا يعلم لما في حديث مسلم : " حاكم في الجنة وحاكمان في النار : فالذي في الجنة : رجل علم الحق وعمل به ، واللذان في النار : رجل حكم بالجهل ، ورجل علم الحق ولم يحكم به "

    فهذا الذي حكم بالجهل وإن طابق الحق لكن لا يعلم به ، وهذا الحاكم برأيه إذا قلت له : أتحلف بالله العظيم أنه الحق ، فإن بذلها فلابد أن تطالبه بدليل ، ولا يكون إلا من الكتاب أو السنة ، وإن رجع علم أنه ما بين الخطأ والصواب ، وما ألجأه أن يوقع نفسه في هذه الورطة مع أنه في النار إذا اصاب ، فكيف إذا أخطأ ، فالحكم في هذه القضية ، إما أن يكون في الكتاب أو في السنة ، إنما هو مقصر في البحث ، أو مسكوت عنه فهو عفو ، ألا ترى أن الحق تعالى نهى عن السؤال في المسكوت عنه والكتاب ينزل ، فقال : (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين) فإن من قبلنا سألوا نبيهم أن يبعث لهم ملكاً ؛ ليقاتلوا في سبيل الله ، وكانوا في فسحة غير مأمورين بالقتال ، ولا مكتوباً عليهم ، فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم ، وذلك عقوبة لهم ، لأنه ما طلبوا الملك إلا وكل منهم طامع أن يكون هو ذلك الملك ، فلما لم يكن واحد منهم بل بعث فيهم طالوت وهو أفقرهم ، ولا كان منظوراً بعين من يملك الملك بل هو أضعفهم قالوا : (أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال)

    وفي مثل من أمثال الصوفية ، لو نزلت قلنسوة من السماء لوقعت على رأس من لم يردها ، فإن طالوت لم يرد أن يكون ملكاً ، فلو لم يسألوا لكانوا في راحة من هذا كله ، ثم القليل اتبعوا الملك ، فابتلوا بالنهر وذلك قوله تعالى : (إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلاً منهم) فانظر إلى هذه العقوبة ، والحال أنهم سألوا أنبياءهم ما لم يكتب عليهم ، فكيف إذا سأل الرجل نفسه . ما لم يكتب عليه ، ثم أجاب من نفسه فالله المستعان .

    ثم ضرب مثلاً إن بعض الملوك كان مشغوفاً بفرس ، فمرضت ، فقال : لو أخبرني أحد بأنه مات لأضربن عنقه ، فلما مات قال بعض غلمانه : إن الفرس احتوى والتوى ومد قوائمه إلى الهواء ، فقال السيد : مات ، فقال الغلام : من فم سيدي سمعناه ، فلا يقف الإنسان إلا عند الكتاب والسنة ، فإنهما لم يتركا شيئاً ، بل هذه الشريعة ليلها كنهارها قال الله تعالى : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)

    ورسول الله r قد بين لنا الحلال والحرام ، وسكت عن أشياء رحمة بهذه الأمة ، كما قال r " إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحدد حدوداً فلا تعتدوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها " (وما كان ربك نسيا)

    وأيضاً فإن الصحابي إذا حكم برأيه فهو إذا غلط رجع عنه لا محالة ، ولابد من عرضه على رسول الله r والقرآن ينزل ، وأما الآن إذا غلط فمن يرده إلى الصواب ؟!

    ثم قال رضي الله عنه : واعلم أن الجماعة المنبه عليهم بقوله : " يد الله مع الجماعة " هم القافلون أثر كتاب الله وسنة رسول الله r ، وإن كان واحداً فإن النبي كان وحده في أول البعثة ، وكذلك إبراهيم قال تعالى : (إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين) ثم قال رضي الله عنه : في حق الصحابة : إن من رأي النبي r سمى صحابياً ولا يدخل النار ، فقيل : إن لهب رآه ، فقال : رآه إنه ابن أخيه ولم يره أنه رسول الله r ، والفوائد في العقائد .

    ثم قال : وإياك أن تخوض في الصحابة بشئ ، فإن الجناب خطر ، قال تعالى : (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون) واعلم أن رسول الله r قال في علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه : " اللهم من كنت مولاه فعلى مولاه" وجرى بينه وبين معاوية ما جرى ، فلا تنظر إلى ظاهر الأمر وانظر إلى حقيقته ، فإن معاوية رضي الله عنه من الصحابة ، وأيضاً فإنه خال المؤمنين ، فإن أم حبيبة أخته ، وهي زوج النبي r توفى وهي تحته بإجماع الأمة ، والنبي r أبو المؤمنين فإن في بعض الآيات : (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) وهو أب لهم (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض)

    فإذا عرفت فسأضرب لك مثلاً ، إذا جئت وأبوك وخالك يختصمان ، فإن عضدت أباك أغضبت أمك ، وإن عضدت خالك أغضبت أباك ، فإن كانا موجودين فالأولى لك أن تسعى بينهما بالصلح ، وإن قد سلفا فق ما ندبك إليه قول f,أبو أب

    الله تعالى : (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم)

    وأيضاً : فإن الحلاج سأله بعض الناس : ما الفتوة ؟ فلم يجبه ، فلما حكم الحكام بقتله ، فحين قتل الحلاج خرج دمه جلالات ، فرآه السائل في المنام ، وإذا هو في موقف العرض وغرماؤه جميعاً ، والحق تعالى يقول : هؤلاء غرماؤك فسل ما شئت نصنع بهم ، فقال :/ رب ، لا أسألك إلا أن تعفوا عنهم . ثم التفت إلى السائل فقال له : هذه الفتوة ، كأنه أراد أن يكون الجواب بالفعل لا بالقول .

    وقال رضي الله عنه : نوه الحق جل وعلا بفضل نبينا r على سائر النبيين ، بأن ناداه في جميع القرآن بيا أيها النبي يا ايها الرسول ، يا أيها المزمل يا أيها المدثر ، ونادى سائر النبيين بأسمائهم ، فقال تعالى : (يا موسى أقبل ولا تخف – يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي – يا إبراهيم أعرض عن هذا) ثم من لطفه سبحانه وتعالى أنه نادانا في الكتاب العزيز بيا أيها الناس ، يا بني آدم ، يا أيها الذين آمنوا ، ولم يقل يا ايها الذين كفروا إلا في موضع واحد ، وذلك إنما هي حكاية عنهم يوم القيام (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون) وذلك معاملة لهم باللطف وعدم التنفير ، (والله يريد أن يتوب عليكم) ، (ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً) ثم أمر رسوله r أن يعاملهم بذلك فقال : (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) وذلك لأن الصيد إذا نفر عسر صيده .

    ثم أمرنا تعالى أن لا نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ، إلا الذين ظلموا منهم ، لأن حرف الاستثناء بمعنى الاستدراك ، وهو قوله تعالى : (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم) أي لكن الذين ظلموا منهم ، وأما غير الظالمين فهم الذين أمنوا منهم ، وقد صاروا إخواننا .

    ثم بين سبحانه وتعالى كيف يكون الجدال بالتي هي أحسن ، فقال سبحانه وتعالى : (وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واجد ونحن له مسلمون)

    وقال : رضي الله عنه : في قول الله سبحانه وتعالى : (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) أتى سبحانه وتعالى بلفظ : أقيموا ولم يقل : صلوا ، وذلك لأن الصلاة كالأعضاء وسائر الجسد ، والخشوع روحها ، فإذا حصل الخشوع والحضور مع الحق جل وعلا صارت قائمة ، لأن الشئ لا يقوم إلا إذا كان له روح ، وأما إذا لم يكن له روح فهو ملقى هناك، مرمى لا روح له يقوم به ، بل لا يقدر على الحركة

    وقوله : (وآتوا الزكاة) ومثله قوله : (مالك يوم الدين) (والأمر يومئذ لله) مع أنه جل وعلا ملك الآخرة والأولى ، وله الأمر في الابتداء والانتهاء ، لكنهم لما ادعوا أن لهم في الدنيا ملكاً ، ولهم فيها أمراً سلم لهم على دعواهم ، سبحانه ما ألطفه تبارك وتعالى ساجلهم سبحانه وتعالى على دعواهم ، لأنهم ادعوا أن لهم مالاً ، فقال : سلمنا وعليكم منه الزكاة ، وهو العشر أو نصف العشر ، أو ربع العشر ، مع أنه قد قال سبحانه وتعالى : (وأتوهم من مال الله الذي أتاكم) ولهذا لم يملك الأنبياء شيئاً لعلمهم أن ليس لهم شئ ، فما في أيديهم جميعه لله ، هم وغيرهم فيه سواء

    قيل : إن أحمد بن حنبل والشافعي كانا قاعدين ، إذ مر شيبان الراعي ، فقال أحمد ابن حنبل : إني أريد أن أسأل شيبان سؤالاً ، فقال له الشافعي : لا تفعل ، قال : لابد ، قال : دونك وإياه ، فقال أحمد بن حنبل : يا شيبان في كم الزكاة من الغنم ؟ فقال : على مذهبكم أم على مذهبنا ؟ فقال : أو هما مذهبان ؟ قال : نعم ، قال : أفتني بهما ، فقال : أما على مذهبكم ففي الأربعين شاة ، وأما على مذهبنا فلا يملك العبد مع سيده شيئاً ، فالجميع حق الله تعالى .

    وسأله – أيضاً – عن المصلى إذا سها في الصلاة بزيادة أو نقصان بم يصلحها ؟

    فقال : على مذهبنا أو على مذهبكم ؟ فقال : أجبني على كلا المذهبين ، فقال : على مذهبكم يجبر بالسجود ، وعلى مذهبنا هذا قبل غافل يجب تأديبه ، فخر أحمد مغشياً عليه

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن الجلسة قبل القيام من وتر في الصلاة وهي التي يقال لها جلسة الاستراحة ؟

    فأجاب :

    فقال : هي السنة ، فمن لم يأت بها فقد خالف السنة ، لأنه قد ثبت عنه r في الصحيح . وقال تعالى : (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) وقال r : " صلوا كما رأيتموني أصلي "

    وأورد رضي الله عنه أحاديث عن النبي r هي حقيقة أن تكتب بسواد العيون

    الحديث الأول : " ثلاثة يرضاهن الله لكم ورسوله : أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ن وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ، وأن تناصحوا من ولاء الله عليكم ، وثلاث يكرههن الله منكم ورسوله : قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال "

    الحديث الثاني : " ثلاثة حق على الله أن يعينهم : رجل تزوج امرأة ثقة بالله وتوكلاً عليه ، ورجل استدان ديناً ثقة بالله وتوكلاً عليه في قضائه ، ورجل فك رقبة ثقة بالله وتوكلاً عليه " هذا اللفظ أو معناه

    الحديث الثالث : " ثلاثة يزوجهم الله من الحور العين ما شاءوا : رجل أؤتمن أمانة شهية خفية ، فأداها مخافة الله تعالى ، ورجل قرأ في دبر كل صلاة قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة ، ورجل عفا عن قاتل " يعني يكون العفو من المقتول أو من الولي

    وقال رضي الله عنه : كل مقدم في القرآن هو الأهم ، بدليل قول رسول الله r - لما رقي الصفا – أبدأ بما بدأ الله به (إن الصفا والمروة من شعائر الله) فإن تأخر الأهم فلنكتة .

    وقال رضي الله عنه : في العناية من الله سبحانه وتعالى ببعض عبيده : لما قال الكهنة والمنجمون لفرعون : إنه يكون خراب ملكك على يد ولد من بني إسرائيل . فأمر بذبح الأبناء ، فلما ولدت أم موسى ألقته في البحر خوفاً عليه من الذبح فالتقطته امرأة فرعون ، وقالت له : (قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً) فقال فرعون : قرة علين لك ، فلو سكت لكان قرة عين لهما

    ثم لما أخذته امرأة فرعون أبى أن يقبل ثدي مرضعة ، وذلك قوله سبحانه وتعالى : (وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت – لهم أخته – هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون) فرده الله إلى أنه ن وكانت نفقتها عليه ، وتربية موسى على يد فرعون .

    وأما السامري فلما خافت أمه عليه من الذبح ألقته في كهف في جبل ، فتولى تربيته جبريل عليه السلام ، وصار بعد كافراً ، وفي ذلك يقول الشاعر :

    فموسى الذي رباه جبريل كافر ** وموسى الذي رباه فرعون مرسل كذلك سحرة فرعون جاءوا في أول النهار يريدون أن يدحضوا حجة الله بالباطل ، وهذا شر أي شر ن فما غربت شمس ذلك اليوم إلا وقد صاروا في أعلى مراتب الإيمان ، فإنه لما بعث فرعون في المدائن حاشرين ، ليأتوه بكل سحار عليم ، فلما جاء السحرة قالوا لفرعون : (أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين) أجرى الحق سبحانه وتعالى ذلك على لسان فرعون ، وهو أنه وقع لهم الأجر من ربهم ، وكانوا عنده من المقربين ، قال لهم موسى (ألقوا ما أنتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون) فلما رأي موسى عليه الصلاة والسلام ذلك خاف كما في آية طه (فأوجس في نفسه خيفة موسى) وذلك الخوف ليس هو من ذلك السحر ، وهو كون الحبال والعصي صارت حيات ، ولكن خاف أن يلتبس الأمر على من لم يعرف ، فقال سبحانه وتعالى : (قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى)

    ليس أنها ازدردت الحيات التي خيل إليه من سحرهم أنها تسعى وهي الحبال والعصي ، إذ لو كان كذلك لكان لهم مدخل في قدح الحجة ، بأن يقولوا سحره أعظم من سحرنا ، فالتقمت عصاه حبالنا وعصينا

    كما أن بعض أنواع الحيوانات يأكل بعضها بعضاً ، فإن الحوت الكبير يأكل الصغير ، وكذلك الطير ، ولكنها أبطلت السحر ، فإذا الحبال والعصي ملقاة هناك لم تتحرك ، بل حبال وعصي على أصلها ، فلم يبق لهم عذر ولحقهم الخزي والفضيحة على رؤوس الأشهاد لما صارت كذلك ، فما بقي إلا أن ألقى السحرة سجداً ، أي ألقاهم الله سبحانه وتعالى (قالوا آمنا برب هارون وموسى قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فرطنا) أي وعلى الذي فطرنا ، وقدم البينات – هنا – على الذي فطرنا لكونها السبب (فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى) ولم يقولوا : والآخرة خير وأبقى أو الجنة خير وأبقى ، وذلك لقوة إيمانهم ، قد تعلقت قلوبهم بالله سبحانه وتعالى ن فانظر كيف جذبتهم يد العناية في أسرع وقت ، اللهم عناية من عندك يا رب العالمين

    وقال رضي الله عنه : أعظم الرزايا على هذه الأمة ثلاث :

    الأولى : لما اشتد المرض على النبي r قال : " ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده " فما فعلوا ، وكثر منهم اللغط عنده r ، فعوقبوا بأن قال لهم : " قوموا عني "

    الثانية : (أن النبي r لما جاء رجل إليه فقال : ألست تحدث نفسك أنك خير هؤلاء ؟ يعني الصحابة قال : " بلى " ثم ذهب ذلك الرجل فقال رسول الله r : " من يقوم فيقتله " ؟ فقام أبو بكر رضي الله عنه فوجده قد خط خطاً وصلى ، فقال : لا أقتل رجلاً يصلي ، هو يناجي ربه ، ثم قال : " من منكم يقوم إلى الرجل فيقتله ؟ فقام عمر رضي الله عنه فقال : أنا يا رسول الله ، فمضى فوجده يصلي فقال : إن أرجع فقد رجع عنه من هو خير مني ، لا اقتله وهو يصلي ، فهلا سمع قول النبي r : " من يقوم فيقتله " بعد أن قال أبو بكر هو يصلي ، فقال : " أيكم يقتل الرجل " فقال على بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه : أنا يا رسول الله ، فقال : " أنت له إن وجدته ، وما أظنك تجده " فجاء فلم يجده ، فقال النبي (ص) : " لو قتلتموه لكانت أول فتنة في الإسلام وآخرها وما اختلف في أمتي اثنان " وذلك الرجل هو رأس الخوارج "

    الثالثة : (جاء النبي (ص) يعلمهم بليلة القدر فتلاحي اثنان من اصحابه ، فقال : " إني خرجت لأعلمكم بليلة القدر ، لكن لما تلاحى فلان وفلان رفعت ، وعسى أن يكون خيراً لكم ، وقال : لما اختلف اثنان من أمتي رفع علمها ، وبقيت خافية في العشر الأواخر من رمضان "

    وسئل

    رضي الله عنه : أن إبليس يجئ للإنسان بوساوس يشغله بها في أمر دينه وربما جاء في الصلاة ؟

    فأجاب :

    فقال : لا يضره ذلك ، فإن التسلط هو أن يفسد على الإنسان دينه ، ليس التسلط مجرد الوسواس ، فإن الصحابة – رضي الله عنهم – شكوا إلى النبي (ص) فقالوا : يا رسول الله ، إن الشيطان يوسوس لأحدنا ما نتعاظم أن تكلم به ، فقال النبي (ص) : " أوقد وجدتموه " قالوا : نعم . قال : " ذلك محض الإيمان " وذلك لأن إبليس كاللص ولا يتسور اللص إلا على البيت العامر ، أما على الخراب فلا يرجى فيه شيئاً يأخذه (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون)

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن التوكل ؟

    فأجاب :

    فقال : قال الله سبحانه وتعالى : (الذي قال لهم الناس إن الناس قد جموعا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يسسهم سوء) وذلك أنهم علموا أن النصر لا يكون غلا من الله تعالى : (إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده) فوكلوه وفوضوا ولم يعترضوا ؛ لأن الموكل لا يعترض على الوكيل ؛ إلا لأحد أمرين : إما أن يكون منهما للوكيل بنوع خيانة ، أو إنه ليس عالماً بالمضار من العدو فيدفعها ، أو غير عالم بجلب المنافع لموكله فيجلبها ، وكل ذلك غير مجوز على الله ، تعالى الله علواً كبيراً ، فلما صدقت الوكالة له جل وعلا لم يتكلوا على كثرة ، ولا اكترثوا من قلة ، فنجاهم من عدوهم ونصرهم عليهم .

    وفي يوم حنين يقول الله تعالى فيهم : (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تعن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين) ولك لأنه أصابهم ما أصابهم لأنهم اتكلوا على أنفسكم ، فوكلهم الله إليها فانهزموا ولم يبق إلا الرسول (ص) فعمت المصيبة جميع الصحابة ، ولم يتكلم بتلك الكلمة إلا البعض ، وهي قولهم : لن نغلب اليوم من قلة فانظر إلى هذه المصيبة أصابتهم من الله سبحانه وتعالى ، لكنها في الحقيقة من أنفسهم (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) ثم انظر إلى الحسنة ما تكون إلا من عند الله سبحانه ابتداء ، فإنك إذا فعلت الحسنة فمن أقدرك
    عليها ؟

    لك الحمد يا ربي على كل نعمة ** ومن أعظم النعماء قولي لك الحمد

    وقال رضي الله عنه :

    من لطف الله تعالى وحسن خطابه لعبيده يقول لهم في الجنة : (كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية) (كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون) وجميع ما أسلفوا هو نعمة من الله – سبحانه وتعالى – لكن لما كان الخطاب بأنه مقابل لما أسلفوا ارتفع المن ، وكأنهم هم الذين جلبوا لنفوسهم تلك النعمة بما أسلفوا ، وذلك من تمام نعمته – سبحانه وتعالى – فإن الإنسان إذا حصلت له نعمة يرى أن سببها سعيه ، عظمت لذتها عنده ، فما امتن – سبحانه وتعالى – عليهم في هذا والمنة له ، فما أكرم هذا – الرب تبارك وتعالى – فذلك قوله – سبحانه وتعالى - : (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون) مع أن المعنى غير مقطوع ، بل على حاله . والله أعلم

    وقال رضي الله عنه :

    لما كان يوم بدر نصر الله – سبحانه وتعالى – رسول الله (ص) وجنوده ، وشاور النبي (ص) أصحابه في أمر الأسرى ؛ لأن الله أمره بقوله : (وشاورهم في الأمر) فأجمع الصحابة – رضي الله عنهم – على أخذ الفداء إلا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فإنه أشار بقتلهم ، فعاتب الله رسوله (ص) بقوله : (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) والنبي (ص) ما عمل بمشورتهم ، إلا بأمر الله – سبحانه وتعالى – حيث قال : (وشاورهم في الأمر) وقد أجمع رأيهم على الفداء إلا عمر – رضي الله عنه – ثم هو مأمور بالعفو : (فاعفوا عنهم واصفح) وهو من خلقه – عليه الصلاة والسلام – المجبول عليه والله – سبحانه – أمسك الوحي في تلك الحالة ؛ ليقضي أمره .

    ثم بعد نزلت آية العتاب ، ثم بعدها : (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) والكتاب الذي سبق هو قوله تعالى : ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) وهو – سبحانه وتعالى – لا يخلف الميعاد ، ثم لنتيجة قوله – تعالى – لأهل بدر : " اعلموا ما شئتم فإني قد غفرت لكم "

    ثم لما سبق في قضائه من سعادة العباس وعقيل ومن أسلم منهم ، فلما كملت آية العتاب قال تعالى : (فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم) تابعهم – سبحانه وتعالى – على حسب مرادهم ؛ لأن الغنائم فيما سبق كانت تنزل نار من السماء تأخذها ، فأحلها الله لهذه الأمة من ذلك الحين ، والغنائم أحلت لهذه الأمة إن الله جعل زينته والطيبات من الرزق في الدنيا وفي يوم القيامة للذين آمنوا ، فاغتصب الكفار عليهم من التي في الدنيا ، والمغتصب عليه له أن يأخذ حقه أينما وجده ، إما بتسلق أو جهاراً أو خفية ، كذلك ما اغتصبه الكفار على الذين آمنوا فلهم أن يأخذوه بأي وجه ، هو لمن سبق إليه ، وأما ما كان في يوم القيامة فهي للذين آمنوا لا يقدر عليها غاصب ، ولا يشاركهم فيها مشارك ، قال سبحانه وتعالى : (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا فلي الحياة الدنيا) فهي لهم في الدنيا لا لغيرهم ثم قال : (خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون)

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن النوم ألا يكون في الجنة ، مع أنه معدود من اللذات في الدنيا ؟

    فأجاب :

    إن لوجوده في الدنيا نعمتين ، ولعدمه في الجنة نعمتين ، فنعمتا وجوده في الدنيا : أنه جعله سباتاً ، والسبات ربطة للعقل ، لأن المجنون الذي قد ذهب عقله لا ينام

    النعمة الثانية : الراحة من النصب ، فإذا نام ذهب التعب

    وأما اللتان في الجنة عند عدمه : فإن أهل الجنة قد شاركوا الحق في البقاء ، كما جاء أنه يكتب إليهم .

    " من الحي الذي لا يموت إلا الحي الذي لا يموت ، أما بعد : فإني أقول للشئ كن فيكون ، وقد جعلتك اليوم تقول للشئ كن فيكون "

    وهو – سبحانه وتعالى – لا تأخذه سنة ولا نوم مع أن السنة هي أول النوم ، فقد يتوهم أن الباري تبارك وتعالى منزه عن الاتصاف بالقليل ، ولا يكون له إلا الشئ الكثير من الأوصاف ، فقال : (ولا نوم) هذه فائدة قوله : (ولا نوم)

    والثانية : يفوتهم عند النوم من النعيم العظيم ما لا مزيد عليه ، وذلك غبن ، فتأمل . هذا والله الموفق .,



    _________________
    خليفتي كذاتي

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 1949
    تاريخ التسجيل: 10/01/2008

    الفصل الثاني : التفسير

    مُساهمة  Admin في الأحد نوفمبر 07, 2010 1:40 am

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفساً إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون) ؟

    فأجاب بها معناه :

    والذين آمنوا صدقوا فاتصفوا بصفاتنا ، وتخلقوا بأخلاقنا ، فإن الله – سبحانه – هو المؤمن ، وعملوا الصالحات التي بلغوا بها إلى مقام : كنت سمعه وبصره إلى آخره ، فإنا جعلنا فيهم قوة وقدرة على عمل الصالحات التي يبلغون بها إلى هذا المقام ، فإنا لا نكلف نفساً إلا وسعها ، فلم يأمرهم النبي (ص) بقوله : " تخلقوا بأخلاق الله " إلا وهو يعلم أنه أقدرهم على ذلك ، وفي هذا تلميح إلى أن الله – تعالى – خلق آدم على صورته ، فمن بلغ هذا المقام أولئك أصحاب الجنة ، والجنة جنتان جنة المعارف ، وجنة الزخارف ، فلا التفات إلى جنة الزخارف لمن كان من أصحاب جنة المعارف ، هم فيها خالدون في الدنيا والآخرة ، جعلنا الله منهم بفضله آمين .

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قول الله تعالى : (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم) ؟

    فأجاب بما معناه :

    أي أنها تعبد الله – تعالى – مأمورة بذلك قال تعالى : (وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) وقال تعالى : (ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون)

    فهي مخاطبة بأمرين : أحدهما : عبادة الله ، والآخر : تسخرها للإنسان ، فإنه ذللها – سبحانه – لبني آدم ، وجعل منها متوحشاً كالسبع ، ليعرف ما قد ذلل له منها ، فهي أمم أمثالنا تعبد الله وتوحده وتمجده .

    وكذلك الجمادات فإنها تعبد الله وتسبحه ، قال الله – تبارك وتعالى - : (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء) وقال – سبحانه وتعالى – في قصة داود عليه السلام : (يا جبال أوبي معه) ففي الحديث أن الأرض تلبي إذا لبى الحاج إلى أن تنقطع كل جهة ، والمؤذن يشهد له كل رطب ويابس إلى منتهى صوته ، وهل في الأرض إلا رطب ويابس ؟

    وقال رضي الله عنه :

    إن الحصى التي سبحت في كف رسول الله r هي كذلك في كل حالة ، وإنما هو كشف الحجاب عن مسامع الصحابة – رضي الله عنهم – فسمعوها ، فكانت من خرق العادات وقوله تعالى : (إذا زلزلت الأرض زلزالها) – إلى – (يومئذ تحدث أخبارها) أي تشهد للعباد وعليهم ، فكل بقعة تشهد بما صنع فيها العبد ، ولا تشهد بما شهدت به بقعة أخرى ، كالأذن لا تشهد بما رأته العين لأن ذوقها غير ذوق العين وكذلك سائر الأعضاء والجوارح ، فما من شئ في الدنيا إلا وهو شاهد بالتوحيد يسبح بحمد ربه

    وقال رضي الله عنه :

    سخر الله – سبحانه وتعالى – جميع ما في السماوات والأرض لبني آدم ، وهي جميعها ليست مفتقرة إلى ابن آدم أبداً ، وابن آدم مفتقر إلى جميع ما في السماوات والأرض ، فالله – سبحانه وتعالى – أعطى ابن آدم قبل سؤاله ، وإنما سؤاله بلسان الحال لا بلسان المقال ، فجميع ما سأل من كل ما هو مفتقر إليه قبل وجوده ، ثم خلق سبحانه وتعالى وأوجد أرزاق المسخرات له ، فهو رأس المخلوقات وسنامها ولولاه ما خلقت المخلوقات ولا دار الفلك ، فالشمس وجميع الكواكب في منفعته ، والدواب جميعها في منفعته ، وما توحش منها كذلك ، لأن بتوحشها يعرف قدر المسخرات ، وما نزل من السماء كذلك ، وجميع ما يخرج من الأرض والملائكة يستغفرون لهم ، فالإنسان يذنب والملائكة تنوب عنه ، فقسم سبحانه ذكر الملائكة بين وبين آدم قال : (يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا)

    ثم زاد في كيفية استغفارهم ودعائهم لهم فقال – سبحانه وتعالى – على ألسنتهم : (ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلماً) إلى قوله : (وذلك هو الفوز العظيم) فهم يستغفرون للذين تابوا ، وهم يشفعون لمن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ، وأسجدهم له وهو في صلب أبيه ، فابن آدم له عند الله هذا الشأن ، وخلق من أجله جميع المخلوقات ، فسخرها له ، وخلقها له ، وهو يعبد ما خلق من أجله ، ويعرض عمن خلق له ، فكيف هذا السقوط من الثريا إلى الحضيض ؟

    نسألك اللهم عافيتك ، اللهم أشغلنا بعبادتك عن عبادة من سواك ، يا أرحم الراحمين ، وصلى الله على سيدنا محمد ، وآله وصحبه أجمعين .

    ثم الجمادات : كالأحجار ، والأشجار والأرض جميعها تدعوا لبني آدم وتستغفر لهم ، وتشهد لهم بأعمال البر ، كتلبية الأرض إلى منتهاها للملبي بالحج ، وشهادة كل رطب ويابس للمؤذن إلى منتهى صوته ، وغير ذلك مما لا يحصى ، فسبحان الكريم ما أكرمه على عبيده

    ومن فوائده (رضي الله عنه) : في كيفية الصلاة على النبي r

    اللهم صل وسلم وبارك على مولانا محمد ، وعلى آله في كل لمحة ونفس ، وعدد ما وسعه علمك .

    اللهم إني أسألك إيماناً دائماً وأسالك قلباً خاشعاً ، وأسألك علماً نافعاً ، وأسألك يقينا صادقا ، وأسألك دينا قيما ، وأسألك العافية من كل بلية ، وأسألك دوام العافية وأسألك تمام العافية ، وأسألك الشكر على العافية ، وأسألك الغنى عن الناس .

    ومن فوائده – أيضاً – رضي الله عنه :

    اللهم إني أسألك بنور وجه الله العظيم الذي ملأ أركان عرش الله العظيم ، وقامت به عوالم الله العظيم ، أن تصلي على مولانا محمد ذي القدر العظيم ، وعلى آل نبي الله العظيم ، بقدر عظمة ذات الله العظيم ، في كل لمحة ونفس ن عدد ما في علم الله العظيم ، صلاة دائمة بدوام الله العظيم ، تعظيماً لحقك يا مولانا يا محمد يا ذا الخلق العظيم ، وسلم عليه وعلى آله مثل ذلك ، واجمع بيني وبينه كما جمعت بين الروح والنفس ظاهراً وباطناً ، يقظة ومناماً ، واجعله يا رب روحاً لذاتي من جميع الوجوه ، في الدنيا قبل الآخرة يا عظيم .

    وقال رضي الله عنه : من اراد الله – سبحانه – به خيراً رزقه الأدب معه ، فإن إبليس أذنب حيث لم يسجد لآدم ، فترك ما أمره الله ، وآدم – عليه الصلاة والسلام – أنذب حيث أكل من الشجرة ، ففعل ما نهاه الله عنه ، ولكن لما قال سبحانه وتعالى لإبليس : (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين) والعالين هم ملائكة لم يؤمروا بالسجود ، إنما هم هائمون في الله لا يعرفون غيره ، وهو ليس منهم ، فما بقي إلا أنه استكبر ، فبين استكباره بأن قال : (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) فنسب إلى الحق – سبحانه – الظلم ؛ لأنه جعل نفسه خيراً منه ، وسجود الأعلى للأدنى ظلم ، فأضاع الأدب أي إضاعة ، فكان سبب طرده ولعنه .

    وآدم – عليه السلام – لما قال له الحق – سبحانه وتعالى – ولزوجه (ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) فلزما الأدب واعترفا بذنبهما ، ولم ينسبا الظلم إلا غليهما ، فغفر – سبحانه وتعالى – لهما .

    وانظر – أيضاً – إلى إبراهيم – عليه الصلاة والسلام – حيث دعا ربه – سبحانه وتعالى – حيث قال : (فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين) ثم لزم الأدب هاهنا ولم يقل : وإذا أمرضني فهو يشفين بل قال : (وإذا مرضت فهو يشفين) فنسب المرض إليه تأدباً مع الحق – سبحانه وتعالى – ثم خاف عند ذلك فخشي أن يكون بسلوكه في طريق الأدب قد وقع فيما لا يليق بجلال سيده – سبحانه وتعالى – بأن نسب المرض إلى نفسه ، فقال : ( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) فجعل نسبه المرض إليه خطيئة

    وانظر – أيضاً – إلى الخضر – عليه السلام – حيث نبأ موسى بما لم يستطع عليه صبراً ، فقال : (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها) فعند ذكر العيب هنا قال : (فأردت) وأتى بالضمير المفرد ونسب العيب للسفينة إلى نفسه ، وذلك تأدباً مع مولاه – سبحانه وتعالى – وقال في قتل الغلام : (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً فأردنا) فأتى بالضمير لا على صيغة الإفراد ، لأن في قتله على أبويه حزناً وكرباً في الابتداء عند قتله ، وسروراً وراحة في الانتهاء باعتبار ما انتهى إليه أمرهما ، لأن الله – سبحانه وتعالى – أبدلهما بإبنة خرج من منها سبعون نبياً ، فالضمير هاهنا هو ضمير نفسه مع الحق سبحانه

    والنكتة في إتيان الضمير بصيغة التثنية ، التأدب مع الحق جل وعلا ، فالأمر الذي يقتضي الحزن والكرب وهو ما حصل لأبويه عند قتله نسبه إلى نفسه ، وما آل إليه الأمر نسبه إلى الحق – سبحانه وتعالى – ولذلك لما كانت الحالة لا تقتضي إلا السرور والراحة ابتداء وانتهاء ، نسب الأمر إلى الله – تعالى – ولم يجعل لنفسه مدخلاً ، فقال في وصف الجدار : (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان ابوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا اشدهما ويستخرجا كنزهما) فقال في الأولى : (فأردت) وقال في الثانية : (فأردنا) في الثالثة : (فأراد ربك)

    وانظر – أيضاً – إلى دعاء نبينا محمد – عليه الصلاة والسلام – قال : " لبيك اللهم لبيك وسعديك ن والخير في يديك ، والشر ليس إليك " أي لا يتقرب به إليك ، فما أحسن هذا التأدب مع مولاه – سبحانه وتعالى – موافقة لقوله تعالى : (ما أصابك من حسنة فمن الله وما اصابك من سيئة فمن نفسك) وقول أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – لما قيل له – في مرضه الذي منه مات : - هل نلتمس لك طبيباً ؟ فقال : الطبيب هو الذي أمرضني ، ليس على ما زعم من فسره بظاهرة ، ونسب إلى أبي بكر أنه لم يتأدب ، وأنه لم يقل مثل الخليل – عليه الصلاة والسلام – (وإذا مرضت) فنسب المرض إلى نفسه ن بل قال : أمرضني ونسبه إلى الحق – سبحانه وتعالى – لكن ليس على ظاهره ن بل معناه أن الطبيب داواني بدواء يزول منه دائي ، وهو المرض ، فالمرض هو عين الدواء ، وإذا كان كذلك فليس بشر ، وإذا لم يكن بشر فلا إساءة في الأدب ن بل ذلك من حسن الأدب ، فافهم ما في هذا البحث من نكت في لزوم الأدب

    وقال رضي الله عنه : في قول ابن عطاء الله : رب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً . ومأخذ هذا مستنبط من كتاب الله تعالى ومن حديث رسول الله r من غير استكبار ولا عز قال الله سبحانه وتعالى : (إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر) وفي الحديث فيما حدث رسول الله r عن ربه : " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي " فانظر إلى الفرق بين قوله عند ربهم وبين أنا عند المنكسرة قلوبهم . فإذا قلت : الملك عند فلان . فهو أجل وأعظم من أن تقول فلان عند الملك ، وكذلك أنين المذنبين أحب إلى من زجل المسبحين

    وقال رضي الله عنه : إن من تحرى الطهارة وتورع عن النجاسات وهو يأكل حراماً ، فورعه ذلك كورع الكلب يأكل النجاسات والقاذورات ، وإذا أراد أن يبول رفع رجله لكيلا يصبها شئ من البول

    وقال رضي الله عنه : في قوله r : " إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة " معناه : أن رسول الله r مستغرق قلبه فيما وراء الحجب السبعين التي هي وراء السماوات والأرضين ، وهو مأمور بالتبليغ فيستغفر سبعين مرة ليظهر قلبه على أمته فيطلعوا على أسراره ، فإن الشاذلي رأى النبي r مناماً فقال : يا رسول الله ، ما معنى الغين الذي تستغفر منه سبعين مرة ؟. قال " ذلك غين أنوار لا غين أغيار يا مبارك "

    وقال رضي الله عنه : في قوله تعالى : (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين) فكرر لفظ اتقوا ثلاثاً ولفظ آمنوا ثلاثا ، وقال في آخرها : وأحسنوا مرة واحدة أي : إن الذي آمنوا وعملوا الصالحات ليس عليهم جناح فيما طعموا من الطيبات من الرزق ، ثم كلما طعموا زادهم إيماناً وتقوى ؛ لأ، الصحابة منهم من حرم الدسم ، ومنهم من حرم النكاح ليتفرغوا للعبادة ، ثم قال تعالى : (ثم اتقوا وأحسنوا) أي إن الإحسان مقارن للتقوى والإيمان ، وفي الحديث أنه نزل جبريل عليه السلام على رسوله r فقال : ما الإيمان ؟. قال : " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالبعث" قال : ما الإسلام ؟ قال : " الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان " قال : ما الإحسان ؟ قال : " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " قال : ما الساعة ؟ قال : " ما المسئول عنها بأعلم من السائل " فإذا كان الإحسان مقارناً للإيمان والتقوى فقد صار ولياً فقد أحبه الله ، وإذا أحبه الله فقد صار سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به كما يليق بجلاله سبحانه وتعالى : (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)

    وكيف يخافون ويحزنون وقد صار الحق منهم بهذه الصفة قال الشاعر :

    هم الذخر للملهوف والكنز والرجا ومنهم ينال الصب ما هو طامع

    بهم يهتدي للعين من ضل في العمى بهم يجذب العشاق والرب شاسع

    وقال رضي الله عنه : في قوله تعالى : (إنا أعطيناك الكوثر) على حذف مضاف أي أصحاب الكوثر : وهم المؤمنون الذين هم أولاد للنبي r كما في إحدى القراآت ، وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم ، والكوثر هو النهر الذي في الجنة عدد أقداحه عدد نجوم السماء ، لأن الكفار قالوا : إن النبي r أبتر أي لا نسل له ، وإنه ينقطع ملكه ولا له بنون يقومون بملكه فنزلت : (إنا أعطيناك الكوثر) أي أصحاب الكوثر قاموا بعده بحث الإسلام ، وقفوا فيه آثاره إلى الآن ولله الحمد (فصل لربك وانحر) أي : اجعل هذا القول في نحر أعدائك (إن شانئك هو الأبتر) وأنجز الله سبحانه وتعالى قوله وهو أن لا يبقى الآن في الآفاق جميعاً ذرية لأبي لهب ولا لأبي جهل ، ولا لأحد ممن مات منهم وهو كافر

    وسئل :

    رضي الله عنه : هل يجوز أن تفرد الصلاة على غير رسول الله r فتقول : اللهم صل على فلان ، من دون أن تذكر النبي r ؟

    فأجاب :

    فقال : نعم . أخبرنا الله سبحانه وتعالى : بأنه يصلي علينا ، فقال سبحانه وتعالى : (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور) وقال تعالى فيمن قال عند المصيبة : (إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) ويدل على أن الصلاة من الله تعالى هي الرحمة وزيادة ، لا كما قيل : إنها الرحمة فقط ، إن الرحمة عطفت على الصلوات من باب عطف العام على الخاص ، ثم إن النبي r كان يجيئه المتصدق بالصدقة فيصلي عليه امتثالاً لقوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم)

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى (فلا اقتحم العقبة) إن العقبة بلغة العرب : هي الجبل الوعر المسالك الذي لا يصعد إليه إلا بمشقة ، ثم قال : (وما أدراك ما العقبة) أي عقبة هي (فك رقبة) والرقبة - هنا – منكرة لتقتضي الشمول لكل رقبة محبوسة ، إما في دين فيقضي عنها فيفكها ، أو من وجب عليه القصاص فيفكها ، أو ضال يهديه ، فيفك رقبته من حبس الضلال ؛ أو غير ذلك ، ثم قال تعالى : (أو إطعام في يوم ذي مسغبة) أي ذي جوع ، والمراد المطعم هو الجائع وإن كان غيره شبعان (يتيماً ذات مقربة أو مسكيناً ذا متربة) اليتيم على قسمين : أحدهما : الملتجئ إلى الله تعالى ، لا يصافي أحداً غيره ، ولا يصادق ولا يحب إلا الله ، أو في الله ، فهو يرى وجود أبويه وعدمهما على حد سواء ، وهذه أعلى رتبة ، فهو يتيم وإن بلغ سن الشيخوخة ، والثاني : اليتيم عن أبويه أو أحدهما ، ولا يكون يتيماً إلا مادام لا يمكنه التكسب ، والمسكين على قسمين : الأول : هو المتمسكن إلى الله ، أي الذي لا يسكن إلا إلى ربه ، فهو ملازم حضرته ، فلا يأنس إلا إليه ، وهذا هو الذي قال فيه الصادق المصدوق صلوات الله عليه وعلى آله " اللهم أحيني مسكيناً ، وأمتني مسكيناً ، واحشرني في زمرة المساكين " وهذا هو أعلى درجة ، والثاني : هو اللاصق بالتراب ، ثم قال تعالى : (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة) كان هذه من قوله : (كان من الذين آمنوا) تامة ، يعني تستغرق الزمان ماضياً وحالاً ومستقبلاً ، أي بقي مؤمناً حتى مات ، كما قال تعالى : (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلى مثلها وهم لا يظلمون) ولم يقل من عمل الحسنة ليكون معناها من جاء يوم القيامة بالحسنة ولم تحبط ، ومن جاء بالسيئة ولم تمح

    وقال رضي الله عنه : (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون) قال : هذه الآية من المخوفات التخويف العظيم ، لأن إنما للحصر ومن ذات يكون متصفاً بهذه الصفة ؟. فإنه قيل لبعض الأولياء وهو الحسن البصري : كيف تجد إيمانك ؟ فقال : أؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشره ، وأما أنى ممكن ذكر الله : إذا ذكر الله وجلت قلوبهم إلى آخرها ، فلا أدري ، والذكر هو باللسان والقلب ، والاعتبار بالعين لقوله تعالى : (الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري) فهو ذكر هنا بالعين ؛ فإن الاعتبار في العالم ذكر ، وهو أعظم الذكر ، وقوله تعالى : (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً) المراد الآيات القرآنية والعالمية : أي إذا نظرت إلى مخلوقاته زادك إيماناً لأنها آيات تتلى عليك قال تعالى : (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجرى في البحر بما ينفع الناس وما أنزر الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون)

    وقال رضي الله عنه : (أفرأيتم ما تمنون) الإنسان يلقى منيه ، ولا يدري أين صار ، فيوكل الله به ملكاً خلق من سر الخالق البارئ المصور يضعه في قرار مكين ، أي لم يخن في شئ منه ، بل يحفظه غاية الحفظ ، ثم يكون علقة أشد من النطفة ، فإذا كان كذلك استأذن الملك ربه يقول : رب ، هل قد وفي أجله أفتزلق فإذا هو لم يصل أجله ، يقول : لا . انقله مضغة فيصير مضغة وهي أشد من علقة ، فيستأذن الملك ربه يقول : رب ، هل قد وفى أجله أفتزلق فإذا هو لم يصل أجله ، يقول : لا . انقله مضغة فيصير مضغة وهي أشد من علقة ، فيستأذن الملك ربه كذلك ، فيشق جل جلاله بصره وسمعه ، ويخلق فيه الأعضاء حتى يصير في الصورة الإنسانية ، فيبرز إلى الوجود وليس له عقل يعقل به ،ـ ولا فهم يفهم به ، ولا نطق يتكلم به بما يريد ، فيجوع ويعطش وهو لا يحسن الكلام ، فيصيح ، وذلك الصياح يدعو ربه دعوة مضطر فيجاب في الحال والسرعة ، فيوجد الله له اللبن في ثدي أمه ، حتى لو أنها أرادت أن تدفعه وترده ما أمكنها ، ولو أرادت وجوده قبل أن يولد المولود ما أمكنها ، فيا ليتنا كنا كذلك مجابين الدعوة في الحال

    ثم يوجده سبحانه وتعالى سائغاً ليس يحتاج إلى مضغ لكون الطفل بلا أسنان يمضع بها ، ولا يحتاج إلى هضم لأنه معدته غير قوية على الهضم ، ثم يجد فيه الري والشبع فيستغني عن الماء والطعام ، لأنه لا يقدر أن يطلب عند عطشه ماء ، ولا عند جوعه طعاماً ، فيهديه إليه ويهوى إليه لا إلى عضو غيره ، ثم يلهمه المص على تلك الكيفية سبحانه وتعالى ، ثم لا يزال ينمو ولا ينظر عياناً ، لأن كل شئ إذا مددته بعد أن كان متحيزاً لابد أن تنظر لمدة تأثيراً في طوله وعرضه ، وأما هذا النمو فهو في كل حالة لا يزال ينمو ، هو جملة وكل عضو من أعضائه وهو لا يدرك ، ثم يتولد معه التدبير ، وكلما زاد معه التدبير نزع الله الشفقة من قلب أبويه بقدر ذلط ، فإن أمه في أول الأمر لا تستطيع تفارقه ساعة ، ثم بعد قد تفارقه اليوم واليومين ، ثم قد تفارقه بعد أن يكمل تدبيره الزمان كله ، فلو لم يدبر له أمراً بل رضي بالله كفيلاً كما كان أولا لكفاه كل مؤنة ، وتيسير ما هو موجود أهون من إيجاد ما هو معدوم باعتبار عقل الإنسان ، ألا ترى أنك قد تهتم بتيسير قوت يومك وهو موجود على ظهر الأرض ، وتيسيره أهون من إيجاد اللبن من العدم من بين فرث ودم ، حسبنا الله ونعم الوكيل .

    وقال رضي الله عنه : في قول أهل الكلام : الاسم عين المسمى أو غير المسمى خاضوا فيما لا يعنيهم ، وحيروا من اطلع على علومهم من بعدهم . الذات : هي جميع الأسماء ، وهو تعالى متجل بجميع صفاته في ذاته ، ألا ترى أن الرجل إذا كان حداداً نجاراً خياطاً عماراً عالماً |، فإذا رأيته رأيت رجلاً ، ثم إذا ظهرت لك صفة من صفاته علمته بها فسميته بها فإن علمته نجاراً – مثلاً سميته نجاراً ، وإن علمته حداداً سميته حداداً وهلم جرا ، فالباري جل وعلا يعلم بجميع صفاته من صنعه سبحانه وتعالى ، قال على بن أبي طالب رضي الله عنه ، للنبي r : أوصني يا رسول الله ، قال : " قل ربي الله ثم استقم " فقال : ربي الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ، فقال له النبي r : " لينهك العلم يا أبا الحسن " لأنه قال : ربي الله ، ومن قال : ربي الله ، فقد آمن بالله وبكتبه ورسله ووعده ووعيده ، ثم استحضر في جواب قوله : ثم استقم لا حول ولا قوة إلا بالله ، أي إن الاستقامة لا تكون إلا بحول الله وقوته وتوفيقه ، فإذا أردت ولم يرد الله تعالى لم تقدر أبداً ، ولو حاولت بكل ممكن

    ثم قال : رأى بعض الأولياء النبي r فقال له : يا رسول الله ، قلت : شيبتني هود وأخواتها من القرآن ، ما الذي شيبك منها ؟ قال : قوله تعالى : (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك) ولم يسأل على كرم وجهه عن الاسم ولا عن المسمى ، بل عرف بحقيقة الأسماء كلها بقوله : ربي الله ، ولم يجبه النبي r إلا بذلك الجواب الذي يظهر من فحواه أن قد علم بالعلم جميعه ، ثم في البقرة (وعلم آدم الأسماء كلها) أي أسماءه سبحانه وتعالى وإذا علم بأسمائه لزم علم أسماء غيره من جميع المخلوقات ، فلا حاجة لنا في ذلك العلم الذي يقال فيه : الاسم عين المسمى أو غير المسمى ، لأنه مظلم والعلم نور وهو خفي ، والشريعة ظاهرة ، والحق بين يثبت في القلب ، حتى لو أراد من عرف الحق أن يطمسه من قلب نفسه لما قدر ، والباطل داحض (إن الباطل كان زهوقاً) لا يحتاج إلى من يزهقه ، لأن العدم لا يحتاج لإعدام ، والوجود لا يحتاج إلى إيجاد ، وإذا بطل من الإنسان شئ من مفاصله بفالج أو غير ذلك نسأل الله العافية والسلامة ، لا يقدر أن يقوم ، بل يبقى قاعداً وإن أقامه غيره فلا يقوم إلا متى بقى ملازماً له فإذا تركه وقع ، والله الموفق .

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليماً حكيماً وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن )

    فأجاب :

    الجهالة – هنا – هي أن يعمل السوء وهو جاهل بحق الله تعالى ، لا أنه جاهل أنه سوء ثم لما علمت بالله وعلمت أنه عندك حاضر لا يغيب ، وأن السيئة الصغيرة في جناب من عصيته كبيرة وأي كبيرة ، وعلمت بطشه وصدقت وعده وعيده وتبت من قريب ، تاب الله عليك ما لم تغرغر بالموت ، فإن تبت قبل أن تغرغر فقد تبت من قريب ، فأتى الله سبحانه بعلى في قوله إنما التوبة على الله أي وجبت لأنه لو قال من الله او لله فلا تؤدى هذا المعنى ، ثم قال تعالى : (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن) فذلك لا ينفع

    ثم قال رضي الله عنه : واعلم أن الإنسان في كل حالة مخاطب بالموت ، قال تعالى (نحن قدرنا بينكم الموت- وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير) قال النبي r : " ما مددت بصري إلا وظننت الموت يبتدرني قبل أن يرتد إلى طرفي ، وما التقمت لقمة إلا وظننت الموت يبتدرني قبل أن أسوغها " هذا أو معناه ومن هنا ارتفع حكم التسويف والأمل قال تعالى : (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل) وقال تعالى : (ألم يأن للذين آمنوا أن تخضع قلوبهم لذكر الله) الآية . فالأمد والأمل بمعنى واحد ، وهو الذي يجوز أن يكون له فيه توبة ولا يتوب ، ولم يعلم أن الموت في كل حالة يطلبه لقول الصديق رضي الله عنه :

    كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله

    وقال : رجال لبعض الأولياء لما رأوه لا يتكلم معهم في خوضهم : لم لا تتكلم معنا إنا نحن حديثك ؟ فأجاب : الحالة التي تحب أن تكون عليها عند الممات كن عليها في جميع الحياة ، فانظر إلى هذه الكلمة التي تلحق بالمعجز ، لأنك إذا رأيت الأمير النافذة أوامره وإذا قيل له : تموت غداً ، هل يبقي من أمره ذلك ؟ احبسوا فلاناً ، قيدوا ، شدوا الفرس ، جهزو الجيش ، أم ينتظر الموت ويرتقب له ويتهيأ له ؟ دائم الفكر متذكراً لسيئاته ، قد يذهل عمن عنده ، ولا يتكلم بشئ مما جرت به عادته ، وكذلك غيره من أهل الصناعات والزراعة والتجارة إذا قيل له : تموت غداً لا يشتغل بشئ من ذلك الذي هو فيه سابقاً ، بل يشتغل بالتأهب للموت ، فانظر معنى هذه الكلمة .

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم) ؟

    فأجاب :

    أي إن الأبرار لفي نعيم في الدين لأنهم في هدى ، والهدى نور ، والنور وجود ، والوجود هو الله ، وإن الفجار لفي جحيم لأنهم في ضلال ، والضلال ظلمات ، والظلمات عدم ، فيحيون بإحياء الله والأولون بحياة الله تعالى ، وليس من كانت حياته بإحياء الله كمن حياته بحياة الله ، وأني وأين ، فوجودهم كعدمهم ، وإن كانوا في الظاهر في نعمة ، ألا ترى أن الملك إذا كان حزيناً بموت ولده ، أو بنصر عدوه ، ربما كان في بستان أنيق بين نور وشقيق ، وفي يده مفاتح الخزائن ، وبين يديه الخيل الصوافن ، تتهادى له الجواري ، وينزه طرفه في العيون الجواري ، ويتبختر في ظلال زهوه ، ويتيه في قصور زخارفه ولهوه ، لكن قلبه في نار الحزن ، وعينه مطلقة للوسن ، قد عاف الطعام والشراب ، وضاقت عليه الفسيحات من الرحاب ، قال تعالى : (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) الآية ، وقال تعالى فيمن عداهم : (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً) أو قال تعالى : (ولنذيقهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون)

    وسئل :

    رضي الله عنه : هل يحتاج المصلي على النبي r أن يقول : وصحبه ؟

    فأجاب :

    قال : لا يحتاج لأنهم قد دخلوا في آله ، لأن الآل : هم المؤمنون من أمته ، فهم وغيرهم من المؤمنين قد دخلوا في الآل ، بدليل ما ثبت في بعض القراآت النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم وقوله تعالى : (إنا أعطيناك الكوثر) أي أهل الكوثر وهم الذين يقومون بشريعته من بعده ، كالخلفاء الراشدين من بعده ، ومن تبعهم لأن الكفار قالوا : إنه أبتر وأن هذا الأمر سيبطل بعده ، لأنه ليس له ذرية يقومون بهذا الأمر بعده ، فنزلت هذه السورة ، وأثبت الله بها معزتين : إحداهما : أن الله سبحانه وتعالى أقام هذا الدين بآله من بعده إلى الآن ، والثانية : أن الكفار حين تكلموا بذلك ولهم ذرية وأحفاد لم تمر أدنى مدة إلا ولا يعلم أن أحداً ينسب إليهم ، ولا بقي منهم بقية ، نفى نسبهم عن الدنيا بالكلية ، فسبحان العدل الحكيم ، وذلك مصداق قوله تعالى ( إن شانئك هو الأبتر)

    وسئل :

    رضي الله عنه : إذا صلى الرجل صلاة المغرب ثم أراد أن يتصدق على رجل آخر بالصلاة معه ، هل يقتصر على الثلاث ، أو يقوم بعد أن يسلم الإمام يأتي برابعة لكون الثلاث لم تشرع في حق المتنفل ؟

    فأجاب :

    بأن المتنفل إما أن يكون إماماً أو مأموماً فإن كان إماماً اقتصر على الثلاث ، كما ثبت في الحديث : أن رجلاً جاء إلى النبي r وقد صلى هو وأصحابه ، فقال النبي r : " أيكم يتصدق على الرجل فيصلي معه " ؟ فقام رجل قيل في حديث آخر : هو أبو بكر ، وإذا كان أبا بكر فهو الإمام بلا شك أنه الأفضل وهم لا يقدمون إلا الأفضل ، عملاً بقوله r : " إنما أئمتكم شفعاؤكم يوم القيامة فانظروا لأنفسكم شفعاء" وجائز أن يصلي المفترض خلف المتنفل لهذا . ولفعل معاذ ، كان يصلي مع النبي r ثم يخرج فيصلي بالناس ، ومعلوم أنه لا يرضى بالصلاة مع النبي r إلا فريضة ، ويتنفل حين يصلي بالغير وذلك في مغرب وغيره ، فهذا هو الدليل على الاقتصار على الثلاث وعلى أنه يجوز للمفترض أن يصلي خلف المتنفل ، وإن كان المتصدق المتنفل هو المأموم قام وأتى بركعة بعد أن يسلم إمامه لأن الثلاث في حق المتنفل ليست مشروعة .

    وذكر رضي الله عنه : في حال كون المتنفل إماماً والمفترض مأموماً إنه ربما صار الأمر والتصرف للضعيف الأدنى كأن تحصر المرأة عن طواف الإفاضة فيجب على محرمها أن يحصر معها فتصير هنا متبوعة وهي في كل حالة تابعة

    وقال رضي الله عنه : اعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال ، فربما كان الحق عند من هو غير مقطور به ، وربما كان المقطور به يخفى عليه الحق ، ألا ترى أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لما استأذن عليه أبو موسى الأشعري – رضي الله عنه – ثلاثاً ولم يؤذن له رجع ، فلما فرغ عمر مما هو فيه قال : أين أبو موسى ؟ فقيل له : رجع ، فأمر من يبتغيه ، فلما وصل قال : لماذا رجعت ؟ قال : كان هكذا يفعل الصحابة مع النبي r ، فقال : لئن لم تأتني بشاهد لأوجعنك أو كما قال فقصد أبو موسى الأنصار فأخبرهم ، فقالوا : إن الصبيان منا يعلمونه ، فأرسلوا معه أصغرهم فشد بذلك ، والحال أن عمر كان أكثرهم استئذاناً على رسول الله r ، وخفي عليه مثل هذا

    وكذلك لما خطب يوماً فنهى عن المغالاة في المهور ، فقالت امرأة : تنهى عن المغالاة في المهور وقد قال الله سبحانه وتعالى : (وأتيتم إحداهن قنطاراً) فقال : حتى النساء أعلم منك يا عمر ، فكن مع الحق يعرفك بأهله ولا تقل لو ثبت هذا لعلمه فلان ، فربما آخذ الحق من غير أهله ، كما قال سبحانه وتعالى حاكياً عن إبليس : (فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) قال تعالى : (فالحق والحق أقول) أي فالحق تقول والحق أقول ، ثم ثبت في الحديث أن أبا هريرة – رضي الله عنه – لما كان على الصدقة جاءه إبليس فأمسكه ، فقال : لئن تركتني لأعلمنك شيئاً إذا قلته لم يدخل بيتك شيطان فتركه قال : تلك آية الكرسي ، فقال له النبي r لما أخبره : " لقد صدقك وهو كذوب " فالحق معروف لا غبار عليه

    وقال رضي الله عنه في قول الله لرسوله : (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) إن من – هنا – للتبيين وقال تعالى بعد أن عدد الرسل في سورة الأنعام : (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) واستثنى سبحانه وتعالى واحداً منهم في أمر مخصوص فقال : (ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم)

    وقال رضي الله عنه في قوله تعالى في قصة يوسف : (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) أي همت فيما هو همها فإنها قد عرضت من قبل ليوسف تعريضات فما بلغت ما تريد ، فلما لم يمكن إلا التصريح صرحت به فراودته عن نفسه صريحاً ، وهو عليه الصلاة والسلام همه الخلوص منها فهم لما غلقت الأبواب وقالت : هيت لك وما بقي منه بد بالتخلص منها بقتل أو بضرب أو بما يدفعها عنه لأن ذلك همه (لولا أن رأى برهان ربه) والبرهان الذي رأى : هو صورة امرأة العزيز لأنها برهان لصانعها جل وعلا ، لأن البرهان للشئ هو الدلالة عليه ، وذلك معنى قول أبي بكر رضي الله عنه : ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله ، ومعنى :

    وفي كل شئ له آية ** تدل على أنه الواحد

    فألهمه سبحانه وتعالى أن يدرأ بالتي هي أحسن ، ليصرف عنه السوء والفحشاء بذلك التخلص وهو الهرب (فاستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب) وقد كان يوسف أراد أن يكلمه عند أن ألفياه لكنه رد أمره إلى الله (قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن أو عذاب أليم) أشارت عليه بالسجن خوفاً عليه من القتل عنده الغيرة كما تفعله الملوك ، فلما تكلمت بذلك ونسبت إليه ذلك دافع عن نفسه فقال (هي راودتني عن نفسي)

    وقال رضي الله عنه : إذا لم تجد دليلاً على الحادثة في عمل أو فتيا من الكتاب أو السنة فقل : لا أدري ، فهي خير لك من أن تفتي برأيك ، فإن قولك : لا أدري خير لك من أن تكذب على رسول الله r ، لأن من أحدث شيئاً في شريعته فقد كذب عليه ، وفي الحديث : " العلم ثلاثة : آية محكمة ، وسنة ماضية ، ولا أدري " هكذا هو أو معناه وقال الشاعر :

    تعلمت لا أدري أنني ** إذا قلت لا أدري بأني لا أدري

    غيره

    إذا شئت أن تدري تعلمت لا أدري ** فإن قلت لا أدري أفادك من يدري

    وإن قلت أدري لست تعدم سائلاً ** يبين بالتساؤل أنك لا تدري

    وقال رضي الله عنه : لما سئل عن الدعاء المأثور عن النبي r في السجود وهو : " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلفوا فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " هل يجوز ذلك مع أنه قد نهى عن تلاوة القرآن في الركوع والسجود ، وهذا الدعاء متضمن الآية ؟

    فأجاب :

    إن ذلك يجوز لأنه ليس قاصداً التلاوة ، والنبي r قال : " نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً وساجداً " لأن التلاوة حكاية عن الله والركوع والسجود موضع خضوع ، ولا يحكى عن الله تعالى في موضع الخضوع ، لأنه نائب عن الله تعالى ، وهنا ليس بتلاوة فيجوز ، وكذلك في سجود التلاوة . فتبارك الله أحسن الخالقين

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) ؟

    فأجاب :

    إن لها وجوها : لأن الله سبحانه وتعالى لا يتحيز ، فكذلك كلامه لا يتحيز في معنى ، ومن حيزه في معنى فهو لقصور علمه وفهمه فأحد وجوه تفسيرها : هل جزاء الإحسان من الله ابتداء إلا الإحسان منه انتهاء ؟ أي ما ابتدأ سبحانه وتعالى من العطاء لا يسترجعه لأنه حرم ذلك على عبيده ، فما ظنك به جل جلاله وهو بالإحسان بادئ حاشاه يختم بالإساءة ، ولكن إذا نزعت عن الإنسان نعمة أنعم الله عليه بها فإنما هو لكونه لم يقبلها ، فإذا ألبسه الله حلة فقد يلبسها أياماً ثم يلقيها ، وقد لا يقبلها في الساعة فيقال له : أعطيناك حلة فلم تقبلها نحن نعطيها غيرك ، أي نعمة كانت ، نعمة دين ، أو نعمة دنيا (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) ابتدأ كل إنسان بالإسلام ؛ لأن كل مولود يولد على الفطرة فلم يقبله البعض بل تهود أو تنصر ، وعلى هذه غيرها من جميع النعم

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن تفسير قول الله تعالى : (ويل لكل همزة لمزة) ؟

    فأجاب :

    إن ويل واد في جهنم مخصوص جعله الله للأفاك أي الكذاب ، وللمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ، وللمطففين وللهمازين اللمازين ، والهمزة واللمزة متقاربان وهو الذي ينظر في عيوب الناس التي لا تضره ، ولم ينظر في عيوب نفسه التي تضره ، قال تعالى (هماز مشاء بنميم) وقال تعالى ك (ومنهم من يلمزك في الصدقات) أي يعيبونك (والذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات) وهم المتشوفون بقلوبهم لما في أيدي الناس (فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) وقال تعالى : (الذي جمع مالاً وعدده) أي هذا الرجل الملازم على جمع ما في أيدي الناس يحسب أن ماله أخلده ، وقد لا يأكل من ماله ذلك لقمة (كلا لينبذن في الحطمة وما أدراك ما الحطمة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنها عليم مؤصدة) أي مطبقة (في عمد ممددة) وذلك لأن العمود الحديد إذا صار ناراً والنار لا تفارقه فهو أشد في العذاب ، نسأل الله العافية والسلامة .

    وسئل :

    رضي الله عنه : أي الأولى للإنسان : التكسب أو عدمه ؟

    فأجاب :

    إنه ينبغي للإنسان أن يقف حيث أوقفه الله ، فإن أوقفه في كسب بقي في ولا يتكل على ذلك الكسب ، فإن رجلاً من الصالحين كان خرازاً فحدثته نفسه يوماً إنه إن لم يعمل لم يأكل شيئاً ، فقال لها : وأنا عقوبة لك يا نفسي لأقفن حيث أوقفني الله ، ولا أطعمك مما اكتسب شيئاً ، فبقي كذلك حيث أوقفه يتكسب من حرفته ، ويتصدق به ولا يأكل منه شيئاً ، وإن لم يوقفه في تكسب بقي كذلك حيث أوقفه لكن لا يسأل ولا يتشوف قلبه إلى إعطاء أحد إلا الله ، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق خلقاً للتكسب فلابد أن يتكسبوا وخلقاً للتكسب فلا يمكنهم فلا بأس بالأمرين ، وكلاهما حسن مع شروطهما ، ألا ترى أ، الصحابة في الهجرة ، بقي منهم جماعة في الصفة : منهم أبو هريرة ، وعثمان ابن مظعون ، لم يأمرهم النبي r بتكسب ، ومنهم من تكسب بالتجارة ، كعمر وعثمان لم ينههم النبي r

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن أخذ الفقير لما أعطى هل لا بأس بذلك ؟

    فأجاب :

    إنه لا بأس مع عدم السؤال والتشوف لما في أيدي الناس ؛ فإن النبي r الذي من شمسه فاضت الأنوار على من سبق ومن لحق ، كان قبل الهدية . وفي الحديث : " كل لقمة لك لابد أن تأكلها ، فكلها بعز ولا تأكلها بذل " أي ربما أكلتها بسؤال والتجاء إلى مخلوق فتأكلها بذل ، وإن أكلتها وأنت عازم ومعتقد أنها من الله ، وإن أعطاك مخلوق فأنت أكلتها بعز ، وفي الحديث " لا ترضين أحداً بسخط الله ، ولا تحمدن أحداً على رزق الله ، ولا تذمن أحداً على ما لم يؤتك الله " فإن رزق الله تعالى لا يسوقه إليك حرص حريص ، ولا يرده عنك كراهية كاره ، وإن الله عز وجل بعدله وقسطه جعل الروح والفرج في الرضا واليقين ، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط ، إنما الشكر الذي أمرنا به لمن أحسن إلينا ، لكونه السبب كما قال تعالى : (أن اشر لي ولوالديك) فإن الخالق البارئ المصور هو الله سبحانه وتعالى ، وأبواك السبب فأمرك بشركهما ، بل قرن شكرهما بشكره سبحانه ، وإذا أرجعت ما أعطيته فقد أسأت الأدب ، لأن الله تعالى أعطاك ذلك فلم تقبله ، وهذا إساءة أدب وأي إساءة فرجل عاهد الله تعالى أن لا يسأل أحداً ، ولا يأخذ شيئاً إذا أعطى وهو في الحج حينئذ فكابد مكابدة عظيمة ، وأدركه الجهد ، فلما كان يوم منى رأى رجلاً في أعلى سوق منى يسعى سعياً بالغاً ، فلما سامته ألقى في حجره فلوساً ، ثم ذهب لا يستطاع أن يلحق ، فبقي الرجل مفكراً ، لأنه قد عاهد الله أن لا يقبل شيئاً والرجل لم يعلم من هو ، ولا يمكن لحوقه فأخذ ذلك رغماً منه ، وكان تأديباً له ، لأن هذه الصورة هي أعظم ما يكون في موافقة ما يريد له لكنه لم يخرج من قبولها .

    فقيل له : فإن كان المعطى ظالما ؟ قال : إن علمت أنه ينزجر ويخاف إذا أرجعت ما أعطاك أرجعته ، وإن لم يؤثر قبضته وتصدقت به ، لأن ما في يده مال الله محبوس في يده ، يدعو الله أن يطلقه ، فكان لك السعي في إطلاقه ، وإن كنت تعلم بصاحبه أرجعته له

    فقيل له : فإن كان أكلاً كأن يكون دعوة فكنت ممن دعى ؟ فقال : إن أمكنك الخلوص فهو الأولى ، وإن لم يمكن ولابد ، فكل وتصدق بمثله في مقابلته ، لأنه لابد من المحاسبة على مثاقيل الذر ، فتكون هذه في مقابلة تلك ، وإن كنت فقيراً نويت ذلك إن يسر الله عليك ، " ونية المؤمن خير من عمله "

    فقيل له : فإن وقع ذلك كيف الخلوص منه ؟ قال : التوبة . وصورة التوبة فيما كان بينك وبين الله تعالى : أن ترجع لكل ذي حق حقه إن كان معلوماً ، وإن لم يعلم تصدقت بذلك أو بمثله ، حتى تعلم أنك قد أوفيت ، وإن كنت فقيراً نويت ذلك ونية المؤمن خير من عمله ، وقصارى الكلام : أن الظالم محنة على نفسه وعلى غيره ، ففر منه أي فراراً (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) والظلم بمعنى النقص قال الله تعالى : (أتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً) أي لم تنقص وأي شئ أنقص من نفسك فإنها عدوة لك ، فلا تركن إليها فتمسك النار

    وقال رضي الله عنه : " سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ، ولا يزكيهم ولا يجمعهم مع العاملين ، ويدخلهم النار أول الداخلين ، إلا أن يتوبوا إلا أن يتوبوا إلا أن يتوبوا ، فمن تاب تاب الله عليه : الناكح يده ، والفاعل ، والمفعول به ، والضارب والديه حتى يستغيثا ، والمؤذي حتى يلعنوه ، والزاني بحليلة جاره ، ومدمن الخمر " هذا الحديث عن النبي r ، ما أدري السبعة مجموعة في لفظ الحديث أو كل واحد على انفراده

    وقال رضي الله عنه : في التتن أي التنباك حين حدث بحديث عن رسول الله r ، وهو ثلاثة يكرههن الله : قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال ، فقال : وأعظم إضاعته في التنباك ، فأي عقل لمن اشترى منه الرطل كما بلغني في سنة متقدمة عدم فيها ، وبلغ الرطل أحد عشر ريالاً ، أعقل هذا وراءه بل هو بمسافة من ورائه ، علا كسا به عارياً ، هلا أطعم به جائعاً ، وهو لا يسمن ولا يغني من جوع ، وليس بدواء كما يخيل لهم فإن الدواء والسم إذا دوام عليهما إنسان لا يضره السم ولا ينفعه الدواء ، والحال أنه داء مقطوع به ، فكيف زعمهم بأن التنباك دواء ؟ وهو يشرب الدواء أكثر من قوته ، وأيضاً فهو داء ، ألا ترى إلى منافس المطبخ التي يخرج منها الدخان كيف اسودت ، فكيف صدر هذا الشارب له وحلقه قد تراكم فيهما الصدأ ، فكيف يرجى النفع فيما هذا حاله ؟

    فإنا عرفنا عدة من الناس ممن تركه ابتهجوا ، وخفت عليهم المؤنة واعتدلت طبائعهم ، كما أخبرونا وتوفر لهم النوم الذي هو سبات الإنسان وثبات عقله ، والحال أنه تركه بعد أن فعله ، فكيف الذي لم يذقه البتة ، هل اتفق له داء لا يكون دواؤه إلا التنباك ؟ ، لا بل ليس مذكوراً في كتاب من كتب الحكماء ، ولا سمع عن حكيم إنه دواء ، فأي إضاعة للمال أشد من هذه الإضاعة ؟ مع أنه أخبرني من أثق بخبره ولا أشك في صدقه : أنه رأى النبي r في المنام ، فقال له : يا رسول الله ، التنباك حلال أم حرام ؟ فالتفت إلى عائشة وهي بجنبه فقال : لو شربته هذه لما قاربتها ، فقال : أحلال أم حرام ؟ قال : لو شربته هذه ما قاربتها ثلاثاً ، قال الرائي : فحدثت نفسي أني أقول له : هل حرمته في الشريعة ؟ ففي أي موضع من مواضع الحديث فأنسيت في الحال . فانظر إلى هذا الذي لو شربته عائشة أم المؤمنين لفارقها رسول الله r أي داهية أعظم من فراق رسول الله r أم المؤمنين وأي تعريض بتحريمه أعظم من هذا ؟ ومن رأى النبي r فقد رآه حقاً ، ومن رآه مناماًُ فكأنا رآه يقظة .

    وقال رضي الله عنه : لما سئل عن الذنب الذي أذنبه داود عليه السلام ، فخر له راكعاً وأناب ، فقال : قد ذكر رجل فيما تقدم في مجلس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، قصة داود عليه السلام ، فقال رجل من العلماء : إن كانت القصة كما ذكرت فالله ستره ، فلا ينبغي لنا إن نهتك ستر الله على رسوله ، وإن كانت القصة كما ذكرت فالله ستره ، فلا ينبغي لنا أن نكذب على رسول الله r ، فقال عمر : هذا الكلام أحب إلي من حمر النعم ، وما قاله المفسرون في قصة داود عليه السلام ، أخذه بعض العلماء السالفون ، فقال : لم يذكره الله سبحانه وتعالى ، فإن قلنا / إما أن نخطئ أو نصيب ، فإن أخطأنا كذبنا على نبي الله ، وإن أصبنا كشفنا ستر الله ، لأنه لم يذكره ، وقد غلط – هاهنا – كثير من المفسرين ، والمقام خطر نسأل الله العافية

    وقال رضي الله عنه :إذا أردت أن تسترشد أحداً ، أو تأمره أو تناه ، فابدأ بنفسك ، ثم بأهلك ، فإن عمر رضي الله عنه كان إذا أراد أن يأمر بشئ ، أو ينهى عنه ، لا يفعل حتى يبدأ بأهل بيته ، ثم لن لمن وعظت ، ولا تنفره بالتبكيت ، فإن بعض العلماء دخل على الرشيد فقال له : إني جئت لأعظك فاصبر لي ، لأني أريد أن أغلظ عليك ، فقال : لا تفعل فإن الله أرسل من هو خير منك إلى من هو شر مني فقال : (فقولا له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى) فكان الرشيد أعلم منه . وإذا لنت في الخطاب كنت مقتدياً بالقرآن والسنة ، وما عليك أن لا ينفع أمرك أو نهيك ، فإن الموعظة كالريح تجمع بين الضدين تطفئ وتؤجج ، قال تعالى : (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى جسهم وماتوا وهم كافرون)

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن أخذ الأجرة على درس القرآن أو على تعليمه ؟

    فأجاب :

    إن ذلك حرام لأن النبي r إن نهتك هو المقتدي به في جميع الأمور ، ما لم يبين لنا r أن ذلك الحكم خاص به ، ونحن مأمورون باتباعه (فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) والحق سبحانه وتعالى يقول لرسوله (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) (وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين) ، وفي الحديث : " حق على الله في قارئ القرآن أن لا تأكله النار ما لم يأكل به ، ما لم يعل به ، ما لم يراء به ، ما لم يدعه إلى غيره " وأحلت الأجرة في الرقيا به لا غيره ، كما ثبت في حديث : " وما يدريك أنها رقيا" ، ثم قال : " اقسموا لي معكم" ليبين لهم أن ذلك في غاية من الحل ، ثم هو r مأمور بالتبيين قال تعالى : (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) فلو كان قوله تعالى : (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) خاصاً به لبين لنا ، فإن القرآن لم يجمل بل بين بعضه بعضاً ، أو بينته السنة ، فانظر إلى قوله تعالى : (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) واليد عند العرب مطلقاً إلى العضد ، فبين بقوله : (إلى المرافق) وقال : (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ولم يبين ، فبينته السنة بأن ذلك من الرسغ ، ومن السنة ما بينته السنة مثل : تجزيك ولا تجزي غيرك ، فكيف لا يبين لنا أمر الأخصية ونحن مأمورون باتباعه ، وما كان ربك نسياً

    ومن فوائده رضي الله عنه : في الطب أنه وصف من ابتدا فيه الجدري أن يطلى بنشا ، يخلط عليه ملح بقدر ما يؤثر طعمه فيه ، وذلك مجرب نفعه ، ويطلى بواطن قدميه بحناء وعصفرة ، فإنه يدفعه عن العينين ، ووصف في الورم إذا وقع في الرجل واشتد الوجع بأن يؤخذ زبل الغنم القديم ، ويدق ناعماً ، ثم يطبخ بماء طبخاً جيداً ثم يضمد عليها

    وقال رضي الله عنه : إذا نظرت إلى من عصيت فلا صغيرة من الذنوب ، بل أصغر الصغائر كبيرة ، فانظر إلى من أذنبت إليه ولا تنظر إلى الذنب نفسه

    وقال رضي الله عنه : عامل العبد لأجل سيده ، فإن عاملت العبيد لأجل سيدهم عاملك بما عاملتهم به (سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم) فإن كنت رحيماً بهم كان بك رحيما ، وإن كنت عفواً عنهم كان عفوا عنك ، وما اتصفت بصفة من صفاته سبحانه وتعالى إلا اتصف لك بها عند الفاقة والاحتياج والافتقار

    وقال رضي الله عنه : قال سبحانه وتعالى : (وأقرضوا الله قرضا حسنا) سبحانه وبحمده ما ألطف هذا الأمر ، من ملك الدنيا والآخرة نزل نفسه سبحانه وتعالى منزلة المستقرض ، لما ادعينا أن لنا مالاً وأنا نملكه ، فطلب منا شيئاً منه على جهة القرض نعطيه فقراءنا ، وهو يتولى قضاءه ، فجعل نفسه ولياً في الأخذ للقرض وفي القضاء ن فإن الصدقة لا تقع في يد الفقير إلا وقد وقعت في يد الله ، ليربيها حتى تكون اللقمة كأحد ، ويضاعفها لنا ثم يعطينا إياها عند الفاقة والحاجة إليها ، وقال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله عني حميد) أي أنفقوا من أطيب ما تجدون كما فسره قوله تعالى : (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) وكما تحبون أن يعطيكم الله سبحانه وتعالى فأحبوه لغيركم منكم ، ولو نظر الغني إلى النعم التي أنعم الله عليه بإيجاد الفقير – وهو سبحانه قادر على أن يغني الجميع – لكان الفقير أعز عنده من كل شئ ، لكونه سبباً لهذا الشرف وهذه المزية التي لا يعادلها شئ ، وهي أخذ الحق منه سبحانه وتعالى .

    وقال رضي الله عنه : لما رغب النبي r الصحابة في الصدقة ، قال عمر رضي الله عنه – وصادف قول رسول الله r : عندي مال ، ثم قال عمر رضي الله عنه في نفسه : إن كنت سابقاً سبقت أبا بكر اليوم بصدقة عند تجهيز الجيش إلى النبي r ، فحمل نصف ماله ثم أتى ، وإذا أبو بكر رضي الله عنه قد أتى بجميع ماله ، فقال النبي r لعمر : ما تركت لأهلك ؟ قال : تركت لهم نصف مالي ، وقال لأبي بكر : ما تركت لأهلك ؟ قال : تركت لهم الله ورسوله ، قال r : " بينكما ما بين كلمتيكما " وجاء رجل آخر بشئ من ذهب وذلك جميع ماله ، فقال له النبي r : ألك غيره ؟ قال : لا . فأرجعها له ن فأعطاها ثانياً فارجعها النبي r ، فأعطاها ثالثاً فرمى بها النبي r ، حتى كاد أن يشجه ، وذلك لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعل شيئاً إلا بإذن ربه تعالى ، فأبو بكر أخذ منه جميع ماله ، لأنه قال : تركت لهم الله ورسوله ، والرجل لم يقبل منه لكونه قال : ما تركت لهم شيئاً ، والفرق بين ابي بكر وعمر في الفضل كالفرق بين كلمتيهما ، لأنه r قال لهما : " بينكما ما بين كلميتكما "

    وقال رضي الله عنه : في قول رسول الله r : " تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة " إن ذلك ليس موقوفاً على هذه المذكورات ، بل تعس عبد الكتاب لأنه يلهو بنقشه عن عبادة الله ، يخدم الخادم ويرفض المخدوم ن فربما بقى في تدقيق المسائل حتى فاتته الجماعة أو الوقت ، وتعس عبد الهيئة ، فربما لا يخرج بين الناس إلا في هيئة مخصوصة ، فهو يبعدها ويسوى عمامته ويتعب في تحصيل ما يشتري به الثوب الذي لا يبرز بين الناس إلا به ، وإذا شغله شئ عن الله فقد شاركه في العبادة ن ومعنى ذلك أن تدخل ذكره على فكرك ، كلما ذكرت الله سبحانه ذكرته مثله أو أقل أو أكثر ، فإن كان مثله فهو معنى قوله تعالى : (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله) ومعنى قوله سبحانه : (والذين هم بربهم يعدلون) أي يعادلون به غيره كمعادلة المحول على البعير ، وهي المساواة وإن كان أكثر فهو معنى قوله تعالى : (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره) وإن كان ذكره تعالى أعدل وأكثر فهو أول درجات الإيمان وهو معنى قوله تعالى : (والذين آمنوا أشد حباً لله) وذلك بقدر ذكرك للشئ ، يكون حبك له ، وإذا لم يكن في قلبك إلا الله ولا تحب سواه ، فلا تذكر غيره ولا تشتغل إلا به ، وهذه أعلى درجات الإيمان فلا تشتغل بنقل الرسوم ولا بغيرها عن عبادة الله سبحانه وتعالى ، ليكون قلبك فارغاً عما سوى الله سبحانه بجميع أفعالك وحركاتك وسكناتك وأقوالك

    قيل إن مجنون ليلى لما زارته وقالت : ها أنا ذه ، ما تريد مني ؟ قال لها : إليك عني فإن حبك قد شغلني عنك ، وأما من أنفق بسطته في طلب الرسوم ظاناً أنه العلم فقد أخطأ ، ولو علم معنى قوله تعالى (وقل رب زدني علماً) أن المراد علمه بالله سبحانه وتعالى لما خاض في الرسوم والزيادة في الأحكام ، فإن النبي r وضع عنا من الأحكام منها : أنه راجع في الصلاة من خمسين إلى خمس ن ومنها : أنه لم يعد لصلاة التراويح خشية أن تفرض ، والعلم بالله سبحانه مستفاد من تقواه (واتقوا الله ويعلمكم الله) (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) وبالله التوفيق ، وهو حسبنا ونعم الوكيل

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن تعارض الحديثين مثل حديث على بن طلق في مس الذكر : " إنما هو بضعة منك " وحديث بسرة : " من مس ذكره فليتوضأ " ؟

    فأجاب :

    أن لا تعارض بينهما ، والعمل بهما لا يرجع إلى قاعدة المحدثين من التصحيح والتضعيف ، لأنه قد ورد الحديثان فإن عملنا بحديث طلق لم يبق عمل بحديث بسرة ، وإن عملنا بحديث بسرة كان العمل بكلا الحديثين ، فعملنا به وحكمنا بالوضوء لأنه إن كان ناقضاً فقد توضأنا منه ، وإن كان غير ناقض فالوضوء على الوضوء نور على نور ، وإذا وردت أحاديث مثل أحاديث التشهد فالأولى العمل بها جميعها ، ففي رواية : التحيات لله والصلوات والطيبات ، وفي رواية : التحيات لله الصلوات لله الطيبات لله ، وفي رواية : الغاديات الرائحات ، وفي رواية : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وفي رواية : بحذف لا شريك له ، وفي أخرى : بحذف وحد ، وحذف لا شريك له ، فيعمل بالجميع ن تارة بهذا الاسم ، ثم قال في حديث الزكاة : فيما سقت السماء وأنبتت الأرض ، وحديث : لا زكاة فيما دون خمسة أوسق ، لا تعارض بينهما ، وإنما قدر الأوسق لكونه قد أجمل فيها أنبتت الأرض فشمل الخضروات وغيرها ن فبين بذكر الأوسق أنه لا يزكى إلا ما يكال ن وأفاد فائدة جيدة وهي تقييد النصاب ، فالثاني مبين ، والأول مجمل ، وفي القرآن – أيضاً – ما هو مجمل يبين بعضه بعضاً ، كما في قوله تعالى : (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت) هذا مجمل بينته إحدى القراآت (من أم) وقوله تعالى : (فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً) هذا مجمل بينته إحدى القراآت وهي بعد قوله وكان أبواه مؤمنين ، وكان هو كافرا ، فهذا صريح وإن أدمج كفره في قوله : (فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا) وقوله : (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكهرهن فإن الله من بعد إكراههن) هذا مجمل بينه الثابت في إحدى القراآت (لهن) (غفور رحيم)

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن هذا الشرط ؟

    فأجاب :

    فقال : لا يؤخذ بمفهومه بل إذا لم ترد تحصناً وهي زانية فلا يتملكها بل يبيعها ولا يجب عليه أن يبين للمشتري أنها زانية ولا يكون عدم التبيين خيانة ، لأن القلوب بيد الله وهو مقلب القلوب سبحانه فسترها هو الذي يجب عليه . انتهى

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن الشرط الذي في قوله تعالى : (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) ؟

    فأجاب :

    إن الآية تحتمل معنيين : أحدهما : قصر الصلاة من رباعية إلى ثنائية ، والآخر عدم التطويل ، لأنه ثبت أنه كان يحصل لبعض الصحابة – رضي الله عنهم – حزن بعدم التطويل ، وفي بعض الأحاديث أن اثنين من الصحابة قام أحدهما يصلي ونام الآخر ن فجاء العدو ورماه بسهم فسهم اثنين أو ثلاثة فقال النائم للمصلي : هلا ايقظتني ؟ قال كنت في سورة طويلة فخشيت أن أقطعها ، ومفهوم الشرط معمول به في هذا المعنى ن وأما على كون القصر من الرباعية إلى الثنائية فليس الشرط معمولاً به ، بل تقصر الصلاة في السفر في الأمن

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولو الألباب)

    فأجاب :

    بأن الحكمة : هي استعمال العلم في محاله ، وأن يجتنب ما نهاه ربه عنه على أحسن حال ن وأن يستعمل مكارم الأخلاق مع جميع خلق الله تعالى .

    وقال رضي الله عنه : في قوله تعالى : (ففهمناها سليمان) قال : المذكور في القرآن قصة واحدة وهي ثلاث قصص : الأولى : المذكورة في القرآن وهي قوله تعالى : (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكماً وعلماً) وذلك أنه لما جاء الخصمان عند داود عليه السلام حكم عليه داود أن يغرم لصاحب الزرع زرعه ، فلم يجد ما يغرم صاحب الغنم سوى الغنم فغرمها جميعها لصاحب الزرع ، فمراً على سليمان عليه السلام فسألهما عن حكم داود فأخبراه فقال : أنا أحكم غير هذا الحكم ، الغنم تبقى لدى صاحب الزرع ينتفع بألبانها وصوفها ، وصاحب الغنم يقوم بمؤنة الأرض حتى تعود كما كانت عليه ، وكل واحد منهما يرد لصاحبه حقه ، فقال الله سبحانه وتعالى : (ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما) وداود حكمه ذلك هو عين الصواب ، لأنه حكم عليه بأن يغرم ما أفسدته أغنامه فقدر الذي أفسدته فجاء بقيمة أغنامه فهو عن علم وحكم ، لكن حكم سليمان أخف لأن كل واحد منهما صارت نفسه طيبة بذلك الحكم .

    والقصة الثانية : أن امرأتين خرجتا إلى البرية بولديهما صغيرين ، فجاء الذئب فافترس أحد الطفلين ، فسبقت الكبيرة من المرأتين – وقد فقدت ولدها – إلى ابن الصغرى فأخذته ، وادعت أنه ولدها ، فتحاكمتا إلى داود وكل واحدة ادعت أنه ولدها ، لكن لما كان في يد الكبرى حكم لها به لكون يدها ثابتة عليه ، وذلك عين الصواب عندي حكم غير هذا ثم أخذ الشفرة وقال : نقسمه نصفين ، لكل واحدة نصفه ، فرضيت بالحكم التي هو في يدها ، والأخرى قالت : لا تقسمه يا نبي الله ، هو ولدها قد رضيت بحكم داود ، فعلم أنه ولدها لأنه أدركها الحنان الذي لا يتفق إلا للأم فحكم لها بالولد . القصة الثالثة : أنهم جاءوا بامرأة بكر حول فرجها مني ن فأراد داود أ، يقيم عليها الحد ائتوني بنار ثم أحمى الذي يزعمون أنه مني على النار فنضج وإذا هو زلال بيض ، فتيقن أن ذلك كيد وأنقذها من حكم الجلد

    وسئل :

    رضي الله عنه : ما الفرق بين العفو والغفران ؟

    فأجاب :

    فقال : الغفران بعد العتاب ، والعفو بلا عتاب ، كما جاء في الحديث ، أن الله سبحانه وتعالى يوم القيامة يكتب إلى رجل من عباده كتاباً يقول فيه ، أنت فعلت وتركت ، يذكر ذنوبه ثم يقول : لكن قد غفرناها لك ولم نطلع أحداً عليها ، فيخجل ذلك الرجل غاية الخجل من ذلك ، فهذا غفران ، والعفو تفسيره : ما ورد أن الله سبحانه وتعالى يذكر ذنوباً لرجل شائب فيقول : لا يا رب ما فعلت شيئاً من ذلك ، فتقول الملائكة : أما علمت يا رب أنه فعل ولكنه كذب ، فيقول : بلى ولكني استحييت أن أكذب شيبته ن فيدخله الله سبحانه الجنة . فسبحان اللطيف الخبير بهذا الذنب العظيم ، وهو إنكاره لذنوبه عند توبيخه بها من المطلع عليها الذي سعد بسببه السعادة العظمى ، فهذا هو العفو وأي عفو هذا ؟ يني أن العفو كونه لم يظهر أنه كذب بل ستره ولم يعاتبه عليه

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك) وهي الجمال والكمال (ويهديك صراطا مستقيما) وهو سر قوله تعالى : (إن ربي على صراط مستقيم) (وينصرك الله نصرا عزيزا) والنصر العزيز لا يكون إلا لله تعالى ، ثم قال بعد تمام هذه الآية : (إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا) أعاد الضمير مفرداً ولم يعده مثنى فهنا نكتة بينها قوله تعالى : (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) وذلك معنى قوله تعالى في الحديث القدسي : " لا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ن وبصره الذي يبصر به ، ولسانه الذي ينطق به ن ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها " كما يليق بجلاله سبحانه وتعالى

    تأمل سطور الكائنات فإنها ** من الملك الأعلى إليك رسائل

    وقد خط فيها إن تأملت خطها ** ألا كل شئ ما خلا الله باطل

    وفي بيعة الرضوان قال النبي r : " هذه يد الله " وأشار إلى اليمنى " وهذه يد عثمان " وأشار إلى اليسرى ، أو قال : اليسار ثم وضع إحداهما على الأخرى ، فظهر معنى

    ذلك بالفعل في ارتقاء عثمان رضي الله عنه على المنبر إلى الدرجة التي كان يرتقي إليها النبي r بعد أن ولى الأمر ، قال الله سبحانه وتعالى : (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) فرقى النبي r إلى درجة النبوة ، ثم رقى أبو بكر – رضي الله عنه – إلى الدرجة التي تحتها ، وهي درجة الصديقين ن ثم رقي عمر – رضي الله عنه – بعده على درجة الشهداء ، وهي التي تحتها ، ثم جاء عثمان رضي الله عنه فرقى إلى الدرجة التي كان يرقى إليها النبي r ، وذلك في شطر خلافته الأخرى ، ليظهر سر وضع يد الله سبحانه وتعالى ما يليق بجلاله في يد عثمان ، عند بيعة الرضوان وهم نقموا على عثمان في ذلك ولكنهم لم يعرفوا الحقائق في الأمور ، وبالله التوفيق ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .

    وقال رضي الله عنه : كان النبي r يقف على رؤوس الآي ويرتل القرآن ، وذلك مأخوذ من الرتل وهو الفرق الفاصل بين الأسنان كما أمره الحق تعالى : (ورتل القرآن ترتيلا) فإن قراءة الفاتحة ورد في الصحيح أن الإنسان يقول : (الحمد لله رب العالمين) فيقول الله : حمدني عبدى ، فيقول : (الرحمن الرحيم) فيقول الله تعالى : أثنى علي عبدي ، فيقول : (مالك يوم الدين) فيقول الله سبحانه وتعالى : مجدني عبدي ، ثم يقول (إياك نعبد وإياك نستعين) فيقول الله سبحانه وتعالى : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سال ، ثم يقول : (اهدنا الصراط المستقيم) إلى آخرها فيقول سبحانه وتعالى : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ، فالوقوف عند رؤوس الآي حتى يجيبه ربه بذلك ، لأن شروع العبد في الكلام الثاني قبل جواب سيده عليه في الكلام الأول من سوء الأدب ، وقولهم : لا يقف الإنسان عند قوله : (إن الإنسان لفي خسر) إنما هو رأي لا فائدة تحته ، فإن القارئ إذا وقف على خسر استشعر القلب أمراً يجب عنده الحضور ، وبعد كماله في الحضور ، ووقوفه في مرتبة الخوف ، يبتدئ (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) كذلك في قوله (ثم رددناه أسفل سافلين) يستشعر القلب وكأنه يسائل عند ذلك أو يقف على ما يطمئن به خاطره ، وذلك قوله تعالى : (آيات للسائلين) والسائل هو الذي يمعن النظر في التدبر ، فإذا كان كذلك فلابد أن يحصل الخوف عند قوله : (أسفل سافلين) ثم يتأمل قليلاً عند وقوفه في هذه الأسفلية ، ثم يفتح باب الرجاء بقوله : (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون) فينبغي للقارئ أن يقف على رؤوس الآي كما فعل الرسول r

    وقال رضي الله عنه : في مدح التخلي عن الناس قال الله سبحانه وتعالى : (فاتخذت من دونهم حجاباً فأرسلنا إليها روحنا) في مريم عليها السلام وقال تعالى (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب) فنتيجة الواهب تحصل من مقدمة العزلة

    وقال رضي الله عنه : المؤمن كلما اتصف بصفة من صفات الله تعالى قرب منه ، إلا سورة الإخلاص فلا يشاركه في صفاته فيها أحد ، فإن آدم عليه السلام ، لم يولد لكنه يلد وعيسى عليه السلام لم يلد لكنه يولد من جهة الأم لا من جهة الأب ، والله سبحانه وتعالى (لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد) لا إله إلا هو ، آمنا بالله وكتبه ورسله

    وقال رضي الله عنه : تأملت في قوله تعالى في قصة سليمان عليه الصلاة والسلام : (فسخرنا له الريح تجري بأمره) وقال للنبي r : (ليس لك من الأمر شئ) فلاح لي المعنى – بحمد الله – فسررت به ، وهو أن الله سبحانه وتعالى تولى أمره جميعه في جميع أحواله : في حركاته ، وسكناته ، وإقدامه ، وإحجامه ، وسيره ، ووقوفه ، ونطقه ، فهو سبحانه بصره ولسانه ، وسمعه ويده . (قيل) لبعض الأولياء – وهو أبو يزيد رضي الله عنه – فوض أمرك إلى الله ، فقال : ليس لي أمر فأفوضه إليه ، وفرقان بين الأمر من الله سبحانه وتعالى وبين الأمر من العبد

    وقال رضي الله عنه : في قوله تعالى : (وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولاً معروفاً) وهو جل جلاله إذا أمر بخلق حسن فهو أحق به ، بدليل ما كان الله لينهاكم عن الربا ويأخذه منكم فهو أحق سبحانه إذا حضر قسمة الرحمة منه سبحانه وتعالى بين خلقه أن يرزق منها من أساء من خلقه ، وهو أرحم الراحمين لا يحكم على خلقه حكماً إلا وهو أولى به جل وعلا ، وحين خرج موسى عليه السلام يستسقى بجميع قومه أوحى الله إليه : إن فيكم رجلاً نماماً خطاء فقال : يا رب ، عرفني من هو استتيبه ؟ فقال : كيف أنهى عن النميمة وأكون نماماً ؟ سبحانه وتعالى ، ما ألطفه بخلقه ، وأمره أن يأمرهم جميعاً بالتوبة ، فيكون من جملتهم ، وفي الحديث ما معناه : إن الله لا يعذب مسلماً تسمى باسم نبي كرامة له من حيث اتحاد الاسم ، ولا يعذب الله سبحانه وتعالى من تسمى : مؤمناً ز يقول : أنا المؤمن وقد سميتكم المؤمنين فقد وافق اسمكم اسمي فادخول افي رحمتي ، وهذا أعظم الرجاء . ثم قال : واجعل الخوف في معادلته فإنه ليس للتسويف هنا مسلك ، بل الرجاء يكون أكثر من الخوف ، لأنه ورد أن المحتضر للموت إذا كان عنده أحد فليذكره بالرجاء وسعة الرحمة ، كذلك الإنسان فإنه في كل حالة محتضر (وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير) فليس للتسويف هنا من مدخل ، (ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون) ومن هنا يتولد التسويف يعني من طول الأمل ، وهو استبعاد الآخرة لا من الرجاء

    (قيل) لرجل صالح : علمني فقال : أجمع لك التوراة ، والإنجيل ، والزبور ، والفرقان ، في ثلاث كلمات : أن تخاف الله تعالى خوفاً لا يكون شئ أخوف عندك منه ، وترجوه رجاء أشد من خوفك منه ، وأن تحب للناس ما تحب لنفسك ، وفي الحديث : (أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء)

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قول الله سبحانه وتعالى : (وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك) من هو الظان هنا ؟

    فأجاب :

    بأن الظان : هو الرجل لا يوسف ؛ لأنه لا يجوز الظن على يوسف عليه الصلاة والسلام ، لأنه أوحى إليه الحق – سبحانه وتعالى – بتأويل الرؤيا ، والظن لا يغني من الحق شيئاً ، وإياكم والظن فإنه أكذب الحديث ، فكيف يظن يوسف فيما أوحى إليه ربه سبحانه وتعالى ؟ وقد غلط المفسرون في قوله تعالى : (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم) أن الظن – هنا – في موضع العلم وليس كذلك ، بل الظن – هنا – في محله ، والمراد أنهم يظنون في صلواتهم تلك أنهم ملاقو ربهم فيصلون صلاة مودع ، وهذه حالة المؤمن ، أنه في كل حالة يترقب الموت

    وقال رضي الله عنه : قال رجل صالح لآخر : من أين أقبلت ؟ فقال : من الصيد ، قال: أو لست محرماً ؟ يعني أنهم قاصدون ربهم كما يقصد الحاج مكة فإن الحاج يحرم حتى يقضي مناسكه ، كذلك هم محرومون حتى يلاقوا ربهم ، فإذا لقوه أحل لهم كل شئ وهذه حالة عظيمة ، وهي سر قوله r : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" وقال تعالى : (وله أسلم من في السماوات والأرض) حتى الغنم والبقر سالمة من شرهم، والحال أنهم يذبحونها لكن ذلك بغيتها ، فإن أكل المسلم لها عندها كالشهادة عندنا ، فذلك الذبح أوصلها بغيتها التي لا بغية لها فوقها ، وقوله : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" هو من حديث ثمامة " والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه ، والمجاهد من جاهد نفسه وهواه " وهو الجهاد الأكبر وقوله : " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " أي إذا رأيت منكراً وما قدرت على إزالته تركته وقمت عنه ، وانتقلت إلى موضع غير ذلك الموضع ، ولو بمسافة يسيرة فإن خطواتك تلك خطوات هجرة ، وكذلك قوله تعالى : (الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) أي يظنون في ذلك القتال لأن المجاهد الصابر متيقن لأحد الأمرين : إما الشهادة أو النصر ، ومتظن أيهما يقع بخلاف الفار من الزحف ، فإنه آيس من الأمرين لأن النصر قد فقد بالقرار لا محالة ، وكذلك الشهادة والفرار – أيضاً – لا ينجيه من القتل إن كانت كتب عليه ، فربما وقع فيما فر منه وحرم إحدى الحسنيين : النصر ، أو الشهادة (ذلك هو الخسران المبين) فالظن في محله كما ترى .

    وقال رضي الله عنه : في تفسير قوله تعالى : (لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) رحلة الشتاء والصيف هو إتيان الحجيج إليهم ، أي قريش في الشتاء إن كان الحج شتاء أو في الصيف إن كان وقت الحج في الصيف ، لأنهم يقبلون إلى مكة من كل فج عميق ، ويقتحمون الأخطار والمشاق ن يأتون بأرزاق أهل مكة (تجبى إليه ثمرات كل شئ) وهذه هي المنة العظيمة عليهم ، أن غيرهم يسعى إليهم برزقهم مع مشقة عليه ، وأي مشقة يقاسون من الشدة والتعب والبرد إن كان الحج في الشتاء ، ومن شدة الحر إن كان الحج في الصيف ، وهم ماكثون قاطنون في أوطانهم آمنون ، كما تراهم الآن فليعبدوا رب هذا البيت الذي هو السبب في ذلك (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) لا كما ذكر المفسرون من أنها رحلة اليمن والشام يرحل إليهما أهل مكة وهم قريش ، لأن الله سبحانه أراد أن يظهر لهم النعمة التي هم فيها ، ويعرفهم بها ، وأما إذا سافروا بأنفسهم فهم كغيرهم من الناس ، بل يحمل إليهم من محاسن جميع الأرض وهم واقفون في أوطانهم يأتيهم بها غيرهم ، وهذه هي النعمة العظيمة التي لا نعمة فوقها .

    وسئل :

    رضي الله عنه : عمن رأى النبي r على غير الصورة التي هو منعوت بها ، هل يعمل بها أم لا ؟ وهل الرؤيا على غير هذه الصورة حق أم لا ؟

    فأجاب :

    أنها رؤيا حق ، وأن من رأى النبي r فقد رآه حقاً ، وإن كان على غير صورته بدليل أن جبريل عليه السلام كان يجئ للنبي r على صورة دحية ، وإنما تختلف حالات الرائين له r ، ففي المرآة تنظر صورتك فإن كنت حسناً رأيت حسناً ، وإن كنت قبيحاً رأيت قبيحاً ، كذلك من رأى النبي r يراه على قدر عمله مع الله سبحانه وتعالى ، والمؤمن مرآة أخيه ، وأما إذا أمره بأمر أو نهاه عن نهي ، فإن كان على الصورة المنعوت بها r فأمره في النوم كأمره في اليقظة ، في أنه يتبع ، وكذا ما نهى عنه ، وأما إذا لم يكن على صورته تلك فلا يتبع إلا إذا وافق الشرع .

    ثم ذكر رضي الله عنه في المرآة معنى آخر فقال : والمرآة هذه آية عظيمة فإنك ترى صورتك فيها متيقناً لذلك ، وتعلم – أيضاً – يقيناً أنها ليست صورتك فهو عدم ووجود في حالة واحدة ضدان لا يفترقان ، وكذلك حين خلق الله آدم قبض يديه تعالى كما يليق بجلاله ، ثم قال لآدم : اختر أيهما شئت ، فقال : اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة ، كما يليق بجلاله سبحانه وتعالى ففتحها فإذا فيها آدم وذريته وجميع الأنبياء ، كما ورد ذلك في الحديث ، فذلك الظهور وجود في عدم وعدم في وجود ، فسبحان الله العظيم

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين)

    فأجاب :

    فقال : الضمير في يعلمه يعود إلى النبي r ، والعلماء منهم هم الذين آمنوا بنبينا محمد r ، وأما الذين لم يؤمنوا به فليسوا بعلماء ، بل هم أجهل الجهال ، حتى أنه لما نزل قوله تعالى : (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) قال بعض من آمن بنبينا r - وهو عبد الله بن سلام رضي الله عنه : آمن بالنبي r - والله إنا لنعرفه أعظم من معرفتنا لأبنائنا ، لأن أبناءنا قد تخوننا امهاتهم ، فهذه آية لمن كفر وأي آية وذلك أن علماء بني إسرائيل آمنوا به لما علموا أنه رسول الله خاتم النبيين ، نبي الساعة الموصوف عندهم في التوراة والإنجيل ، كما قال تعالى : (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار) أي إن مثل كل منهم في التوراة والإنجيل . وكما ثبت أن آدم سأل ربه أن يريه صور بنيه ، أي الرسل منهم ، فأراه صورهم فصورهم آدم ، وجعلهم في خزانة ، فلما وصل ذو القرنين سرنديب أخرج تلك الصور ليجعل لكل نبي تمثالاً ، ففعل ذلك

    ثم إن نفراً من المسلمين رحلوا إلى هرقل فهللوا حتى تحرك البنيان ، وغلق الأبواب والشجر ، فقال لهم هرقل : أهكذا يكون في بلادكم ؟. قالوا : لا . وإنما وقع – هنا – لشئ يعلمه الله ، فقال هرقل : ما أحسن الصدق ، فسألهم عن النبي r فأخبره ، فعمد إلى الصندوق ، وجعل يخرج صوراً ويقول عند كل صورة : أهذه صورته ؟ وهو يقول : لا فلما وافق صورة من الصور ، قال : هذا نبي الساعة وشأنه هذا ثابت إلى يوم القيامة ، فهذا يدل على أن للنبي r أمثالاً عندهم في التوراة والإنجيل ، حتى لا يشكوا في معرفتهم ، فهم معروفون عندهم بالصفات والذوات ن فهما ورؤية ، ولما رأوه r بتلك الصفة التي فهموها ورأوها آمنوا به ، وهم على يقين لا يشكون ، بل أوضح من الشمس ، فهذه آية لمن كفر ، وقوله : (ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم) أي القرآن ما كانوا به مؤمنين ، أي أنهم يعرفون النبي r من حين ولادته بينهم ، لم يجالس شاعراً ولا كاهناً ولا أحداً من بني إسرائيل ، فيقولون : تعلم شعراً أو سحراً أو أخبره بنو إسرائيل بسبب مجالسته لهم ، بل يعرفونه فيهم أمياً لا يفارقهم ، فلما أقيمت عليهم الحجة لم يؤمنوا به ، قال الله تعالى : (ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم) بلسان فصيح (ما كانوا به مؤمنين) وذلك مثل قوله تعالى : (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلاً ما كانوا ليؤمنوا – ومن يضلل الله فمال له من هاد)

    وقال رضي الله عنه : قال النبي r : " أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه ، وأحبوني لحب الله ، وأحبوا أهل بيتي لحبي " وفي حديث آخر : " لا يكون المسلم مسلماً حتى تكون ذاتي أحب إليه من ذاته ، ونفسي أحب إليه من نفسه ، وعترتي أحب إليه من عترته "

    قيل : إن رجلاً من المغرب نزل على بعض السودان ضيفاً ن فخرج به في بعض الأيام إلى البرية وإذا ملك السودان يتمشى بعساكره وخيله ، فلما بلغ من مرآهم ما يتميز بدن الأسود من الأبيض ترجل ، ثم بقى يمشي راجلاً حتى جاوزهم بمسافة ن ثم ركب فقال الأسود للمغربي : أتعرف لمن ترجل الملك ؟ قال : لا أدري ، قال : لما رآك أبيض نزل تأدباً مع النبي r لكونه أبيض ، فانظر إلى هذا التأدب ، يترجل من فوق فرسه لأجل اللون الذي وافق لون النبي r


    _________________
    خليفتي كذاتي

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 1949
    تاريخ التسجيل: 10/01/2008

    الفصل الثالث : مسائل

    مُساهمة  Admin في الأحد نوفمبر 07, 2010 1:04 am

    وسئل :

    رضي الله عنه : عما وصل إلى الثوب من الماء الذي يرش به الأسواق بعد وصوله إلى الأرض ؟

    فأجاب :

    بأنه طاهر ، وأن أمير المؤمنين على بن أبي طالب – كرم الله وجهه ورضي عنه – دخل المسجد بعد أن خاض في الطين ، بعد أن توضأ وقدماه غير جافتين بلا نعال ولا شئ بعد أن مشى في الطريق العامة ، وقال النبي r : " الأرض يطهر بعضها بعضاً " ولم يأمر بتطهير النعال بماء ، بل كان يصلي بنعليه والصحابة بعده بنعالهم ، فنزل في بعض الأحيان جبريل يخبره أن في إحدى نعليه عذرة ، فخلعها وبنى على صلاته تلك ، وخلع الصحابة نعالهم ، فلما فرغ قال لهم : " لم خلعتم نعالكم " قالوا : اقتداء بك يا رسول الله ، فقال : " إنما أخبرني جبريل " الحديث

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن أصول الريش والشعر ؟

    فأجاب :

    قال : مسكوت عنه ، والمسكوت عنه عفو . وقد ثبت أن النبي r ركب فرساً معراة ، ومعلوم أنه لابد أن يقلع من شعرها ويعلق بثيابه

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن الصلاة على النبي r في التشهد الأوسط ؟

    فأجاب :

    قال : ذلك غير وارد فقال السائل : لكنه قد ذكر ، وفي الحديث : " البخيل كل البخيل من ذكرت عنده ولم يصل على " وحديث آمين ن لما قال جبريل : من ذكرت عنده ولم يصل عليك فأبعده الله ، فقلت : آمين ن قال : قد سلمنا عليه في التشهد الأوسط وصلينا عليه في التشهد الأخير ن ونحن في ذكر واحد لم نخرج عنه ، فقيل له : ما الصلاة البتراء ؟ قال : أن تصلي عليه من دون آله لأنها تنزع منها البركة ، لأن من صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشرا ، وكذلك آله تعود عليه من كل واحد منهم عشراً عشراً بالغاً ما بلغوا (ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه)

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن القاتل هل له توبة ؟

    فأجاب :

    قال : نعم قال الله تعالى : (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً) فيبدل قتله ذلك كأنما قتل كافراً في سبيل الله ن وعبادته لغير الله كأنما عبد الله في تلك المدة ن وزناه كأنه نكح أهله كذلك ما رواه البخاري وغيره : فيمن قتل تسعة وتسعين نفساً وحبراً . وقتل الحبر من أعظم البلاء ، وروى أنه بعد أن قتل سبعة وتسعين نفساً وحباً . وقتل الحبر من أعظم البلاء ن وروي أنه بعد أن قتل سبعة وتسعين سأل حبراً فقال : لا توبة لك فقتله ، ثم ثانياً ثم ثالثاً ، حتى كملوا مائة فأتى حبراً عارفاً بحقائق الأمور فسأله فقال : وما يمنعك من باب التوبة فقال : وكيف أصنع ؟ قال : اذهب إلى قرية كذا فإن فيها رجالاً يعبدون الله تعالى فأتهم واعبد الله فيهم حتى يأتيك اليقين ن ففعل فلما وصل نصف الطريق قبض الله روحه ، فابتدرته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فاختصموا ، فجاءهم ملك ، فحكم بينهم أن يقيسوا مسافة الأر ضمن حيث سافر في التوبة وإلى المحل الذي يريده ، فإن كانت مسافة السير من حيث تاب إلى هنالك أكثر كان لملائكة الرحمة ن فأمر الله تلك المسافة أن تمتد فامتدت ، والأخرى أن تنزوي فانزوت ، حتى كانت التي سافرها أكثر فخطفته ملائكة الرحمة ، وهذا الرجل من بني إسرائيل ، مع أن الله سبحانه وتعالى كتب عليهم : (أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً) فهو كمن قتل الناس جميعاً مائة مرة ، فما ظنك بمن كان من هذه الأمة ، وقد رفع عنهم إصرهم ، وبقي لهم الخير ممن سبق من الأمم قبلهم ، فمن قتل منهم نفساً فما قتل إلا إياها ، لا يكون كمن قتل الناس جميعاً ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ، فهو بالتوبة أحق وأجدر

    وأما ما قال ابن عباس : لا توبة لك فذلك رجل كان يقتل ثم يتوب فقال : هل لي من توبة ؟ فقال له : لا توبة لك ، لأن نيته أن يقتل ثم يتوب لأن ذلك إصرار ، وأما من فعل الذنب ثم بعد أن فعله تاب وندم إنما غلبه هواه والشيطان وحكم عليه القدر ، فتلك توبة مقبولة لا محالة ، ومن ثم ما كان من الزجر الوارد في الكتاب أو في السنة يبقى على حالة ، كقوله r : " سبعة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزيكهم ولهم عذاب أليم : الناكح يده ، والزاني بحلية جاره ، والضارب والديه حتى يستغيثا ، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه ، ومدمن الخمر ، والفاعل والمفعول به " وأمثال ذلك لأن معاملة الله سبحانه وتعالى لعبده يوم القيامة على مقتضى حكمته .

    كذلك هذا الرجل الذي من بني إسرائيل قاتل المائة ، من ذا يعلم أن مثله يتاب عليه إذا قتل وقد ورد في حديث : أنه يخرج رجل من النار بعد كذا أعواماً واسمه هناد ، وهو مقطوع بخروجه من النار إلى الجنة ، فأي مزية أعظم من هذه ؟ وفي حديث آخر : أنه توزن أعمال رجل فتستوي الحسنات والسيئات ، فيقال له : لو زادت حسنة لرجحت ودخلت الجنة ن فامض إلى الناس فالتمس منهم حسنة ن فيمضي على أناس لهم حسنات كالجبال فيستعطيهم حسنة فلا يرضون ، فيمر برجل له حسنة واحدة وسيئات كثيرة فيقول له : خذ هذه الحسنة التي معي فإنك أحق بها مني ، لكونك بها تدخل الجنة فيقال له / خذ بيده وادخلا الجنة ن وهذا الإيثار- عند الله سبحانه وتعالى – أمر عظيم ن فقال بعض أصحابه : وأنا سمعت أن رجلين انكسرت بهما سفينة فبقي أحدهما على لوح فالتفت إلى صاحبه وقال له : ألك أهل ؟ قال : نعم قال : فاركب على اللوح فإنك أحق بالبقاء مني ، لأني ليس لي أهل ن ومن الناس رجل يؤمر به إلى النار ن فيقول : رب ، كيف تعذب رجلاً شاب في الإسلام . فيدخله الله الجنة ولو كان دخوله الجنة لشيبه لما دخل النار شائب ، ولكن معاملات الحق في ذلك اليوم على مقتضى حكمة الله ، وفيه يحاسب على مثاقيل الذر .[m1]

    وقال رضي الله عنه : إن الله سبحانه وتعالى حرم في مكة الصيد ، وأن لا ينفر ولا يقطع شجرها ، وذلك لحرمة الجوار ، فما ظنك بمن مات وهو هنالك مرمى وحده في قبره في جوار الله تعالى مفتقر إلى رحمته ، وأي ثبوت يثبت له حق الجوار ، فقال له رجل من الحاضرين : قيل : إن ابن عباس رحل عنها وقال : لا أحب أن أسكن في بلد تتضاعف فيها السيئات كما تتضاعف فيها الحسنات . فأجاب : أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يعمل بالرخص ، قيل : إن مالكاً دخل على الرشيد فقال له : اتق رخص ابن عباس ، وعزائم ابن عمر ، قال مالك : فخرجت من عند الرشيد عالماً ، وكان رجل لا يفتر عن العبادة والبكاء ، وصاحبه لا يفعل شيئاً من ذلك إلا ما وجب عليه ، فقيل له في ذلك . فقال : كلانا نقرأ في صحيفة واحدة هو يقرأ (إن الله شديد العقاب) وأنا أقرأ (إن الله غفور رحيم)

    وسئل :

    رضي الله عنه : إذا تكلم أحد بكلمة الردة في حالة غضب هل يحكم عليه بالردة أو لا ؟

    فأجاب :

    أن لا تقام عليه حدود حكم الردة ، لأن النبي r قال : " ادرؤوا الحدود بالشبهات " وأي حالة أعظم من حالة الغضب ، بل يمهل حتى يفيق من غضبه ، ثم يكلم بما ثبت دليله من العقل ، فإن الله سبحانه وتعالى قال : (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ) وأيضاً مر أبي بن كعب على رجل يقرأ آية من كتاب الله على خلاف ما قرأ أبي ، فأتى به إلى النبي r ، فقال رسول الله r لكل واحد منهما : اقرأ ، فقرأ كل واحد منهما قراءته التي سمعها من رسول الله r ، فقال لهما : " كلاكما محسن وكلاكما مجمل " فقال أبي : ما كلانا محسن ولا كلانا مجمل . قال أبي : ودخلني من الشك مثل ما كنت عليه في الجاهلية أو أشد ، فطعنه النبي في صدره : وقال " اللهم أخسئ منه الشيطان " فقال أبي : فكأني أنظر إلى الله فرقاً ، ولم يحكم عليه النبي بردة ، وكذلك أن بعض الصحابة قالوا للنبي r : اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ، فقال r : اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ، فقال r : " الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، إنها السنن ، والذي نفسي بيده لقد قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى : (اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة) فلم يحكم عليهم النبي r بردة ، ولم يأمرهم بتطليق نسائهم . وفي الحديث : " أن رجلاً قال لما لقى جملة بعد أن شرد عليه : اللهم أنت عبدي وأنا ربك " فضحك النبي r حين حدثهم بهذا الحديث ، وهو يدل على أنه لا يؤاخذ على ذلك

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته)

    فأجاب :

    أنه قد غلط في تفسيرها كثيرون بما ذكروا ، من أنه دس إبليس في النجم : تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي ، وهذا لا يحكم به عقل ن ولا يقول به من له أدنى مسكة من قواعد الإيمان ، فلوا كان ذلك لحصل شك في جميع الكتاب والسنة ، ولبطلت الشرائع ، حيث تمكن إبليس من أنه ينطق على لسان رسول الله r حاشا وأبعده الله أن يتمكن من ذلك ، ثم إن النبي r ، إذا اتفق له ذلك فكيف صورة القصص التي اتفقت للنبيين قبله لم يسمع شئ من ذلك في كتاب منزل من الكتب المتقدمة ، ولا عن بني إسرائيل في حديث من أخبارهم ، ولا عن سلف ، ولا عن خلف ، ولكن تفسيرها ظاهر لا غبار عليه (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته)

    وأماني الرسل وبغيتهم أن يؤمن قومهم فيلقي الشيطان في أمنيته تلك ، بأ، يفسد عليه قلوبهم ، فلا يؤمنوا بل يقولون حين يدعوهم للإيمان كما قال قوم نوح (ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم) وقوم شعيب : (يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد) ونحو هذا كثير ، فكل نبي يتمنى أن يؤمن قومه فيلقي الشيطان في أمنيته تلك ، فينسخ الله ما يلقى الشيطان من قلوب من آمن منهم ، ثم يحكم الله آياته في قلوبهم ، والله عليهم حكيم (ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض) وذلك ما خيل لهم من أن نوحاً بشر مثلهم وما هو عليهم بعزيز ، ومثل تصويره لهم أن تركهم لما يعبد آباؤهم لا يكون وأنه من المحال ، والقاسية .قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم) فانظر إلى عود الضمائر من قوله سبحانه وتعالى : وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به ، أي يعلمون أن ما جاءهم به رسولهم هو الحق فيؤمنوا به ، فالذي يلقى الشيطان يكون فتنة للذين في قلوبهم مرض ، والذين أوتوا العلم لا يؤثر فيهم ما يلقى الشيطان ، بل يعلمون أن ما جاءهم به رسولهم هو الحق فيؤمنوا به .

    وقال رضي الله عنه : إذا سبقت العناية لشخص أوصله أدنى سبب إلى أعلى مقام ، أوحى الله إلى موسى عليه السلام ، هل علمت ما سبب أني جعلتك نبياً كليماً ؟ قال : يا رب ، أنت أعلم قال : لما نفرت عليك الشاة وأنت ترعى الغنم لشعيب لحقتها بعد ما أتعبتك ، ثم لما أمسكتها لم يعترك عليها غضب ، وقيل : إن رجلاً أمسك قلمه وهو ينسخ لما نظر إلى الذباب يمص من القلم ، فأوقف يده رحمة له ، ففتح الله عليه في الحال ، بأن رأى المداد يجري في عروق ذلك الذباب ، ورجل دخل الجنة من أجل كلب جاءه وهو ينبح على شفير بئر من العطش ، ولم يتمكن من الشرب فأرسل الرجل ثوبه وجعل يعصره في حلق ذلك الكلب حتى ارتوى , وعاتب الله سبسحانه وتعالى نوحاً عليه السلام ، حين نظر إلى كلب نظرة مستقبحاً له فقال : يا نوح ، إني ما خلقت شيئاً عبثاً فإن كنت لا تعلم بالمصلحة التي لأجلها خلقته فقلد خالقه . وعذبت امرأة من أجل هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي أطلقتها تأكل من خشاش الأرض ، فانظر إلى مقادير الأعمال أدنى سبب مقرب ، وأدنى سبب مبعد

    وقال رضي الله عنه : كان النبي r ، يحب من اللحم الساعد والكتف ، فمحبته للكتف : لأن الله سبحانه وتعالى وضع يده بين كتفيه ، الحديث . وأما محبته للذراع : فموافقة لحديث من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ، وقد غلط بعض العلماء حيث قال : إنهم كانوا لا ينضجون اللحم فكان الذراع والكتف أسرع نضجاً

    وقال رضي الله عنه : المؤمن – في الدنيا – ذليل لله سبحانه وتعالى ، حتى أنه قال الشبلي : عطل ذلي ذل اليهود ، وذلك أن المؤمنين خاضعون لله خاشعون ، ثم إنك إذا نظرتهم في السجود وهو أعظم التذلل رأيتهم يضعون وجوههم على التراب وعلى الأرض الذلول (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً) وفي الآخرة ينتقل إليهم العز الدائم الذي هو بإعزاز الله لهم ، وينتقل الذل الدائم الذي هو بإذلال الله إلى الكفار ، وفي الدنيا إذا عزوا فإنما هو بإعزاز أنفسهم وليس بعز (من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) ثم يوم القيامة يتمنى الكافر أن يكون تراباً أي في الدنيا حين يرى ما أعطى من النعيم من كان ذليلاً في الدنيا ، فيتمنى لو كان في الدنيا تراباً الذي هو أذل شئ ، ثم ذكر للشبلي هذا دعوة دعا الله بها ، بأن قال : يا رب ، املأها بالشبلي يعني النار ، وذلك لشدة الرحمة بأهل النار فإذا ملأها به لم يدخل النار أحد ، لأنها قد امتلأت وهو لما يعرف من قربه من الله سبحانه وتعالى ، وحبه له ، وإيمانه به ، لم يخف من النار فإنها لا تؤثر فيه ، وهي أشبه بمقالة عمر بن الخطاب حيث قال : وددت أن أكون كبشاً فيطعمني أربابي حتى اسمن ، ثم يضعون الشفرة على أوداجي فيذبحوني ، ثم يطعمون مني أضيافهم ، ويتصدقون ويأكلون ، وذلك لأنه يعلم من نفسه بمصاحبته لرسول الله r ، ولما يعلم من عناية الله سبحانه وتعالى أنه إذا أكل أحد منه شيئاً لم يدخل النار لأنه لابد أنى تجرى تلك الأكلة في جميع عروق البدن فيتربى منه لحم فلا تسلط النار على اللحم الذي قرب من لحم عمر

    ومن أجوبة عمر رضي الله عنه ، لما قال له النبي r : كيف بك يا ابن الخطاب وقد أتاك في قبرك ملكان يخطان الأرض بأنيابهما ولحظ أعينهما كالبرق الخاطف ؟ فقال : يا رسول الله ، وعقلي هذا معي يشير إلى أنها عند المصادرة للأمور تتغير العقول وتدهش وتنتقل الأحوال ، ألا ترى أن الصحابة – رضي الله عنهم – عالمون أن الهزيمة في الحرب لا تنفعهم ، لقوله سبحانه وتعالى : قل لن ينفعكم القرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلاً ) فقوله : وإذا لا تمتعون إلا قليلاً تبكيت وتهديد ، بأنهم إذا فروا لم يمتعوا إلا قليلاً ، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى جعل لكل إنسان أجلين (هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده ) وإذا وصل أرحامه ، وأطاع والديه آخره على الأجل المسمى ، وإن فر من الزحف ، أو فعل ما علم الله سبحانه من معاص مخصوصة ، قضى أجله في الأجل الأول ، فهم على يقين أن الفرار لا ينفع مع أنهم فروا في يوم حنين ، وذلك أن العقول تطيش عند لقاء العدو فلا يكاد يعرف الصواب ، ولذا ينبغي للإنسان أن يسأل الله العافية ، وقال النبي r رجلاً يقول : اللهم إني أسألك الصبر فقال له r : " سألت الله البلاء فاسأله العافية " يعنى الصبر لا يكون عند مصيبة ، أو أمر فيه امتحان ، فيسأل الله العافية مما يكون معه الصبر .

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) وفي قراءة إلا من ظلم ؟

    فأجاب :

    إن (إلا) تكون استثنائية ، وتكون استدراكية ، وفي هذا الموضع يستقيم المعنيان فإن كانت استثنائية فالمعنى أن الجهر بالسوء لا يحبه الله ، إلا من ظلم فلا بأس ، وذلك حيث ينازع الرجل خصمه لولا أنه يجهر بالسوء لما ظهر الحق ، وعلى قراءة إلا من ظلم – بالفتح – يقدر إلا من ظلم ، وله شواهد من كلام العرب ، ولكن الاستدراك أولى بالمقام ويكون المعنى : لا يحب الله الجهر بالسوء لكن من ظلم فلا يحب الله الجهر بالسوء منه ، بل العفو أولى به ، وهو الذي يحبه الله منه (وأن تعفو أقرب للتقوى) ولا يكون العفو ممن ظلم إلا لمن نور الله بصيرته وهي درجة عظيمة ، فإن من فعل شيئاً بالعبيد لأجل مولاهم فحق عليه أن يعامله بما عاملهم

    وقال رضي الله عنه : قال الله سبحانه وتعالى : (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون) أي أخرج سبحانه وتعالى النخلة من النواة فالنخلة وهي حية تنمو أخرجها من النواة الميتة التي لا تنمو ، ثم أخرج من النخلة الحية التي تنمو التمرة الميتة التي لا تنمو ، كذلك الحبة وكذلك الإنسان فإنه تعالى أخرج هذا الحي الذي ينمو ويتحرك ، وخلق فيه العقل الذي عليه المدار من الميت وهو المنى ، ثم أخرج من الحي الذي هو الإنسان : الميت الذي هو المنى ، ثم يعلم جل جلاله ما تغيض الأرحام وما تزداد ، والعلم في حقه سبحانه وتعالى هو بمعنى البصر ، فيعلم المعدوم كما يعلم الموجود ، ويبصر المعدوم كما يبصر الموجود ، فإن هذه النواة والنطفة والحبة من ذلك ، يعلم ما تغيض الأرحام من النطفة أي ما لم يتخلق فيها وما تزداد ، أي ما يتخلق فيها والتي تتخلق يعلم كم منها إلى يوم القيامة ، ويعلم مستقرها أي ما يستقر منها يفسره قوله : في قرار مكين ومستودعها وهو الذي يزلق عن الرحم إذا قضى أجله وهو إما نقطة ، أو مضغة ، وذلك من أول مني خرج ، وهو من آدم عليه الصلاة والسلام إلى يوم القيامة .

    والعلم هو في حقه تعالى بصر قال تعالى : بكل شئ عليم بكل شئ بصير ، بما تعملون بصير ، بما تعملون عليم ، فمتعلقهما واحد ، ثم إنه تعالى يعلم الشجرة التي في بطن النواة ، ثم ما يخرج من الشجرة من تمر فربما يكون في كل سنة وسق أو سوقان مدة عشرين أو ثلاثين سنة ، يعلم عدد هذه التمرات وهي في بطن تلك النواة إلى منتهاها ، ثم ما يغرس منها فتنمو منها نخلة ثانية ، ثم ثالثة ، ثم رابعة ، إلى يوم القيامة ، وما لم يغرس بل يلقى كل ذلك يعلمه في بطن هذه النواة الواحدة ، وعلمه تعالى بمعنى البصر فهو يرى جميع ذلك حبة حبة ، وإنساناً إنساناً ، وهم في العدم ، فسبحان العالم جل جلاله ، وتقدست أسماؤه ، ولا إله غيره . قال تعالى : (فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم) اتبع فلق الحب والنوى بفلق الإصباح وهو تنفس الصباح ، لما كور الليل على النهار وأولجه فيه ، أراد أن يكور النهار على الليل ويولجه فيه ، ففلق الإصباح كما يفلق إهاب الشاة إذا أريد سلخها (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) وقد يشم بعض الناس لتنفس الإصباح رائحة كما يتنفس الإنسان فتخرج رائحة فمه ، وجاعل الليل سكناً ، أي يسكنون فيه من حركات النصب والتعب ، والشمس والقمر حسباناً ، أي يعرفون بهما الحساب ، ولا يخفى ما فيهما من منافع لا تحصيها الأقلام (ذلك تقدير العزيز العليم وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر) أي فلا ينبغي أن يستنبط منها غير ما خلقت له ، كما يستنبط المنجمون من القرانات وغيرها ، لأن الشئ لا ينبغي أن يستعمل إلا فيما خلق له .

    ألا ترى أن الله سبحانه وتعالى خلق الثوم وجعله دواء لعلل كثيرة ، فهو خلق له ثم بسبب أكله تتأذى الملائكة حتى أنها إذا كانت رائحة الفم منتنة تختطف ما نطق به اللسان من خير من الهواء ، وإذا كانت الرائحة طيبة ابتدرت لأخذه من داخل الفم ، لكن لما كان خلقه لمنفعتنا لم يضر تأذى الملائكة به ، ولم يحرم علينا بل هو جار فيما خلق له . كذلك النجوم خلقت لنهتدي بها في ظلمات البر والبحر فلا نتعدى ذلك (قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون) (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع) أي منها ما يستقر في الأرحام ، ومنها ما يزلق منها ، ولا يتخلق بل يبتدره أجله ، وذلك معنى قوله تعالى : (مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ) وذلك لأن العرب تسمى الخيل المحفوظة المربوطة التي يأتون إليها بعلفها ومائه مستقرة ، ويسمون ما أرسلوها ترعى وتسقى بنفسها : مستودعة (قد فصلنا الآيات لقوم يفقون) (وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شئ فأخرجنا منه خضراص) هذا في مقابلة قوله تعالى : (فالق الحب) ثم أتبعه بقوله : (ومن النخل من طلعها قنوان دانية) في مقابلة قوله (والنوى) والدانية : هي ما سهلت على الإنسان أسبابه ، وإن كانت النخلة عالية لكنها باعتبار ما خلق الله سبحانه وتعالى للإنسان من الأيدي والأرجل دانية ، لأنه يلصق بها ثم يصعد فيها فينجي ثمرها ، وجنات من أعناب أخرجها من ميت كذلك (والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه) أي وجميع ما ذكر مشتبهاً وغير متشابه ، فقد تكون الحبة الواحدة من العنب نصفها أسود ونصفها أبيض أو أحمر ، وكذلك التمر وكذلك الرمان قد تكون الحبة الواحدة ذات لونين ، ثم لظهر كل حبة لون ، ولباطنها لون ، سبحانه وتعالى .

    وقال رضي الله عنه : قد يكون الدعاء في الساعة التي يتجلى فيها الحق سبحانه وتعالى ، بصفة الوهاب ، فلا يرد فيها الدعاء ولو كانت من كفار ، فإن إبليس (قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون) وهو مطرود ملعون نجس الباطن والظاهر ، فاستجيب له ، و(قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم) ومن هنا نهانا رسول الله r عن لعن الدواب وغيرها ، حتى إن المرأة التي لعنت جملها وهي في سفر قال : " قد استجيب لك ، ولا نقبل ملعوناً ، اطردوا الجمل " فطردوه وكان كلما أقبل إليهم الجمل طردوه بالخيل ، فحرمت المرأة الجمل وظلمته بسبب لعنها له ، والرجل الذي رأى قيام يوم القيامة وذلك أنه سرق سرجه فسأل عنه فقيل له : قد سرق ، فقال : ذهب في لعنة الله ، فلما رأى أن القيامة قد قامت وهو ممن قتل شهيداً فأتى بفرسه وبولها وزبلها يوضع في الميزان ، فقال : أين سرجها ؟ إنه يثقل في الميزان ، فقيل له : ذهب في اللعنة التي قلتها في ساعة كذا ، فقد يؤتي الرجل من قبل نفسه وهو لا يشعر

    ومن الحكايات العجيبة أن ذئباً برد في ليلة برداً شديداً فتمنى سلوقياً يلحقه ليدفأ ، فما تم إلا وقد أقبل عليه السلوقي فهرب منه حتى جوز ، فقال : لو رجمت في فمي لما تمنيت هذه الامنية فما تم إلا ولقيه رجل فرجمه بحجر حتى هرس أسنانه ، فطلع على رأس الجبل ونادى بأعلى صوته : ألا من يريد أن يدعو فإن أبواب السماء قد فتحت ، والدعاء في نفسه إنما هو إظهار للعبودية والتذلل ، وإجلال وتعظيم لباب الكريم ، وليس لأنه غافل عنك سبحانه وتعالى أو عن حاجتك ، بل يعلم بما توسوس به نفسك قبل أن توسوس ، وهو يعلم السر وأخفى ، وهو سبحانه وتعالى كريم جواد لا يحتاج إلى سؤال قال شاعر في مدح بعض الملوك يسمى معنا :

    أيا جود معن ناد معنا بحاجتي فمالي إلى معن سواك سبيل

    فما ظنك بملك الملوك

    وقال رضي الله عنه : لما سئل ما هي الكلمة في قوله تعالى : (وجعلا كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون) ؟

    فأجاب

    إنها قول الحق له : أسلم ؛ لأنه تعالى ربما كلم الأبناء وأراد بذلك الآباء ، مثل قوله تعالى : (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون) وربما كلم الآباء وأراد الأبناء مثل قوله تعالى : (فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون) المكلم آدم ، والمراد أولاده ، وقد غلط بعض المفسرين بأن قالوا : هو آدم ؛ لأنه سمى عبد الحارث وهذا باطل من وجهين : أحدهما : أنه لا يستقيم هذا على قراءة شركاء ؛ لأنه سماه إذا فرضنا عبد الحارث هو شريك واحد لا شركاء ، الثاني : إن آدم يعتذر يوم القيامة إذا قصد للشفاعة بذنبه الذي أخرجه من الجنة ، ولو كان ذلك لكان أهم وأعظم أن يعتذر به يوم القيامة ، والقرينة التي دلت على أنهم أولاده عود الضمائر للفظ الجمعية (فتعالى الله عما يشركون أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون) إلى آخر الآيات . وهذه الكلمة التي جعلها كلمة باقية في عقبه : هي التي وصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ، وليست الإسلام الذي هو نقيض الكفر ، كيف وهو الخليل ؟ إنما هو إسلام الأمر إلى الله سبحانه والاستسلام له ، كما أنه عليه أفضل الصلاة والسلام لما ألقى في النار قال الله سبحانه لجبريل : انزل على إبراهيم وائتمر لأمره ، فنزل إليه وهو يهوى في الهواء ، وقال له : ألك حاجة ؟ فإن الله سبحانه قد أمرني أن أأتمر لأمرك ، فقال : أما إليك فلا ، فقال : سل ربك ، قال : علمه بحالي يغني عن سؤالي

    وذلك أنه عليه أفضل الصلاة والسلام لما رأى المقام مقام اختبار ليعرف الله سبحانه وتعالى جبريل قدر هذا الرجل الذي خرج من صلب من قالت الملائمة فيه : (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) أجاب بهذا الجواب ليوافق ذلك المقام ، فتولاه الله تعالى بأن كلم النار من غير واسطة ، فقال : (كوني برداً وسلاماً على إبراهيم) فتوقفت النار عن إحراقه لا غير ؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال لها : (على إبراهيم) فأكلت ما عليه من الحديد وهي القيود والأغلال التي كانت عليه تؤذيه ، وهذه معاملة الله تعالى لمن أسلم أمره إليه (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى) فإنك إذا توسطت بالعبد ليعطيك شيئاً أو يدفع عنك شيئاً فما ذلك إلا لأحد أمرين : إما أنك ترى أن هذا العبد أكرم من سيده ، أو أن خزائن العبد ملآنة وخزائن السيد معطلة ، أو تعتقد أن العبد أقدر على دفع هذا الأمر الذي تريد دفعه عنك من سيده ، وهذا غير جائز . نسأل الله العافية من كل بلية .

    قال الشاذلي رحمه الله : لما سئل عن الإسلام : هو الاندماج في طي الأحكام من غير شهوة ولا إرادة . وقال عمر بن عبد العزيز – وهو مريض – لما قيل له : هل تشتهي شيئاً ؟ : أشتهي ما يقضي الله ، وقال رضي الله عنه – في الدعاء عن النبي r : وأعوذ بك منك أي أعوذ باسمك العفو من اسمك المنتقم ، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين) ؟

    فأجاب :

    قال : ذلك مثل قوله تعالى : (فسبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين)

    أي إنما وصفوا الله سبحانه وتعالى بغير ما وصف به نفسه ، فهو منزه عن ذلك وسلام على المرسلين ؛ لأنهم لا يصفونه سبحانه وتعالى إلا بما وصف به نفسه ، وكذلك عباد الله المخلصون وهم يعبدون الله بإخلاص المحبة لا لأجل دنيا ، ولا لأجل أخرى ، فإن الله سبحانه وتعالى قال : (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) وهو سبحانه وتعالى يريد الصفحة ، فكأنه قال : فأين الذين يريدونني ثم أفراد الذين يريدون ولم يذكرهم مع هذين الفريقين فقال (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه)

    وعيسى روح الله – عليه الصلاة والسلام – مر بقوم يعبدون الله تعالى فعبد الله معهم ، ثم قال لهم : لماذا تعبدون الله سبحانه وتعالى ؟ قالوا : خوفاً من ناره ، فقال : قادر أن ينجيكم منها ، ثم رحل عنهم فمر بقوم يعبدون الله تعالى فعبد معهم ثم قال لهم : لماذا تعبدون الله ؟ قالوا : طمعاً في جنته وشوقاً إليها فقال : قادر أن يدخلكم الجنة ، ثم مر بقوم فوجدهم يعبدون الله سبحانه وتعالى ، فعبد معهم ، ثم قال لهم : لماذا تعبدون الله سبحانه وتعالى ؟ قالوا : ابتغاء وجهه ، قال : هذه درجة المقربين ، وأنا أمرت أن ألازمكم ، ثم جلس يعبد الله معهم ، فهؤلاء لا يمكنهم مفارقة الحق سبحانه وتعالى في الدنيا ولا في الآخرة ، فهم في الجنة على هذه الحالة لا يفارقهم تجليه ، وسائر أهل الجنة إنما يزورونه في كل ثمان ، أي قدرها ، فينظرون نظرة ينسون بها جميع نعيم الجنة ، ثم يتلذذون لذة تتنور بها وجوههم ، ويجدون من الراحة ما لا يخطر على قلب بشر ، ثم يعودون إلى أهليهم ، فيسرى ذلك التجلي إلى صور أهليهم ، فيتنورون ويكتسون نوراً لم يعهد فيهم من قبل ، ثم لا يزالون متلذذين بنعيمها ما شاء الله ، ثم يجدون لها في أنفسهم شهوة كشهوة الجائع فيؤمرون بالزيارة وهلم جرا

    ثم جعل رضي الله عنه يخوض في وصف الجنة فقال : أشجار الجنة جذوعها من ذهب ليس كذهب الدنيا ، إنما إذا نظرت في الشمس حين تطلع أو حين تدنو للغروب ، فهو كذلك ، ثم طول الغصن مسيرة ثمانية اشهر وعشرة أيام ظلالاً من شمس إنما هي أنوار إنما يجدون لذلك الظل راحة ثم في كل حركة من حركاتهم ، وسكنة من سكناتهم ، يجدون راحة ولذة لا تخطر على قلب بشر ، ففي المشي يجدون لذة وكذا في القيام والاضطجاع لا كما في الدنيا ، لأنك إذا اضطجعت في الدنيا تحصل معك راحة بسبب التعب والنصب ، وفي الجنة إنما أنت تنتقل من لذة إلى لذة في جميع حركاتك وسكناتك ، وإنما يطلق عليه فعل أو عدم فعل أو قول أو عدم قول ، فكله راحة ولذة لا تشبه واحدة واحدة

    ثم قال رضي الله عنه : وسأضرب لكم مثلاً : إذا اجتمعت لذات الدنيا جميعها من منكوح من كل الدواب أي لذة كل فرد منها ، ولذة جميع مشموماتها فرداً فراداً ، ونوعاً نوعاًُ ، وطعم كل مطعوم كذلك ، ولذة كل ملك مال كذلك في ذات واحدة فكيف تكون لذة النكاح ؟ وقد صارت لذة كل فرد مجتمعة فيه كأنه قد جمعت عنده كل منكوحة حسناء ؟ وكيف طعم جميع المطعومات وقد صارت لذة كل فرد من آدمي وغيره مجتمعة عنده ؟ وقس عليها سائرها .

    ثم إذا انتقلت منها إلى أدنى نعيم الجنة فهو كما تنتقل من طعم حنظل إلى طعمن سكر ، ثم لو اجتمعت لذات الجنة أي كل فرد فرد منها في ذات واحدة من منكوح ومطعوم ومشروب وملبوس وغير ذلك ، لتجتمع لك لذات جميع ما في الجنة ، ثم انتقلت من ذلك إلى نظر الحق سبحانه وتعالى فهو كما تنتقل من طعم الحنظل إلى طعم السكر ، وأهل الله لا يفارقونه في الجنة طرفة عين ، كما لا يفارقونه في الدنيا طرفة عين

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) قدم الشر – هنا – للاهتمام ، لأنه ربما قد يكون الشر قائداً لجميع الخيرات ، أي أن السيئة وأي شر أعظم منها قد تكون سبب القرب من الله تعالى ، وذلك لأنه ربما أورث الذنب ذلاً عجب وزهو بالطاعة وذلك داء ، وأي داء فتلك سيئة وارتكاب الذنب دواؤها ، فإن بعض الأولياء ارتكب ذنباً فلما تاب منه قال : رب ، أنت غنياً عن ارتكابي لذلك الذنب ، فقال له : قد كان اعتراك زهو فسلطت عليك ذلك الذنب ليزيله عنك ، فأنت الآن عندي أحب إلى من ذلك ، وقال r : " لولا أن الذنب خير للمؤمن من العجب ما خلى الله بين عبده المؤمن وبين الذنب أبداً " قال الشاعر في هذا المعنى

    تداويت من ليلى بليلى من الهوى كما يتداوى شارب الخمر بالخمر

    وقال آخر :

    انظر إلى بعين قد فتنت بها وداواني بالتي كانت هي الداء

    وقال تعالى : (وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون) وقال سبحانه وتعالى : (إن الإنسان لظلوم كفار) أي يكفر الظلم بالتوبة ، والظلم له معنيان : الاول : النقص قال تعالى : (كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً) والثاني : وضع الشئ في غير محله وكلما ظلم كفره بالتوبة ، ولهذا أتى بصبغة المبالغة ، وفي الحديث قال رسول الله r : " لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم "

    وسئل :

    رضي الله عنه عن قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل) ما معنى إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ؟

    فأجاب :

    إن الجنب لا يقرب الصلاة حتى يغتسل ، إلا إذا كان عبر سبيل فله أن يقرب الصلاة بلا غسل ويتيمم ، وعابر السبيل هو : أن يكون في طريق مخوفة إذا اغتسل خشي أ، يتأخر عن القافلة

    ثم سئل :

    رضي الله عنه : عن (إذا) الشرطية في قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) الآية ؟

    فأجاب :

    فقال يؤخذ منها مفهومان أحدهما : للوجوب ، والآخر : لا للوجوب ، أما الذي للوجوب فهو إذا كان محدثاً ، وأما الذي لا للوجوب فحيث يكون متوضئاً ، فهو أمر ليس يقتضي الوجوب ، إنما هو نور على نور ، والنبي r ، فكان يصلي الصلاتين بوضوء واحد كمزدلفة ومنى

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (وإذا قرأت القرآن جلعنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً) أي محجوباً ، وذلك أن النبي r كان الله سبحانه وتعالى سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به إلى آخره ، وذلك أن العبد متميز عن المعبود فلا امتزاج وهم يرون العبد ولا يرون العبد ولا يرون المعبود ، لأنه تعالى عنهم محجوب ، وحقيقة النبي r يرونه في حين العبودية ، لكنهم لا يرونه بل بينه وبينهم حجاب مستور ، فهم يرونه ولا يرونه ، وهذان ضدان لا يفترقان ، وذلك مثل المرآة فإنك ترى صورتك فيها بلا شك ، وأنت تعلم أنها ليست فيها ، كذلك البحران فإن الله سبحانه وتعالى مزجهما وأحدهما مالح والآخر حلو ، وبينهما برزخ ، وهذا البرزح لا يدرك بل لا يعرف إلا بالذوق فإذا شربت من هذه الجهة وجدته حلواً ، وإذ شربت من هذه الجهة وجدته مالحاً .

    وقال رضي الله عنه : هذه الحياة هي نوم فمرائيها تعبر وتوضع في قالب التعبير ، فيعطي كل شئ ما يناسبه ، كما أن مرائي المنامات تعبر ، ويعبر كل منها بما يليق به ويناسب ، بدليل : " الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا " فكل أحد نائم إلا ابا بكر رضي الله عنه فإنه شهد له النبي r : أنه ميت ، وإذا كان ميتاً فهو منتبه ، فإن من مات انتبه ، قال فيه r : " من شاء أن ينظر إلى ميت يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر " وفي الصفة التي تسميها الصوفية الفناء ، وهو أن يكون الحق سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به إلى آخره ، فتفنى صفة البشرية وتبقى صفة الألوهية ، فيكون التصرف فيه لله سبحانه وتعالى لا يختار هو شيئاً ، بل يبقى فانياً عن إرادته وشهوته ، فيحيا بحياة الله سبحانه وتعالى ، وهذا لا يدرك بالتعبير ، بل لا يدرك إلا بالذوق ، ألا ترى أنك إذا أردت أن تصف لإنسان السكر وهو لا يعرفه فتقول له : حلو ، فيقول لك : حلاوة عنب أم حلاوة عسل ؟ فتقول له : حلاوة غير هذه الحلاوات كلها ، لا تعرف إلا بالذوق ، كذلك صفة الفناء فإنك تنظر في هذا النظر المبصر لا ينظر إلا بنورين ، نور في الخارج ونور في العين ، إذا فقد أحدهما لا يمكن النظر فإنك إذا نظرت في ظلام لا ترى شيئاً ، وإذا نظرت في ضياء ولا نور في عينك لم تر شيئاً

    ثم إن النظر قد ينظر شيئاً معدوماً ولا ينظر شيئاً موجوداً ، أما المعدوم الذي ينظره فكالشمس تنظرها بين الماء ، ولو حفرت هناك حتى تصل الأرض السفلى لم تجد هناك شمساً ، وأما الموجود الذي لا ينظره فهو الهواء الجامد ، هذا مع أنه بحر جامد يضرب إذا حرك بمروحة أو غير ذلك ، كما يضطرب البحر إذا حرك ، والبحر كثيف علينا لطيف على دواب البحر ، إذ لو كان كثيفاً عليها لا تدفع الماء إلى أجوافها مع جلوسها فيه أبداً ، بخلاف الإنسان فإنه لا يدفع دخوله إلى بطنه في الساعة اليسيرة بل يضطرب فيه حتى يغرق ، وذلك الهواء بالعكس لطيف علينا كثيف عليها ، يضطرب الحوت إذا خرج إلى الهواء كما يضطرب الإنسان في البحر فيغرق فيموت . والشم أوجده الله سبحانه في الأنف يجذب الروائح كما يجذب المغناطيس الحديد ، ثم الذوق يدرك ما يؤكل وما لا يؤكل من المطعومات ، والبهائم جميعها تدرك ما يدركه الإنسان بالذوق بالشم فتدع ما لا يؤكل ، وأما الإنسان في الشئ الذي لا يعرف فما يدع ما لا يمكن أكله إلا بعد المضغ .

    وقال رضي الله عنه : انظر إلى خلق الإنسان يوضع في الرحم ، وهو في طور المنى ، ثم طور العلقة ، ثم طور المضغة ، ثم خلق المضغة عظاماً ، ثم كسا العظام لحماً ، فخرج إنسان في أحسن صورة وقد شق سمعه ، وبصره ، وجميع حواسه ، وهي الأمانة التي عرضها الله سبحانه على الجبال ، والسماوات والأرض فأبين أن يحملنها فتبارك الله أحسن الخالقين ، وهو كان قادراً أن يخلقه كذلك من أول وهلة ، ولكن لحكمة منه قدر ذلك ، ليخلو بكل واحد من خلقه فيصنعه كذلك ، وانظر إلى حب الذرة الشامي تخرج مكسية من عند ربها ، كما يخرج العظم مكسياً لحماً ، وكل شئ له بربه خلوة ، وفي تلك الخلوة يبلغ بها كل شئ غاية ما يكون عليه من حلية وخلق وكسوة ، فما أحسن الخلوة وما أجل من خلا مع ربه عند الاختيار ، كما خلا به عند الاضطرار فإنه لما خلا به أولاً وليس له اختيار أوجده أولاً من العدم الذي ليس هو شيئاً إلى الوجود الذي هو خير من العدم ، ثم ما أبرزه إلى الوجود إلا بعد أن كمل صورته في غاية الكمال ، وكساه وشق سمعه وبصره وأودع فيه جميع ما يزينه كالعقل ، والأعضاء ، والجوارح وأحلاه بما خلق له وهي الفطرة على الإسلام ، والإنسان في حال كونه منياً يراه الحق سبحانه وتعالى في أكمل صورته التي يكون عليها ، وذلك أن الله سبحانه وتعالى يجمع المني إلى صلب الرجل ، كل عضو في ذلك المني باعتبار ما يصير إليه من عضوه ، فالعين من العين ، والأنف من الأنف ، والأذن من الأذن ، وهكذا الباقي وبعد أن يجتمع في الصلب تنبعث دواعي النكاح فيلقيها الرجل في الرحم وهي مني ، والحق سبحانه وتعالى يرى فيها الجوارح والأعضاء جميعها ، في حال كونها منياً وهي السلالة التي قال تعالى : (من سلالة من ماء مهين) وهي التي يقال لها عرفاً : الخميرة التي توضع من عجين اليوم الأول فوق عجين اليوم الثاني ، فسبحان الصانع الحكيم ولا إله إلا هو

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين ) ؟

    فأجاب :

    أن الأرض : هي أرض الجنة ، وكذلك الأرض التي في قوله تعالى : (أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) ولها معنى آخر أي أن الأرض هذه يرثها عبادي الصالحون ، فهي بشارة بالنصر للصالحين ، فيرثون الكفار فتكون كقوله تعالى : (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطؤها وكان الله على كل شئ قديراً)

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن الدعاء في الصلاة ؟

    فأجاب :

    بأنه يدعو فيها بما شاء ، فإن بعض الصالحين كان يدعو حتى بملح العجين ، والدعاء إنما هو تكريم وتعظيم لباب المناجاة وإلا فالله هو الغني عن دعائك ، وهو يعلم بما تدعو في أي يوم وفي أي ساعة من قبل خلقك ، وهو كريم جواد يعطي قبل السؤال وفضله ابتداء ، لكنه يرى لك الخير كأنه وكيل ، والوكيل ينظر مصلحة الموكل ابتداء وانتهاء ، فربما تدعو فلا يؤثر الدعاء في ظاهر الأمر ، وقد وعد سبحانه وتعالى بأن يستجيب (ادعوني أستجب لكم) (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) ووعده الحق ولكنك حين تعلم بمصلحة تأخير الإجابة ن تحمد العاقبة فما أسعد من وكله ورضى به وكيلاً وكفى به وكيلا . وقد تصاب ببلاء فتدعو وتتضرع وذلك المقصود منك ، قال الله سبحانه وتعالى : (وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) فتدعو أن الله يزيله عنك ثم لا يزول ، لكن لو عرفت حقيقة الأمر لاخترت بقاءه ؛ لأنه الدواء ولابد للدواء من مرارة أو كي .

    وقال رضي الله عنه : قال الله سبحانه وتعالى : (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر) أي أن الصلاة المقبولة وهي الكاملة الجامعة لشروطها بتأدية أركانها تامة ، وتأمل معاني القرآن فيها ، والخشوع الذي هو روحها ولا تقوم الذات إلا بالروح ، وفي الصحيح : أن قارئ الفاتحة في الصلاة إذا قال : الحمد لله رب العالمين ، قال الله : حمدني عبدي إلى آخره ، وقد تقدم في أثناء هذه الكراريس . فهذا ذكر الله للعبد أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر ، ثم أخذ رضي الله عنه في تفسير الفاتحة قوله تعالى : (الحمد لله رب العالمين) أتى – هنا – برب العالمين أي رب جميع عوالم هذا العبد ، ولما علم تقصير العبد وعجزه عن الحمد حمد نفسه بنفسه ، ولم يقل ربي لأنه سبحانه وتعالى يحمد نفسه بلسان عبده ، وكل من أراد به خيراً حمد نفسه بلسانه ، فما أعظم هذه المزية لهذا العبد الذي يحمد الله نفسه بلسانه وبسبب مروره على لسانه بأجره عليه ، ويجازيه بقربة في الدارين ، وبالنعيم الدائم ، فلله الحمد على الحمد لأن الإنسان حال قراءة القرآن نائب عن الله تعالى




    _________________
    خليفتي كذاتي

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 1949
    تاريخ التسجيل: 10/01/2008

    رد: كتب السيد احمد ابن ادريس استاذ الختم

    مُساهمة  Admin في الأحد نوفمبر 07, 2010 1:07 am

    قال الله سبحانه وتعالى : (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) فأضاف الكلام إلى الله تعالى ، مع أن الناطق به رسول الله r ، وقوله تعالى : (الرحمن الرحيم) لما ذكر اسمه جل وعلا ترقب السامع بأي صفة يصف الله نفسه ، ثم استشعر صفة تخويف كالجبار ن والقهار ، فقال سبحانه : لا خوف عليك لأنه ؛ (الرحمن الرحيم) وهما اسمان في أعظم مراتب الرجاء قال تعالى : (مالك يوم الدين) لما ادعى العباد أن لهم ملكاً في الدنيا عاملهم بقدرهم ومقتضى جهلهم ، وإلا فهو المالك في الابتداء والانتهاء ، ولم يذكر ملك الدنيا لأنها لا تعدل عنده جناح بعوضة ، فذلك استهانة بها ، وإظهار لحقارتها . وفيه تخويف للكافرين ، وتأمين للمؤمنين ، أي أن الله سبحانه ملك يوم الدين ، وهو الذي تنزل فيه الشمس بقدر ميل حتى يلجم العرق الناس ، ومع هذا يحاسب على مثاقيل الذر (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً) فالمؤمن يستبشر بذلك ويعلم أن الله سبحانه وتعالى يعلم بخفيات أعماله الحسنة وظواهرها وصلاته تلك ، وهو فيها يعلم أنها ستعرض في ذلك اليوم عند أن يقول (مالك يوم الدين) يزيدها تحسيناً ، والكافر يزداد تهديداً وتوعيداً

    ثم قال : (إياك نعبد وإياك نستعين) أي لا نعبد إلا إياك ، ولا نستعين إلا بك في عبادتنا إياك (اهدنا الصراط المستقيم) الصراط المستقيم : هو صراط الله أي الموصل إلى الله بسرعة ، لأنه لا اعوجاج فيه ، وأن هذا صراطي مستقيماً ، فإذا أحب الله شخصاً كان سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به إلى آخره ، وسلك به صراطه المستقيم ، ثم صراطه المستقيم ، هو صراط الذين أنعم الله عليهم ، قال تعالى : (صراط الذين أنعمت عليهم) وهم الذي أحبهم الله وهداهم إلى الإسلام ، فقد أنعم عليهم بأعظم نعمة إذ لو أوجدك في دار كفر ما عرفت إلا ما هم عليه ، وكان عندك ما هم عليه هو الصراط المستقيم ، وقال تعالى : (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) المغضوب عليهم فسرهم النبي r : بأنهم اليهود فهم مغضوب عليهم ، لأنهم ما عبدوا الله قبل ظهور النبي r إلا لما يطابق أهواءهم ليس لله خالصة إذ لو كانوا مخلصين في عبادة الله من قبل ، لآمنوا بالنبي r ؛ لأنهم يجدونه مكتوباً عندهم ، وإبليس كان يعبد الله قبل خلق آدم ، لكن لحلاوة يجدها عند العبادة والتذاذ ، فلما أمره الله بالسجود لآدم لم يجد تلك الحلاوة واللذة ، فأبى واستكبر وكان إبعاده ولعنه ، وانقلبت أنواره ظلمة ؛ وحلاوته مرارة ، وقربه بعداً ، وإمهاله إنما هو في مقابلة ما عبد الله من قبل ، فهو كالخزي وقال رضى الله عنه : قال الله سبحانه وتعال : يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنى الحميد والعبد مفتقر إلى سيده بقدر مطالبه ، فلا شىء فى الدنيا إلا والإنسان محتاج أليه ، لا تستقيم حياته إلا به . أول شىء : العافية أنت مفتقر إليه سبحانه وتعالى فى إعطائه إياك العافية ، ثم إذا صرت فى عافية فأنت محتاج إلى كل ما تستدعيه العافية ، من منكوح ومطعوم ، ومشروب وملبوس . ومحتاج إلى ذوق تأكل به المأكول وتشرب به المشروب ، وإلى شم تشم به المشموم وسمع تسمع به المسموع، وغير ذلك من جميع الجوارح والأعضاء ومحتاج على شمس وقمر ، ونجوم وسماء , ومطر ونبات ، ودواب وأنعام ، وبر وبحر بل إلى جميع ما فى السماوات وما فى الأرض التى هى مسخرات له فهو فى جميع ذلك مفتقر إلى ربه تعال ، ثم افتقاره فى الآخرة إليه أعظم من افتقاره إليه فى الدنيا ، لأن حاجته فى الآخرة أكثر وبقدر الحاجات يكون الافتقار .

    وسئل :

    رضى الله عنه : هل يؤخذ من قصة الخضر مع موسى عليهما الصلاة والسلام أن الحق يكون متعددا؟

    فأجاب :

    فقال : لا لنه لما كشف الحقيقة لموسى عليه السلام عما فعله ، صار الحق واحد عندهم ، وإنما كان إنكار موسى عليه السلام وهما منه أن ما فعله : الخضر غير الحق ، والوهم لا يكون حقا ، وإنما كان إنكار موسى عليه السلام لما غاب عنه ما وقع له من جنس تلك الحكمة الإلهية مرات ، فإنه وقع له فى المرة الولى : الإلقاء فى التابوت فى اليم ، وأمسك الله بقدرته الماء من دخوله إليه ، وأيضاً أمره الله تعالى ان يضرب البحر بعصاه فصار كل فرق كالطود العظيم ، حتى مر بنو إسرائيل ، وأيضا فإن الله تعالى أمسك على الحوت جرية الماء فصار عليه كاطاق ، فالقادر على ذلك قادر على إمساك الماء عن إغراق السفينة ، والخضر فعل ذلك بالسفينة مكافأة لأصحابها لأنهم حملوهم بغير نول ، فلما صارت فى صورة المعيبة تركها الملك ، وأخذ غيرها من السفن ، فكل من يريد ركوب البحر أو تحميل شىء فيه لم يجد غير تلك السفينة ، فكثر نولها ، وانتفع أهلها ، هذا معنى ما قاله . وفى الثانية : وقع لموسى عليه السلام قتل القبطى وكان قتله له بالحق فى نفس الأمر إلا أنه لم يؤمر بقتله ، ولما كان على غير أمر قال : ( رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى فغفر له ) فهو مصيب بقتله إذ هو مستحق للقتل فى علم الله ، فالله سبحانه وتعالى قتله بيد موسى وهذا أيضاً بالمعنى ، وفى الثالثة : سقى موسى لإبنتى شعيب عليهما الصلاة والسلام وهو لا يعرفهما ، وهو فى حاجة إلى الطعام ، ولم يطلب منهما أجراً ولا عول عليهما فى سد فاقته بشىء من الطعام ، أو شربة من لبن غنمهما ، بل وجه طلبه إلى الله تعالى ( فقال رب إنى لما أنزلت إلى من خير فقير) وجاء في الحديث : أنه ما طلب إلا الطعام فكأن لسان الخضر عليه السلام يقول له : أنت أنفت من طلب الأجرة على عملك من غير الله ، فكيف تخاطبني أن أطلب أجراً على عملي من غيره ، وما فعلته عن أمري .

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن احتجاج آدم على موسى عليهما الصلاة والسلام وذلك لما اجتمع موسى مع آدم فقال له موسى : أنت الذي أخرجتنا ونفسك من الجنة ، فقال له آدم : أنت الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه ، وفي آخر هذا قال النبي r : " فحج آدم موسى "

    فأجاب :

    فقال ما معناه : تعرف من سؤال موسى ، وجواب آدم ، مقدار شفقة الوالد على ولده ورحمته له ، وأن الولد ليس فيه ذلك القدر لوالده ، فإنه قال له : أخرجتنا من الجنة بخطيئتك ، وفي هذه العبارة نوع من سوء أدب في خطاب الولد لوالده ، وكان في جواب الوالد ذكر فضيلة الولد ، والإعراض عن ذكر خطيئته ، بل أعلمه بما معناه : أنه لا وجه لإنكارك على مع علمك أنه كتب على قبل أن أخلق بكذا وكذا ([1]) من السنين ، ولم يقل له : لو كنت أنت لأخرجتنا بخطيئتك إخراجاً أعظم من إخراجي ، فإنك قتلت القبطي ولم تؤمر بقتله ، فخطيئتك تعدت إلى الغير ، وأما أنا فأكلت من شجرة ليس لأحد فيها حق غير الله تعالى ، لكن لما كان آدم – عليه السلام – متأدباً بآداب الله مع ما عنده من شفقة الوالد ، وهو عالم أن الله سبحانه وتعالى قد غفر لموسى ، وهو إذاً غفر لعبده لم يثربه فلم يحسن تثريب موسى بذكر خطيئة قد غفرت ، والاحتجاج بالقدر على الله هو الذي فيه خطر عظيم

    ثم ذكر الحديث الذي معناه : أن الله تعالى يوقف عبداً يوم القيامة فيقرره بذنوبه فإذا قال العبد : أنت قدرت ، أمر به إلى النار ، نعوذ بالله منها ، وآخر يقرره الله تعالى على أفعاله فيعترف بها ويقول : يا رب فعلت وفعلت ، فيقول الله تبارك وتعالى : أنت فعلت ، وأنا قدرت ، ويأمر به على الجنة قال : هذا حفظ الله ، وأتى عمر رضي الله عنه بسارق ، فقال له : لم سرقت ؟ فقال : القدر ، فقال عمر : كذبت وأمر به فقطع ، فهذا من باب الاحتجاج على الله تعالى ، والاحتجاج بالقدر لا يسقط الحد

    ومن إملائه رضي الله عنه من الأحاديث : عن النبي r : الحديث الأول : قال r : " أوحى الله إلى يا أخا المرسلين ، يا أخا المنذرين ، أنذر قومك أن لا يدخلوا بيتاً من بيوتي إلى بقلوب سليمة ، وألسنة صادقة ، وأيد نقية ، وفروج طاهرة ، ولا يدخلوا بيتاً من بيوتي ولأحد من عبيدي على أحد منهم ظلامة ، فإني ألعنه مادام قائماً بين يدي يصلي ، حتى يرد تلك الظلامة إلى أهلها ، فإذا فعل ذلك كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويكون من أوليائي وأصفيائي ، ويكون جاري مع النبيين والصديقين ن والشهداء في الجنة " أ .هـ .

    الحديث الثاني : عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أنه قال : جاء جبريل عليه السلام إلى النبي r ، فقال : ما جئتك حتى أمر الله بمفاتيح جهنم ، فقال رسول الله r : " يا جبريل ، صف لي النار / وانعت لي جهنم ، فقال رسول الله r أمر بجنهم فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت ، ثم أمر سبحانه وتعالى فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت ، ثم أمر سبحانه وتعالى فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت ، فهي سوداء مظلمة لا يضئ شررها ، ولا يطفأ لهبها ، والذي بعثك بالحق لو أن قدر ثقب إبرة فتح من جهنم ، لمات من في الأرض كلهم جميعاً من حره ، والذي بعثك بالحق لو أن ثوباً من ثياب أهل النار علق بين السماء والأرض ، لمات من في الأرض كلهم جميعاً من حره ، والذي بعثك بالحق لو أن حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا لا رفضت وما تقارت حتى تنتهي إلى الأرض السفلى ، والذي بعثك بالحق لو أن خازناً من خزنة جهنم برز إلى أهل الدنيا فنظروا إليه لماتوا جميعاً من قبح صورته ، ونتن ريحه ، فقال رسول الله r : حسبي يا جبريل ، لا ينصدع قلبي فأموت ، فبكى جبريل عليه السلام ، فنظر إليه رسول الله r وهو يبكي ، فقال : تبكي يا جبريل وأنت من الله بالمكان الذي أنت به ، فقال جبريل : ومالي لا أبكي ؟ أنا أحق بالبكاء ، وما أدري لعلي أكون في علم الله على غير الحال التي أنا عليها ، وما أدري لعلي أبتلي بما ابتلي به إبليس فقد كان من الملائكة ، وما أدري لعلي أبتلي بما ابتلي به هاروت وماروت ، فبكى رسول الله r وبكى جبريل ، فما زالا يبكيان حتى ناداهما الحق : يا جبريل ، ويا محمد ، إن الله قد أمنكما أن تعصياه ، فارتفع جبريل ، وخرج رسول الله r ، فمر بقوم من الأنصار يضحكون ويلعبون ، فقال رسول الله r : أتضحكون ووراءكم جهنم ؟ لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ، ولما اسغتم الطعام والشراب ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ، فناداه الحق : يا محمد ، لا تقنط عبادي " رواه الطبراني في الأوسط

    وفي الحديث القدسي : " يا عبادي ، أعطيتكم فضلاً ، وسألتكم قرضاً فمن أعطاني شيئاً مما أعطيته طوعاً عجلت له الخلف في العاجل ة، وادخرت له الثواب في الأجل ، ومن أخذت منه شيئاً مما أعطيته كرهاً فصبر واحتسب ، أوجبت له صلاتي ورحمتي ، وكتبته من المهتدين ، وأبحت له النظر إلى وجهي " : (وفيه أيضاً) " من أكرم منى جوداً ؟ أكلؤهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوني ، ومن أكرم مني ؟ أقبل التائب كأنه لم يزل تائباً " وجاء رجل إلى النبي r ، فقال له النبي r " جئت تسألني عن سعة رحمة ربي ؟ وأخبره بقول الله عز وجل : لو كنت معجلاً لأحد العقوبة ، أو كانت العجلة من شأني لعجلت للقانطين من رحمتي ، يذنب أحدهم ذنباً فيستعظمه في جنب عفوي ، فلو لم أذكر لعبادي إلا خوفهم من الوقوف بين يدي لشركت ذلك لهم ، فجعلت ثوابهم من ذلك الأمن مما خافوا " وقال r : " أتاني جبريل عليه السلام ، فعلمني الصلاة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ، فجهر بها " من الجامع الكبير للسيوطي . وقال عليه أفضل الصلاة والسلام لابن عمر رضي الله عنه : " يا ابن عمر ، لا يغرنك ما سبق لأبويك من قبلي ، دينك دينك ، إنما هو لحمك ودمك ، فانظر عمن تأخذ ، خذ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين قالوا " وقال r : " من قطع رجاء من ارتجاه قطع الله رجاءه منه يوم القيامة ، فلم يدخله الجنة " وقال r : " من عاد مريضاً فأكل عنده ، فذلك حظه من عيادته "

    وقال r : " إن السائل لا يسأل وما هو بإنس ولا جان ، وإنه من ملائكة ربنا يختبر العباد فيما خولهم الله تعالى " قال r : " أصدق الحديث ما عطس عنده " (ما يقال عند الوضوء) بسم الله العظيم والحمد لله على الإسلام (وعند الاستنجاء) اللهم حصن فرجي ، واجعلني من الذين إذا ابتليتم صبروا ، وإذا أعطيتهم شكروا (وعند المضمضة) اللهم أعني على تلاوة ذكرك ، ولقني حجتي (وعند الاستنشاق|) اللهم لا تحرمني رائحة الجنة (وعند غسل الوجه) اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه (وعند غسل اليد اليمنى) اللهم أعطني كتابي بيمينى ، وحاسبني حساباً يسيراً (وعند غسل اليد اليسرى) اللهم لا تعطني كتابي شمالي ولا من وراء ظهري (وعند مسح الرأس) اللهم غشني برحمتك (وعند مسح الأذنين) اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه (وعند غسل الرجلين) اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام

    وعند الفراغ سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك ، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، أشهد أن محمداً عبده ورسوله ، اللهم اجعلني من التوابين ، واجعلني من المتطهرين ، واجعلني من عبادك الصالحين ، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، ثم يقرأ آية الكرسي لأنه ورد : من قرأ آية الكرسي عقب الوضوء : زوجه الله أربعين حوراء ، وأعطاه ثواب أربعين عالماً ، ثم يقرأ : إنا أنزلناه ثلاث مرات .

    ما يقال عند الخروج إلى المسجد اللهم إني أسالك بحق السائلين عليك ، وبحق ممشاي هذا إليك ، فإني لم أخرج بطراً ولا أشرا ولا رياء ولا سمعة ، خرجت اتقاء سخطك ، وابتغاء مرضاتك ، أسألك أن تعيذني من النار ، وأن تغفر لي ذنوبي ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، فمن قالها أقبل الله عليه بوجهه ، ومن أقبل عليه بوجهه لم يعذبه أبداً ، ووكل به سبعين ألف ملك يستغفرون له ، انتهى (ومن الأدعية الواردة بعد صلاة الجمعة) سبحانه الله وبحمده ، سبحان الله العظيم ، أستغفر الله (مائة مرة) ، أعوذ بوجه الله الكريم ، الذي ليس شئ أكرم منه ، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزنهن بر ولا فاجر ، وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم ، من شر ما ينزل من السماء ، وشر ما يعرج فيها ، وشر ما ذرأ في الأرض ، وشر ما يخرج منها ، ومن فتن الليل والنهار ، ومن طوارق الليل إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن

    ومما أرشد إليه رضي الله عنه : يا لطيف (ألف مرة) ، ثم تقول بعد كل مائة : الطف بي في أموري كلها كما تحب وترضى ، وأرضني في ديني وبدني ودنياي وآخرتي يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم يا لطيف |، لطفت بخلق السماوات والأرض ، ولطفت بالجنين في بطن أمه ، الطف بي في قضائك وقدرك لطفا يليق بجلالك وكرمك ، يا أرحم الراحمين ، ويا رب العالمين ، ويا أكرم الأكرمين

    وقال رضي الله عنه : ينبغي للإنسان أن لا يترك صلاة الخيرة في كل يوم بعد صلاة الإشراق ، ثم يقول الدعاء المأثور عن النبي r ، في جميع أركان الصلاة ، كصلاة التسبيح ويكون لفظ المستخار فيه بعد لفظ الاستخارة ، اللهم ما علمت من جميع كلامي ، وحركاتي ، وسكناتي ، وخطواتي ، وأنفاسي كلها دائماً سرمداً أبداً في يومي هذا وما بعده ، إلى انقضاء أجلي خيراً لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمرى فاقدره لي ويسره لي ، ثم بارك لي فيه ، اللهم وما علمت من جميع ذلك شرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به . انتهى . وطلب بعض أصحاب سيدي أحمد بن إدريس رضي الله عنه ، أن يكتب له كلاماً ينفعه الله به فكتب له : بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على مولانا محمد وعلى آله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم . (أما بعد) : فالأمر الجامع والقول النافع ، والسيف القاطع ، في طريق الله تعالى ، إن على العاقل الذي يريد نجاة نفسه من جميع المهالك ، ويحب أن يدخله الله تعالى في سلك المقربين في جميع المسالك إذا أراد أن يدخل في أمر من أموره قولاً أو فعلاً ، فليعلم أن الله تعالى لابد أن يوقفه بين يديه تعالى ، ويسأله عن ذلك الأمر فليعد الجواب لسؤال الحق تعالى قبل أن يدخل في ذلك الأمر ، فإن رأى الجواب صواباً وسداداً يرتضيه الحق تعالى ، ويقبله منه فليدخل في ذلك الأمر فعاقبته محمودة دنيا وأخرى ، وإن رأى أن ذلك الجواب لا يقبله منه تعالى ولا يرتضيه فليشرد من ذلك الأمر أي أمر كان ؛ فإنه وبال عليه إن دخل فيه . وهذه القاعدة هي أساس الأعمال والأقوال كلها ، فمن تحقق بها ورسخ فيها كانت أحواله كلها مبنية على السداد ظاهراً وباطناً لا يدخلها خلل بوجه من الوجوه ، وهذا معنى قول الني r : " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوها قبل أن توزنوا "

    القاعدة الثانية : أن لا يفعل فعلاً ولا يقول قولاً حتى يقصد به وجه الله تعالى ، فإن صحح القصد فيه لوجه الله تعالى ، وغسل قلبه من كل شائبة لغير الله تعالى ، صار لا يتكلم ولا يفعل فعلاً إلا عن تثبت وتأن ، وصارت أعماله كلها دقيقاً خالصاً لا نخالة فيه بوجه من الوجوه ، وهذا معنى قول خالقنا جل وعلا لرسوله الأعظم وحبيبه الأكرم r : (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والغشي يريدون وجهه) أي لا غيره في جميع أمورهم وقال عز وجل : (وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى)

    القاعدة الثالثة : أن يوطن قلبه على الرحمة لجميع المسلمين : كبيرهم وصغيرهم ويعطيهم حق الإسلام من التعظيم والتوقير ، فإن رسخ في هذه القاعدة قلبه واستقاه فيها أفاض الله على سائر جسده أنوار الرحمة الإلهية وأذاقه حلاوتها ، فنال من الإرث النبوي حظاً وافراً عظيماً من قول الله عز وجل : (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وهذا معنى قول النبي r : " إن لله عز وجل ثلاث حرمات فمن حفظهن حفظ الله عليه أمر دينه ودنياه ، ومن لم يحفظهن لم يحفظ الله عليها شيئاً : حرمة الإسلام ، وحرمتي ، وحرمة رحمي " وهذا معنى قول النبي r لأبي بكر الصديق رضي الله عنه : " لا تحقرن أحداً من المسلمين فإن صغير المسلمين عند الله كبير "

    القاعدة الرابعة : مكارم الأخلاق التي بعث رسول الله r لإتمامها ، لقوله r : " إنما بعث لأتمم مكارم الأخلاق " وهذه القاعدة هي زبدة الدين وحقيقتها : أن يكون العبد هيناً لينا مع أهل بيته وعبيده وجميع المسلمين قال رسول الله r : " أهل الجنة : كل هين لين سهل قريب ، وأهل النار : كل شديد قبعثري " ، قالوا : يا رسول الله ، وما قبعثري ، قال : الشديد على الأهل ، الشديد على الصاحب ، الشديد على العشير " وقال مولانا العظيم : (وقولوا للناس حسنا) أي لا قبحاً ، وقال عز وجل : (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) والأحسن : هو الذي جمع الحسن وزيادة

    وبالجملة : فالذي تحب أن يواجهك الناس به من الكلام الطيب ، والقول الحسن والفعل الجميل ، فافعله مع خلق الله تعالى ، وما تكره أن يعاملك العباد به من الكلام الخبيث ، والقول القبيح ، والفعل الكريه ، فاترك الناس والخلق منه ، فإن الله عز وجل يعامل العبد بوصفه ، وخلقه الذي يعامل به الناس فإن المجازاة على الوصف بالوصف جزاء وفاقاً ، فمن كان للخلق جنة ورحمة وظلاً ظليلاً يستريحون فيه ، كان الله له كذلك ، فمن أكرم عبداً لمراعاة سيده فإنما أكرم السيد نفسه ، ولذلك جاء في الحديث عن الله تعالى ، أنه يقول للعبد يوم القيامة : " جعت فلم تطعمني ، واستسقيتك فلم تسقني ، ومرضت فلم تعدني ، فيقول العبد : كيف تجوع وأنت رب العالمين ؟ وكيف تمرض وأنت رب العالمين ؟ وكيف تستسقى وأنت رب العالمين ؟ فيقول له سبحانه مفسراً لذلك : أما إنه مرض عبدي فلان فلو عدته لوجدتني عنده ، وجاع عبدي فلان ، أما إنك لو أطعمته لوجدت عندي ، واستسقاك عبدي فلان ، أما إنك لو أسقيته لوجدت ذلك عندي " ففسر سبحانه نفسه قوله : جعت ومرضت واستسقيتك ، بقوله : جاع عبدي فلان ، ومرض عبدي فلان ، واستسقاك عبدي فلان ، فمعاملة العبد لملاحظة سيده هي معاملة السيد بلا شك ، فمن رسخ قدمه في هذا المقام وصارت معاملته مع الحق تعالى جل جلاله في كل شئ ، فلا يراقب غير الله تعالى ، ويجمع مكارم الأخلاق مع الله تعالى ، ومع عبادة قول النبي r : " أكرموا الله تعالى أن يرى منكم ما نهاكم عنه " وهو أن لا يراك سبحانه حيث نهاك ، ولا يفقدك حيث أمرك

    والأمر الذي يبعث العبد على الحياء من الله تعالى ، هو أن يعلم علم حضور أن الله على كل شئ رقيب ، وعلى كل شئ شهيد ، وهو قوله تعالى (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) فإذا شغل العبد قلبه بهذه المراقبة ، واستعملها حتى اعتادها وألفها ، ألزمه الحياء من الله تعالى ، أن لا يقول قولاً ولا يفعل فعلاً لا يرضاه الله تعالى ، ولا يليق بجلاله ، وهو حاضر القلب (وهو معكم أينما كنتم) بأن الله تعالى معه وناظر إليه ، فإن العبد إذا أراد أن يزني مثلاً أو يسرق ، والناس ناظرون إليه لا يقدر أن يقدم على ذلك مع علمه بنظر الناس إليه ، ويستقبح ذلك من نفسه ويستخبثه ، فإذا كان الحال هكذا مع المخلوق الذي لا يملك ضراً ولا نفعاً ، والحامل له على ذلك كله مخافة أن يسقط من أعين الناس ، وينحط قدره عندهم ، فلا شك أنه إذا كان حاضر القلب عند الشروع في الفعل الذي لا يرضاه الله تعالى ، ترك ذلك الفعل قطعاً وهذا معنى قول النبي r في الإحسان : " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " فمن كان بهذه الحالة لزمه أن يحسن تلك العبادة ، ويتقنها على قدر قوة علمه أن الله ناظر إليه فيها .

    وسئل :

    رضي الله عنه : هل يلزم الإنسان الاختبار إذا أحس بشئ خرج من ذكره وهو في الصلاة ؟

    فأجاب :

    فقال : لا يلزمه ذلك ولا ينبغي له أن ينقض وضوءه بمجرد الشك ، بل يبقى في صلاته ولا ينصرف منها لعدم اليقين ، لأن اليقين لا يحصل إلا بالاختبار ، والاختبار متعذر وهو في الصلاة ، ثم بعد فراغه من الصلاة يختبر ، فإن وجد ذلك حقاً أعاد الوضوء والصلاة ، وإن لم يجد فلا اعتبار بالشك الواقع في الصلاة ، لأنه انكشف خلاف ما خيل

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن الدعاء في الصلاة هل يأتي به بصيغة الجمع إذا كان إماماً ولو كان وارداً عن النبي r بصيغة الإفراد مثل " اللهم أعط نفسي تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها " ونحو ذلك فيقول :/ اللهم أعط أنفسنا ؟

    فأجاب :

    فقال : أئت بصيغة الجمع وإن كان وارداً بصيغة الإفراد ؛ لأن في الحديث " من أم قوماً فأفرد دونهم نفسه فقد خانهم " وعن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله r : " ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلن : لا يؤم رجل قوماً فيخص نفسه بالدعاء دونهم ، فإن فعل فقد خانهم ، ولا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن ، فإن فعل فقد دخل خائناً ، ولا يصلي وهو حاقن حتى يتخفف " رواه أبو داود واللفظ له ، والترمذي وابن ماجه وحديثه مختصر : وقال الترمذي : حديث حسن ، ورواه أبو داود – أيضاً – من حديث أبي هريرة . ومنها : أن يسأل الله تعالى بعزم ورغبة ، وحضور قلب ورجاء ، قال الله تعالى : (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين) والنبي r وإن أتى بصيغة الإفراد فهو روح كل مؤمن ، ففي الحديث عن النبي r قال : " ما دخلت شوكة في رجل أحدكم إلا وجدت ألمها " وأيضاً إذا كان الإنسان منفردا يأتي بصيغة الجمع ، وينوي المسلمين وهو أولى ، هذا معنى ما ذكره ، أعاد الله علينا من بركاته . آمين

    وسئل :

    رضي الله عنه : ما الفرق بين الظن الذي هو أكذب الحديث والذي لا يغني من الحق شيئاً ، وبين الظن الذي في قوله تعالى في الحديث القدسي : " أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي عبدي ما شاء " ؟

    فأجاب :

    إن الله سبحانه وتعالى لا يعلم أحد ما عنده ، ولا يدري ما يفعل به ، فإذا ظن به عبده خيرا حققه الله ، فكيف إذا تحقق العبد في الله خيرا فهو سبحانه وتعالى يحقق لعبده ظنه ، ولا تسأل عمن علم في الله ، وعلم بالله حق علمه ، سبحانه ما أكرمه

    وسئل ة:

    رضي الله عنه : عن القراءة خلف الإمام هل لابد منها ، أم قراءة الإمام له قراءة ؟

    فأجاب :

    بأنه لا يقرأ خلف الإمام إلا الفاتحة ، لما في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال : " لعلكم تقرؤن ورائي ، قالوا : إنا نفعل ، قال : لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها " ولم يفرق النبي r بين أن يكون إماماً ، أو مؤتماً ، أو منفرداً ، وفي الأصل : أن الصلاة مناجاة بين العبد ورب ، ولا تكون مناجاة الإمام مناجاة عن المؤتم ، قال تعالى : (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) إنما الإمام يكون شفيعاً لقوله r : " ائمتكم شفعاؤكم فانظروا لأنفسكم شفعاء " وأيضاً فإن في الحديث القدسي : " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي فإذا قال : بسم الله الرحمن الرحيم ، قال الله : ذكرني عبدي ، وإذا قال : الحمد لله رب العالمين قال : حمدني عبدي ، وإذا قال : الرحمن الرحيم ، قال : اثنى علي عبدي ، وإذا قال : مالك يوم الدين ، قال : مجدني عبدي ، وإذا قال : إياك نعبد وإياك نستعين ، قال : هؤلاء بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، وإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل " فجعل سبحانه وتعالى الصلاة هي الفاتحة لأنه قال : قسمت الصلاة بين وبين عبدي ، ولم يذكر إلا الفاتحة مع أن الصلاة أذكار وأركان فهو كقول النبي r " الحج عرفة " مع أن أعمال حجم كثيرة لكن الوقوف لا يتم الحج إلا به ، وإذا لم يقف بعرفة لا يسمى حجاً ولو فعل أعمال الحج جميعها ، كذلك الفاتحة في الصلاة

    وقال رضي الله عنه : لما أراد الله سبحانه وتعالى أن يحرض عبيده على إنفاق المال في الصدقة ، ويرغبهم في ذلك ، قال تعالى : (وأتوهم من مال الله الذي آتاكم) فأضاف المال إليه سبحانه ، لأن السيد إذا قال لعبده : أنفق من مالي والخير عائد عليك في إنفاقه ، كان ذلك ترغيباً له في إنفاقه ، لأن الإنفاق من مال غيره والخير عائد عليه ولما أراد سبحانه وتعالى أن يحرضهم على حفظه عن الإتلاف ، قال سبحانه : (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً) فأضاف المال إلى العباد إضافة ملك ، ليكونوا أشد حرصاً عليه ، سبحانه وتعالى ما ابلغ كلامه ، رزقنا الله التدبر لمعانيه

    وقال رضي الله عنه : في قول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي : " الصوم لي وأنا أجزي به " أي إن الصوم صفة من صفاتي ، كما قال تعالى : " وهو يطعم ولا يطعم ) وفي الحديث : " تخلقوا بأخلاق الله تعالى " فأمر سبحانه وتعالى عبيده أن يتخلقوا بهذه الصفة وهو عدم الطعم للطعام ، وفي وقت مخصوص ، فقوله : الصوم لي أي هو في الحقيقة لي ، لأني أطعم ولا أطعم وأنا أجزي به ، أي أنا جزاؤه لأنه تخلق بخلقي ، فجعلت جزاءه النظر إلى فأنا جزاؤه ، فإن رجلا قال للنبي r : أوصني ، فقال له : " عليك بالصوم : فإنه لا مثل له " فلو لم يكن تفسير هذا الحديث كذلك لتعطل المعنى ، تعالى الله علواً كبيراً ، إذ لو كان معناه على ظاهره لكان مثل سائر الأعمال ، لأن الأعمال كلها لله ، وهو سبحانه وتعالى يجزي بها

    وقال رضي الله عنه : أنزل الله القرآن محكماً ومتشابهاً ، فالمحكم : أوضح من الشمس ، قال تعالى : (هذا بيان للناس وهدى) وقال تعالى : (قد بينا الآيات لقوم يعقلون) وقال تعالى : (فألهمها فجورها وتقواها) أي بين لها طريق السعادة وضدها ، وقال تعالى : (وهديناه النجدين) أي بينا له النجدين ، وإذا أشكل منه شئ لقلة فهم ، فقد أمر سبحانه ورسوله أن يبينه للناس ، قال تعالى : (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) فبين r في السنة ما بينه ، وما لم يبينه فليس لنا أن نبحث عنه . وأما المتشابه : فأنزله تعالى ليختبر به عبيده وهو أعلم بهم ، فمنهم : من يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وما يعلم تأويله إلا الله ، ومنهم : من يؤمن به على الجملة فيقولون : آمنا به كل من عند ربنا ، وهم الراسخون في العلم ، والذين ينظرون في متشابه ويحرمون حلاله ، إنما هم يتكلفون ما لا يعينهم ، ويقولون على الله ما لا يعلمون ، ويفترون على الله الكذب ، ولو قيل لأحدهم : أتحلف بالله العظيم ، وطلاق امرأتك ثلاثاً ، أنا ما فسرت به هذه الآية التي هي من المتشابهات ، هو مراد الله ؟ لرجع عن ذلك خوف أ، تطلق امرأته فيصير زانياً ، ولم يعلم أنه قد كفر . قال الله تعالى : (إنما يفترى الكذب الذي لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون) وقال تعالى : (إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم) فهذا الذي خاض فيما لا يعنيه ما علم تفسير تلك الآية التي هي من المتشابهات ، إنما هو من عند نفسه وليس معه دليل من السنة ، ولا هو مبين من عند الله ، فليته كان من أهل الدرجة الثالثة ، وهي : لا أدري لأن في الحديث : " من كذب على متعمداً ليتبوأ مقعده من النار ومن سمع شئ مني فرده فأنا خصمه يوم القيامة " وفي الحديث عن النبي r : " العلم ثلاثة : آية محكمة ، وسنة ماضية ، ولا أدري "

    وقال رضي الله عنه : سبب اندراس الإسلام خوض الناس فيما لا يعنيهم ، فأكثروا الرسوم في العلوم والكتب المؤلفات ، في بيان أشياء ما أمرنا أن نتكلف بها ، ولا نبحث عنها ، كالعلم باليد في قوله تعالى : (يد الله فوق أيديهم) وقوله تعالى : (بل يداه مبسوطتان) وهذا لا ينبغي ولا يجوز الخوض فيه ، ويجب أن لا نتكلم فيه بشئ أبداً ، فإن الله سبحانه وتعالى جعل للرحمة يدين ، فقال سبحانه : (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته) وجعل للنجوى يدين فقال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) فيد الرحمة ويدا النجوى لا يعلم كيفيتهما إلا الله سبحانه وتعالى ، فما ظنك في العلم بكيفية يد الحق سبحانه وتعالى ، آمناً بالله . فهي كما يليق بجلاله وجماله وكماله ، فالخوض في مثل هذا أعظم الخطر ، قال الله تعالى حاكياً عن أهل النار لما قيل لهم : (ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين) فتأمل ما أخطر الخوض مع الخائضين ، وهذا من جملة الخوض الذي هو إلى الهلاك أقرب بل هو عين الهلاك

    وقال رضي الله عنه في معنى : سبحان الله وبحمده سبحان الله : منصوب بفعل محذوف أي أسبحه تسبيحه الذي يعلمه لنفسه ، ويليق بجلاله ، وكما يسبح به نفسه وبحمده : متعلق بفعل محذوف ، يعني : وأحمده بحمده كما يليق بجلاله ، كما قال r : " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك "

    وقال رضي الله عنه : رأى بعض الصالحين من أولياء الله تعالى في المنام الحق جل وعلا ، فقال له : يا إلهي وسيدي ، أكرمت الرسل صلوات الله عليهم أجمعين بالوحي والمناجاة ، فاجل لي شيئاً يكون بيني وبينك من غير واسطة ، فقال سبحانه : من أحسن إلى من أساء إليه فقد أخلص لله شكراً ، ومن أساء إلى من أحسن إليه فقد أبدل نعمة الله كفراً ، وهذا من أعظم الفوائد من عمل به أرشده الله إلى الخيرات ، والمحسنون إليك قد يكونون من جنسك ، ومن غير جنسك ، وذلك الإحسان كله هو بتسخير من المحسن الكريم الأعظم ، فما سخر لك سبحانه وتعالى دابتك وعبدك وجاريتك فدابتك محسنة إليك بحملها لثقلك ، وحملك على ظهرها ، وتطيعك أينما وجهتها ، فإحسانك إليها أن تشبعها من رزق الله ، وتسقيها ولا تحملها زائداً على جهدها ، ولا تضربها لتسير سيراً فوق ما تطيق ، فإن فعلت فقد أسأت إليها وإن أسأت إليها فأنت داخل فيمن أساء إلى من أحسن إليه وبدلت نعمة الله كفراً ، نسأل الله العافية والسلامة ، وكذلك العبد وهو أيضاً مختص بشئ وهو قول النبي r : " خادم القوم سيدهم " فكيف إذا أسأت إلى سيدك المحسن إليك ، وبدلت نعمة الله كفراً ؟

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) ولم يقل نعم الله أي لا تحصوا نعمة واحدة أنعمها عليكم ، فانظر إلى نعمة الحب فإن الله سبحانه وتعالى رزقك إياه وأنعم عليك به ، وأنت تنظره موجوداً بعد أن كان في العدم ، ولا تدري كيف وجوده ، ولو تفكرت لعرفت مقدار نعمته ، فإن الله سبحانه وتعالى أولاً : أمر الأرض فخدمته بأن حفظته في بطنها ، ثم أمر السحاب فخدمته بأمطارها ، ثم أمر المطر فخدمه بسقيه إياه ، ثم أمر الشمس فخدمته بإنضاجها إياه ، ثم أمر الريح فخدمته بتلقيحها إياه ، ثم خدمه الحديد لأن منه آلات الزراعة ، ثم خدمته البقر وغير ذلك حتى حصل فسبحان الله وتعالى سخر له بركة السماء والأرض ، وما أهانه قوم إلا سلط عليهم الجوع " ومن نعمة الله سبحانه وتعالى ، أن جعل رزقك يتبعك أينما كنت ، إذ لو كان في محل واحد وأنت تقصده لكان ذلك هو العذاب الشديد ، فإنك إذا رحلت من بلدك – مثلاً – إلى مكة فرزقك فهو مقسوم مكتوب ، وما كتب لك سوف يأتيك .

    ألا ترى أنك تشرب – مثلاً – شربة من زمزم وهو سبحانه قد قسمها لك ، وعلمها منحازة عما خالطها من المياه في جوف البئر فيعلم أن هذه الجرعة في هذا الدلو هي رزق لفلان ، وهذه تراق على الأرض ، وهذه تعود إلى البئر ، يعلم ذلك سبحانه مقسماً قبل أن يوجده من العدم ، فيسوق إليك منه رزقك وأيضاً يأتيك رزقك إليها من الهند ، ومن الروم ، ومن الطائف ، فهذه رمانة قسمت لك رزقاً قبل وجودها وقبل وجودك ، فساقها إليك ، وهذا صاع من رزق ساقه إليك من الهند وغير ذلك إذ لو كلفت أ، تحمل جميع رزقك : من ماء ، وحطب ، وعلف ، وحب وجميع ما تحتاجه من بلدك ، وهو بالغرب مثلاً إلى مكة لاستغرق أكثر جمال الأرض . رجل واحد إذا أراد مثلاً أن يسكن في مكة عشر سنين ، أو سنتين ، أو سنة وهذا هو العذاب الشديد ، فسبحان المتفضل ما أكرمه ، ومن النعم : الجوارج التي أودعها فيك والحواس ، فإنك لا تعرف نعمة النظر إلا إذا فقدته ، ولو كان معك ملك الدنيا بأجمعها ، وقيل لك : اختر رجوع نظرك ، ويؤخذ الملك منك أو يبقى الملك في يدك مع فقد نظرك لاخترت النظر ، ولكنك لم تعلم بقدره عند وجدانه ، وكل شئ ما يعرف إلا بضده ، وبضدها تتميز الأشياء ولكن لا ينفع الاعتراف بالنعم عند فقدانها . ثم قال : اللهم اجعلنا ممن اعترف بنعمك عند وجودها ، وأوزعنا شكرها .

    وقال رضي الله عنه : " الدنيا سجن المؤمن " هذا الحديث معناه : أن المسجون لا يكون همه إلا الخروج من السجن ، كذلك المؤمن ليس همه إلا الخروج من الدنيا ، شوقاً للقاء ربه ، فإن النبي r لما نزلت عليه (إنك ميت وإنهم ميتون) سر بذلك سروراً عظيماً شوقاً إلى لقاء الله تعالى ، لأنه مشاهد للحق تعالى في كل حالة ، لكن سبحانه وتعالى متصف بصفات القهر والرحمة ، والعذاب في الدنيا ، والأخرى بالرحمة فقط ، فلذلك كل من أحب الله تعالى أحب لقاءه ، قال الله تعالى : (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) ولأن المؤمن مخاطب بمحاسبة النفس في الدنيا ، فلذلك كانت في حقه سجناً ، فإذا لم يكن كذلك فهو من نقص إيمانه ، لأنه مطمئن إلى الدنيا ، قال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله أثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة) ولم يقل منا ، إذ لو قال ذلك لانقشت قلوب الصحابة لقوة معرفتهم بالله تعالى ، فأدبهم تأديباً لطيفاً بدمعة لا تفضي إلى الهلاك ، ومعنى الآية . ما لكم إذا قيل لكم أي نقول لكم تعالوا إلينا قاتلوا في سبيل الله ؟ فإما أن ننصركم ، وإما أن تقتلوا فتلقوا ربكم الذي هو منتهى بغية المؤمنين ، وبقدر حبكم للقائه يكون حبه للقائكم ، ففي الحديث : " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه " أثاقلتم إلى الأرض أي اطمأننتم إليها أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ورغبتم عن لقاء ربكم ؟ (فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلى قليل) فقالت عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله ، كلنا نكره الموت ، فأجاب : إن تلك الكراهة من جهة الروح لأنها قد انست بالجسد وألفته ، ومفارقة المألوف صعب ، مع أنها في أول الأمر ما قنصت إلى قفص الجسد إلا ولها صياح ، ولولا الامتثال لأمر الله تعالى على قدر على اصطيادها الملائكة الموكلون بأن يدخلوها إلى الجسد ، لأنها مطلقة في رياض الروحانيين ، فحبست في قفص الجسد ، ثم أنست به واطمأنت به وألفته ، حتى إنها تعانقه عند الموت من شدة شغفها به ، كما يعانق المحبوب محبوبه عند فراقه ، وربما يمنى ولذلك شرع غسل الميت

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)

    فقوله (فظن أن لن نقدر عليه) أي نضيق عليه ، كقوله تعالى : (وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ) أي ضيق عليه رزقه ، وقوله تعالى : (يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر) لأنه لا يظن أحد أن الله لا يقدر عليه ، فما ظنك بالنبي ، ثم لما ظن هذا الظن ضيقنا عليه في ظلمات ثلاث : لأنه أوقف الرحمة عليه ، ولم يطلقها عليه وعلى قومه ، فضيقنا عليه ووسعنا على قومه ، قال تعالى : (إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) فهم ممتعون باقون في الحياة ، ولكن هذا التضييق من الحق تعالى لنبيه يونس عليه الصلاة والسلام ، هو عين التوسيع لأنه تأديب ، وأي توسيع أعظم من تأديب المولى لعبده ، به الفوز والفلاح والنجاة

    ومن فوائده رضي الله عنه في الطب : أن الحنظل دواء للدغ العقرب إما ورقه أو ثمره وإذا خلط بزبل الحمام كان أعظم في النفع ، وكذلك من أدويته – أيضاً – عود القرح ، وللدغ الحية النوشادر ، وإذا كان الإنسان أو غيره حاملاً للنوشادر لا تلسعه الحية أبداً ، بل لا تقربه بإذن الله ، ومما ينفع للغدة العقرب – أيضاًَ – الريال إذ حك على ماء ثم لطخ به موضع اللدغة ثم يربط عليه فإنه نافع

    وقال رضي الله عنه : لما أرسل الله موسى عليه الصلاة والسلام إلى فرعون ، كان السامري يتشبه بموسى بين يدي فرعون ، ليضحكه استهزاء منه واستهانة ، فبسبب هذا التشبه على هذا الوجه نجاه الله من الغرق فلم يغرق مع فرعون وأصحابه ، هذا بمجرد التشبه ، والحال أنه على وجه الاستهانة والاستهزاء ، فكيف إذا كان على غير هذا الوجه ؟ وكيف إذا كان بحسن نية ولو لم يقم بالعمل ؟. قال الشاعر

    فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ** إن التشبه بالكرام فلاح

    وقال رضي الله عنه : النكتة في إيراد قصة الهدهد في سورة النمل قول سليمان عليه الصلاة والسلام : (يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين) فقوله وأوتينا من كل شئ ، فيه نوع زهو ، ونزر يسير من رائحة فخر خفي ، فأجرى الله سبحانه وتعالى على لسان الهدهد : (أحطت بما لم تحط به) تأديباً له عليه الصلاة والسلام بهذا التبكيت ، ثم أنطق الله سبحانه وتعالى هذا الهدهد بقوله : (ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون) فأخرج الله سبحانه وتعالى الخبء الذي في طي كلام سليمان عليه الصلاة والسلام بقصة الهدهد ، وأتى من صفات الحق تبارك وتعالى بقوله : الذي يخرج الخبء ، ولما تأدب عليه الصلاة والسلام بآداب الحق جل وعلا ، قال لما رأى عرش بلقيس عنده ، قبل أن يرتد إليه طرفه وهذا الحد لا يتعذر دونه أبداً : (هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر) وأراد – أيضاً – أن يؤدب بقوله هذا أي قوله : ليبلوني أأشكر أم أكفر : آصف لئلا يستنفزه شئ من الشيطان لأنه قال : (آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) فهو عليه الصلاة والسلام أضاف الضمير إلى نفسه ، وأراد به آصف ليؤدبه ، وهذا من ألطف العبارات ، فسبحان الله العظيم ، ما أبلغ هذا الكلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (ففروا إلى الله) فأطلق المفرور منه وقيد المفرور إليه ، أي ففروا فراراً مطلقاً من كل شئ إلى الله ، حتى إنه بلغ الحال بأبي بكر الصديق رضي الله عنه ، لما قيل له : نأتي لك بطبيب ؟ قال : الطبيب أمرضني ، ففر من ألمه إلى الله سبحانه وتعالى ، فإذا أهمك أمر ففر منه إليه سبحانه ، فإذا سلط عليك – مثلاً – عدواً فإن قابلته بالحول والحيل والعدد ، وجعلتها مجردة للمدافعة فقد فررت من الله ، لأنه هو الذي سلط عليك ذلك العدو إلى ما معك من الجند والمال ، نسألك اللهم عافيتك . وإن جعلتها إنما هي أسباب وليطمئن بها القلب ، قال الله سبحانه : (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم) مع كونك معتقداً اعتقاداً تاماً أن النصر من عند الله ، وخرجت لقتال عدوك ، وأنت واثق بالله لا أنك معتمد على جندك أبداً ، فقد فررت من العدو إلى الله ، كذلك الفقر إذا ابتلاك به فإن فررت منه إلى قصد مخلوق أو إلى حرفة ، فقد فررت من الله إلى ، وسلكت معنى دعاء رسول الله r: " لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك " كنت فاراً من الفقر إلى الله سبحانه وتعالى ، فإن بعض أهل الحرف من الصالحين حدثته نفسه في بعض الأيام وهو شات شديد البرد : إن لم تداوم على حرفتك فمن أين تأكل ؟ فحلف أن لا يعطيها مما كسب من تلك الحرفة شيئاً إنما أبقى فيها لقضاء حوائج الناس منها ، فهذا معنى قوله تعالى : (ففروا إلى الله)

    وقال رضي الله عنه : قال النبي r من جملة دعائه : " اللهم إني أعوذ بك من القتل عند الفرار من الزحف " وقال النبي r : " وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً " وهو معنى قول اله تعالى Sad يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار) الآية . فالقتل عند الفرار من الزحف تعوذ منه رسول الله r وفيه هذا الوعيد في القرآن ، وكذلك الموت على غير توبة نسأل الله العافية فإنه أكبر من الفرار من الزحف ، لأن مجاهدة النفس والشيطان هو الجهاد الأكبر كما في الحديث . فالقتل عند الفرار منه أكبر ، لأنك إذا فررت من مجاهدة النفس والشيطان ، فقد فررت من الزحف . والفرار منه : هو هتك ما حرم الله سبحانه ، أو ترك ما أمر به ، فتعوذ بالله أن نموت ونحن مصرون على شئ منه . اللهم أمتنا ونحن تائبون ، مجاهدون في سبيلك ، والجهاد في سبيل الله : هو القيام في نحر العدو ، وأي عدو أعظم من الشيطان والنفس ، وسبيل الله : هو الطريق الموصلة إلى الله (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً)

    وقال رضي الله عنه : قال الله سبحانه وتعالى : (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة) إلى قوله : (إنه بهم رؤوف رحيم) فابتدأهم الله سبحانه وتعالى بالتوبة وحباهم بها ، وكل واحد منهم ذنبه على قدره ، وأما رسول الله r فليس له ذنب ، كيف وهو معصوم ؟ ولكن لما عرف قدر الله سبحانه حق قدره ، نزل نفسه منزلة المقصر في حقه ، وكان ذلك ذنباً عنده ، فتاب عليه الحق سبحانه وتعالى ، باعتبار ما عنده من تسمية ذلك ذنباً ، إذ كل واحد له ذنب باعتبار ما عنده ، وإن كان ليس ذنباً حقيقة فتاب عليهم جميعاً ولم يكلهم فيها إلى أنفسهم شيئاً ، بخلاف الثلاثة الذين خلفوا ، فإنه لما ظهر ذنبهم على رؤوس الأشهاد ، قال في حقهم تبارك وتعالى : (وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت) إلى قوله : (إن الله هو التواب الرحيم) فقال : ليتوبوا فوكلهم إلى أنفسهم في التوبة لكن لولا أنها سبقت توبة الله عليهم ما قدروا على التوبة (وما تشاؤن إلى أن يشاء الله) فافهم هذه النكتة .

    وقال رضي الله عنه : لما قالت الملائكة – عليهم الصلاة والسلام – حين قال الله تعالى : (إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) جعل سبحانه مصلحتهم على يده في أول وهلة ، فهم أول من استفاد منه حين علمهم الأسماء ، وهم مع طول مدة أعمارهم في عبادة الله تعالى لم يعرفوا الأسماء ، ومعرفة الأسماء والعلم بها هو أعظم العلوم ، فإن كل اسم من أسماء الله إذا عرف ازدادت معرفة الله تعالى ، ثم ذكروا الفساد بقولهم : من يفسد فيها وجعلوا الفساد بسبب واحد منهم وهو إبليس ، ثم لما قالوا : ويسفك الدماء ولم يعينوا بكونه حلالاً أو حراماً ، أمرهم أن ينزلوا فيسفكوا الدماء في يوم بدر ، وبقولهم هذا ظهرت مزية الإنسان وشرفه ، فجزاهم الله عنا خيراً ؛ لأن الله سبحانه وتعالى خاصمهم عنا قبل وجودنا ، لما نسبوا ذلك غلينا ، وقولهم : (أتجعل فيها) الخ . هو كسكرة أدهشتهم ، لما نزل الحق نفسه منزلة المستشير لهم فسكروا سكرة بسط ، فلا لوم ، وأي سكرة أعظم من سكرة البسط ؟ وأي بسط أعظم من أن يستشير الملك الذي يعلم ما في السماوات وما في الأرض ، ويعلم ما تخفي الصدور من عبيده ؟


    _________________
    خليفتي كذاتي

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 1949
    تاريخ التسجيل: 10/01/2008

    رد: كتب السيد احمد ابن ادريس استاذ الختم

    مُساهمة  Admin في الأحد نوفمبر 07, 2010 1:12 am



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1]) في نسخة بألفي عام .


    وسئل :

    رضي الله عنه : عما وصل إلى الثوب من الماء الذي يرش به الأسواق بعد وصوله إلى الأرض ؟

    فأجاب :

    بأنه طاهر ، وأن أمير المؤمنين على بن أبي طالب – كرم الله وجهه ورضي عنه – دخل المسجد بعد أن خاض في الطين ، بعد أن توضأ وقدماه غير جافتين بلا نعال ولا شئ بعد أن مشى في الطريق العامة ، وقال النبي r : " الأرض يطهر بعضها بعضاً " ولم يأمر بتطهير النعال بماء ، بل كان يصلي بنعليه والصحابة بعده بنعالهم ، فنزل في بعض الأحيان جبريل يخبره أن في إحدى نعليه عذرة ، فخلعها وبنى على صلاته تلك ، وخلع الصحابة نعالهم ، فلما فرغ قال لهم : " لم خلعتم نعالكم " قالوا : اقتداء بك يا رسول الله ، فقال : " إنما أخبرني جبريل " الحديث

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن أصول الريش والشعر ؟

    فأجاب :

    قال : مسكوت عنه ، والمسكوت عنه عفو . وقد ثبت أن النبي r ركب فرساً معراة ، ومعلوم أنه لابد أن يقلع من شعرها ويعلق بثيابه

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن الصلاة على النبي r في التشهد الأوسط ؟

    فأجاب :

    قال : ذلك غير وارد فقال السائل : لكنه قد ذكر ، وفي الحديث : " البخيل كل البخيل من ذكرت عنده ولم يصل على " وحديث آمين ن لما قال جبريل : من ذكرت عنده ولم يصل عليك فأبعده الله ، فقلت : آمين ن قال : قد سلمنا عليه في التشهد الأوسط وصلينا عليه في التشهد الأخير ن ونحن في ذكر واحد لم نخرج عنه ، فقيل له : ما الصلاة البتراء ؟ قال : أن تصلي عليه من دون آله لأنها تنزع منها البركة ، لأن من صلى عليه واحدة صلى الله عليه بها عشرا ، وكذلك آله تعود عليه من كل واحد منهم عشراً عشراً بالغاً ما بلغوا (ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه)

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن القاتل هل له توبة ؟

    فأجاب :

    قال : نعم قال الله تعالى : (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً) فيبدل قتله ذلك كأنما قتل كافراً في سبيل الله ن وعبادته لغير الله كأنما عبد الله في تلك المدة ن وزناه كأنه نكح أهله كذلك ما رواه البخاري وغيره : فيمن قتل تسعة وتسعين نفساً وحبراً . وقتل الحبر من أعظم البلاء ، وروى أنه بعد أن قتل سبعة وتسعين نفساً وحباً . وقتل الحبر من أعظم البلاء ن وروي أنه بعد أن قتل سبعة وتسعين سأل حبراً فقال : لا توبة لك فقتله ، ثم ثانياً ثم ثالثاً ، حتى كملوا مائة فأتى حبراً عارفاً بحقائق الأمور فسأله فقال : وما يمنعك من باب التوبة فقال : وكيف أصنع ؟ قال : اذهب إلى قرية كذا فإن فيها رجالاً يعبدون الله تعالى فأتهم واعبد الله فيهم حتى يأتيك اليقين ن ففعل فلما وصل نصف الطريق قبض الله روحه ، فابتدرته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فاختصموا ، فجاءهم ملك ، فحكم بينهم أن يقيسوا مسافة الأر ضمن حيث سافر في التوبة وإلى المحل الذي يريده ، فإن كانت مسافة السير من حيث تاب إلى هنالك أكثر كان لملائكة الرحمة ن فأمر الله تلك المسافة أن تمتد فامتدت ، والأخرى أن تنزوي فانزوت ، حتى كانت التي سافرها أكثر فخطفته ملائكة الرحمة ، وهذا الرجل من بني إسرائيل ، مع أن الله سبحانه وتعالى كتب عليهم : (أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً) فهو كمن قتل الناس جميعاً مائة مرة ، فما ظنك بمن كان من هذه الأمة ، وقد رفع عنهم إصرهم ، وبقي لهم الخير ممن سبق من الأمم قبلهم ، فمن قتل منهم نفساً فما قتل إلا إياها ، لا يكون كمن قتل الناس جميعاً ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ، فهو بالتوبة أحق وأجدر

    وأما ما قال ابن عباس : لا توبة لك فذلك رجل كان يقتل ثم يتوب فقال : هل لي من توبة ؟ فقال له : لا توبة لك ، لأن نيته أن يقتل ثم يتوب لأن ذلك إصرار ، وأما من فعل الذنب ثم بعد أن فعله تاب وندم إنما غلبه هواه والشيطان وحكم عليه القدر ، فتلك توبة مقبولة لا محالة ، ومن ثم ما كان من الزجر الوارد في الكتاب أو في السنة يبقى على حالة ، كقوله r : " سبعة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزيكهم ولهم عذاب أليم : الناكح يده ، والزاني بحلية جاره ، والضارب والديه حتى يستغيثا ، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه ، ومدمن الخمر ، والفاعل والمفعول به " وأمثال ذلك لأن معاملة الله سبحانه وتعالى لعبده يوم القيامة على مقتضى حكمته .

    كذلك هذا الرجل الذي من بني إسرائيل قاتل المائة ، من ذا يعلم أن مثله يتاب عليه إذا قتل وقد ورد في حديث : أنه يخرج رجل من النار بعد كذا أعواماً واسمه هناد ، وهو مقطوع بخروجه من النار إلى الجنة ، فأي مزية أعظم من هذه ؟ وفي حديث آخر : أنه توزن أعمال رجل فتستوي الحسنات والسيئات ، فيقال له : لو زادت حسنة لرجحت ودخلت الجنة ن فامض إلى الناس فالتمس منهم حسنة ن فيمضي على أناس لهم حسنات كالجبال فيستعطيهم حسنة فلا يرضون ، فيمر برجل له حسنة واحدة وسيئات كثيرة فيقول له : خذ هذه الحسنة التي معي فإنك أحق بها مني ، لكونك بها تدخل الجنة فيقال له / خذ بيده وادخلا الجنة ن وهذا الإيثار- عند الله سبحانه وتعالى – أمر عظيم ن فقال بعض أصحابه : وأنا سمعت أن رجلين انكسرت بهما سفينة فبقي أحدهما على لوح فالتفت إلى صاحبه وقال له : ألك أهل ؟ قال : نعم قال : فاركب على اللوح فإنك أحق بالبقاء مني ، لأني ليس لي أهل ن ومن الناس رجل يؤمر به إلى النار ن فيقول : رب ، كيف تعذب رجلاً شاب في الإسلام . فيدخله الله الجنة ولو كان دخوله الجنة لشيبه لما دخل النار شائب ، ولكن معاملات الحق في ذلك اليوم على مقتضى حكمة الله ، وفيه يحاسب على مثاقيل الذر .[m1]

    وقال رضي الله عنه : إن الله سبحانه وتعالى حرم في مكة الصيد ، وأن لا ينفر ولا يقطع شجرها ، وذلك لحرمة الجوار ، فما ظنك بمن مات وهو هنالك مرمى وحده في قبره في جوار الله تعالى مفتقر إلى رحمته ، وأي ثبوت يثبت له حق الجوار ، فقال له رجل من الحاضرين : قيل : إن ابن عباس رحل عنها وقال : لا أحب أن أسكن في بلد تتضاعف فيها السيئات كما تتضاعف فيها الحسنات . فأجاب : أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يعمل بالرخص ، قيل : إن مالكاً دخل على الرشيد فقال له : اتق رخص ابن عباس ، وعزائم ابن عمر ، قال مالك : فخرجت من عند الرشيد عالماً ، وكان رجل لا يفتر عن العبادة والبكاء ، وصاحبه لا يفعل شيئاً من ذلك إلا ما وجب عليه ، فقيل له في ذلك . فقال : كلانا نقرأ في صحيفة واحدة هو يقرأ (إن الله شديد العقاب) وأنا أقرأ (إن الله غفور رحيم)

    وسئل :

    رضي الله عنه : إذا تكلم أحد بكلمة الردة في حالة غضب هل يحكم عليه بالردة أو لا ؟

    فأجاب :

    أن لا تقام عليه حدود حكم الردة ، لأن النبي r قال : " ادرؤوا الحدود بالشبهات " وأي حالة أعظم من حالة الغضب ، بل يمهل حتى يفيق من غضبه ، ثم يكلم بما ثبت دليله من العقل ، فإن الله سبحانه وتعالى قال : (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ) وأيضاً مر أبي بن كعب على رجل يقرأ آية من كتاب الله على خلاف ما قرأ أبي ، فأتى به إلى النبي r ، فقال رسول الله r لكل واحد منهما : اقرأ ، فقرأ كل واحد منهما قراءته التي سمعها من رسول الله r ، فقال لهما : " كلاكما محسن وكلاكما مجمل " فقال أبي : ما كلانا محسن ولا كلانا مجمل . قال أبي : ودخلني من الشك مثل ما كنت عليه في الجاهلية أو أشد ، فطعنه النبي في صدره : وقال " اللهم أخسئ منه الشيطان " فقال أبي : فكأني أنظر إلى الله فرقاً ، ولم يحكم عليه النبي بردة ، وكذلك أن بعض الصحابة قالوا للنبي r : اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ، فقال r : اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ، فقال r : " الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، إنها السنن ، والذي نفسي بيده لقد قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى : (اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة) فلم يحكم عليهم النبي r بردة ، ولم يأمرهم بتطليق نسائهم . وفي الحديث : " أن رجلاً قال لما لقى جملة بعد أن شرد عليه : اللهم أنت عبدي وأنا ربك " فضحك النبي r حين حدثهم بهذا الحديث ، وهو يدل على أنه لا يؤاخذ على ذلك

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته)

    فأجاب :

    أنه قد غلط في تفسيرها كثيرون بما ذكروا ، من أنه دس إبليس في النجم : تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي ، وهذا لا يحكم به عقل ن ولا يقول به من له أدنى مسكة من قواعد الإيمان ، فلوا كان ذلك لحصل شك في جميع الكتاب والسنة ، ولبطلت الشرائع ، حيث تمكن إبليس من أنه ينطق على لسان رسول الله r حاشا وأبعده الله أن يتمكن من ذلك ، ثم إن النبي r ، إذا اتفق له ذلك فكيف صورة القصص التي اتفقت للنبيين قبله لم يسمع شئ من ذلك في كتاب منزل من الكتب المتقدمة ، ولا عن بني إسرائيل في حديث من أخبارهم ، ولا عن سلف ، ولا عن خلف ، ولكن تفسيرها ظاهر لا غبار عليه (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته)

    وأماني الرسل وبغيتهم أن يؤمن قومهم فيلقي الشيطان في أمنيته تلك ، بأ، يفسد عليه قلوبهم ، فلا يؤمنوا بل يقولون حين يدعوهم للإيمان كما قال قوم نوح (ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم) وقوم شعيب : (يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد) ونحو هذا كثير ، فكل نبي يتمنى أن يؤمن قومه فيلقي الشيطان في أمنيته تلك ، فينسخ الله ما يلقى الشيطان من قلوب من آمن منهم ، ثم يحكم الله آياته في قلوبهم ، والله عليهم حكيم (ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض) وذلك ما خيل لهم من أن نوحاً بشر مثلهم وما هو عليهم بعزيز ، ومثل تصويره لهم أن تركهم لما يعبد آباؤهم لا يكون وأنه من المحال ، والقاسية .قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم) فانظر إلى عود الضمائر من قوله سبحانه وتعالى : وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به ، أي يعلمون أن ما جاءهم به رسولهم هو الحق فيؤمنوا به ، فالذي يلقى الشيطان يكون فتنة للذين في قلوبهم مرض ، والذين أوتوا العلم لا يؤثر فيهم ما يلقى الشيطان ، بل يعلمون أن ما جاءهم به رسولهم هو الحق فيؤمنوا به .

    وقال رضي الله عنه : إذا سبقت العناية لشخص أوصله أدنى سبب إلى أعلى مقام ، أوحى الله إلى موسى عليه السلام ، هل علمت ما سبب أني جعلتك نبياً كليماً ؟ قال : يا رب ، أنت أعلم قال : لما نفرت عليك الشاة وأنت ترعى الغنم لشعيب لحقتها بعد ما أتعبتك ، ثم لما أمسكتها لم يعترك عليها غضب ، وقيل : إن رجلاً أمسك قلمه وهو ينسخ لما نظر إلى الذباب يمص من القلم ، فأوقف يده رحمة له ، ففتح الله عليه في الحال ، بأن رأى المداد يجري في عروق ذلك الذباب ، ورجل دخل الجنة من أجل كلب جاءه وهو ينبح على شفير بئر من العطش ، ولم يتمكن من الشرب فأرسل الرجل ثوبه وجعل يعصره في حلق ذلك الكلب حتى ارتوى , وعاتب الله سبسحانه وتعالى نوحاً عليه السلام ، حين نظر إلى كلب نظرة مستقبحاً له فقال : يا نوح ، إني ما خلقت شيئاً عبثاً فإن كنت لا تعلم بالمصلحة التي لأجلها خلقته فقلد خالقه . وعذبت امرأة من أجل هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي أطلقتها تأكل من خشاش الأرض ، فانظر إلى مقادير الأعمال أدنى سبب مقرب ، وأدنى سبب مبعد

    وقال رضي الله عنه : كان النبي r ، يحب من اللحم الساعد والكتف ، فمحبته للكتف : لأن الله سبحانه وتعالى وضع يده بين كتفيه ، الحديث . وأما محبته للذراع : فموافقة لحديث من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ، وقد غلط بعض العلماء حيث قال : إنهم كانوا لا ينضجون اللحم فكان الذراع والكتف أسرع نضجاً

    وقال رضي الله عنه : المؤمن – في الدنيا – ذليل لله سبحانه وتعالى ، حتى أنه قال الشبلي : عطل ذلي ذل اليهود ، وذلك أن المؤمنين خاضعون لله خاشعون ، ثم إنك إذا نظرتهم في السجود وهو أعظم التذلل رأيتهم يضعون وجوههم على التراب وعلى الأرض الذلول (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً) وفي الآخرة ينتقل إليهم العز الدائم الذي هو بإعزاز الله لهم ، وينتقل الذل الدائم الذي هو بإذلال الله إلى الكفار ، وفي الدنيا إذا عزوا فإنما هو بإعزاز أنفسهم وليس بعز (من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) ثم يوم القيامة يتمنى الكافر أن يكون تراباً أي في الدنيا حين يرى ما أعطى من النعيم من كان ذليلاً في الدنيا ، فيتمنى لو كان في الدنيا تراباً الذي هو أذل شئ ، ثم ذكر للشبلي هذا دعوة دعا الله بها ، بأن قال : يا رب ، املأها بالشبلي يعني النار ، وذلك لشدة الرحمة بأهل النار فإذا ملأها به لم يدخل النار أحد ، لأنها قد امتلأت وهو لما يعرف من قربه من الله سبحانه وتعالى ، وحبه له ، وإيمانه به ، لم يخف من النار فإنها لا تؤثر فيه ، وهي أشبه بمقالة عمر بن الخطاب حيث قال : وددت أن أكون كبشاً فيطعمني أربابي حتى اسمن ، ثم يضعون الشفرة على أوداجي فيذبحوني ، ثم يطعمون مني أضيافهم ، ويتصدقون ويأكلون ، وذلك لأنه يعلم من نفسه بمصاحبته لرسول الله r ، ولما يعلم من عناية الله سبحانه وتعالى أنه إذا أكل أحد منه شيئاً لم يدخل النار لأنه لابد أنى تجرى تلك الأكلة في جميع عروق البدن فيتربى منه لحم فلا تسلط النار على اللحم الذي قرب من لحم عمر

    ومن أجوبة عمر رضي الله عنه ، لما قال له النبي r : كيف بك يا ابن الخطاب وقد أتاك في قبرك ملكان يخطان الأرض بأنيابهما ولحظ أعينهما كالبرق الخاطف ؟ فقال : يا رسول الله ، وعقلي هذا معي يشير إلى أنها عند المصادرة للأمور تتغير العقول وتدهش وتنتقل الأحوال ، ألا ترى أن الصحابة – رضي الله عنهم – عالمون أن الهزيمة في الحرب لا تنفعهم ، لقوله سبحانه وتعالى : قل لن ينفعكم القرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلاً ) فقوله : وإذا لا تمتعون إلا قليلاً تبكيت وتهديد ، بأنهم إذا فروا لم يمتعوا إلا قليلاً ، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى جعل لكل إنسان أجلين (هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده ) وإذا وصل أرحامه ، وأطاع والديه آخره على الأجل المسمى ، وإن فر من الزحف ، أو فعل ما علم الله سبحانه من معاص مخصوصة ، قضى أجله في الأجل الأول ، فهم على يقين أن الفرار لا ينفع مع أنهم فروا في يوم حنين ، وذلك أن العقول تطيش عند لقاء العدو فلا يكاد يعرف الصواب ، ولذا ينبغي للإنسان أن يسأل الله العافية ، وقال النبي r رجلاً يقول : اللهم إني أسألك الصبر فقال له r : " سألت الله البلاء فاسأله العافية " يعنى الصبر لا يكون عند مصيبة ، أو أمر فيه امتحان ، فيسأل الله العافية مما يكون معه الصبر .

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) وفي قراءة إلا من ظلم ؟

    فأجاب :

    إن (إلا) تكون استثنائية ، وتكون استدراكية ، وفي هذا الموضع يستقيم المعنيان فإن كانت استثنائية فالمعنى أن الجهر بالسوء لا يحبه الله ، إلا من ظلم فلا بأس ، وذلك حيث ينازع الرجل خصمه لولا أنه يجهر بالسوء لما ظهر الحق ، وعلى قراءة إلا من ظلم – بالفتح – يقدر إلا من ظلم ، وله شواهد من كلام العرب ، ولكن الاستدراك أولى بالمقام ويكون المعنى : لا يحب الله الجهر بالسوء لكن من ظلم فلا يحب الله الجهر بالسوء منه ، بل العفو أولى به ، وهو الذي يحبه الله منه (وأن تعفو أقرب للتقوى) ولا يكون العفو ممن ظلم إلا لمن نور الله بصيرته وهي درجة عظيمة ، فإن من فعل شيئاً بالعبيد لأجل مولاهم فحق عليه أن يعامله بما عاملهم

    وقال رضي الله عنه : قال الله سبحانه وتعالى : (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون) أي أخرج سبحانه وتعالى النخلة من النواة فالنخلة وهي حية تنمو أخرجها من النواة الميتة التي لا تنمو ، ثم أخرج من النخلة الحية التي تنمو التمرة الميتة التي لا تنمو ، كذلك الحبة وكذلك الإنسان فإنه تعالى أخرج هذا الحي الذي ينمو ويتحرك ، وخلق فيه العقل الذي عليه المدار من الميت وهو المنى ، ثم أخرج من الحي الذي هو الإنسان : الميت الذي هو المنى ، ثم يعلم جل جلاله ما تغيض الأرحام وما تزداد ، والعلم في حقه سبحانه وتعالى هو بمعنى البصر ، فيعلم المعدوم كما يعلم الموجود ، ويبصر المعدوم كما يبصر الموجود ، فإن هذه النواة والنطفة والحبة من ذلك ، يعلم ما تغيض الأرحام من النطفة أي ما لم يتخلق فيها وما تزداد ، أي ما يتخلق فيها والتي تتخلق يعلم كم منها إلى يوم القيامة ، ويعلم مستقرها أي ما يستقر منها يفسره قوله : في قرار مكين ومستودعها وهو الذي يزلق عن الرحم إذا قضى أجله وهو إما نقطة ، أو مضغة ، وذلك من أول مني خرج ، وهو من آدم عليه الصلاة والسلام إلى يوم القيامة .

    والعلم هو في حقه تعالى بصر قال تعالى : بكل شئ عليم بكل شئ بصير ، بما تعملون بصير ، بما تعملون عليم ، فمتعلقهما واحد ، ثم إنه تعالى يعلم الشجرة التي في بطن النواة ، ثم ما يخرج من الشجرة من تمر فربما يكون في كل سنة وسق أو سوقان مدة عشرين أو ثلاثين سنة ، يعلم عدد هذه التمرات وهي في بطن تلك النواة إلى منتهاها ، ثم ما يغرس منها فتنمو منها نخلة ثانية ، ثم ثالثة ، ثم رابعة ، إلى يوم القيامة ، وما لم يغرس بل يلقى كل ذلك يعلمه في بطن هذه النواة الواحدة ، وعلمه تعالى بمعنى البصر فهو يرى جميع ذلك حبة حبة ، وإنساناً إنساناً ، وهم في العدم ، فسبحان العالم جل جلاله ، وتقدست أسماؤه ، ولا إله غيره . قال تعالى : (فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم) اتبع فلق الحب والنوى بفلق الإصباح وهو تنفس الصباح ، لما كور الليل على النهار وأولجه فيه ، أراد أن يكور النهار على الليل ويولجه فيه ، ففلق الإصباح كما يفلق إهاب الشاة إذا أريد سلخها (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) وقد يشم بعض الناس لتنفس الإصباح رائحة كما يتنفس الإنسان فتخرج رائحة فمه ، وجاعل الليل سكناً ، أي يسكنون فيه من حركات النصب والتعب ، والشمس والقمر حسباناً ، أي يعرفون بهما الحساب ، ولا يخفى ما فيهما من منافع لا تحصيها الأقلام (ذلك تقدير العزيز العليم وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر) أي فلا ينبغي أن يستنبط منها غير ما خلقت له ، كما يستنبط المنجمون من القرانات وغيرها ، لأن الشئ لا ينبغي أن يستعمل إلا فيما خلق له .

    ألا ترى أن الله سبحانه وتعالى خلق الثوم وجعله دواء لعلل كثيرة ، فهو خلق له ثم بسبب أكله تتأذى الملائكة حتى أنها إذا كانت رائحة الفم منتنة تختطف ما نطق به اللسان من خير من الهواء ، وإذا كانت الرائحة طيبة ابتدرت لأخذه من داخل الفم ، لكن لما كان خلقه لمنفعتنا لم يضر تأذى الملائكة به ، ولم يحرم علينا بل هو جار فيما خلق له . كذلك النجوم خلقت لنهتدي بها في ظلمات البر والبحر فلا نتعدى ذلك (قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون) (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع) أي منها ما يستقر في الأرحام ، ومنها ما يزلق منها ، ولا يتخلق بل يبتدره أجله ، وذلك معنى قوله تعالى : (مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ) وذلك لأن العرب تسمى الخيل المحفوظة المربوطة التي يأتون إليها بعلفها ومائه مستقرة ، ويسمون ما أرسلوها ترعى وتسقى بنفسها : مستودعة (قد فصلنا الآيات لقوم يفقون) (وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شئ فأخرجنا منه خضراص) هذا في مقابلة قوله تعالى : (فالق الحب) ثم أتبعه بقوله : (ومن النخل من طلعها قنوان دانية) في مقابلة قوله (والنوى) والدانية : هي ما سهلت على الإنسان أسبابه ، وإن كانت النخلة عالية لكنها باعتبار ما خلق الله سبحانه وتعالى للإنسان من الأيدي والأرجل دانية ، لأنه يلصق بها ثم يصعد فيها فينجي ثمرها ، وجنات من أعناب أخرجها من ميت كذلك (والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه) أي وجميع ما ذكر مشتبهاً وغير متشابه ، فقد تكون الحبة الواحدة من العنب نصفها أسود ونصفها أبيض أو أحمر ، وكذلك التمر وكذلك الرمان قد تكون الحبة الواحدة ذات لونين ، ثم لظهر كل حبة لون ، ولباطنها لون ، سبحانه وتعالى .

    وقال رضي الله عنه : قد يكون الدعاء في الساعة التي يتجلى فيها الحق سبحانه وتعالى ، بصفة الوهاب ، فلا يرد فيها الدعاء ولو كانت من كفار ، فإن إبليس (قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون) وهو مطرود ملعون نجس الباطن والظاهر ، فاستجيب له ، و(قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم) ومن هنا نهانا رسول الله r عن لعن الدواب وغيرها ، حتى إن المرأة التي لعنت جملها وهي في سفر قال : " قد استجيب لك ، ولا نقبل ملعوناً ، اطردوا الجمل " فطردوه وكان كلما أقبل إليهم الجمل طردوه بالخيل ، فحرمت المرأة الجمل وظلمته بسبب لعنها له ، والرجل الذي رأى قيام يوم القيامة وذلك أنه سرق سرجه فسأل عنه فقيل له : قد سرق ، فقال : ذهب في لعنة الله ، فلما رأى أن القيامة قد قامت وهو ممن قتل شهيداً فأتى بفرسه وبولها وزبلها يوضع في الميزان ، فقال : أين سرجها ؟ إنه يثقل في الميزان ، فقيل له : ذهب في اللعنة التي قلتها في ساعة كذا ، فقد يؤتي الرجل من قبل نفسه وهو لا يشعر

    ومن الحكايات العجيبة أن ذئباً برد في ليلة برداً شديداً فتمنى سلوقياً يلحقه ليدفأ ، فما تم إلا وقد أقبل عليه السلوقي فهرب منه حتى جوز ، فقال : لو رجمت في فمي لما تمنيت هذه الامنية فما تم إلا ولقيه رجل فرجمه بحجر حتى هرس أسنانه ، فطلع على رأس الجبل ونادى بأعلى صوته : ألا من يريد أن يدعو فإن أبواب السماء قد فتحت ، والدعاء في نفسه إنما هو إظهار للعبودية والتذلل ، وإجلال وتعظيم لباب الكريم ، وليس لأنه غافل عنك سبحانه وتعالى أو عن حاجتك ، بل يعلم بما توسوس به نفسك قبل أن توسوس ، وهو يعلم السر وأخفى ، وهو سبحانه وتعالى كريم جواد لا يحتاج إلى سؤال قال شاعر في مدح بعض الملوك يسمى معنا :

    أيا جود معن ناد معنا بحاجتي فمالي إلى معن سواك سبيل

    فما ظنك بملك الملوك

    وقال رضي الله عنه : لما سئل ما هي الكلمة في قوله تعالى : (وجعلا كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون) ؟

    فأجاب

    إنها قول الحق له : أسلم ؛ لأنه تعالى ربما كلم الأبناء وأراد بذلك الآباء ، مثل قوله تعالى : (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون) وربما كلم الآباء وأراد الأبناء مثل قوله تعالى : (فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون) المكلم آدم ، والمراد أولاده ، وقد غلط بعض المفسرين بأن قالوا : هو آدم ؛ لأنه سمى عبد الحارث وهذا باطل من وجهين : أحدهما : أنه لا يستقيم هذا على قراءة شركاء ؛ لأنه سماه إذا فرضنا عبد الحارث هو شريك واحد لا شركاء ، الثاني : إن آدم يعتذر يوم القيامة إذا قصد للشفاعة بذنبه الذي أخرجه من الجنة ، ولو كان ذلك لكان أهم وأعظم أن يعتذر به يوم القيامة ، والقرينة التي دلت على أنهم أولاده عود الضمائر للفظ الجمعية (فتعالى الله عما يشركون أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون) إلى آخر الآيات . وهذه الكلمة التي جعلها كلمة باقية في عقبه : هي التي وصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ، وليست الإسلام الذي هو نقيض الكفر ، كيف وهو الخليل ؟ إنما هو إسلام الأمر إلى الله سبحانه والاستسلام له ، كما أنه عليه أفضل الصلاة والسلام لما ألقى في النار قال الله سبحانه لجبريل : انزل على إبراهيم وائتمر لأمره ، فنزل إليه وهو يهوى في الهواء ، وقال له : ألك حاجة ؟ فإن الله سبحانه قد أمرني أن أأتمر لأمرك ، فقال : أما إليك فلا ، فقال : سل ربك ، قال : علمه بحالي يغني عن سؤالي

    وذلك أنه عليه أفضل الصلاة والسلام لما رأى المقام مقام اختبار ليعرف الله سبحانه وتعالى جبريل قدر هذا الرجل الذي خرج من صلب من قالت الملائمة فيه : (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) أجاب بهذا الجواب ليوافق ذلك المقام ، فتولاه الله تعالى بأن كلم النار من غير واسطة ، فقال : (كوني برداً وسلاماً على إبراهيم) فتوقفت النار عن إحراقه لا غير ؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال لها : (على إبراهيم) فأكلت ما عليه من الحديد وهي القيود والأغلال التي كانت عليه تؤذيه ، وهذه معاملة الله تعالى لمن أسلم أمره إليه (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى) فإنك إذا توسطت بالعبد ليعطيك شيئاً أو يدفع عنك شيئاً فما ذلك إلا لأحد أمرين : إما أنك ترى أن هذا العبد أكرم من سيده ، أو أن خزائن العبد ملآنة وخزائن السيد معطلة ، أو تعتقد أن العبد أقدر على دفع هذا الأمر الذي تريد دفعه عنك من سيده ، وهذا غير جائز . نسأل الله العافية من كل بلية .

    قال الشاذلي رحمه الله : لما سئل عن الإسلام : هو الاندماج في طي الأحكام من غير شهوة ولا إرادة . وقال عمر بن عبد العزيز – وهو مريض – لما قيل له : هل تشتهي شيئاً ؟ : أشتهي ما يقضي الله ، وقال رضي الله عنه – في الدعاء عن النبي r : وأعوذ بك منك أي أعوذ باسمك العفو من اسمك المنتقم ، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين) ؟

    فأجاب :

    قال : ذلك مثل قوله تعالى : (فسبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين)

    أي إنما وصفوا الله سبحانه وتعالى بغير ما وصف به نفسه ، فهو منزه عن ذلك وسلام على المرسلين ؛ لأنهم لا يصفونه سبحانه وتعالى إلا بما وصف به نفسه ، وكذلك عباد الله المخلصون وهم يعبدون الله بإخلاص المحبة لا لأجل دنيا ، ولا لأجل أخرى ، فإن الله سبحانه وتعالى قال : (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) وهو سبحانه وتعالى يريد الصفحة ، فكأنه قال : فأين الذين يريدونني ثم أفراد الذين يريدون ولم يذكرهم مع هذين الفريقين فقال (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه)

    وعيسى روح الله – عليه الصلاة والسلام – مر بقوم يعبدون الله تعالى فعبد الله معهم ، ثم قال لهم : لماذا تعبدون الله سبحانه وتعالى ؟ قالوا : خوفاً من ناره ، فقال : قادر أن ينجيكم منها ، ثم رحل عنهم فمر بقوم يعبدون الله تعالى فعبد معهم ثم قال لهم : لماذا تعبدون الله ؟ قالوا : طمعاً في جنته وشوقاً إليها فقال : قادر أن يدخلكم الجنة ، ثم مر بقوم فوجدهم يعبدون الله سبحانه وتعالى ، فعبد معهم ، ثم قال لهم : لماذا تعبدون الله سبحانه وتعالى ؟ قالوا : ابتغاء وجهه ، قال : هذه درجة المقربين ، وأنا أمرت أن ألازمكم ، ثم جلس يعبد الله معهم ، فهؤلاء لا يمكنهم مفارقة الحق سبحانه وتعالى في الدنيا ولا في الآخرة ، فهم في الجنة على هذه الحالة لا يفارقهم تجليه ، وسائر أهل الجنة إنما يزورونه في كل ثمان ، أي قدرها ، فينظرون نظرة ينسون بها جميع نعيم الجنة ، ثم يتلذذون لذة تتنور بها وجوههم ، ويجدون من الراحة ما لا يخطر على قلب بشر ، ثم يعودون إلى أهليهم ، فيسرى ذلك التجلي إلى صور أهليهم ، فيتنورون ويكتسون نوراً لم يعهد فيهم من قبل ، ثم لا يزالون متلذذين بنعيمها ما شاء الله ، ثم يجدون لها في أنفسهم شهوة كشهوة الجائع فيؤمرون بالزيارة وهلم جرا

    ثم جعل رضي الله عنه يخوض في وصف الجنة فقال : أشجار الجنة جذوعها من ذهب ليس كذهب الدنيا ، إنما إذا نظرت في الشمس حين تطلع أو حين تدنو للغروب ، فهو كذلك ، ثم طول الغصن مسيرة ثمانية اشهر وعشرة أيام ظلالاً من شمس إنما هي أنوار إنما يجدون لذلك الظل راحة ثم في كل حركة من حركاتهم ، وسكنة من سكناتهم ، يجدون راحة ولذة لا تخطر على قلب بشر ، ففي المشي يجدون لذة وكذا في القيام والاضطجاع لا كما في الدنيا ، لأنك إذا اضطجعت في الدنيا تحصل معك راحة بسبب التعب والنصب ، وفي الجنة إنما أنت تنتقل من لذة إلى لذة في جميع حركاتك وسكناتك ، وإنما يطلق عليه فعل أو عدم فعل أو قول أو عدم قول ، فكله راحة ولذة لا تشبه واحدة واحدة

    ثم قال رضي الله عنه : وسأضرب لكم مثلاً : إذا اجتمعت لذات الدنيا جميعها من منكوح من كل الدواب أي لذة كل فرد منها ، ولذة جميع مشموماتها فرداً فراداً ، ونوعاً نوعاًُ ، وطعم كل مطعوم كذلك ، ولذة كل ملك مال كذلك في ذات واحدة فكيف تكون لذة النكاح ؟ وقد صارت لذة كل فرد مجتمعة فيه كأنه قد جمعت عنده كل منكوحة حسناء ؟ وكيف طعم جميع المطعومات وقد صارت لذة كل فرد من آدمي وغيره مجتمعة عنده ؟ وقس عليها سائرها .

    ثم إذا انتقلت منها إلى أدنى نعيم الجنة فهو كما تنتقل من طعم حنظل إلى طعمن سكر ، ثم لو اجتمعت لذات الجنة أي كل فرد فرد منها في ذات واحدة من منكوح ومطعوم ومشروب وملبوس وغير ذلك ، لتجتمع لك لذات جميع ما في الجنة ، ثم انتقلت من ذلك إلى نظر الحق سبحانه وتعالى فهو كما تنتقل من طعم الحنظل إلى طعم السكر ، وأهل الله لا يفارقونه في الجنة طرفة عين ، كما لا يفارقونه في الدنيا طرفة عين

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) قدم الشر – هنا – للاهتمام ، لأنه ربما قد يكون الشر قائداً لجميع الخيرات ، أي أن السيئة وأي شر أعظم منها قد تكون سبب القرب من الله تعالى ، وذلك لأنه ربما أورث الذنب ذلاً عجب وزهو بالطاعة وذلك داء ، وأي داء فتلك سيئة وارتكاب الذنب دواؤها ، فإن بعض الأولياء ارتكب ذنباً فلما تاب منه قال : رب ، أنت غنياً عن ارتكابي لذلك الذنب ، فقال له : قد كان اعتراك زهو فسلطت عليك ذلك الذنب ليزيله عنك ، فأنت الآن عندي أحب إلى من ذلك ، وقال r : " لولا أن الذنب خير للمؤمن من العجب ما خلى الله بين عبده المؤمن وبين الذنب أبداً " قال الشاعر في هذا المعنى

    تداويت من ليلى بليلى من الهوى كما يتداوى شارب الخمر بالخمر

    وقال آخر :

    انظر إلى بعين قد فتنت بها وداواني بالتي كانت هي الداء

    وقال تعالى : (وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون) وقال سبحانه وتعالى : (إن الإنسان لظلوم كفار) أي يكفر الظلم بالتوبة ، والظلم له معنيان : الاول : النقص قال تعالى : (كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً) والثاني : وضع الشئ في غير محله وكلما ظلم كفره بالتوبة ، ولهذا أتى بصبغة المبالغة ، وفي الحديث قال رسول الله r : " لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم "

    وسئل :

    رضي الله عنه عن قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل) ما معنى إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ؟

    فأجاب :

    إن الجنب لا يقرب الصلاة حتى يغتسل ، إلا إذا كان عبر سبيل فله أن يقرب الصلاة بلا غسل ويتيمم ، وعابر السبيل هو : أن يكون في طريق مخوفة إذا اغتسل خشي أ، يتأخر عن القافلة

    ثم سئل :

    رضي الله عنه : عن (إذا) الشرطية في قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) الآية ؟

    فأجاب :

    فقال يؤخذ منها مفهومان أحدهما : للوجوب ، والآخر : لا للوجوب ، أما الذي للوجوب فهو إذا كان محدثاً ، وأما الذي لا للوجوب فحيث يكون متوضئاً ، فهو أمر ليس يقتضي الوجوب ، إنما هو نور على نور ، والنبي r ، فكان يصلي الصلاتين بوضوء واحد كمزدلفة ومنى

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (وإذا قرأت القرآن جلعنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً) أي محجوباً ، وذلك أن النبي r كان الله سبحانه وتعالى سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به إلى آخره ، وذلك أن العبد متميز عن المعبود فلا امتزاج وهم يرون العبد ولا يرون العبد ولا يرون المعبود ، لأنه تعالى عنهم محجوب ، وحقيقة النبي r يرونه في حين العبودية ، لكنهم لا يرونه بل بينه وبينهم حجاب مستور ، فهم يرونه ولا يرونه ، وهذان ضدان لا يفترقان ، وذلك مثل المرآة فإنك ترى صورتك فيها بلا شك ، وأنت تعلم أنها ليست فيها ، كذلك البحران فإن الله سبحانه وتعالى مزجهما وأحدهما مالح والآخر حلو ، وبينهما برزخ ، وهذا البرزح لا يدرك بل لا يعرف إلا بالذوق فإذا شربت من هذه الجهة وجدته حلواً ، وإذ شربت من هذه الجهة وجدته مالحاً .

    وقال رضي الله عنه : هذه الحياة هي نوم فمرائيها تعبر وتوضع في قالب التعبير ، فيعطي كل شئ ما يناسبه ، كما أن مرائي المنامات تعبر ، ويعبر كل منها بما يليق به ويناسب ، بدليل : " الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا " فكل أحد نائم إلا ابا بكر رضي الله عنه فإنه شهد له النبي r : أنه ميت ، وإذا كان ميتاً فهو منتبه ، فإن من مات انتبه ، قال فيه r : " من شاء أن ينظر إلى ميت يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى أبي بكر " وفي الصفة التي تسميها الصوفية الفناء ، وهو أن يكون الحق سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به إلى آخره ، فتفنى صفة البشرية وتبقى صفة الألوهية ، فيكون التصرف فيه لله سبحانه وتعالى لا يختار هو شيئاً ، بل يبقى فانياً عن إرادته وشهوته ، فيحيا بحياة الله سبحانه وتعالى ، وهذا لا يدرك بالتعبير ، بل لا يدرك إلا بالذوق ، ألا ترى أنك إذا أردت أن تصف لإنسان السكر وهو لا يعرفه فتقول له : حلو ، فيقول لك : حلاوة عنب أم حلاوة عسل ؟ فتقول له : حلاوة غير هذه الحلاوات كلها ، لا تعرف إلا بالذوق ، كذلك صفة الفناء فإنك تنظر في هذا النظر المبصر لا ينظر إلا بنورين ، نور في الخارج ونور في العين ، إذا فقد أحدهما لا يمكن النظر فإنك إذا نظرت في ظلام لا ترى شيئاً ، وإذا نظرت في ضياء ولا نور في عينك لم تر شيئاً

    ثم إن النظر قد ينظر شيئاً معدوماً ولا ينظر شيئاً موجوداً ، أما المعدوم الذي ينظره فكالشمس تنظرها بين الماء ، ولو حفرت هناك حتى تصل الأرض السفلى لم تجد هناك شمساً ، وأما الموجود الذي لا ينظره فهو الهواء الجامد ، هذا مع أنه بحر جامد يضرب إذا حرك بمروحة أو غير ذلك ، كما يضطرب البحر إذا حرك ، والبحر كثيف علينا لطيف على دواب البحر ، إذ لو كان كثيفاً عليها لا تدفع الماء إلى أجوافها مع جلوسها فيه أبداً ، بخلاف الإنسان فإنه لا يدفع دخوله إلى بطنه في الساعة اليسيرة بل يضطرب فيه حتى يغرق ، وذلك الهواء بالعكس لطيف علينا كثيف عليها ، يضطرب الحوت إذا خرج إلى الهواء كما يضطرب الإنسان في البحر فيغرق فيموت . والشم أوجده الله سبحانه في الأنف يجذب الروائح كما يجذب المغناطيس الحديد ، ثم الذوق يدرك ما يؤكل وما لا يؤكل من المطعومات ، والبهائم جميعها تدرك ما يدركه الإنسان بالذوق بالشم فتدع ما لا يؤكل ، وأما الإنسان في الشئ الذي لا يعرف فما يدع ما لا يمكن أكله إلا بعد المضغ .

    وقال رضي الله عنه : انظر إلى خلق الإنسان يوضع في الرحم ، وهو في طور المنى ، ثم طور العلقة ، ثم طور المضغة ، ثم خلق المضغة عظاماً ، ثم كسا العظام لحماً ، فخرج إنسان في أحسن صورة وقد شق سمعه ، وبصره ، وجميع حواسه ، وهي الأمانة التي عرضها الله سبحانه على الجبال ، والسماوات والأرض فأبين أن يحملنها فتبارك الله أحسن الخالقين ، وهو كان قادراً أن يخلقه كذلك من أول وهلة ، ولكن لحكمة منه قدر ذلك ، ليخلو بكل واحد من خلقه فيصنعه كذلك ، وانظر إلى حب الذرة الشامي تخرج مكسية من عند ربها ، كما يخرج العظم مكسياً لحماً ، وكل شئ له بربه خلوة ، وفي تلك الخلوة يبلغ بها كل شئ غاية ما يكون عليه من حلية وخلق وكسوة ، فما أحسن الخلوة وما أجل من خلا مع ربه عند الاختيار ، كما خلا به عند الاضطرار فإنه لما خلا به أولاً وليس له اختيار أوجده أولاً من العدم الذي ليس هو شيئاً إلى الوجود الذي هو خير من العدم ، ثم ما أبرزه إلى الوجود إلا بعد أن كمل صورته في غاية الكمال ، وكساه وشق سمعه وبصره وأودع فيه جميع ما يزينه كالعقل ، والأعضاء ، والجوارح وأحلاه بما خلق له وهي الفطرة على الإسلام ، والإنسان في حال كونه منياً يراه الحق سبحانه وتعالى في أكمل صورته التي يكون عليها ، وذلك أن الله سبحانه وتعالى يجمع المني إلى صلب الرجل ، كل عضو في ذلك المني باعتبار ما يصير إليه من عضوه ، فالعين من العين ، والأنف من الأنف ، والأذن من الأذن ، وهكذا الباقي وبعد أن يجتمع في الصلب تنبعث دواعي النكاح فيلقيها الرجل في الرحم وهي مني ، والحق سبحانه وتعالى يرى فيها الجوارح والأعضاء جميعها ، في حال كونها منياً وهي السلالة التي قال تعالى : (من سلالة من ماء مهين) وهي التي يقال لها عرفاً : الخميرة التي توضع من عجين اليوم الأول فوق عجين اليوم الثاني ، فسبحان الصانع الحكيم ولا إله إلا هو

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين ) ؟

    فأجاب :

    أن الأرض : هي أرض الجنة ، وكذلك الأرض التي في قوله تعالى : (أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) ولها معنى آخر أي أن الأرض هذه يرثها عبادي الصالحون ، فهي بشارة بالنصر للصالحين ، فيرثون الكفار فتكون كقوله تعالى : (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطؤها وكان الله على كل شئ قديراً)

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن الدعاء في الصلاة ؟

    فأجاب :

    بأنه يدعو فيها بما شاء ، فإن بعض الصالحين كان يدعو حتى بملح العجين ، والدعاء إنما هو تكريم وتعظيم لباب المناجاة وإلا فالله هو الغني عن دعائك ، وهو يعلم بما تدعو في أي يوم وفي أي ساعة من قبل خلقك ، وهو كريم جواد يعطي قبل السؤال وفضله ابتداء ، لكنه يرى لك الخير كأنه وكيل ، والوكيل ينظر مصلحة الموكل ابتداء وانتهاء ، فربما تدعو فلا يؤثر الدعاء في ظاهر الأمر ، وقد وعد سبحانه وتعالى بأن يستجيب (ادعوني أستجب لكم) (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) ووعده الحق ولكنك حين تعلم بمصلحة تأخير الإجابة ن تحمد العاقبة فما أسعد من وكله ورضى به وكيلاً وكفى به وكيلا . وقد تصاب ببلاء فتدعو وتتضرع وذلك المقصود منك ، قال الله سبحانه وتعالى : (وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) فتدعو أن الله يزيله عنك ثم لا يزول ، لكن لو عرفت حقيقة الأمر لاخترت بقاءه ؛ لأنه الدواء ولابد للدواء من مرارة أو كي .

    وقال رضي الله عنه : قال الله سبحانه وتعالى : (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر) أي أن الصلاة المقبولة وهي الكاملة الجامعة لشروطها بتأدية أركانها تامة ، وتأمل معاني القرآن فيها ، والخشوع الذي هو روحها ولا تقوم الذات إلا بالروح ، وفي الصحيح : أن قارئ الفاتحة في الصلاة إذا قال : الحمد لله رب العالمين ، قال الله : حمدني عبدي إلى آخره ، وقد تقدم في أثناء هذه الكراريس . فهذا ذكر الله للعبد أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر ، ثم أخذ رضي الله عنه في تفسير الفاتحة قوله تعالى : (الحمد لله رب العالمين) أتى – هنا – برب العالمين أي رب جميع عوالم هذا العبد ، ولما علم تقصير العبد وعجزه عن الحمد حمد نفسه بنفسه ، ولم يقل ربي لأنه سبحانه وتعالى يحمد نفسه بلسان عبده ، وكل من أراد به خيراً حمد نفسه بلسانه ، فما أعظم هذه المزية لهذا العبد الذي يحمد الله نفسه بلسانه وبسبب مروره على لسانه بأجره عليه ، ويجازيه بقربة في الدارين ، وبالنعيم الدائم ، فلله الحمد على الحمد لأن الإنسان حال قراءة القرآن نائب عن الله تعالى

    قال الله سبحانه وتعالى : (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) فأضاف الكلام إلى الله تعالى ، مع أن الناطق به رسول الله r ، وقوله تعالى : (الرحمن الرحيم) لما ذكر اسمه جل وعلا ترقب السامع بأي صفة يصف الله نفسه ، ثم استشعر صفة تخويف كالجبار ن والقهار ، فقال سبحانه : لا خوف عليك لأنه ؛ (الرحمن الرحيم) وهما اسمان في أعظم مراتب الرجاء قال تعالى : (مالك يوم الدين) لما ادعى العباد أن لهم ملكاً في الدنيا عاملهم بقدرهم ومقتضى جهلهم ، وإلا فهو المالك في الابتداء والانتهاء ، ولم يذكر ملك الدنيا لأنها لا تعدل عنده جناح بعوضة ، فذلك استهانة بها ، وإظهار لحقارتها . وفيه تخويف للكافرين ، وتأمين للمؤمنين ، أي أن الله سبحانه ملك يوم الدين ، وهو الذي تنزل فيه الشمس بقدر ميل حتى يلجم العرق الناس ، ومع هذا يحاسب على مثاقيل الذر (لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً) فالمؤمن يستبشر بذلك ويعلم أن الله سبحانه وتعالى يعلم بخفيات أعماله الحسنة وظواهرها وصلاته تلك ، وهو فيها يعلم أنها ستعرض في ذلك اليوم عند أن يقول (مالك يوم الدين) يزيدها تحسيناً ، والكافر يزداد تهديداً وتوعيداً



    _________________
    خليفتي كذاتي

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 1949
    تاريخ التسجيل: 10/01/2008

    رد: كتب السيد احمد ابن ادريس استاذ الختم

    مُساهمة  Admin في الأحد نوفمبر 07, 2010 1:16 am

    ثم قال : (إياك نعبد وإياك نستعين) أي لا نعبد إلا إياك ، ولا نستعين إلا بك في عبادتنا إياك (اهدنا الصراط المستقيم) الصراط المستقيم : هو صراط الله أي الموصل إلى الله بسرعة ، لأنه لا اعوجاج فيه ، وأن هذا صراطي مستقيماً ، فإذا أحب الله شخصاً كان سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به إلى آخره ، وسلك به صراطه المستقيم ، ثم صراطه المستقيم ، هو صراط الذين أنعم الله عليهم ، قال تعالى : (صراط الذين أنعمت عليهم) وهم الذي أحبهم الله وهداهم إلى الإسلام ، فقد أنعم عليهم بأعظم نعمة إذ لو أوجدك في دار كفر ما عرفت إلا ما هم عليه ، وكان عندك ما هم عليه هو الصراط المستقيم ، وقال تعالى : (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) المغضوب عليهم فسرهم النبي r : بأنهم اليهود فهم مغضوب عليهم ، لأنهم ما عبدوا الله قبل ظهور النبي r إلا لما يطابق أهواءهم ليس لله خالصة إذ لو كانوا مخلصين في عبادة الله من قبل ، لآمنوا بالنبي r ؛ لأنهم يجدونه مكتوباً عندهم ، وإبليس كان يعبد الله قبل خلق آدم ، لكن لحلاوة يجدها عند العبادة والتذاذ ، فلما أمره الله بالسجود لآدم لم يجد تلك الحلاوة واللذة ، فأبى واستكبر وكان إبعاده ولعنه ، وانقلبت أنواره ظلمة ؛ وحلاوته مرارة ، وقربه بعداً ، وإمهاله إنما هو في مقابلة ما عبد الله من قبل ، فهو كالخزي وقال رضى الله عنه : قال الله سبحانه وتعال : يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنى الحميد والعبد مفتقر إلى سيده بقدر مطالبه ، فلا شىء فى الدنيا إلا والإنسان محتاج أليه ، لا تستقيم حياته إلا به . أول شىء : العافية أنت مفتقر إليه سبحانه وتعالى فى إعطائه إياك العافية ، ثم إذا صرت فى عافية فأنت محتاج إلى كل ما تستدعيه العافية ، من منكوح ومطعوم ، ومشروب وملبوس . ومحتاج إلى ذوق تأكل به المأكول وتشرب به المشروب ، وإلى شم تشم به المشموم وسمع تسمع به المسموع، وغير ذلك من جميع الجوارح والأعضاء ومحتاج على شمس وقمر ، ونجوم وسماء , ومطر ونبات ، ودواب وأنعام ، وبر وبحر بل إلى جميع ما فى السماوات وما فى الأرض التى هى مسخرات له فهو فى جميع ذلك مفتقر إلى ربه تعال ، ثم افتقاره فى الآخرة إليه أعظم من افتقاره إليه فى الدنيا ، لأن حاجته فى الآخرة أكثر وبقدر الحاجات يكون الافتقار .

    وسئل :

    رضى الله عنه : هل يؤخذ من قصة الخضر مع موسى عليهما الصلاة والسلام أن الحق يكون متعددا؟

    فأجاب :

    فقال : لا لنه لما كشف الحقيقة لموسى عليه السلام عما فعله ، صار الحق واحد عندهم ، وإنما كان إنكار موسى عليه السلام وهما منه أن ما فعله : الخضر غير الحق ، والوهم لا يكون حقا ، وإنما كان إنكار موسى عليه السلام لما غاب عنه ما وقع له من جنس تلك الحكمة الإلهية مرات ، فإنه وقع له فى المرة الولى : الإلقاء فى التابوت فى اليم ، وأمسك الله بقدرته الماء من دخوله إليه ، وأيضاً أمره الله تعالى ان يضرب البحر بعصاه فصار كل فرق كالطود العظيم ، حتى مر بنو إسرائيل ، وأيضا فإن الله تعالى أمسك على الحوت جرية الماء فصار عليه كاطاق ، فالقادر على ذلك قادر على إمساك الماء عن إغراق السفينة ، والخضر فعل ذلك بالسفينة مكافأة لأصحابها لأنهم حملوهم بغير نول ، فلما صارت فى صورة المعيبة تركها الملك ، وأخذ غيرها من السفن ، فكل من يريد ركوب البحر أو تحميل شىء فيه لم يجد غير تلك السفينة ، فكثر نولها ، وانتفع أهلها ، هذا معنى ما قاله . وفى الثانية : وقع لموسى عليه السلام قتل القبطى وكان قتله له بالحق فى نفس الأمر إلا أنه لم يؤمر بقتله ، ولما كان على غير أمر قال : ( رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى فغفر له ) فهو مصيب بقتله إذ هو مستحق للقتل فى علم الله ، فالله سبحانه وتعالى قتله بيد موسى وهذا أيضاً بالمعنى ، وفى الثالثة : سقى موسى لإبنتى شعيب عليهما الصلاة والسلام وهو لا يعرفهما ، وهو فى حاجة إلى الطعام ، ولم يطلب منهما أجراً ولا عول عليهما فى سد فاقته بشىء من الطعام ، أو شربة من لبن غنمهما ، بل وجه طلبه إلى الله تعالى ( فقال رب إنى لما أنزلت إلى من خير فقير) وجاء في الحديث : أنه ما طلب إلا الطعام فكأن لسان الخضر عليه السلام يقول له : أنت أنفت من طلب الأجرة على عملك من غير الله ، فكيف تخاطبني أن أطلب أجراً على عملي من غيره ، وما فعلته عن أمري .

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن احتجاج آدم على موسى عليهما الصلاة والسلام وذلك لما اجتمع موسى مع آدم فقال له موسى : أنت الذي أخرجتنا ونفسك من الجنة ، فقال له آدم : أنت الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه ، وفي آخر هذا قال النبي r : " فحج آدم موسى "

    فأجاب :

    فقال ما معناه : تعرف من سؤال موسى ، وجواب آدم ، مقدار شفقة الوالد على ولده ورحمته له ، وأن الولد ليس فيه ذلك القدر لوالده ، فإنه قال له : أخرجتنا من الجنة بخطيئتك ، وفي هذه العبارة نوع من سوء أدب في خطاب الولد لوالده ، وكان في جواب الوالد ذكر فضيلة الولد ، والإعراض عن ذكر خطيئته ، بل أعلمه بما معناه : أنه لا وجه لإنكارك على مع علمك أنه كتب على قبل أن أخلق بكذا وكذا ([1]) من السنين ، ولم يقل له : لو كنت أنت لأخرجتنا بخطيئتك إخراجاً أعظم من إخراجي ، فإنك قتلت القبطي ولم تؤمر بقتله ، فخطيئتك تعدت إلى الغير ، وأما أنا فأكلت من شجرة ليس لأحد فيها حق غير الله تعالى ، لكن لما كان آدم – عليه السلام – متأدباً بآداب الله مع ما عنده من شفقة الوالد ، وهو عالم أن الله سبحانه وتعالى قد غفر لموسى ، وهو إذاً غفر لعبده لم يثربه فلم يحسن تثريب موسى بذكر خطيئة قد غفرت ، والاحتجاج بالقدر على الله هو الذي فيه خطر عظيم

    ثم ذكر الحديث الذي معناه : أن الله تعالى يوقف عبداً يوم القيامة فيقرره بذنوبه فإذا قال العبد : أنت قدرت ، أمر به إلى النار ، نعوذ بالله منها ، وآخر يقرره الله تعالى على أفعاله فيعترف بها ويقول : يا رب فعلت وفعلت ، فيقول الله تبارك وتعالى : أنت فعلت ، وأنا قدرت ، ويأمر به على الجنة قال : هذا حفظ الله ، وأتى عمر رضي الله عنه بسارق ، فقال له : لم سرقت ؟ فقال : القدر ، فقال عمر : كذبت وأمر به فقطع ، فهذا من باب الاحتجاج على الله تعالى ، والاحتجاج بالقدر لا يسقط الحد

    ومن إملائه رضي الله عنه من الأحاديث : عن النبي r : الحديث الأول : قال r : " أوحى الله إلى يا أخا المرسلين ، يا أخا المنذرين ، أنذر قومك أن لا يدخلوا بيتاً من بيوتي إلى بقلوب سليمة ، وألسنة صادقة ، وأيد نقية ، وفروج طاهرة ، ولا يدخلوا بيتاً من بيوتي ولأحد من عبيدي على أحد منهم ظلامة ، فإني ألعنه مادام قائماً بين يدي يصلي ، حتى يرد تلك الظلامة إلى أهلها ، فإذا فعل ذلك كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويكون من أوليائي وأصفيائي ، ويكون جاري مع النبيين والصديقين ن والشهداء في الجنة " أ .هـ .

    الحديث الثاني : عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أنه قال : جاء جبريل عليه السلام إلى النبي r ، فقال : ما جئتك حتى أمر الله بمفاتيح جهنم ، فقال رسول الله r : " يا جبريل ، صف لي النار / وانعت لي جهنم ، فقال رسول الله r أمر بجنهم فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت ، ثم أمر سبحانه وتعالى فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت ، ثم أمر سبحانه وتعالى فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت ، فهي سوداء مظلمة لا يضئ شررها ، ولا يطفأ لهبها ، والذي بعثك بالحق لو أن قدر ثقب إبرة فتح من جهنم ، لمات من في الأرض كلهم جميعاً من حره ، والذي بعثك بالحق لو أن ثوباً من ثياب أهل النار علق بين السماء والأرض ، لمات من في الأرض كلهم جميعاً من حره ، والذي بعثك بالحق لو أن حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا لا رفضت وما تقارت حتى تنتهي إلى الأرض السفلى ، والذي بعثك بالحق لو أن خازناً من خزنة جهنم برز إلى أهل الدنيا فنظروا إليه لماتوا جميعاً من قبح صورته ، ونتن ريحه ، فقال رسول الله r : حسبي يا جبريل ، لا ينصدع قلبي فأموت ، فبكى جبريل عليه السلام ، فنظر إليه رسول الله r وهو يبكي ، فقال : تبكي يا جبريل وأنت من الله بالمكان الذي أنت به ، فقال جبريل : ومالي لا أبكي ؟ أنا أحق بالبكاء ، وما أدري لعلي أكون في علم الله على غير الحال التي أنا عليها ، وما أدري لعلي أبتلي بما ابتلي به إبليس فقد كان من الملائكة ، وما أدري لعلي أبتلي بما ابتلي به هاروت وماروت ، فبكى رسول الله r وبكى جبريل ، فما زالا يبكيان حتى ناداهما الحق : يا جبريل ، ويا محمد ، إن الله قد أمنكما أن تعصياه ، فارتفع جبريل ، وخرج رسول الله r ، فمر بقوم من الأنصار يضحكون ويلعبون ، فقال رسول الله r : أتضحكون ووراءكم جهنم ؟ لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ، ولما اسغتم الطعام والشراب ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ، فناداه الحق : يا محمد ، لا تقنط عبادي " رواه الطبراني في الأوسط

    وفي الحديث القدسي : " يا عبادي ، أعطيتكم فضلاً ، وسألتكم قرضاً فمن أعطاني شيئاً مما أعطيته طوعاً عجلت له الخلف في العاجل ة، وادخرت له الثواب في الأجل ، ومن أخذت منه شيئاً مما أعطيته كرهاً فصبر واحتسب ، أوجبت له صلاتي ورحمتي ، وكتبته من المهتدين ، وأبحت له النظر إلى وجهي " : (وفيه أيضاً) " من أكرم منى جوداً ؟ أكلؤهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوني ، ومن أكرم مني ؟ أقبل التائب كأنه لم يزل تائباً " وجاء رجل إلى النبي r ، فقال له النبي r " جئت تسألني عن سعة رحمة ربي ؟ وأخبره بقول الله عز وجل : لو كنت معجلاً لأحد العقوبة ، أو كانت العجلة من شأني لعجلت للقانطين من رحمتي ، يذنب أحدهم ذنباً فيستعظمه في جنب عفوي ، فلو لم أذكر لعبادي إلا خوفهم من الوقوف بين يدي لشركت ذلك لهم ، فجعلت ثوابهم من ذلك الأمن مما خافوا " وقال r : " أتاني جبريل عليه السلام ، فعلمني الصلاة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ، فجهر بها " من الجامع الكبير للسيوطي . وقال عليه أفضل الصلاة والسلام لابن عمر رضي الله عنه : " يا ابن عمر ، لا يغرنك ما سبق لأبويك من قبلي ، دينك دينك ، إنما هو لحمك ودمك ، فانظر عمن تأخذ ، خذ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين قالوا " وقال r : " من قطع رجاء من ارتجاه قطع الله رجاءه منه يوم القيامة ، فلم يدخله الجنة " وقال r : " من عاد مريضاً فأكل عنده ، فذلك حظه من عيادته "

    وقال r : " إن السائل لا يسأل وما هو بإنس ولا جان ، وإنه من ملائكة ربنا يختبر العباد فيما خولهم الله تعالى " قال r : " أصدق الحديث ما عطس عنده " (ما يقال عند الوضوء) بسم الله العظيم والحمد لله على الإسلام (وعند الاستنجاء) اللهم حصن فرجي ، واجعلني من الذين إذا ابتليتم صبروا ، وإذا أعطيتهم شكروا (وعند المضمضة) اللهم أعني على تلاوة ذكرك ، ولقني حجتي (وعند الاستنشاق|) اللهم لا تحرمني رائحة الجنة (وعند غسل الوجه) اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه (وعند غسل اليد اليمنى) اللهم أعطني كتابي بيمينى ، وحاسبني حساباً يسيراً (وعند غسل اليد اليسرى) اللهم لا تعطني كتابي شمالي ولا من وراء ظهري (وعند مسح الرأس) اللهم غشني برحمتك (وعند مسح الأذنين) اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه (وعند غسل الرجلين) اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام

    وعند الفراغ سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك ، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، أشهد أن محمداً عبده ورسوله ، اللهم اجعلني من التوابين ، واجعلني من المتطهرين ، واجعلني من عبادك الصالحين ، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، ثم يقرأ آية الكرسي لأنه ورد : من قرأ آية الكرسي عقب الوضوء : زوجه الله أربعين حوراء ، وأعطاه ثواب أربعين عالماً ، ثم يقرأ : إنا أنزلناه ثلاث مرات .

    ما يقال عند الخروج إلى المسجد اللهم إني أسالك بحق السائلين عليك ، وبحق ممشاي هذا إليك ، فإني لم أخرج بطراً ولا أشرا ولا رياء ولا سمعة ، خرجت اتقاء سخطك ، وابتغاء مرضاتك ، أسألك أن تعيذني من النار ، وأن تغفر لي ذنوبي ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، فمن قالها أقبل الله عليه بوجهه ، ومن أقبل عليه بوجهه لم يعذبه أبداً ، ووكل به سبعين ألف ملك يستغفرون له ، انتهى (ومن الأدعية الواردة بعد صلاة الجمعة) سبحانه الله وبحمده ، سبحان الله العظيم ، أستغفر الله (مائة مرة) ، أعوذ بوجه الله الكريم ، الذي ليس شئ أكرم منه ، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزنهن بر ولا فاجر ، وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم ، من شر ما ينزل من السماء ، وشر ما يعرج فيها ، وشر ما ذرأ في الأرض ، وشر ما يخرج منها ، ومن فتن الليل والنهار ، ومن طوارق الليل إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن

    ومما أرشد إليه رضي الله عنه : يا لطيف (ألف مرة) ، ثم تقول بعد كل مائة : الطف بي في أموري كلها كما تحب وترضى ، وأرضني في ديني وبدني ودنياي وآخرتي يا ذا الجلال والإكرام ، اللهم يا لطيف |، لطفت بخلق السماوات والأرض ، ولطفت بالجنين في بطن أمه ، الطف بي في قضائك وقدرك لطفا يليق بجلالك وكرمك ، يا أرحم الراحمين ، ويا رب العالمين ، ويا أكرم الأكرمين

    وقال رضي الله عنه : ينبغي للإنسان أن لا يترك صلاة الخيرة في كل يوم بعد صلاة الإشراق ، ثم يقول الدعاء المأثور عن النبي r ، في جميع أركان الصلاة ، كصلاة التسبيح ويكون لفظ المستخار فيه بعد لفظ الاستخارة ، اللهم ما علمت من جميع كلامي ، وحركاتي ، وسكناتي ، وخطواتي ، وأنفاسي كلها دائماً سرمداً أبداً في يومي هذا وما بعده ، إلى انقضاء أجلي خيراً لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمرى فاقدره لي ويسره لي ، ثم بارك لي فيه ، اللهم وما علمت من جميع ذلك شرا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به . انتهى . وطلب بعض أصحاب سيدي أحمد بن إدريس رضي الله عنه ، أن يكتب له كلاماً ينفعه الله به فكتب له : بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على مولانا محمد وعلى آله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم . (أما بعد) : فالأمر الجامع والقول النافع ، والسيف القاطع ، في طريق الله تعالى ، إن على العاقل الذي يريد نجاة نفسه من جميع المهالك ، ويحب أن يدخله الله تعالى في سلك المقربين في جميع المسالك إذا أراد أن يدخل في أمر من أموره قولاً أو فعلاً ، فليعلم أن الله تعالى لابد أن يوقفه بين يديه تعالى ، ويسأله عن ذلك الأمر فليعد الجواب لسؤال الحق تعالى قبل أن يدخل في ذلك الأمر ، فإن رأى الجواب صواباً وسداداً يرتضيه الحق تعالى ، ويقبله منه فليدخل في ذلك الأمر فعاقبته محمودة دنيا وأخرى ، وإن رأى أن ذلك الجواب لا يقبله منه تعالى ولا يرتضيه فليشرد من ذلك الأمر أي أمر كان ؛ فإنه وبال عليه إن دخل فيه . وهذه القاعدة هي أساس الأعمال والأقوال كلها ، فمن تحقق بها ورسخ فيها كانت أحواله كلها مبنية على السداد ظاهراً وباطناً لا يدخلها خلل بوجه من الوجوه ، وهذا معنى قول الني r : " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوها قبل أن توزنوا "

    القاعدة الثانية : أن لا يفعل فعلاً ولا يقول قولاً حتى يقصد به وجه الله تعالى ، فإن صحح القصد فيه لوجه الله تعالى ، وغسل قلبه من كل شائبة لغير الله تعالى ، صار لا يتكلم ولا يفعل فعلاً إلا عن تثبت وتأن ، وصارت أعماله كلها دقيقاً خالصاً لا نخالة فيه بوجه من الوجوه ، وهذا معنى قول خالقنا جل وعلا لرسوله الأعظم وحبيبه الأكرم r : (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والغشي يريدون وجهه) أي لا غيره في جميع أمورهم وقال عز وجل : (وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى)

    القاعدة الثالثة : أن يوطن قلبه على الرحمة لجميع المسلمين : كبيرهم وصغيرهم ويعطيهم حق الإسلام من التعظيم والتوقير ، فإن رسخ في هذه القاعدة قلبه واستقاه فيها أفاض الله على سائر جسده أنوار الرحمة الإلهية وأذاقه حلاوتها ، فنال من الإرث النبوي حظاً وافراً عظيماً من قول الله عز وجل : (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وهذا معنى قول النبي r : " إن لله عز وجل ثلاث حرمات فمن حفظهن حفظ الله عليه أمر دينه ودنياه ، ومن لم يحفظهن لم يحفظ الله عليها شيئاً : حرمة الإسلام ، وحرمتي ، وحرمة رحمي " وهذا معنى قول النبي r لأبي بكر الصديق رضي الله عنه : " لا تحقرن أحداً من المسلمين فإن صغير المسلمين عند الله كبير "

    القاعدة الرابعة : مكارم الأخلاق التي بعث رسول الله r لإتمامها ، لقوله r : " إنما بعث لأتمم مكارم الأخلاق " وهذه القاعدة هي زبدة الدين وحقيقتها : أن يكون العبد هيناً لينا مع أهل بيته وعبيده وجميع المسلمين قال رسول الله r : " أهل الجنة : كل هين لين سهل قريب ، وأهل النار : كل شديد قبعثري " ، قالوا : يا رسول الله ، وما قبعثري ، قال : الشديد على الأهل ، الشديد على الصاحب ، الشديد على العشير " وقال مولانا العظيم : (وقولوا للناس حسنا) أي لا قبحاً ، وقال عز وجل : (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن) والأحسن : هو الذي جمع الحسن وزيادة

    وبالجملة : فالذي تحب أن يواجهك الناس به من الكلام الطيب ، والقول الحسن والفعل الجميل ، فافعله مع خلق الله تعالى ، وما تكره أن يعاملك العباد به من الكلام الخبيث ، والقول القبيح ، والفعل الكريه ، فاترك الناس والخلق منه ، فإن الله عز وجل يعامل العبد بوصفه ، وخلقه الذي يعامل به الناس فإن المجازاة على الوصف بالوصف جزاء وفاقاً ، فمن كان للخلق جنة ورحمة وظلاً ظليلاً يستريحون فيه ، كان الله له كذلك ، فمن أكرم عبداً لمراعاة سيده فإنما أكرم السيد نفسه ، ولذلك جاء في الحديث عن الله تعالى ، أنه يقول للعبد يوم القيامة : " جعت فلم تطعمني ، واستسقيتك فلم تسقني ، ومرضت فلم تعدني ، فيقول العبد : كيف تجوع وأنت رب العالمين ؟ وكيف تمرض وأنت رب العالمين ؟ وكيف تستسقى وأنت رب العالمين ؟ فيقول له سبحانه مفسراً لذلك : أما إنه مرض عبدي فلان فلو عدته لوجدتني عنده ، وجاع عبدي فلان ، أما إنك لو أطعمته لوجدت عندي ، واستسقاك عبدي فلان ، أما إنك لو أسقيته لوجدت ذلك عندي " ففسر سبحانه نفسه قوله : جعت ومرضت واستسقيتك ، بقوله : جاع عبدي فلان ، ومرض عبدي فلان ، واستسقاك عبدي فلان ، فمعاملة العبد لملاحظة سيده هي معاملة السيد بلا شك ، فمن رسخ قدمه في هذا المقام وصارت معاملته مع الحق تعالى جل جلاله في كل شئ ، فلا يراقب غير الله تعالى ، ويجمع مكارم الأخلاق مع الله تعالى ، ومع عبادة قول النبي r : " أكرموا الله تعالى أن يرى منكم ما نهاكم عنه " وهو أن لا يراك سبحانه حيث نهاك ، ولا يفقدك حيث أمرك

    والأمر الذي يبعث العبد على الحياء من الله تعالى ، هو أن يعلم علم حضور أن الله على كل شئ رقيب ، وعلى كل شئ شهيد ، وهو قوله تعالى (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) فإذا شغل العبد قلبه بهذه المراقبة ، واستعملها حتى اعتادها وألفها ، ألزمه الحياء من الله تعالى ، أن لا يقول قولاً ولا يفعل فعلاً لا يرضاه الله تعالى ، ولا يليق بجلاله ، وهو حاضر القلب (وهو معكم أينما كنتم) بأن الله تعالى معه وناظر إليه ، فإن العبد إذا أراد أن يزني مثلاً أو يسرق ، والناس ناظرون إليه لا يقدر أن يقدم على ذلك مع علمه بنظر الناس إليه ، ويستقبح ذلك من نفسه ويستخبثه ، فإذا كان الحال هكذا مع المخلوق الذي لا يملك ضراً ولا نفعاً ، والحامل له على ذلك كله مخافة أن يسقط من أعين الناس ، وينحط قدره عندهم ، فلا شك أنه إذا كان حاضر القلب عند الشروع في الفعل الذي لا يرضاه الله تعالى ، ترك ذلك الفعل قطعاً وهذا معنى قول النبي r في الإحسان : " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " فمن كان بهذه الحالة لزمه أن يحسن تلك العبادة ، ويتقنها على قدر قوة علمه أن الله ناظر إليه فيها .

    وسئل :

    رضي الله عنه : هل يلزم الإنسان الاختبار إذا أحس بشئ خرج من ذكره وهو في الصلاة ؟

    فأجاب :

    فقال : لا يلزمه ذلك ولا ينبغي له أن ينقض وضوءه بمجرد الشك ، بل يبقى في صلاته ولا ينصرف منها لعدم اليقين ، لأن اليقين لا يحصل إلا بالاختبار ، والاختبار متعذر وهو في الصلاة ، ثم بعد فراغه من الصلاة يختبر ، فإن وجد ذلك حقاً أعاد الوضوء والصلاة ، وإن لم يجد فلا اعتبار بالشك الواقع في الصلاة ، لأنه انكشف خلاف ما خيل

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن الدعاء في الصلاة هل يأتي به بصيغة الجمع إذا كان إماماً ولو كان وارداً عن النبي r بصيغة الإفراد مثل " اللهم أعط نفسي تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها " ونحو ذلك فيقول :/ اللهم أعط أنفسنا ؟

    فأجاب :

    فقال : أئت بصيغة الجمع وإن كان وارداً بصيغة الإفراد ؛ لأن في الحديث " من أم قوماً فأفرد دونهم نفسه فقد خانهم " وعن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله r : " ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلن : لا يؤم رجل قوماً فيخص نفسه بالدعاء دونهم ، فإن فعل فقد خانهم ، ولا ينظر في قعر بيت قبل أن يستأذن ، فإن فعل فقد دخل خائناً ، ولا يصلي وهو حاقن حتى يتخفف " رواه أبو داود واللفظ له ، والترمذي وابن ماجه وحديثه مختصر : وقال الترمذي : حديث حسن ، ورواه أبو داود – أيضاً – من حديث أبي هريرة . ومنها : أن يسأل الله تعالى بعزم ورغبة ، وحضور قلب ورجاء ، قال الله تعالى : (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين) والنبي r وإن أتى بصيغة الإفراد فهو روح كل مؤمن ، ففي الحديث عن النبي r قال : " ما دخلت شوكة في رجل أحدكم إلا وجدت ألمها " وأيضاً إذا كان الإنسان منفردا يأتي بصيغة الجمع ، وينوي المسلمين وهو أولى ، هذا معنى ما ذكره ، أعاد الله علينا من بركاته . آمين

    وسئل :



    _________________
    خليفتي كذاتي

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 1949
    تاريخ التسجيل: 10/01/2008

    رد: كتب السيد احمد ابن ادريس استاذ الختم

    مُساهمة  Admin في الأحد نوفمبر 07, 2010 1:18 am

    رضي الله عنه : ما الفرق بين الظن الذي هو أكذب الحديث والذي لا يغني من الحق شيئاً ، وبين الظن الذي في قوله تعالى في الحديث القدسي : " أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي عبدي ما شاء " ؟

    فأجاب :

    إن الله سبحانه وتعالى لا يعلم أحد ما عنده ، ولا يدري ما يفعل به ، فإذا ظن به عبده خيرا حققه الله ، فكيف إذا تحقق العبد في الله خيرا فهو سبحانه وتعالى يحقق لعبده ظنه ، ولا تسأل عمن علم في الله ، وعلم بالله حق علمه ، سبحانه ما أكرمه

    وسئل ة:

    رضي الله عنه : عن القراءة خلف الإمام هل لابد منها ، أم قراءة الإمام له قراءة ؟

    فأجاب :

    بأنه لا يقرأ خلف الإمام إلا الفاتحة ، لما في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال : " لعلكم تقرؤن ورائي ، قالوا : إنا نفعل ، قال : لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها " ولم يفرق النبي r بين أن يكون إماماً ، أو مؤتماً ، أو منفرداً ، وفي الأصل : أن الصلاة مناجاة بين العبد ورب ، ولا تكون مناجاة الإمام مناجاة عن المؤتم ، قال تعالى : (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) إنما الإمام يكون شفيعاً لقوله r : " ائمتكم شفعاؤكم فانظروا لأنفسكم شفعاء " وأيضاً فإن في الحديث القدسي : " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي فإذا قال : بسم الله الرحمن الرحيم ، قال الله : ذكرني عبدي ، وإذا قال : الحمد لله رب العالمين قال : حمدني عبدي ، وإذا قال : الرحمن الرحيم ، قال : اثنى علي عبدي ، وإذا قال : مالك يوم الدين ، قال : مجدني عبدي ، وإذا قال : إياك نعبد وإياك نستعين ، قال : هؤلاء بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، وإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل " فجعل سبحانه وتعالى الصلاة هي الفاتحة لأنه قال : قسمت الصلاة بين وبين عبدي ، ولم يذكر إلا الفاتحة مع أن الصلاة أذكار وأركان فهو كقول النبي r " الحج عرفة " مع أن أعمال حجم كثيرة لكن الوقوف لا يتم الحج إلا به ، وإذا لم يقف بعرفة لا يسمى حجاً ولو فعل أعمال الحج جميعها ، كذلك الفاتحة في الصلاة

    وقال رضي الله عنه : لما أراد الله سبحانه وتعالى أن يحرض عبيده على إنفاق المال في الصدقة ، ويرغبهم في ذلك ، قال تعالى : (وأتوهم من مال الله الذي آتاكم) فأضاف المال إليه سبحانه ، لأن السيد إذا قال لعبده : أنفق من مالي والخير عائد عليك في إنفاقه ، كان ذلك ترغيباً له في إنفاقه ، لأن الإنفاق من مال غيره والخير عائد عليه ولما أراد سبحانه وتعالى أن يحرضهم على حفظه عن الإتلاف ، قال سبحانه : (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً) فأضاف المال إلى العباد إضافة ملك ، ليكونوا أشد حرصاً عليه ، سبحانه وتعالى ما ابلغ كلامه ، رزقنا الله التدبر لمعانيه

    وقال رضي الله عنه : في قول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي : " الصوم لي وأنا أجزي به " أي إن الصوم صفة من صفاتي ، كما قال تعالى : " وهو يطعم ولا يطعم ) وفي الحديث : " تخلقوا بأخلاق الله تعالى " فأمر سبحانه وتعالى عبيده أن يتخلقوا بهذه الصفة وهو عدم الطعم للطعام ، وفي وقت مخصوص ، فقوله : الصوم لي أي هو في الحقيقة لي ، لأني أطعم ولا أطعم وأنا أجزي به ، أي أنا جزاؤه لأنه تخلق بخلقي ، فجعلت جزاءه النظر إلى فأنا جزاؤه ، فإن رجلا قال للنبي r : أوصني ، فقال له : " عليك بالصوم : فإنه لا مثل له " فلو لم يكن تفسير هذا الحديث كذلك لتعطل المعنى ، تعالى الله علواً كبيراً ، إذ لو كان معناه على ظاهره لكان مثل سائر الأعمال ، لأن الأعمال كلها لله ، وهو سبحانه وتعالى يجزي بها

    وقال رضي الله عنه : أنزل الله القرآن محكماً ومتشابهاً ، فالمحكم : أوضح من الشمس ، قال تعالى : (هذا بيان للناس وهدى) وقال تعالى : (قد بينا الآيات لقوم يعقلون) وقال تعالى : (فألهمها فجورها وتقواها) أي بين لها طريق السعادة وضدها ، وقال تعالى : (وهديناه النجدين) أي بينا له النجدين ، وإذا أشكل منه شئ لقلة فهم ، فقد أمر سبحانه ورسوله أن يبينه للناس ، قال تعالى : (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) فبين r في السنة ما بينه ، وما لم يبينه فليس لنا أن نبحث عنه . وأما المتشابه : فأنزله تعالى ليختبر به عبيده وهو أعلم بهم ، فمنهم : من يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وما يعلم تأويله إلا الله ، ومنهم : من يؤمن به على الجملة فيقولون : آمنا به كل من عند ربنا ، وهم الراسخون في العلم ، والذين ينظرون في متشابه ويحرمون حلاله ، إنما هم يتكلفون ما لا يعينهم ، ويقولون على الله ما لا يعلمون ، ويفترون على الله الكذب ، ولو قيل لأحدهم : أتحلف بالله العظيم ، وطلاق امرأتك ثلاثاً ، أنا ما فسرت به هذه الآية التي هي من المتشابهات ، هو مراد الله ؟ لرجع عن ذلك خوف أ، تطلق امرأته فيصير زانياً ، ولم يعلم أنه قد كفر . قال الله تعالى : (إنما يفترى الكذب الذي لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون) وقال تعالى : (إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم) فهذا الذي خاض فيما لا يعنيه ما علم تفسير تلك الآية التي هي من المتشابهات ، إنما هو من عند نفسه وليس معه دليل من السنة ، ولا هو مبين من عند الله ، فليته كان من أهل الدرجة الثالثة ، وهي : لا أدري لأن في الحديث : " من كذب على متعمداً ليتبوأ مقعده من النار ومن سمع شئ مني فرده فأنا خصمه يوم القيامة " وفي الحديث عن النبي r : " العلم ثلاثة : آية محكمة ، وسنة ماضية ، ولا أدري "

    وقال رضي الله عنه : سبب اندراس الإسلام خوض الناس فيما لا يعنيهم ، فأكثروا الرسوم في العلوم والكتب المؤلفات ، في بيان أشياء ما أمرنا أن نتكلف بها ، ولا نبحث عنها ، كالعلم باليد في قوله تعالى : (يد الله فوق أيديهم) وقوله تعالى : (بل يداه مبسوطتان) وهذا لا ينبغي ولا يجوز الخوض فيه ، ويجب أن لا نتكلم فيه بشئ أبداً ، فإن الله سبحانه وتعالى جعل للرحمة يدين ، فقال سبحانه : (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته) وجعل للنجوى يدين فقال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة) فيد الرحمة ويدا النجوى لا يعلم كيفيتهما إلا الله سبحانه وتعالى ، فما ظنك في العلم بكيفية يد الحق سبحانه وتعالى ، آمناً بالله . فهي كما يليق بجلاله وجماله وكماله ، فالخوض في مثل هذا أعظم الخطر ، قال الله تعالى حاكياً عن أهل النار لما قيل لهم : (ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين) فتأمل ما أخطر الخوض مع الخائضين ، وهذا من جملة الخوض الذي هو إلى الهلاك أقرب بل هو عين الهلاك

    وقال رضي الله عنه في معنى : سبحان الله وبحمده سبحان الله : منصوب بفعل محذوف أي أسبحه تسبيحه الذي يعلمه لنفسه ، ويليق بجلاله ، وكما يسبح به نفسه وبحمده : متعلق بفعل محذوف ، يعني : وأحمده بحمده كما يليق بجلاله ، كما قال r : " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك "

    وقال رضي الله عنه : رأى بعض الصالحين من أولياء الله تعالى في المنام الحق جل وعلا ، فقال له : يا إلهي وسيدي ، أكرمت الرسل صلوات الله عليهم أجمعين بالوحي والمناجاة ، فاجل لي شيئاً يكون بيني وبينك من غير واسطة ، فقال سبحانه : من أحسن إلى من أساء إليه فقد أخلص لله شكراً ، ومن أساء إلى من أحسن إليه فقد أبدل نعمة الله كفراً ، وهذا من أعظم الفوائد من عمل به أرشده الله إلى الخيرات ، والمحسنون إليك قد يكونون من جنسك ، ومن غير جنسك ، وذلك الإحسان كله هو بتسخير من المحسن الكريم الأعظم ، فما سخر لك سبحانه وتعالى دابتك وعبدك وجاريتك فدابتك محسنة إليك بحملها لثقلك ، وحملك على ظهرها ، وتطيعك أينما وجهتها ، فإحسانك إليها أن تشبعها من رزق الله ، وتسقيها ولا تحملها زائداً على جهدها ، ولا تضربها لتسير سيراً فوق ما تطيق ، فإن فعلت فقد أسأت إليها وإن أسأت إليها فأنت داخل فيمن أساء إلى من أحسن إليه وبدلت نعمة الله كفراً ، نسأل الله العافية والسلامة ، وكذلك العبد وهو أيضاً مختص بشئ وهو قول النبي r : " خادم القوم سيدهم " فكيف إذا أسأت إلى سيدك المحسن إليك ، وبدلت نعمة الله كفراً ؟

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) ولم يقل نعم الله أي لا تحصوا نعمة واحدة أنعمها عليكم ، فانظر إلى نعمة الحب فإن الله سبحانه وتعالى رزقك إياه وأنعم عليك به ، وأنت تنظره موجوداً بعد أن كان في العدم ، ولا تدري كيف وجوده ، ولو تفكرت لعرفت مقدار نعمته ، فإن الله سبحانه وتعالى أولاً : أمر الأرض فخدمته بأن حفظته في بطنها ، ثم أمر السحاب فخدمته بأمطارها ، ثم أمر المطر فخدمه بسقيه إياه ، ثم أمر الشمس فخدمته بإنضاجها إياه ، ثم أمر الريح فخدمته بتلقيحها إياه ، ثم خدمه الحديد لأن منه آلات الزراعة ، ثم خدمته البقر وغير ذلك حتى حصل فسبحان الله وتعالى سخر له بركة السماء والأرض ، وما أهانه قوم إلا سلط عليهم الجوع " ومن نعمة الله سبحانه وتعالى ، أن جعل رزقك يتبعك أينما كنت ، إذ لو كان في محل واحد وأنت تقصده لكان ذلك هو العذاب الشديد ، فإنك إذا رحلت من بلدك – مثلاً – إلى مكة فرزقك فهو مقسوم مكتوب ، وما كتب لك سوف يأتيك .

    ألا ترى أنك تشرب – مثلاً – شربة من زمزم وهو سبحانه قد قسمها لك ، وعلمها منحازة عما خالطها من المياه في جوف البئر فيعلم أن هذه الجرعة في هذا الدلو هي رزق لفلان ، وهذه تراق على الأرض ، وهذه تعود إلى البئر ، يعلم ذلك سبحانه مقسماً قبل أن يوجده من العدم ، فيسوق إليك منه رزقك وأيضاً يأتيك رزقك إليها من الهند ، ومن الروم ، ومن الطائف ، فهذه رمانة قسمت لك رزقاً قبل وجودها وقبل وجودك ، فساقها إليك ، وهذا صاع من رزق ساقه إليك من الهند وغير ذلك إذ لو كلفت أ، تحمل جميع رزقك : من ماء ، وحطب ، وعلف ، وحب وجميع ما تحتاجه من بلدك ، وهو بالغرب مثلاً إلى مكة لاستغرق أكثر جمال الأرض . رجل واحد إذا أراد مثلاً أن يسكن في مكة عشر سنين ، أو سنتين ، أو سنة وهذا هو العذاب الشديد ، فسبحان المتفضل ما أكرمه ، ومن النعم : الجوارج التي أودعها فيك والحواس ، فإنك لا تعرف نعمة النظر إلا إذا فقدته ، ولو كان معك ملك الدنيا بأجمعها ، وقيل لك : اختر رجوع نظرك ، ويؤخذ الملك منك أو يبقى الملك في يدك مع فقد نظرك لاخترت النظر ، ولكنك لم تعلم بقدره عند وجدانه ، وكل شئ ما يعرف إلا بضده ، وبضدها تتميز الأشياء ولكن لا ينفع الاعتراف بالنعم عند فقدانها . ثم قال : اللهم اجعلنا ممن اعترف بنعمك عند وجودها ، وأوزعنا شكرها .

    وقال رضي الله عنه : " الدنيا سجن المؤمن " هذا الحديث معناه : أن المسجون لا يكون همه إلا الخروج من السجن ، كذلك المؤمن ليس همه إلا الخروج من الدنيا ، شوقاً للقاء ربه ، فإن النبي r لما نزلت عليه (إنك ميت وإنهم ميتون) سر بذلك سروراً عظيماً شوقاً إلى لقاء الله تعالى ، لأنه مشاهد للحق تعالى في كل حالة ، لكن سبحانه وتعالى متصف بصفات القهر والرحمة ، والعذاب في الدنيا ، والأخرى بالرحمة فقط ، فلذلك كل من أحب الله تعالى أحب لقاءه ، قال الله تعالى : (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) ولأن المؤمن مخاطب بمحاسبة النفس في الدنيا ، فلذلك كانت في حقه سجناً ، فإذا لم يكن كذلك فهو من نقص إيمانه ، لأنه مطمئن إلى الدنيا ، قال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله أثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة) ولم يقل منا ، إذ لو قال ذلك لانقشت قلوب الصحابة لقوة معرفتهم بالله تعالى ، فأدبهم تأديباً لطيفاً بدمعة لا تفضي إلى الهلاك ، ومعنى الآية . ما لكم إذا قيل لكم أي نقول لكم تعالوا إلينا قاتلوا في سبيل الله ؟ فإما أن ننصركم ، وإما أن تقتلوا فتلقوا ربكم الذي هو منتهى بغية المؤمنين ، وبقدر حبكم للقائه يكون حبه للقائكم ، ففي الحديث : " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه " أثاقلتم إلى الأرض أي اطمأننتم إليها أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ورغبتم عن لقاء ربكم ؟ (فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلى قليل) فقالت عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله ، كلنا نكره الموت ، فأجاب : إن تلك الكراهة من جهة الروح لأنها قد انست بالجسد وألفته ، ومفارقة المألوف صعب ، مع أنها في أول الأمر ما قنصت إلى قفص الجسد إلا ولها صياح ، ولولا الامتثال لأمر الله تعالى على قدر على اصطيادها الملائكة الموكلون بأن يدخلوها إلى الجسد ، لأنها مطلقة في رياض الروحانيين ، فحبست في قفص الجسد ، ثم أنست به واطمأنت به وألفته ، حتى إنها تعانقه عند الموت من شدة شغفها به ، كما يعانق المحبوب محبوبه عند فراقه ، وربما يمنى ولذلك شرع غسل الميت

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)

    فقوله (فظن أن لن نقدر عليه) أي نضيق عليه ، كقوله تعالى : (وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ) أي ضيق عليه رزقه ، وقوله تعالى : (يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر) لأنه لا يظن أحد أن الله لا يقدر عليه ، فما ظنك بالنبي ، ثم لما ظن هذا الظن ضيقنا عليه في ظلمات ثلاث : لأنه أوقف الرحمة عليه ، ولم يطلقها عليه وعلى قومه ، فضيقنا عليه ووسعنا على قومه ، قال تعالى : (إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) فهم ممتعون باقون في الحياة ، ولكن هذا التضييق من الحق تعالى لنبيه يونس عليه الصلاة والسلام ، هو عين التوسيع لأنه تأديب ، وأي توسيع أعظم من تأديب المولى لعبده ، به الفوز والفلاح والنجاة

    ومن فوائده رضي الله عنه في الطب : أن الحنظل دواء للدغ العقرب إما ورقه أو ثمره وإذا خلط بزبل الحمام كان أعظم في النفع ، وكذلك من أدويته – أيضاً – عود القرح ، وللدغ الحية النوشادر ، وإذا كان الإنسان أو غيره حاملاً للنوشادر لا تلسعه الحية أبداً ، بل لا تقربه بإذن الله ، ومما ينفع للغدة العقرب – أيضاًَ – الريال إذ حك على ماء ثم لطخ به موضع اللدغة ثم يربط عليه فإنه نافع

    وقال رضي الله عنه : لما أرسل الله موسى عليه الصلاة والسلام إلى فرعون ، كان السامري يتشبه بموسى بين يدي فرعون ، ليضحكه استهزاء منه واستهانة ، فبسبب هذا التشبه على هذا الوجه نجاه الله من الغرق فلم يغرق مع فرعون وأصحابه ، هذا بمجرد التشبه ، والحال أنه على وجه الاستهانة والاستهزاء ، فكيف إذا كان على غير هذا الوجه ؟ وكيف إذا كان بحسن نية ولو لم يقم بالعمل ؟. قال الشاعر

    فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ** إن التشبه بالكرام فلاح

    وقال رضي الله عنه : النكتة في إيراد قصة الهدهد في سورة النمل قول سليمان عليه الصلاة والسلام : (يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين) فقوله وأوتينا من كل شئ ، فيه نوع زهو ، ونزر يسير من رائحة فخر خفي ، فأجرى الله سبحانه وتعالى على لسان الهدهد : (أحطت بما لم تحط به) تأديباً له عليه الصلاة والسلام بهذا التبكيت ، ثم أنطق الله سبحانه وتعالى هذا الهدهد بقوله : (ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون) فأخرج الله سبحانه وتعالى الخبء الذي في طي كلام سليمان عليه الصلاة والسلام بقصة الهدهد ، وأتى من صفات الحق تبارك وتعالى بقوله : الذي يخرج الخبء ، ولما تأدب عليه الصلاة والسلام بآداب الحق جل وعلا ، قال لما رأى عرش بلقيس عنده ، قبل أن يرتد إليه طرفه وهذا الحد لا يتعذر دونه أبداً : (هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر) وأراد – أيضاً – أن يؤدب بقوله هذا أي قوله : ليبلوني أأشكر أم أكفر : آصف لئلا يستنفزه شئ من الشيطان لأنه قال : (آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) فهو عليه الصلاة والسلام أضاف الضمير إلى نفسه ، وأراد به آصف ليؤدبه ، وهذا من ألطف العبارات ، فسبحان الله العظيم ، ما أبلغ هذا الكلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (ففروا إلى الله) فأطلق المفرور منه وقيد المفرور إليه ، أي ففروا فراراً مطلقاً من كل شئ إلى الله ، حتى إنه بلغ الحال بأبي بكر الصديق رضي الله عنه ، لما قيل له : نأتي لك بطبيب ؟ قال : الطبيب أمرضني ، ففر من ألمه إلى الله سبحانه وتعالى ، فإذا أهمك أمر ففر منه إليه سبحانه ، فإذا سلط عليك – مثلاً – عدواً فإن قابلته بالحول والحيل والعدد ، وجعلتها مجردة للمدافعة فقد فررت من الله ، لأنه هو الذي سلط عليك ذلك العدو إلى ما معك من الجند والمال ، نسألك اللهم عافيتك . وإن جعلتها إنما هي أسباب وليطمئن بها القلب ، قال الله سبحانه : (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم) مع كونك معتقداً اعتقاداً تاماً أن النصر من عند الله ، وخرجت لقتال عدوك ، وأنت واثق بالله لا أنك معتمد على جندك أبداً ، فقد فررت من العدو إلى الله ، كذلك الفقر إذا ابتلاك به فإن فررت منه إلى قصد مخلوق أو إلى حرفة ، فقد فررت من الله إلى ، وسلكت معنى دعاء رسول الله r: " لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك " كنت فاراً من الفقر إلى الله سبحانه وتعالى ، فإن بعض أهل الحرف من الصالحين حدثته نفسه في بعض الأيام وهو شات شديد البرد : إن لم تداوم على حرفتك فمن أين تأكل ؟ فحلف أن لا يعطيها مما كسب من تلك الحرفة شيئاً إنما أبقى فيها لقضاء حوائج الناس منها ، فهذا معنى قوله تعالى : (ففروا إلى الله)

    وقال رضي الله عنه : قال النبي r من جملة دعائه : " اللهم إني أعوذ بك من القتل عند الفرار من الزحف " وقال النبي r : " وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً " وهو معنى قول اله تعالى Sad يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار) الآية . فالقتل عند الفرار من الزحف تعوذ منه رسول الله r وفيه هذا الوعيد في القرآن ، وكذلك الموت على غير توبة نسأل الله العافية فإنه أكبر من الفرار من الزحف ، لأن مجاهدة النفس والشيطان هو الجهاد الأكبر كما في الحديث . فالقتل عند الفرار منه أكبر ، لأنك إذا فررت من مجاهدة النفس والشيطان ، فقد فررت من الزحف . والفرار منه : هو هتك ما حرم الله سبحانه ، أو ترك ما أمر به ، فتعوذ بالله أن نموت ونحن مصرون على شئ منه . اللهم أمتنا ونحن تائبون ، مجاهدون في سبيلك ، والجهاد في سبيل الله : هو القيام في نحر العدو ، وأي عدو أعظم من الشيطان والنفس ، وسبيل الله : هو الطريق الموصلة إلى الله (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً)

    وقال رضي الله عنه : قال الله سبحانه وتعالى : (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة) إلى قوله : (إنه بهم رؤوف رحيم) فابتدأهم الله سبحانه وتعالى بالتوبة وحباهم بها ، وكل واحد منهم ذنبه على قدره ، وأما رسول الله r فليس له ذنب ، كيف وهو معصوم ؟ ولكن لما عرف قدر الله سبحانه حق قدره ، نزل نفسه منزلة المقصر في حقه ، وكان ذلك ذنباً عنده ، فتاب عليه الحق سبحانه وتعالى ، باعتبار ما عنده من تسمية ذلك ذنباً ، إذ كل واحد له ذنب باعتبار ما عنده ، وإن كان ليس ذنباً حقيقة فتاب عليهم جميعاً ولم يكلهم فيها إلى أنفسهم شيئاً ، بخلاف الثلاثة الذين خلفوا ، فإنه لما ظهر ذنبهم على رؤوس الأشهاد ، قال في حقهم تبارك وتعالى : (وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت) إلى قوله : (إن الله هو التواب الرحيم) فقال : ليتوبوا فوكلهم إلى أنفسهم في التوبة لكن لولا أنها سبقت توبة الله عليهم ما قدروا على التوبة (وما تشاؤن إلى أن يشاء الله) فافهم هذه النكتة .

    وقال رضي الله عنه : لما قالت الملائكة – عليهم الصلاة والسلام – حين قال الله تعالى : (إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) جعل سبحانه مصلحتهم على يده في أول وهلة ، فهم أول من استفاد منه حين علمهم الأسماء ، وهم مع طول مدة أعمارهم في عبادة الله تعالى لم يعرفوا الأسماء ، ومعرفة الأسماء والعلم بها هو أعظم العلوم ، فإن كل اسم من أسماء الله إذا عرف ازدادت معرفة الله تعالى ، ثم ذكروا الفساد بقولهم : من يفسد فيها وجعلوا الفساد بسبب واحد منهم وهو إبليس ، ثم لما قالوا : ويسفك الدماء ولم يعينوا بكونه حلالاً أو حراماً ، أمرهم أن ينزلوا فيسفكوا الدماء في يوم بدر ، وبقولهم هذا ظهرت مزية الإنسان وشرفه ، فجزاهم الله عنا خيراً ؛ لأن الله سبحانه وتعالى خاصمهم عنا قبل وجودنا ، لما نسبوا ذلك غلينا ، وقولهم : (أتجعل فيها) الخ . هو كسكرة أدهشتهم ، لما نزل الحق نفسه منزلة المستشير لهم فسكروا سكرة بسط ، فلا لوم ، وأي سكرة أعظم من سكرة البسط ؟ وأي بسط أعظم من أن يستشير الملك الذي يعلم ما في السماوات وما في الأرض ، ويعلم ما تخفي الصدور من عبيده ؟



    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) في نسخة بألفي عام .


    --------------------------------------------------------------------------------



    _________________
    خليفتي كذاتي

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 1949
    تاريخ التسجيل: 10/01/2008

    الفصل الرابع : حديث

    مُساهمة  Admin في الأحد نوفمبر 07, 2010 1:20 am

    وقال رضي الله عنه : في الحديث القدسي : " إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أردها عليكم ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه " معناه باعتبار ما يكون عند نزول المصائب من السخط والجزع لا في نفس الأمر ، فإن من وكل الله سبحانه وتعالى ، وحسن فيه ظنه فلا يرى كل مصيبة تصيبه إلا خيراً ، وإن كانت في الصورة شراً فإنه يعدها خيرا ؛ لأن الصبر عليها من عزم الأمور فلولا هي ما وجد الصبر الذي ينال بسببه خيراً ، فإذا لا يرى إلا خيرا ، وهو يحمد الله تعالى عند السراء وعند الضراء عازماً ومعتقداً أن ما فعل به مولاه فهو خير ، ولو كشف له الغطاء ما اختار غيره ، ومن رأى غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ، أي هو الذي صيره شرا بسخطه عند نزول المصيبة وعدم رضاه بها ، وإلا فلو رضي وحمد الله تعالى لكانت خيراً فإنه بسببها إذا قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، يصلي عليه الله وملائكته ، وأي خير أعظم من هذا ؟ قال الله تعالى : (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) وهذا معنى قوله تعالى : (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) لأن كل ما أصابك من عند الله ، وإذا كان من عند الله فهو خير ، وإن كان في ظاهر الامر شراً ، مع الرضا والتسليم والصبر ، فإذا لم ترض به فأنت الذي صيرت الخير شرا ، ثم تقع السيئة من العبد وقد فتح الله له باب التوبة ، فإذا تاب انقلبت تلك السيئة حسنة في نفسها ، فهي حسنة باعتبار المال وهي من الله سبحانه وتعالى ، وإذا لم يتب بل أصر عليها فهي سيئة وهي من نفسه بسب إصراره عليها

    وقال رضي الله عنه : في قول الله تعالى : (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين) سماه الله ذكرى وكذلك : (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) وذلك لأن الإنسان عالم بالحق من نفس الفطرة ، إنما ينساه بعبوره في ظلمات الضلال " فإن كل مولود يولد على فطرة فأبواه يهودانه وينصرانه " فإذا سمع الحق عرفه لا يقدر على رده أبداً ، فإن رده فهو عناد وإنكار وإلا فقد عرف أنه الحق ، ولذلك كملت عليهم الحجة ، ولكنهم عاندوا فقالوا : (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ) فالحق ما سكنت إليه القلوب واطمأنت به (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) فإنك إذا سمعت الحق علمت علماً يقيناً أنه الحق ، وهو الذي أنت عالم به ويجول في ذهنك ، لكنك لم تقدر أن تعبر عنه ، فإذا سمعته فكأنك ظفرت بضالتك المنشودة وغايتك المقصودة ، فالحق أبلج ، والحق أحق أن يتبع ، وفي الحديث ما معناه : " إذا سمعتم الحديث عني فاطمأنت به قلوبكم فهو مني ، وما لم فليس مني ، لأني لم أقل قولاً لم تطمئن به القلوب " ثم في الحديث أيضاً : " دع ما يربيك إلى ما لا يربيك " والحق ما عليه غبار ، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (ولمن خاف مقام ربه جنتان)

    فأجاب :

    أنه بتقدير نزع الخافض أي في مقام ربه وكذلك قوله تعالى : (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) ومعناه : أن من صار الحق سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها إلى آخر الحديث ، فقد صار في مقام ربه ، ومن صار في مقام ربه فقد بلغ محل الأمن ، ودخل الحمى الذي لا خوف فيه ولا حزن ، فمن خاف فيه فقد أدى حق الأدب بوقوفه في مقام العبودية على ما هو فيه من المقام العالي ، وهو مقام ربه ، وذلك معنى قول النبي r حين قال له الصحابة لما نزل عليه قول الله سبحانه وتعالى : (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً) إلى قوله : (وما تأخر) فقام حتى تفطرت قدماه فقال الصحابة : أتتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقال : " أفلا أكون عبداً شكوراً " ؟ فأتصف بالعبودية ووصف نفسه بالشكور الذي هو من صفات الحق تعالى ، وهذا أعظم المقامات الذي لا يدركه إلى الخواص ، وهو الخوف في مقام الأمن ، وفي هذا المقام جميع الأنبياء ومن أراد الله من أوليائه .

    قال الله تعالى : (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم) بسيف الحب وهو معنى قوله r : " موتوا قبل أن تموتوا" وهو الفناء عن الخلق والحياة مع الحق ، أو اخرجوا من دياركم أي من صفات البشرية إلى صفات الربوبية ، وذلك معنى قوله r : " تخلقوا بأخلاق الله " ما فعلوه إلا قليل منهم ، قوله تعالى : (وقليل من عبادي الشكور) وكذلك قوله تعالى : (وإن كثيراً من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم – ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا) لأنهم إذا فنوا عن الخلق ، وكانت حياتهم مع الحق ، وخرجوا من صفات البشرية ، وتخلقوا بأخلاق الله ، كان سمعهم وبصرهم إلى آخر الحديث ، فاي خير وأي تثبيت أشد من هذا ، ثم قال تعالى : (وإذاً لأتيناهم من لدنا أجراً عظيماً) والأجر الموصوف بالعظمة هو المشاهدة لأنه أعظم الأجور ، وما بغيتهم سواه ، لا طمع لهم في جنة ولا لهم خوف من النار قال قائلهم :

    إذا تذكرت أياماً لنا سلفت أقول بالله يا أيامنا عودي

    كأنني يوم يأتيني كتابكم ملكت ملك سليمان بن داود

    وقال آخر

    حببتك لا لي بل لأنت أهله وما لي في شئ سواك مطامع

    قال تعالى : (ولهديناهم صراطاً مستقيماً) وهو صراط الله ، ثم قال تعالى : (ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً) فهذا المقام الذي وعد الله الخائفين فيه بجنتين فقال تعالى : (ولمن خاف مقام ربه جنتان) والجنتان هما : الجنة الحقيقية والمشاهدة ، وجنة من فضة وجنة من ذهب داخلتان تحت الجنة الحقيقية ، ثم قال تعالى : (يا ايها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً) فإن كل إنسان من المؤمنين مأمور بهذا الأمر ، وهو أن يأخذ حذره من عدوه ، وأي عدو أعظم من نفسه التي بين جنبيه ، فينفر منها بجميع أعضائه ، وجوارحه ، أو عضو من أعضائه وذلك عند الحادثة التي تأتي من كونه مثبتاً لا يؤتي من جهة أخرى ، أو ينفر جميعاً أي يكون نافراً بجميع أعضائه وجوارحه من جميع الوجوه ، ومن جميع الجهات ، فهذا هو الجهاد الأكبر الذي قيل فيه بعد الفتح : " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " فإذا كان كذلك أمن وإذا أمن فقد ائتمر بأمر الله تعالى حيث قال الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) فلا خوف عليه ولا هو يحزن ، ولا يبقى للشيطان ولا للنفس عليه سبيل ، بل حياته بالله لله .

    ثم قال الله تعالى : (فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم) أي إذا زل من قد صار في هذا المقام فذاك هو الخطر العظيم ، لأنها زلة من ، مقرب وفي صفة العزيز الحكيم غاية التوعد ، أي عزيز أن يدركه من زل من الأبعدين كإبليس وبلعم بن باعوراء ، فهو تعالى غيور (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) ، وقوله : حكيم ، أي : أنه أظهر صفة الحكيم في ذلك ، فإن إبعاد إبليس بعد تقريبه لحكمه ، وذلك بسبب إبعاده أخرج آدم من الجنة لنكد الدنيا وتعبها ، ليعرف قدر الجنة بعد العود إليها ، وتبتلي ذريته فيميز الخبيث من الطيب ، وهذا مقتضى الحكمة .

    وقال رضي الله عنه : أصل التقوى : هو الجهاد في سبيل الله ، والجهاد الأكبر هو : جهاد النفس والشيطان ، والنفس هي أعظم الأعداء فهي كارة عليك في كل لحظة ، في مظهر صديق لك ، وهذا أعظم ممن كان متظاهراً بالعداوة قال الشاعر :

    احذر عدوك مرة واحذر صديقك ألف مرة

    فلربما انقلب الصديق فصار أعرف بالمضرة

    ثم قد علمنا الحق تعالى في القرآن كيفية الجهاد من كل وجه فقال تعالى : (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره) وقال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة) والنفس هي أقرب ما يليك وغير ذلك ، فإن حاربت نفسك واتقيتها ودافعتها عن جميع جوارحك وأعضائك ضعفت ، وإذا ضعفت جنحت للسلم ، فإن جنحت للسلم فاجنح لها ، وبعد لا تضرك أبداً ، فإذا كنت مطيعاً لها صرت عبداً لها ، تأمرك وتنهاك منهزماً منها في ذل وأي ذل ؟ وصرت غير متق لله تعالى ، لأنك أمنت من بطشه ومكره ، ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ، لأنه سبحانه وتعالى توعدك إذا اتبعت هوى النفس والشيطان فأمنت من توعده بإتباع ما نهاك عنه ، ولو اتقيته لانتهيت عما نهاك عنه ، فإذا اتقيت نفسك فقد اتقيت الله ، وإذا لم تتق نفسك ولم تحاربها ولم تدافعها فلم تتق الله ، لأن تقوى الله مترتبة على محاربة النفس والشيطان

    وقال رضي الله عنه : عاتب الله سبحانه رسوله r حين حرم ما أحل الله له فقال : (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك) وذلك أنه أتى r جارية فعاتبه بعض نسائه على ذلك ، فحرم تلك الجارية فنزلت الآية ، فهذا رسول الله r عاتبه الله لما حرم ما أحل الله له ، وذلك مقتصر على نفسه ، فما ظنك بمن حرم من سائر الناس شيئاً على نفسه أحله الله له ، أو وضع شيئاً في الشرع عمل به الغير لاعتقادهم أنه عالم ، وهو من عند نفسه لا من كتاب ولا من سنة ، فيحرم شيئاً أحله الله أو يحل شيئاً حرمه الله فيكون عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة

    ثم قال الله تعالى : (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم) أي أن الله سبحانه وتعالى لا يعارض ولا ينازع حكمه بحكم عبيده ، بل ما حكم به المولى عمل به العبد ، وما سكت عنه المولى فليس له أن يحكم بشئ من عند نفسه ، لأن ما سكت عنه المولى فلا خطاب فيه على العبد ، والحكمة عند المولى في تركه خير ، لأنه لو كان الخير في فعله لأمر به ، ولذا قال تعالى : (وهو العليم الحكيم) بعد قوله : (والله مولاكم)

    وقال رضي الله عنه : ينبغي للإنسان أن يتحول عن الموضع الذي غفل عن الله تعالى فيه ، وذلك أن النبي r أمر بالتحول عن المحل الذي طلعت فيه عليهم الشمس ولم يصلوا الفجر وأما المحل الذي عصى الله تعالى فيه فذلك أشد وأعظم

    وقال رضي الله عنه : الركعة : صلاة لا أنه لا يسمى صلاة إلا مجموع ركعات الفريضة ، وإنه لا يطلق لفظ الصلاة إلا على الفريضة فقط ، وذلك أن النبي r كان يكمل الصلوات الخمس بنوافل إلى خمسين ركعة ، وهي التي افترضها الله عليه وعلى أمته من أول الأمر ، من قبل أن يتشفع بشورى موسى عليه وعلى نبينا محمد وآله أفضل الصلاة والسلام ، فهو افترض عليه في أول الأمر خمسين صلاة ، فمازال يحط عنه حتى صارت خمساً ، ثم قال تعالى : (ما يبدل القول لدى) هي خمس وهي خمسون ، وذلك أنه تعالى كلم رسوله r على لسان موسى عليه الصلاة والسلام : أن ارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف ، حتى بقيت خمس ليظهر للأنبياء عليهم الصلاة والسلام مقداره r ، وينوه بشفاعته عليه الصلاة والسلام مرة بعد مرة ، حتى حطت من خمسين إلى خمس ، وأما النبي r فإنه كان يؤدي الخمسين كل صلاة ركعة ، كذلك صلاة الوتر فإنها ركعة ، فلا صلاة إلى أيام القرآن ، أي في كل ركعة تقرأ أم القرآن وإلا فلا صلاة ، وبالله التوفيق

    وقال رضي الله عنه : قال رسول الله r : " خالفوا اليهود وصلوا في نعالكم ، وذلك أن اليهود لا يصلون في النعال إتباعا لنبيهم موسى عليه السلام ، فإن الله سبحانه وتعالى أمره بخلع نعليه عند مناجاته ، ونبينا محمد r قال الله تعالى له ولأمته : (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) فكأنه قال تعالى : قلبناك وأمتك لمناجاتنا في النعال ، فانظر إلى هذا التشريف

    وقال رضي الله عنه : إذا حسنت نية العبد رأى الحق أمامه في كل شئ ، ففي الحديث ما معناه : " إن في بضع أحدكم صدقة " فقالوا : يا رسول الله ، يأتي أحدنا شهوته وله أجر ؟ قال : " ارأيتم إن وضعها في حرام أما كان عليه وزر " ؟ هذا أو معناه ، والحق هو الله سبحانه وتعالى ، قال الله تعالى : (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين) فإذا كان أمامه الحق (فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم)

    وقال رضي الله عنه : في حقيقة التقوى : التقوى هي أن تجعل الله تعالى وقاية فيما بينك وبين من سواه من كل شئ ، لا كما قيل : أن تجعل وقاية فيما بينك وبينه تعالى ، لأن ذلك يكون حجاباً حائلاً بينك وبينه ، فدرجة التقوى درجة عالية ، قال الله تعالى : (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ) اراد سبحانه وتعالى أن يجذبنا إلى عبادته ، فذكرنا نعمه علينا ليقودنا إليه ن وتارة يقودنا إليه بذكره ما أعد لنا في الجنة ن وتارة يسوقنا إليه بالوعيد وذكر العذاب ، فمن يذكر الجنة ، وما أعد فيها ، ومن كان من أهل الخوف ساقه إليها بذكر الوعيد والعذاب ن فكانت العبادة إما في مقابلة النعم وإما خوفاً من النار وإما طمعاً في الجنة ، وهنا ذكر تعالى النعم وهو قوله : (الذي خلقكم والذين من قبلكم) وكل من قبلنا مما في السماوات والأرض فهو لنا خلقه ، فأمرنا بعبادته شكراً له على خلقنا وشكراً له على ما خلق لنا من قبلنا ، فإنه أوجدكم من العدم حيث لم يكن لكم اختيار ن وخلق الذين من قبلكم لتكنوا من نسلهم ، ثم قال سبحانه : (لعلكم تتقون) أي إذا عبدتم الله لأجل هذه الثلاثة الأمور أو إحداها فلله في أيام دهركم نفحات فيفتح عليكم باب التقوى ، وهو أن تعبدوا الله تعالى لا لأجل شئ ، بل لله بالله ابتغاء مرضاته ، فلا يشاهد غلا الله ، ولا يخالف إلا منه ولا يرجو إلا إياه وههنا تجئ الأحدية ، وتزول أوصاف البشرة ، قال الله تعالى : (وأحسن كما أحسن الله إليك) أي كإحسان الله إليك وإحسانه إليك ابتداء ، لا لأجل شئ ولا في مقابلة شئ ، وقال تعالى : (وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى) فقد صار ما يريدون وجه الله تعالى ن فلا يكون جزاؤهم منه إلا ما يريدون ، لأن في الجنة ما تشتهي الأنفس وهم لا يشتهون سواه . هذه درجة المتقين

    وقال رضي الله عنه : من أعظم مفاسد الدين والدنيا مداهنة العلماء للملوك ، والسكوت عن نهي منكراتهم ، وهم يظنون بذلك أنها تختل عليهم الدنيا أو يعاقبونهم ، وهذا ظن فاسد ، فإنهم لو أمروهم بالمعروف ، ونهوهم عن المنكر ، لعظموا في قلوبهم ، ولمنعهم الله تعالى عنهم إذا ارادوهم بشر ، قيل : إن بعض الملوك أرسل إلى بعض أمرائه بأمر يظملون به الرعية ، فتواطأ الحسن البصري والشعبي بعد أن أحضرهما بين يديه ، فقرأ عليهما كتاب الخليفة ، فإذا فيه ضرر على الرعية ، وقال لهما : ما تقولان ؟ فأشار عليه الشعبي أن يمتثل الأمر ولا ينفذه كله ، يعني بصفة صلح ، فقال للحسن البصري : لو قلت ؟ قال : قد قال لك عامر ما سمعت ، قال : لابد أن تقول أنت ، فقال الحسن رضي الله عنه : هذا الأمر الذي أمرت به ظلم ، فإن تركته أطعن الله تعالى وعصيت مرسلك ، وإن أرادك بسوء فالله قادر أن يمنعه عنك ، وإن لم تنته عصيت الله وأطعت مرسلك ن وإن أرادك بسوء لم يقدر أحد أن يرده عنك ، فاختر لنفسك ما أردت ، فلما سمع الرجل انتهى عن ذلك ، ثم أمر للحسن بجائزة عظيمة ولم يعط الشعبي شيئاً ، فلما خرجا من عنده نادى الشعبي في الأسواق : يا ايها الناس ، من استطاع منكم أن يؤثر الله على خلقه فليفعل ، فإني أردت وجه فلان فأقصاني الله منه والحسن البصري أراد وجه الله فأعطاه الله منه

    وقال رضي الله عنه : من أحسن أخلاق الإنسان : العفو عمن ظلمه ، فإن الله سبحانه يعامله بالعفو فيما بينه وبينه ، وأيضاً فإنه تعالى يلهم المظلوم منه أن يعفو عنه ، ففي الحديث القدسي : " يا عبدي لا تدع على من ظلمك فإن شئت أخذته بظلامتك وأخذتك بمن ظلمت ، وإن شئت أخرتكما حتى تسعكما رحمتي"

    وسئل :

    رضي الله عنه : عما أتى في الصلاة التي في آخر الحزب الأعظم وارحم محمداً حتى لا يبقى من الرحمة شئ ما معناه ؟

    فأجاب :

    إن الرحمة لا تنتهى أبداً ، وإن معنى لا تبقى رحمة ، أي لا انتهاء لها والنبي r هو الرحمة التي وسعت كل شئ

    وقال رضي الله عنه : قصص الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام – جملة فيها التخويف العظيم لأمة محمد r ، والرجاء الذي هو أعظم من الخوف ، فأما وجه التخويف فهو أن الله سبحانه وتعالى أخرج عليه الصلاة والسلام من الجنة من أجل ذوقه من الشجرة ، وهي من حق الله ليست من حق أحد سواه ، مع أنه خلقه بيده واصطفاه وعلمه الأسماء كلها ، وأسجد له الملائكة ، فما حال رجل ليس بنبي ولا مصطفى ولا له من تلك العنايات شئ ؟ ثم ينتهك المحارم العظيمة : إما بأكل أموال الناس ، أو زنا أو قتل أو شرب خمر ، فكيف السلامة وكيف النجاة ؟ وهذا تخويف وأي تخويف . ووجه الرجاء : أن الله سبحانه وتعالى غفر له هذا الذنب بسبب توبته ، والحال أنه عالم بالله وبجلاله وبشطه ، لأنه من المقربين والمقرب هو أعلم من البعيد بصفات الملك ، وإذا كان كذلك فالذنب منه عظيم ، قال تعالى : (كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعد وأصلح فإنه غفور رحيم) وهو هنا عليه الصلاة والسلام ليس بجاهل ثم غفر له ، فالجاهل أولى بالغفران ، وقس على هذه قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، كداود وموسى وإخوة يوسف وغيرهم

    ثم أنزل الله سبحانه كتابه العزيز على رسوله الأمين r وعلى آله أجمعين تذكيراً لأمته . وقصص الأنبياء فيه لتكون عبرة لهم وتأسياً ، وذكر ما جرى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في القرآن على رؤوس الأشهاد هو الجزاء ، لأن الله سبحانه عدل ، لا يترك شيئاً ، فجازاهم عليها في الدنيا بذكر ما حصل منهم كيلا يجازوا عليها في الآخرة ، والتائب من أمة محمد – عليه الصلاة والسلام – عقابه وجزاءه على ما فعل : ذكره ذنبه فيما بينه وبين الله تعالى ، وتألمه منه وتوجعه ، وبكاؤه وأنينه وزفرأتنه ، فكان ذلك جزاءه معجلاً في الدنيا ، لا يجازى على ذنبه في الآخرة ، فلا يلقى الله سبحانه إلا وهو طاهر من جميع ما فعل من السيئات وقد بدلت حسنات . فأي مزية أعظم من هذه المزيةو التي اختصت بها هذه الأمة ؟ وأيضاً فإنه تعالى أخرهم عن جميع الأمم ليقص عليهم قصص من سلف ، فيتعظوا ويعتبروا تحريضاً لهم على التوبة ، وهدياً لسلوك طريق السالكين ، وتحذيراً من الوقوع في ظلمة ضلال المجرمين ، فلم تبق طريق من طرق النجاة إلا أوضحها في ضمن قصص الأنبياء ، ولم تبق مهلكة إلا أوضحها – أيضاً – في قصصهم مع قومهم ، فكان من قبلنا موعظة لنا ، لنعرف طريق النجاة فنسلكها ، وطريق الهلاك فنجتنبها ، والحمد لله رب العالمين ، ثم سجد رضي الله عنه – هاهنا – وسجدنا معه

    وقال رضي الله عنه : قال الله سبحانه وتعالى – حين أخذ النبي r الفداء - : (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة) أتى سبحانه وتعالى بصيغة الخطاب لجميع أهل بدر ليستر الذين يريدون عرض الدنيا ، وإلا فهم القليل جداً ، كذلك قوله تعالى في أصحاب موسى حين أمرهم بدخول الأرض المقدسة التي كتب الله لهم : (قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين) وفيهم من لم يقل ذلك كالرجلين اللذين قالا : (ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون) لكن لما كتبت عليهم التيهة تاهوا جميعهم ، فسترهم جل جلاله إذ لو لم يته إلا من قال ذلك لافتضحوا بسبب عدم تيهة من لم يقل منهم ، فسترهم بتيهة الجميع ، فسبحان الستار جل جلاله وتقدست أسماؤه

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن القدر ؟

    فأجاب :

    بما معناه : أنه لا ينبغي لأحد أن يخوض فيه ، لأنه لا يعرف إلا بفتح من الله تعالى وعلم لدني ، ثم من فتح الله عليه لا يمكنه أن يعبر عنه أصلاً ، لأنه يمكن للمناقض أن يناقضه ن فالذي لم يعرف من جهة الله تعالى لا ينبغي له أن يخوض فيه ، ويمتثل قول الله تعالى : (الذين يؤمنون بالغيب) وقول رسول الله r : " وأن تؤمن بالقدر خيره وشره" فإنه إن بحث عنه من جهة غير الله خيل له أنه من باب قول الشاعر :

    ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء

    وقول رسول الله r : " أن تؤمن بالقدر خيره وشره " كاف

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل) فقال : إن كثيراً ولم يبق إلا قليل ن وهم أولياء الله الورثة للعلم من رسول الله r الذي بهم يقتدي ، وهؤلاء أعز من الكبريت الأحمر قال تعالى : ( وقليل من عبادي الشكور ) وقال تعالى : (وإن كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ) وقال فيمن عداهم (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (بل أكثرهم لا يعقلون) فإن ظفرت بواحد من أهل العلم من هؤلاء الأقلين فعض عليه بالنواجذ ، وأنت تعرفه بالقرائن المنصوصة في القرآن ، وهو الذي لا يميل إلى الدنيا ن ولا يطمئن بها ، فيكون كبلغم بن باعوراء ، حيث أخلد إلى الأرض واتبع هواه ، ولا يأكل أموال الناس بالباطل ، فيدخل في قوله تعالى : (إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ) ومن القرائن لا تجد مثله إلا قليلاً ن والحق واضح ، والحق أحق أن يتبع

    وقال رضي الله عنه : في الحديث القدسي . يقول الله تبارك وتعالى : " يا عبادي أعطيتكم فضلاً ، وسألتكم قرضاً ، فمن أعطاني شيئاً مما أعطيته طوعاً عجلت له الخلف في العاجل ، وادخرت له الثواب في الأجل ، ومن أخذت منه شيئاً مما أعطيته كرهاً فصبر واحتسب ، أوجبت له صلاتي ورحمتي وكتبته من المهتدين ، وأبحت له النظر إلى وجهي " فمن فضل الله تعالى على عباده أن من أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله ، وتثبيتاً من نفسه ، كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين ، فإن سد على نفسه هذا الباب ولم ينفق شيئاً فتح الله له باباً آخر ، بأن يؤخذ منه كرهاً فإن صبر واحتسب وقال (إنا لله وإنا إليه راجعون) ومعنى إنا لله أي إن الله خلقنا له كما يشاء لما يشاء ، وإنا إليه راجعون أي تائبون ، فإن هذا أعلى وأرفع ممن أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله لأن الله ؛ سبحانه قال في حق مثل هذا (وبشر الصابرين) فكأنه قيل : من هم الصابرون ؟ فقال : (الذين إذا اصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة) ولم يقل : من الله لأنه محتو لأسماء الرحمة وأسماء الانتقال بل قال : من ربهم لأن الرب اسم من اسماء الرحمة وهو ما تتربى به المخلوقات ، وإضافة الرب إلى الضمير ليدل على القرب والاتصال وأولئك هم المهتدون ، لأنهم صبروا عند القهر والانزعاج الحاصل عند المصيبة من جهة الطبع البشري ، ومعنى قول أحد الملكين الوارد في الحديث " اللهم أعط منفقاً خلفاً وقول الآخر : اللهم أعط ممسكاً تلفاً " هذا المعنى المتقدم ذكره فهو دعاء للمنفق والممسك ، أي فإذا لم يكن منفقاً فيؤجر عليه فأعطه تلفاً ليؤجر عليه أعظم من الأجر على الإنفاق مع الصبر هذا معناه

    وقال رضي الله عنه : حين سئل : ما معنى مواقع النجوم ؟ في قوله تعالى : (فلا أقسم بمواقع النجوم) أي محال وقوعها من وسط السماء إلى جهة المغرب لأنه لا يهتدي بها ما دامت في وسط السماء ، وإذا كانت كذلك تناسب المقسم به والمقسم عليه ، لأن كليهما هاد ، فالمقسم به هاد للأشباح والمقسم عليه هاد للأرواح ، ثم وصف تعالى هذا القسم بالعظم وذلك لأنه تجلى لإبراهيم – عليه الصلاة والسلام – فيها ، والشمس والقمر داخلان في هذا القسم أيضاً ، وأي عظيم مثل ما يتجلى فيه الحق جل وعلا ، ثم وصف القرآن بالكرم فقال : إنه لقرأن كريم ، والكريم لا يرد سائلاً ، فمن قصده أغناه فلا يحتاج إلى غيره ولكن لم يفهمه إلا القليل ، ولذا قال تعالى : (لا يسمه إلا المطهرون) أي لا يهتدي إلى فهم معانيه ، ويكشف الحجاب عن وجوه ما فيه إلا المطهرون ، أي الذي طهروا نفوسهم من أدناس الذنوب ، وجردوها عن الأغيار (تنزيل من رب العالمين) أي أن الله سبحانه وتعالى خاطب عبيده وكلمهم بنفسه ، تعالى لأنه ليس في العالم ولا في الآفاق إلا الله تبارك وتعالى ، فالقرآن كلمته ، والخلق كلمته وهي : كن فإذا امتزجت إحداهما بالأخرى وحصل القبول جاء الخير الكثير وظهر الحق وتدفقت الأنوار بينهما ، ثم قال تعالى : (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون) أي تريدون أن تحجبوا الحق بالباطل مع أنه قد ظهر لكم أنه الحق ، والمداهنة هي بين الحق والباطل لأنه جاء في المثل : أن الحق والباطل والمداهنة ركبوا في سفينة ، فجعل الباطل يخرق السفينة فنهاه الحق فقالت المداهنة : دعه فإنما يخرق الجهة التي هو فيها فإن نهى الباطل ومنع وإلا غرق الجميع ، فهم مقرون أنه لا يدخل تحت طوق البشر الإتيان بمثله باطناً ، ومظهرون أنه سحر وأنه شعر وغير ذلك ، فهذه هي المداهنة ثم قال تعالى : (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) أي أعين تكذيبكم لأن الله سبحانه أمد عباده بالرزق ليعبدوه ، ويصدقوا ما جاء به رسوله ، فجعلوا الرزق عين التكذيب


    _________________
    خليفتي كذاتي

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 1949
    تاريخ التسجيل: 10/01/2008

    الفصل الخامس : الصلاة

    مُساهمة  Admin في الأحد نوفمبر 07, 2010 1:22 am

    رضي الله عنه : كيفية في الصلاة على النبي r : يا كامل الذات ، يا جميل الصفات ، يا منتهى الغايات ، يا نور الحق ، يا سراج العوالم ، يا محمد ، يا أحمد ، يا أبا القاسم ، جل كمالك أن يعبر عنه لسان ، وعز جمالك أن يكون مدركاً لإنسان وتعاظم جلالك أن يخطر في جنان ، صلى الله سبحانه وتعالى عليك وسلم ، يا رسول الله ، يا مجلى الكلمات الإلهية الأعظم

    وله رضي الله عنه : كيفية في الدعاء : الله عدتي في كل شدة ورخاء ، حسبنا الله ونعم الوكيل ، على الله توكلنا

    وقال رضي الله عنه : قوله تعالى : (الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون) قد تقدم الكلام في أثناء هذه الكراريس على هذه السورة لكن نتكلم – هنا – على قوله يراؤن فالرياء – هنا – على قسمين : أحدهما : الرياء بالعمل لأجل غير الله ، وهذا نوع من الشرك ، الثاني : أن ترى لنفسك أن قد عملت عملاً بصلواتك هذه يقربك إلى الله ، وأنت لم تحضر فيها بقلبك مع الله تعالى ، بل أنت في واد وقلبك في واد فهو لا شئ ، قال الله تعالى : (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً)

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن الوتر إذا نام عنه الإنسان أو نسيه حتى طلع الفجر هل يصليه حين يذكره كالفريضة عملاً بقوله r ما معناه : من فاته حزبه من الليل فقضاه من بعد طلوع الشمس إلى الظهر كتب له وكأنه فعله من الليل ؟

    فأجاب :

    بأنه يصليه حين يذكره كالفرائض ، لأنه قد ورد في الحديث : أنه واجب قال r : " أوتروا يا أهل والقرآن فمن لم يوتر فليس منا" فهذا أمر ولا يعارضه حديث أفلح إن صدق ، لأن نزول الأحكام باق إلى أن مات r ، وكم من حكم ثبت في آخر الإسلام وليس بثابت في أوله وبالعكس

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن ركعتي الفجر إذا أقيمت الصلاة ولم تصل هل تصلي بعد الفريضة أم تؤخر حتى طلوع الشمس ؟

    فأجاب :

    أنها تصلى بعد الفريضة ، لأن النبي r حين رأي الرجل يصليها بعد الفريضة قال له : " الفجر أربع "؟ أو معنى هذا قال : لا يا رسول الله ، إنما أقيمت الصلاة ولم أصل ركعتي الفجر فأقره r ولم ينهه

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قول النبي r : " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " ؟

    فأجاب :

    أن معناه : إذا أقيمت الصلاة فلا يدخل الإنسان في صلاة غيرها ، فأما إذا كان فيها فيتمها إلا أن يخشى فوت جزء من الفريضة فإنه يخرج منها بتسليمه ولا تبطل ، بل قد تمت صلاة وذلك مراد الله منه ، أما قوله r : " إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر " فإنه يتمها إذا كان داخلا فيها إلا أن يخشى فوت جزء من الفريضة فقد دخل في حكم المسألة التي قبل هذه

    وقال رضي الله عنه : كل إنسان نفسه طول عمره تطلب شيئاً ، ولا يعرف ما هو ذلك الشئ ، فإذا كان همه الدنيا فلا يزال يطلبها ، ويظن أن مقصوده وطلب نفسه لشئ منها فإذا ناله لم تقنع به ، بل طلبها ذلك باق فيظن أنها تطلب منها شيئاً آخر ، فإذا نالته لم تقنع ثم كذلك إلى مالا نهاية له ، ومن كان همه الرياسة فكذلك لا تطمئن نفسه إلى شئ ولا تقنع به ، وهذا الطلب الحاصل منها هو طلبها الله تعالى ، ولكنها جهلت مقصودها بالفطرة وهي ما خلقت إلا لذلك ، فلما حصلت غير ما خلقت له لم تطمئن إليه ، لأن وضع الشئ في غير محله ظلم ، والظلم باطل ، والباطل زهوق ، قال تعالى : (إن الباطل كان زهوقاً)

    ومن حكاياته الغريبة رضي الله عنه : أن رجلاً أقبض رجلاً فلوساً في لحم فلم يرض بمراده من اللحم ، فحلف بطلاق امرأته ثلاثاً لا يترك الجزار حتى يرد له فلوسه بعينها ، فقال الجزار : إني قد خلطتها بفلوسي هذه ، ولم تتميز فلوسك من بينها ، فتخاصما وترافعا إلى الحاكم فلم ير كل حاكم في ذلك إلا وقوع الطلاق ، لأن تميز فلوس الرجل بعينها من بين فلوس كثيرة متعذر فسمع رجل جاهل فجاء إليها فقال : عدوا جميع الفلوس فلما عدوها أمر الجزار أن يعطي الرجل جميع الفلوس التي فلوس الرجل بينه ثم قال للرجل : أعط الجزار مثل فلوسه هذه من غيرها وحلف رجل – أيضاً – بطلاق امرأته ثلاثاً إن حصل له الغرض أن يعبد الله عبادة لا يشاركه فيها أحد من الناس في وقت استعماله لها ، فكل قاض أفتاه بوقوع الطلاق لأنه من المحال أن يعبد الله بعاده لا يشاركه أحد فيها ، فسمع بذلك رجل صالح فأفتاه بأن يراقب الخلوة في المطاف ويطوف وحده ، فإنها عبادة لا يشاركه فيها أحد من الناس وقت خلو المطاف له

    وقال رضي الله عنه : وسئل الإمام ابن دقيق العيد – رحمه الله - : ما معنى قول النبي r : " ولا تفضلوني على يونس بن متى " مع أنه قال r : " أنا سيد ولد آدم " فقال للجماعة الذين سألوه : لا أخبركم حتى تقضوا دين صاحبي هذا ، وكان له صاحب مدين فقضوه عنه ، فقال : المراد من ذلك أن قربي من الله تعالى حين ارتفاعي إلى شجرة المنتهى ، بل إلى العرش ، كقرب يونس حين كان في ظلمات ثلاث ، لا تفاضل بيننا في ذلك وهذا كما في بعض الأحاديث : أن ملكاً جاء من فوق السماوات السبع ، وملكاً جاء من تحت الأرضين السبع ، وملكاً من أقصى المغرب ، وملكاً من أقصى المشرق ، وكلهم يقول جئت من عند الله تعالى

    وقال رضي الله عنه : قال رسول الله r : " ثلاث أقسم عليهن : ما نقص مال من صدقة ، وما فتح رجل على نفسه باب مسألة يسأل فيها الناس إلا فتح الله عليه باباً من أبواب الفقر ، وما صبر عبد على مظلمة ظلمها إلا زاده الله بها عزا ، والرابعة : لو شئت أقسمت عليها ما ستر الله عبداً في الدنيا إلا ستره في الآخرة " فينبغي للعبد إذا وقع في ذنب أن يستره ويكتمه ، ويحدث فيه توبة بينه وبين الله تعالى ، وما أجهل من ستره الله فيتحدث به كالمفتخر ، وذلك كسب ذنب إلى ذنبه

    وسئل :

    رضي الله عنه : ما معنى قول الله تعالى : (عتل بعد ذلك زنيم) ؟

    فأجاب

    إن العتل : الغليظ الجافي ، والزنيم : الذي ينتسب إلى قوم وليس منهم ، فمن الناس من ينتسب إلى الإنسانية في الصورة وهو في أخلاق السباع والشياطين ، فهو زنيم

    وقال رضي الله عنه : قال رسول الله r لعائشة رضي الله عنها : " إن أردت اللحاق بي فلا تجددي ثوباً حتى ترقعيه ، وإياك ومجالسة الموتى " قالت : يا رسول الله ، من الموتى ؟ قال : " الأغنياء " فسماهم النبي r : موتى ، لأن كل عبد شغلته النعم عن المنعم فهو ميت مدفون في قبر ما هو شاغل له منها ، فحياة النفس ذكر الله تعالى والشغل به عما سواه ، وموتها شغلها بغير الله تعالى ، قال تعالى : (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها ) أي زكاها بذكر الله تعالى ومحبته ، وكلما ازداد ذلك ازدادت حياتها ، ودساها أي دفنها في قبر شهواتها

    وقال رضي الله عنه : قال عبد القادر الجيلاني – رحمه الله تعالى - : طلبت الله تعالى من باب الصلاة فوجدت فيه الازدحام ، وطلبته من باب الصدقات فوجدت فيه الازدحام ، وطلبته من باب الصوم فوجدت فيه الازدحام ، وطلبته من باب الذل فولجته ، ثم التفت فوجدته خالياً ، فالذل لله تعالى أصل العبادة ، فإن الصلاة عمود الدين ، لأن فيها الخضوع والتذلل وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، وذلك أنه وضع وجهه الذي هو أشرف أعضائه وفيه أشرف جوارحه في الأرض الذلول ، وقال تعالى : (ولقد نصركم الله ببدر وأنت أذلة ) وقال الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه) إلى قوله : ( أعزة على الكافرين) فنصرهم الله تعالى في يوم بدر وهم أذلاء ، وفي يوم حنين لم أعجبتهم كثرتهم وظنوا العز من أنفسهم ، فقال أحدهم : لن نغلب اليوم من قلة . غلبوا ، قال تعالى في حقهم : (ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً) والحال أن القائل منهم ليس من كبار الصحابة ، فعمت المصيبة ، فلا ذل إلا لله ، ولا عز إلا بالله (من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً) وأما الذل لغير الله فهو تعوذ منه النبي r بقوله : " أعوذ بك من الذل إلا لك " فمن تذلل لربه وخضع له فحق عليه أن يعزه في الدنيا والآخرة ، فالذل هو عين العز ، وأي عز أعظم وأكبر من تذلل العبد لمولاه ، فقد ترى رجلا عزيزاً في ظاهر الأمر وهو عند الله بالعكس ، ورجلاً ذليلاً وهو عند الله عزيز

    ففي الحديث أن النبي r قال لأبي ذر رضي الله عنه : " انظر إلى أحقر الناس منظراً في عينك وهو حينئذ في المسجد " فنظر يمينا وشمالاً فوجد رجلاً في ذلة ، عليه ثوب رث ، فقال : هذا يا رسول الله ، فقال له رسول الله r : " انظر يا أبا ذر ، من أعز الناس في نظرك " ؟ فنظر إلى رجل في هيئة ، وعليه حلة ، فقال : هذا يا رسول الله ، فقال : " هذا عند الله – وأشار إلى الحقير – أفضل – عند الله – من ملئ الأرض من مثل هذا " وكلا الرجلين من الصحابة ، وبينهما هذا التفاوت ، فانظر إلى قدر الذل لله ، والافتقار والاستكانة إليه ، اللهم خلقنا بأخلاق من اصطفيت من عبادك يا أرحم الراحمين

    وقال رضي الله عنه : قال الله تبارك وتعالى : ( يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم ) فقال : قد أنزلنا لأن سببه المطر الذي أنزل من السماء ، فنبتت به الأشجار التي منها اللباس والكتان ، واستمدت الأنعام منها فنبتت فيها الاصواف التي يتخذ منها اللباس ، ثم قال تعالى : وريشاً وهو الجمال ، وتقويم الخلقة على أحسن حال ، ولباس التقوى فالتقوى : لباس يواري سوأة المعاصي والذنوب التي هي أسوأ وأقبح وأزرى من السوأة المخصوصة ، والثبات لباس يواري السوأة التي هي العورة ، فانظر هل تجد أخزى وأقبح من أن تمشي في السوق عرياناً ؟ فقد تتمنى الموت أو القتل ولا تكون على هذه الحالة ، ولو عرفت وكان لك عقل لرأيت الكشف عن سوأة الذنوب والمعاصي أقبح وأزرى وأخزى لأنه خزي متصل في الدنيا والآخرة . وسوأة العورة : إنما هي في يوم من الأيام تأتي وتتحاشى أن تمر عارياً مرة واحدة

    ثم من عصى الله سبحانه وتعالى مكشوف عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين ، فإن الله سبحانه وتعالى يطلع المؤمنين على معاصي الفاسقين وإن تستروا ، قال الله تعالى : (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) هذا في الدنيا وأما في الآخرة فعلى رؤوس الأشهاد ولذلك قال تعالى : ( ذلك خير ) أي لباس التقوى ذلك من آيات الله أي الإنزال لعلهم يتذكرون ، أي ما خلقوا عليه وهي الفطرة التي فطرهم الله عليها (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ) أي لباس التياب ولباس التقوى ليريهما سوآتهما أي سوأة الورة التي هي أذى ، وسوأة المعصية التي هي أشد وأزرى . ثم حذر تعالى عنه فقال : (إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم) فهو يحرض جنوده وأولاده على إغواء أبناء آدم ليبعدهم عن الله كما أبعده عنه ، ويخرجهم من جنة القرب إلى نار البعد كما أخرجه ؛ لأن المصيبة إذا عمت تكون أهون منها إذا خصت ، فهو يريد أن تعم مصيبة الطرد والإبعاد التي هو فيها لتهون عليه . اللهم أعذنا من الشيطان حتى لا يكون له علينا سلطان

    وقال رضي الله عنه : قال رسول الله r : " اتقوا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت " وحقيقة السحر : هو الخيال تظن أن هناك شيئاً ولا شئ ، قال الله سبحانه وتعالى في حق السحرة : (فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) وهي لا تسعى بل حبال وعصي ، كذلك الدنيا يظن الرائي لأهل الدنيا والناظر فيهم أنهم في نعيم وفي عز وليس كذلك فإنهم في ذلك ؛ لأنهم ملكوا أنفسهم الدنيا التي لا تعدل عند الله جناح بعوضة ، وكم في يد الواحد من جميع الخلائق من جناح البعوضة ، وهو – أيضاً – في عذاب لأنه كلما كثرت عليه الدنيا ازداد خوفاً على ذهابها ، وحرصاً عليها ، وهما من كثرة شغلها وغما من تتابع بوائقها وإن كان في الظاهر تراه منعما ، وهذه هي حقيقة السحر ، اللهم اكفنا شرها ، واشغلنا بك عمن سواك بحق محمد r

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : ( قم الليل إلا قليلاً ) أي قليلاً من الليالي مثل ليلة مزدلفة ، وبعض ليالي الأسفار والمرض ، إذ لو كان الاستثناء عائداً إلى الليل أي إلا قليلاً منه لوجب على النبي r قيام أكثر الليل إلا قليلاً منه وليس كذلك ([1]) بدليل قوله تعالى بعد هذه الآية . فقوله : (نصفه) من المجمل لقوله : من الليل نصفه أو انقص منه قليلاً الثلث أو ما بينهما ، أو زد عليه على النصف قليلاً حال من النقص والزيادة المنسوخ هو التقرير (علم أن لن تحصوه فتاب عليكم) فرفع الحرج بنسخ التقرير وفي كل ذلك قد امتثلت أمرنا حيث قلنا : ثم الليل نصفه . الخ . فقلنا : (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ) على قراءة الفتح ، وعلى الأخرى أدنى من ثلثي الليل وأدنى من نصفه بتقديره ، ثم قوله تعالى : ( علم أن سيكون منكم مرضى ) مفسرة أن الاستثناء إنما هو لقليل من الليالي فهو مرفوع عن المريض والمسافر أ . هـ

    وقال رضي الله عنه : آسية بنت مزاحم التي وصفها رسول الله r بالكمال حيث قال : " كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلا ثلاث : آسية ، ومريم ابنة عمران ، وفاطمة " الحديث . وحكى الله تعالى عنها حيث قال : (وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ) لم يشغلها عن الله تعالى ما هي فيه من النعيم الدنيوي : من الملبوس ، والمطعوم ، والمشروب ، وأصناف التحف ، وأنواع الخدم ، ولم يشغلها – أيضاً – أذى فرعون وحزبه ، بل بقيت واقفة في الباب مع أنها مؤدية ما يجب عليها لزوجها ، وهذا أعظم مراتب الصبر ، ثم من قوة رسوخ الإيمان في قلبها ، ومحبة الله تعالى قدمت الجار قبل الدار ، فقالت : ( رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة) ومقام الصبر عند الله عظيم ولذا قال تعالى : (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) والأجر الذي بغير حساب هو تجلي الله سبحانه وتعالى لهم لأنهم لا يبغون سواه ، ولا يريدون إلا إياه ،وامرأة فرعون لما كانت في أعلى مراتب الصبر كان أجرها ما أعد الله للصابرين ، ثم زادها بأن جعلها زوجاً لرسول الله r في الجنة

    وقال رضي الله عنه : قال الله سبحانه وتعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اجتنوبا كثيراً من الظن إن بعض الظن اثم ) ومن الظن الذي أمرنا الله تعالى أن نجتنبه أن نظن بالله غير ما يليق بجلاله جل وعلا ، ففي الحديث أ، رجلاً جاء إلى النبي r يسأله عن سعة رحمة الله ، فلما رآه النبي r قال له – قبل أن يسأله : جئت تسألني عن سعة رحمة الله تعالى ؟ وأخبرك بقول الله عز وجل : " لو كنت معجلاً العقوبة أو كانت العجلة من شأني ، لعجلت للقانطين من رحمتي يذنب أحدهم ذنباً فيستعظمه في جنب عفوي ، فلو لم أذكر لعبادي إلا خوفهم من الوقوف بين يدي ، لشكرت لهم ذلك فجعلت ثوابهم من ذلك الأمن مما خافوا " ( ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً ) لأن التجسس لأجل الإطلاع على العيب منشؤه ظن السوء ، وإذا ظننت السوء بالخلق فقد ظننت السوء بالخالق ، ثم قال تعالى : ( ولا يغتب بعضكم بعضا)

    والغيبة هي من ظن السوء أيضاً ، ألم تعلم أن لله سبحانه وتعالى في كل شئ حكمة ؟ وأنه لولا ذنوب عبيده لما ظهر سر الغفار ، وفي الحديث : " الغيبة أشد من الزنا " وفي حديث آخر : " أشد من ستة وثلاثين زنية في الإسلام " وفي الحديث : أن رسول الله r قام خطيباً فسمعه جميع الناس حتى الأبكار في خدورهن قائلاً : " يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه ، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم ، فإن من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ، ومن الغيبة أيضاً أن تذكر أخاك المسلم فتصفه بعيب فيه كأن تقول : فلان الأعور أو غير ذلك فإن ذلك من الله تعالى ، ومن عاب صنعة فقد عاب صانعها ، فإن بعض الصالحين وصف رجلاً بغدة كانت في حلقه ، فقال الحق تعالى له في سره : " لا تعرف عبادي إلا بما ابتليهم به لأميتنك بها " فكانت سبب موته

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن الحديث : " ثلاثة لا تحرم عليك أعراضهم المجاهر بالفسق ، والمبتدع ، والإمام الجائر " ؟

    فأجاب :

    فقال : المراد لا يتخذ الناس أعراضهم فاكهة يتفكهون بها ، ولكن إذا أحوج الحال إلى ذلك كأن يستشيرك المستشير فتقول له مثلاً : لا تزوج فلاناً ، فإن بحث وراجعك : لأي شئ ؟ أشرت عليه أن لا يزوجه فتقول : هو يفعل كذا ، كقول النبي r حين استشارته امرأة من الصحابة أن قد خطبها فلان وفلان ، فقال r : " أما فلان فصعلوك ، وأما فلان فإنه لا يضع عصاه عن عاتقيه " فالغيبة أمرها عظيم ، فإن عائشة – أم المؤمنين رضي الله عنها – قالت للنبي r : ما أحسن صفية ، لولا أنها كذا ، ووضعت السبابة على مفصل الإبهام تعني أنها قصيرة ، فقال لها النبي r : " لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته "

    وقال رضي الله عنه : قال عقبة بن عامر رضي الله عنه : يا رسول الله ، ما النجاة ؟ قال : " أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك "

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : ( هدى للمتقين الذي يؤمنون بالغيب ) والذين يؤمنون بالغيب هم قسمان : فقسم غائبون عن مشاهدة الحق تعالى ، مشاهدون لآياته ، فهم يستدلون عليه بآياته تعالى ، ويؤمنون به غيبا ، وقسم غائبون عن الخلق ، مشاهدون للحق ، فهم يستدلون به على آياته ، ويؤمنون بآياته غيبا وقد جمعهما قول بعضهم : إذا كشفت فلا غير ، وإن سترت فكل شئ غير ، ورابعة العدوية – رحمها الله تعالى – لما قيل لها : هنا عالم له على الله ألف دليل فقالت : ومتى غاب حتى يستدل عليه ، وذلك لأن من أسمائه تعالى النور والنور يستدل به ولا يستدل عليه ، وإنما هو سبحانه وتعالى يظهر أثر أسمائه في خلقه ، فيتجلى لبعضهم باسم الظاهر ولبعضهم باسم الباطن وقال تعالى : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) والحق هو الله تعالى فالذين يشهدونه تعالى هم المحسنون الذين قال في حقهم الصادق المصدوق لجبريل عليه السلام لما سأله : ما الإحسان ؟ قال : " أن تعبد الله كأنك تراه " والقسم الآخر : قوله – أيضاً - : " فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ولهذا الحديث معنى آخر عكس هذا التفسير ، وهو قوله r : " أن تعبد الله كأنك تراه " أتى بكاف التشبيه – هنا – ثم قال : فإن لم تكن أي لم تكن شيئاً بل فنيت بشريتك ، وجواب الشرط قوله : تراه فإنه يراك ، فالأول من أعلى إلى أجنى والآخر من أدنى إلى أعلى فافهم

    وقال رضي الله عنه : في التوكل هو : إسقاط التدبير قال رسول الله r : " لو توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كم ترزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً " فقال بعض الحاضرين : بسبب أم بلا سبب ؟ فقال : وأي سبب أعظم من التقوى والإيمان ؟ قال تعالى : (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) وقال تعالى : (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) فمن اتقى الله تعالى كان له الجار اللصيق ؛ لأن قد أحبه الله ، قال الله تعالى : (إن الله يحب المتقين) ومن أحبه فقد صار سمعه . الخ . ثم إن جميع عباد الله ضيوفه لأنهم وصلوا من سفر الإرادة إلى مقام الوجود ، فكيف يضيع الله تعالى عبيده وجيرانه وأضيافه ؟ حاشاه تبارك وتعالى : لو كان إنسان بهذه الصفات عند ملك من ملوك الأرض لأكرمه غاية الإكرام ، فكيف بملك الملوك ؟

    قيل : إن الحجاج – وفيه من الجراءة مالا يخفى – أمر بتنقل رجل ، فقال الرجل : لك ذلك وإنما أريد منك شيئاً ، وما أظنك إلا تفعله ، قال : وما هو ؟ قال : تضع يدك في يدي ، ثم تدور بي في عسكرك ، ففعل ذلك ، فلما فرغ قال له : أتقتلني وقد ثبت لي معك حق الصحبة التي وصى بها الله تعالى في كتابه العزيز بقوله : (والصاحب بالجنب) ؟ فأطلقه الحجاج . وقال : إن شئت أن تبقى مكرماً ، وإن شئت أن تذهب مجازاً ، فاختار الذهاب فأجازه وأعطاه ، فتعالى الله أن لا يكرم ضيفانه ، وحاشاه أن يضيع حقوق جيرانه ، وتنزه أن لا يكفى عبيده ، ولكن اتكل العبد على نفسه ، وقطع الأسباب التي بينه وبني سيده ، وتشبث بأسباب جعلها بينه وبين نفسه ، فوكله الله إلى نفسه ، وهو يناديه في كل حالة بلسان القرآن ، وبلسان كل آية من آياته تعالى : آيات الآفاق ، وآيات الأنفس : أن ارجع إلينا نكفك كل مؤنة ، ونصلك بخير الدارين ، فيأبى إلا الاتكال على نفسه وهواه ، فهو الضار لنفسه ، الواقع ف حفرته ، والله المستعان

    وقال رضي الله عنه : قال تعالى : ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ) ففي كل ليلة ونهار يموت كل إنسان ويحيا ( ثم يبعثكم فيه ليقضي أجل مسمى ) بسبب مرور الليالي والأيام يأتي الأجل المسمى ( ثم إليه مرجعكم ) هنا غاية التشويق لعباده وهو رجوعهم إليه فإنهم في الدنيا في غربة ، والرجوع إلى الوطن رجوعهم إلى ربهم ، وحب الوطن من الإيمان ( ثم ينبئكم بما كنتم تعملون ) أي ينبئكم بنطق جوارحكم وأعضائكم التي كنتم تملون بها الخير والشر ، وهو معنى قوله تعالى : ( يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ) لكنه قال عليهم لا لهم ، وذلك لأن الشهادة لا تكون إلا على من أنكر ولا ينكر حينئذ إلا المسيئون سيئاتهم ، فتشهد عليهم ، وأما المحسنون فلا حاجة إلى شهادتها لهم ، فكانت الآية وهي قوله : (يوم تشهد عليهم ) إلى آخرها آية وعيد ، ثم قال تعالى بعد قوله : (ثم ينبئكم بما كنتم تعملون وهو القاهر فوق عباده ) أي شهدت أعضاؤكم وجوارحكم عليكم قهراً وإلا فهي أجزاء منكم تعذب بعذابكم ، ولذا يقولون : ( لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ ) فهو تعالى ينبئهم لكن بجوارحهم وأعضائهم فهو كقوله تعالى : (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم )

    وقال رضي الله عنه : قال الله تبارك وتعالى : (والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً) لهذه الآية ثلاثة أوجه : الوجه الأول : شهادة الزور كأن يشهد الإنسان في إبطال حق ، أو في إحقاق باطل . الوجه الثاني : أن يشهد الإنسان مشاهد الزور أي يجلس مع قوم يفعلون الزور إما بارتكاب معصية ، أو بهتك حرمة ، أو بعمل بدعة ، قال الله تعالى : (فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) ولذا قال تعالى : ( وإذا مروا باللغو مروا كراماً ) واللغو : هو الكلام فيما لا يعني ، والخوض في غير ما خلق الإنسان له ، فوصفهم الله بالكرام ، أي تكرموا بنفوسهم لله فلا يخدمون بها إلا الله ، ولا يضعونها إلا فيما يرضى الله ، ولا يكون تصرفهم إلا بالله لله ، وقد جادوا بنفوسهم في سبيل الله ، ولذا وصفهم الله تعالى بالكرم . الوجه الثالث : أنهم الذين لا يشهدون الزور أي لا يشهدون إلا الله تعالى ، فإن ما سواه زور ألا كل شئ ما خلا الله باطل قال الشاعر :

    تخذتك وجها والأنام بطانة فأنجمهم غاب وشمسك طالع

    وهؤلاء أعلى درجة لأنهم لم يشهدوا غير الله ، فهم لا يرون زوراً أبداً ، وإذا مروا باللغو فهم لا يرونه لأنهم مستغرقون في ذات الله وصفاته ، ولا يرون غيره ، قال تعالى : ( قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ) وقال في آية أخرى : ( وهو الله في السماوات وفي الأرض ) وهؤلاء هم الأولياء الذين يدفع الله بهم عن أهل الأرض : إما بأن يطلعهم الله تعالى على غضبه على العاصين فيتشفعون ، فيقبل شفاعتهم ، وإما أن ينظر إليهم فيسكن غضبه . قال رسول الله r : " لولا شيوخ ركع ، وبهائم رتع ، وأطفال رضع ، لصب عليكم العذاب صبا " وفي الحديث القدسي قال الله تعالى : " إذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي ، جعلت نعيمه ولذته في ذكرى عشقني وعشقته ، فإذا عشقني وعشقته رفعت الحجاب فيما بيني وبينه ، وصرت () معالماً بين عينيه ، لا يسهو إذا سها الناس ، أولئك الأبطال حقاً ، أولئك الذين إذا أردت بأهل الأرض عقوبة أو عذاباً ذكرتهم فرفعت ذلك عنهم " قال الشاعر :

    وإياك جزعاً لا يهو لك أمرها فما نالها إلا الشجاع المقارع

    وقال رضي الله عنه : أنعم الله تعالى على عبيده بجميع النعم التي لا تحصيها الأقلام ، ولا تتسع لها الدفاتر التي تذهب دون حصرها الأعمار ، ويترك الأول للآخر ليتقربوا إليه بشكرها ، فيظهر لهم بقربة جواهر سرها ، ويسلط سبحانه عليهم المصائب والدواهي ليفروا إليه منها ، قال تعالى : (فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) فمن الناس من ينقاد إلى الله بنعمه ، ومنهم من يساق إليه تعالى بسياط عذابه ونقمه ، ومنهم من لا تؤثر فيه المروءة فلا ينقاد بالنعم إلى ربه ولا يخاف من نقمه فيفر إليه ليؤمنه بقربه ، فما أقسى من هذا حاله ؟ وما أجفى وأسوأ من كالحمر والمستنفرة ؟ مثاله يريد الحق جل جلاله أن يقربه منه لينيله ما أعد له من خصائص قربه ، ويتحفه بموارد صفائه وحبه ، فيأبى إلا الفرار منه إلى النار . اللهم إنا نسألك حبك ، وحب من يحبك ، وحب كل عمل يقربنا إليك يا أرحم الراحمين

    وقال رضي الله عنه : خلق الله سبحانه وتعالى جميع ما في السماوات وما في الأرض لبني آدم ، فملكه تعالى هو لهم لأنه غني عن ملكه ، وهم المنتفعون به ، فهو لهم باعتبار منافعه ، وهو له تعالى باعتبار أنه خلقه وكونه وتولى ما فيه مما لم يقدر الإنسان على توليه : من إمساك السماء أن تقع على الأرض ، وحفظ السماء بالنجوم لئلا تلبس الشياطين عليه دينه ، وإيجاد جميع ملكه من العدم ، فعلى الجملة هو في منفعة بني فالإنسان ملك الله له ، حتى الملائكة الموكلين برزقه والملائكة الذين حول العرش (يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به) إلى آخر الآية ، فليته لو علم بقدر هذا الرب العظيم الكريم الذي خلق كل شئ له ، وجعله خليفة ملكاً ، وما قدروا الله حق قدره ، سبحانه وتعالى يحب أن يقرب عبده منه فحباه بجميع النعم ، حتى أنه ملكه وهو غني عنه وعن قربه منه بجميع النعم ، حتى أنه ملكه وهو غني عنه وعن قربه منه ، والخير كل الخير ، ورأس السعادة ، وملك الدارين للعبد إذا قرب من الله تعالى ، ثم ليس في قربه من ربه تعالى مشقة ولا كلفة (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) (فاتقوا الله ما استطعتم – وما جعل عليكم في الدين من حرج) فما أيسر هذه الأسباب الموصلة على ملك الدارين ، وما أوضح هذه الطريق المستغني سالكها عن الكيف والأين ، ولكنها عميت القلوب فخاضت من المهالك في بحور (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور)

    فإن كنت – أيها العبد – لا تعلم أن ملك الله لك ، وإن من أجلك بسط الأرض ورفع السماء وأدار الفلك ، فانظر إلى القرآن وتدبر آياته ، ينبئك بأسراره في موضح بيناته قال تعالى (والله جعل لكم الأرض بساطاً) وقال تعالى : ( وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر) وقال تعالى : (أو لم أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون) وقال تعالى : (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه) والآيات في هذا المعنى بها القرآن طافح ، وفي الحديث القدسي : " يا ابن آدم خلقت كل شئ من أجلك وخلقتك من أجلي " فسبحانه ما أكرمه أعطى عبده جميع ملكه ابتداء ، ويعطيه ملكه الدائم إذا أتى شكر النعم بالامتثال لما أمر به ، والانتهاء عما نهى عنه ابتداء وانتهاء ، فأي كرم مثل هذا الكرم وأي جود مثل هذا الجود ، فسبحان الكريم الجواد لا إله إلا هو ، عليه توكلت وإليه أنيب

    وقال رضي الله عنه : إذا اتقى الإنسان صار إبليس الذي هو عدوه من نعم الله تعالى عليه ، الا ترى أن الجهاد في سبيل الله لولا وجود العدو لما وجد ، ولما كانت الشهادة ؟ فهذا العدو الأعظم مجاهدته هي أعظم المجاهدات ، ومجاهدته معاكسته ، ومن جاهده حتى مات فقد مات شهيداً في سبيل الله ، أكبر من الشهادة في الجهاد الظاهر لأنه في الجهاد الأكبر الذي قال فيه رسول الله r : " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" فلولا وجود إبليس مانيلت هذه الدرجة العظمى قال الله تعالى : (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) فبسبب ذلك المس كان التذكر لله تعالى ، وهذه نعمة عظيمة أن يكون مس طائف سبب التذكر لله تعالى ، فإذا بلغ الإنسان رتبة التقوى صارت أعداؤه من نعم الله عليه ، ويشكر الله عليها لأن بسببها اتسعت له أبواب الخير ، اللهم اجعلنا من المتقين يا ارحم الراحمين

    وقال رضي الله عنه : خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان كهيئة الميزان ، كل عضو منه في يمينه يعدل عضواً في يساره ، وكذلك الجوارح فاليد اليمنى ف مقابلة اليد اليسرى ، وكذلك الرجل ، ومن الجوارح : الأذن في مقابلة الأذن ، وكذلك العينان ، ولسانه شكوته متوسطة بين كفاف الأعضاء والجوارح ، والحكمة في ذلك أن لا يتكلم الإنسان بكلمة إلا بعد أن يزنها بميزان الشرع ، فإنه لا تعرف معادلة الكفاف إلا في الشوكة ، فيزن الكلمة إن كانت ترضى الله سبحانه وتعالى ، لأنه لابد أن يسأله عنها (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) تكلم بها وذلك كأن يكون ناهياً عن منكر ، أو آمراً بمعروف ، أو هادياً لضال أو غير ذلك ، فإذا سأله الله تعالى عنها أجاب بما يخلصه من التوبيخ والتبكيت ، وإن كانت الكلمة إذا سئل عنها بين يدي الله تعالى لا يقدر أن يتخلص من التوبيخ عليها فلا يتكلم بها ، ففي الحديث : لما سئل رسول الله r : هل يحاسب الناس على أقوالهم ؟ قال : " ثكلتك أمك ، وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم " وقال رسول الله r : لما أوصى رجلاً : " لا تكثر الكلام بغير ذكر الله تعالى ، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله تعالى تورث قسوة القلب ، وإن أبعد القلوب من الله القلب القاسي "

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار ) وقال تعالى : (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) أي إنما يغتر بها الذي لا عقل له ، كالمسحور حين يغتر بالسحر ، ويظنه شيئاً وهو لا شئ ، فجميع ما في الدنيا إنما هو وهم كالسراب اسم ولا مسمى له (يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً) وقال رسول الله r : " الدنيا دار ممر ، وليست دار مقر ، فاعبروها ولا تعمروها " فترى طالب الدنيا ظمآن لها ، فكلما رأى منها شيئاً توهم أن ذلك هو الغرض المقصود فيقصده فلا يشفى غليله ، فيبدو له شئ غيره فيقصده ، وهلم جرا . إلى ما لا نهاية له ، اللهم أنا نسألك العافية والسلامة . ألا ترى أن الملك يكنز الكنوز ، ويخزن الأموال ، ظاناً أن هناك فائدة ومنفعة وليس هناك شئ ، فإنه يكفيه من ذلك جميعه ما يكفي الفقير ، وهي أكلة وشربه من ماء ، وربما لا ينهضم ما في بطنه إلا وقد أتاه الموت ، وإنما يحمله على ذلك الأمل الكاذب الذي قال تعالى فيه : (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل) وقال تعالى ؛ (ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثر منهم فاسقون)

    ولو عرف مقدار الدنيا وأنها سريعة الزوال ، لما بنى البنيان ولا جمع الأموال ، قال رسول الله r : " إنما الدنيا كابن سبيل استظل تحت شجرة ثم راح وتركها " وقال رسول الله r : " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني " فسماه : أحمق وفي بعض الروايات : عاجز ، فإن نال ما تمنى أتبع نفسه هواها ، وبنى البنيان ، واستكبر ومنه مال الله عز وجل عن أهله ، وإن لم ينل ما تمنى فهو مصر على القبيح ، ولكن هو أهون من الأول . من العصمة أن لا تجد ، وأما من نالت نفسه ما تمنت ، وأتبع هواها فذلك مكر من الله واستدراج ، نسأل الله العافية والسلامة . وقال سيدنا ومولانا رسول اللهr يوماً لأصحابه : " استحيوا من الله حق الحياء ، قالوا : يا رسول الله إنا نستحي من الله والحمد لله ، قال : ليس ذاكم ، إنما الحياء من الله حق الحياء : أن تحفظوا الرأس وما وعى ، والبطن وما حوى ، ولا تنسوا المقابر والبلى ، ولا تجمعوا مالاً تأكلون ، ولا تبنوا مالا تسكنون ، ولا تأملوا مالا تدركون " فهذا الحديث جامع مانع من تمسك به نال كنز الدارين .

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) أي إنما أنتم في سفر فتزودوا فيه فإن من لم يتزود لسفره نال المشاق ، وندم على عدم التزود ثم قال : (واتقون يا أولي الألباب) أي أولو الألباب لا يرغبون ولا يسعون إلا في لباب الأمور ، ولب جميع الكون وسره هو الله تعالى ، فألو الألباب لا يركنون إلى عملهم ،ولا يتقون النار ولا يرغبون إلى الجنة بل ما مطلوبهم سوى محبوبهم ، وقع لبعض العارفين حال مع الله ، فقال له الحق تعالى : سلني من فضلي ما شئت أعطك ، قال : يا رب ، أنت أحسن من فضلك لا تغرني بفضلك عنك فأطلب سواك ، وهؤلاء من رفع الله همهم ، فلا يأخذون من كل شئ إلا سنامه

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سراً إلا أن تقولوا قولاً معروفاً ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا ان الله غفور حليم) فقوله : (ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله) يعني لا تشغلوا نفوسكم بغيري ، وهو عام في هذا الحكم وغيره ، فهو حاسم لمادة الأمل من كل شئ إذا بلغ الكتاب أجله ن فهو يأتي إليك فلا تشغل قلبك الذي لا ينبغي أن يشتغل إلا بالله بشئ من أمور الدنيا ، لأن ما قسم لك لابد يأتيك ولذا قال : (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) أي مجرد الوسوسة والخواطر التي تخطر من أجل شئ مستقبل قد يكون وقد لا يكون ، هو يعلمها سبحانه وتعالى فاحذروه ولا تشغلوا نفوسكم بغيره ، ثم قال : (واعلموا أن الله غفور حليم) فالغفران لا يكون إلا من الذنب ، والبشر ضعيف لا تخلوا منه الخواطر ، ولكن إذا تنبه لنفسه وتاب من ذلك الخاطر فالله غفور حليم ، أي لا يعجل العقوبة بل يمهل ، عسى أن تحصل منكم توبة ، فيبدل الله سيئاتكم حسنات

    ثم قال رضي الله عنه : جميع سعي الإنسان للدنيا في صعوبة وعسر ، فلا يحصل له ما يريد إلا بمشقة ، وقد لا يحصل ما يريد كأن يركب الإنسان الأخطار ، ويركب البحار لكي يصيب شيئاً من الدنيا ، فقد يحصل وقد لا يحصل ، ويبنى بنياناً فلا يحصل له ما يريد إلا بتعب ونصب وخسارة ، وجميع سي الإنسان للآخرة سهل لا عسر فيه ولا مشقة ، ينال الإنسان رياضاً وأشجاراً وأنهاراً ، كل ورقة من ورق الشجر مسيرة عشرين عاماً ، بقوله : " سبحان الله والحمد لله ، ولا إله غلا الله والله أكبر " وتبنى له القصور التي لا تخرب ولا تبلى بكلمة خير يقولها ، أو بصلاة في ظل ، استظل عيسى عليه الصلاة والسلام في ظل خيمة عجوز ، فخرجت وطردته ، فبكى فأوحى الله إليه / إني سأزوجك بكذا وكذا من الحور ، ولأولمن عليك ألف سنة ، أي أن هذا جميعه في مقابلة طرد العجوز له ، فما أيسر العمل للآخرة وما أعسر أعمال الدنيا ، والحمد لله رب العالمين



    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) قوله : بدليل الخ هكذا في الأصل وانظر ا هـ مصححه






    _________________
    خليفتي كذاتي

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 1949
    تاريخ التسجيل: 10/01/2008

    الفصل السادس : الصلاة الوسطى

    مُساهمة  Admin في الأحد نوفمبر 07, 2010 1:24 am

    وقال رضي الله عنه : الجملة المعترضة التي في أثناء هذه الآيات ، وهي قوله تعالى : (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) أي مقبلين على الله تعالى بجميعكم وبقلوبكم ، لا أنكم تقومون أشباحاً وقلوبكم مشغولة بغيره (فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً) أي لا تغفلوا عن الله تعالى ، ولا تشتغلوا بغيره ، ولو في حالخوفكم (فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) وهو ما علمكم بكتابه وبسنة رسوله لا غير . ثم رجع إلى حكم الزوجة المتوفى عنها بقوله : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً) لحكمة في توسط جملة الصلاة أي لا تشتغلوا بغيرنا ولا تشغلوا أوقاتكم في الأحكام الدنيوية ، بل أدوا لها حقها الذي لابد منه ، ثم عودوا إلينا فتكون صفتكم كصفة ترتيب القرآن ، فإنا لم نستتم حكم المتوفي عنها حتى دعوناكم إلينا ثم عدنا لتمامه ، فانظر إلى الحكمة في الترتيب . لا إله إلا الله ما أبلغ كلامه ، وما أحكمه سبحانه وتعالى

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم) وكذلك ما تحرك ولكن أتى بما سكن لأنه الأولى بالذكر ، لأنه بمعنى الذي سكن لله ، وهو الذي لا يتحرك إلى سبب من الأسباب ، بل هو ساكن لا يميل ولا يتحرك إلا لله ، فهو مثل قوله تعالى : (ألا لله الدين الخالص) فالساكن من بني أدم : هو الذي سماه النبي r : المسكين فقال : " اللهم أحيني مسكيناً وأمتنى مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين" وهم القانتون الذين أمرهم بالقنوت الحق تبارك وتعالى حيث قال : (وقوموا لله قانتين) ساكنين لله ، وقال تعالى لمريم عليها السلام : (يا مريم اقنتي لربك واسجدي وراكعي مع الراكعين) فقال اقنتي اسكني فإنها كانت تقع عليها الطيور وهي قائمة لسكونها فيه حتى لا تتحرك ن فتظن الطيور أنها جماد ، فمن لم يدبر له أمراً بل أسقط التدبير فقد سكن إلى الله وصار لله

    وهذا المقام هو الذي أوصى به لقمان ولده حيث قال : (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير) أي مثقال حبة من رزقك لأن التدبير والاهتمام إنما يكونان في الغالب من الرزق ، فحرضه على ترك التدبير في الرزق بقوله : (إن تك مثقال حبة من خردل) أي من رزقك فتكن في صخرة والصخرة لا يتوصل إلى إخراج ما في جوفها بتدبير ولا بحيلة ، أو في السماوات كذلك فلا يعرج إليها بسلم ولا بغيره من الحيل ، أو في الأرض أي في جملة الأرض فكيف يمكن أن تلقى حبة خردل بعينها مخبوأة في جملة الأرض ، وأما باطنها فلا سبيل لك إليه ، وهي إذا كانت كذلك وقد قسمت من رزقك أتى بها الله ، فهل بقى لتدبيرك فائدة أو ثرمة ؟ إنما أنت تشغل نفسك في صلاتك بشئ لا فائدة فيه ابداً ، بل هو الخسران العظيم ، وهو أنك تضيع صلاتك بشئ لا منفعة فيه ولا فائدة ، ولذا قال الله تعالى على لسان الحكيم لقمان في وصيته لولده ، بعد تحريضه على إسقاط التدبير : (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف) والمعروف : هو الله سبحانه وتعالى فأمر به له ، وانه عن المنكر ، والمنكر : هو ما سوى الله تعالى . ألا كل شئ ما خلا الله باطل

    وطالب غير الله في الكون كله كطالب ماء من سراب بقيعة

    ثم قال : (واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور) وذلك لأن من كانت هذه صفته لابد أن يؤذي ، قال الله تعالى : (وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه) فهذه وصية لقمان لولده وهي مثل قوله تعالى : (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى) وقوله تعالى : (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) هذا حصر ، ثم قال تعالى : (ما أريد منهم من رزق) أي لأنفسهم ، وما أريد أن يطعمون بل الله يطعم ولا يطعم ، ثم قال تعالى : إن الله ، هذا تأكيد ، وأتى بالجلالة الحاوية لجميع الأسماء ، ثم أتى بالضمير المنفصل الذي هو للفصل للتأكيد ، ثم قال الرزاق فأتى بصيغة المبالغة ، ذو القوة أي ليست القوة إلا له ، المتين ، فهذا تحريض على إسقاط التدبير وأتى بهذه الصفات وهذه التأكيدات لتتوغل في ذهن السامع ، فيفر من تدبيره كفراره من الأسد ، ويعظم عليه فيتوب منه ، فهو مثل قوله تعالى خطابا لامرأتي رسول الله r حفصة وعائشة رضي الله عنهما : (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) وذلك ليكون تحذيراً وتهديداً لهما ، فلا يعودان إلى مثل ما جرى منهما ، وفي هذا إشارة إلى ما أقر الله سبحانه من قول العزيز ، حيث قال حاكياً عنه : (إن كيدكن عظيم)

    ثم قال رضي الله عنه : فاستسلم لمولاك ، واعلم أن ما قد قسمه لك لابد يأتيك حتى لو أردت أن تمنعه عنك لما قدرت ، وأد ما أمرك سبحانه وتعالى به على الوجه الذي يرضيه ، ودع عنك جميع ما سواه ، واشتغل بمولاك ، فإنك إذا اشتغلت به كفاك ، وإياك أن تركن إلى سواه ، فكم وقع في شباك الردى من ركن إلى غير الله ، والحمد لله رب العالمين

    وقال رضي الله عنه : سيدنا محمد r أخذ من كل شئ سنامه ، فمن ذلك أنه قال r : " لكل نبي حرفة وحرفتي الفقر والجهاد" فالجهاد أعظم الحرف وأغلاها ، ورأس المعالي وذروة الكمال ، ثم إنه خير r بين أن يكون نبياً ملكاً ، أو نبياً عبداً ، فاختار أن يكون نبياً عبداً ، وذلك أنه إذا كان نبياً عبداً في الظاهر فهو في الباطن نبي ملك ، لأنه ليس لشئ عليه سلطان سوى الله سبحانه وتعالى ، ومن كان ملكاً في الظاهر فهو في الباطن عبد ، ، لأن كل شئ يملكه يصير له عليه حق ، ولصاحب الحق مقال . كما قال r . ثم حين خيره جبريل بين شرب القدح الخمر ، والقدح اللبن ، فاختار اللبن ، فقال له جبريل عليه السلام : أصبت الفطرة فالرسول r ما اختار من كل شئ إلا أحسنه ، وذلك بقدر ما أعطاه الله من العقل فسبحان المانح

    وقال رضي الله عنه : يبشر الله عباده المؤمنين تارة بواسطة الرسول r ، كقوله r في أهل بدر : " لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم " وهو لأهل بدر ومن شاء من أوليائه ، قال تعالى : (أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمناً يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير) وذلك أن العبد إذا قوي إيمانه حتى بلغ إلى محبة الله ، وإذا أحبه صار سمعه الذي يسمع به إلى آخر الحديث ، فقد صارت تصرفاته لله ، فيعمل ما شاء ، لأن الله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، ولذا يقول الله تعالى لأهل الجنة في الجنة : " أنا أفعل ما شاء وأحكم ما أريد ، وأنتم الآن افعلوا ما شئتم " وأولياء الله هم في الدنيا مع الله كما يكونون في الآخرة ، وتارة يبشرهم الله بواسطة ملك كقوله : (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم) وتارة يبشرهم الله تعالى بلا واسطة كقوله تعالى : (يا عابد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون)

    فمن أحبه الله سبحانه وتعالى صار سمعه الذي يسمع به ، فهو على هذه الحالات والبشارات من الدنيا لأنه قد انمحت ظلمة بشريته بنور الله تعالى ، وانمحقت ذاته تحت ذات الله فلا يبصر إلا بالله ، ولا يسمع إلا بالله ، ولا يمشي إلا بالله ولا يبطش إلا بالله ، وبين مقام الربوبية والعبودية برزخ كبرزخ البحرين قال الله : (مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان) وهذا كله فضل من الله تعالى ، فإن الله قادر على كل شئ ، وعطاؤه لا يقاس بمقياس ، ولا يدخل تحت ضبط ، فإن الملك لم يصر ملكاً إلا بفضل الله وكرمه ، أرأيته هل جعل نفسه ملكاً ؟ ولو عبد الله من قبل كل شئ إلى بعد كل شئ لما نال مقام الملائكة

    كذلك النبي لم ينل مقام النبوة إلا فضلاً من الله وكرماً ، فإن النبي والملك قبل وجودهما لم يختارا هذين المقامين ، وبعد وجودهما لو لم يخلقهما كذلك ويؤهلهما لذلك لما خطر على قلبهما أن يصير أحدهما ملكا والآخر نبياً ، بل فضل الله – سبحانه وتعالى – واسع لا ينحصر ولا ينضبط ، كذلك أولياء الله يمنحهم مالا يخطر على قلوبهم ، ولا يسلك في مجال عقولهم ، ولا يتصور الشئ الذي صاروا إليه إلا بعد حصوله ، فإن أحمد ابن هارون المكني بالسبتي ، رآه بعض الصالحين في المطاف وإذا هو يمشي بين الرجلين ولا يفرقهما فرصده حتى أمسكه ، فقال له : من أنت ؟ قال : أنا أحمد السبتي ، فقال له : من كان قطب وقتك ؟ قال له : أنا ، قال : كذا أخبرت ، قال : صدق من أخبرك . وبعضهم ربما جاء بروحه ملك وهو في صورته فيحضر في موقف بينه وبينه سنة أو أكثر ، ولا يعرف أنه ملك إلا إذا مشى في الشمس أو في القمر ، فليس له ظل ، وعلى الجملة فإن للقوم عجائب وخرق عادات لا تضبطها الأقلام ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، ولا يسع العبد إلا الإيمان لأن من لم يصدق فقد دخل بسعة فضل الله وخيره وقدره ، وفي الحديث عن الرسول r : " من بلغه عن الله فضيلة فلم يصدق بها لم ينلها"

    وسئل :

    رضي الله عنه عن : علم الكلام ؟

    فأجاب :

    فقال : هؤلاء قوم آمنوا بالله على ما فهموا ، وأهل الله قوم آمنوا بالله كما يعلمه لنفسه ، وفرقان بين الفريقين فإن من آمن بالله كما يعلمه الله لنفسه يجعل عقله وراء إيمانه ، فيؤمن سواء قبله عقله أو لم يقبله ، فمن آمن هذا الإيمان عرفه الله ما لم يعرفه بنقل ولا بعقل ، وأما من لم يؤمن إلا بما فهمه هذا وقوف عند الحروف ، وبسببه وضعوا علم الكلام الذي لم يرشد إليه كتاب ولا سنة ، ولم يسلكه صحابي ، فألفوا تأليفات ، وحصروا الصفات ، تعالى علواً كبيراً . وهذا هو الذي نزه الله تعالى نفسه عنه بقوله : (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) لأنهم وصفوا الله بما لم يصف به نفسه ، فهذه من أعظم المهالك ، وأخطر المعاطب ، لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ، ويظنون أنه علم ، وإن العلماء به داخلون في أن " العلماء ورثة الأنبياء " فهم أعظم خطرا من الذين يفعلون المعاصي ، عارفين ومقرين بأنها معاص . رأى بعض الصالحين رسول الله r ، فسأله عن ابن سينا ، وعن الفخر الرازي ، فقال له : أما ابن سينا فأراد أن يأتينا من غير بابنا فرددناه ، وأما الفخر الرازي فإنه رجل معاتب مع أن الفخر الرازي رجع عن هذا المسلك وتاب منه بقوله :

    نهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال

    ولم نستفد من علمنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

    وفي بعض الأيام كان جالسا بين أصحابه فبكى طويلاً ، فسألوه عن بكائه ، فقال : دليل كنت أعتقده في الله تبارك وتعالى منذ زمان ، فظهر لي بطلانه مثل الشمس ، وما يدريني لعلي في جميع اعتقاداتي كلها هكذا ، فإذا آمن الإنسان بالله تعالى إيمانا صادقا عرفه ، وإذا عرفه خافه وخشيه ، قال تعالى : (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ألا ترى إلى الصحابة – رضي الله عنهم – لما آمنوا بالله تعالى إيمانا صادقاً ، وآمنوا برسوله r لم يتكلوا على عقولهم في شئ ، بل آمنوا بما جاء به رسول الله r قبلته عقولهم ولم تقبله ، فإن القبلة كانت في صدر الإسلام إلى بيت المقدس بقوله r لهم وفعلوه ، ثم لما تحولت تحول r وتحولوا معه ، ولم يستنكروا ولم يشكو مع أنه قد ثبت عندهم أن بيت المقدس قبلة الانبياء من قبل ، وإن رضا الله تعالى في استقباله وعدم رضاه في استقبال الكعبة ، فانعكس الأمر ، وصار رضاه تعالى في استقبال بيت المقدس ، فآمنوا وصدقوا ولم يبق للعقول مجال ولا رأي ، فسعدوا السعادة الأبدية ، وتبينت لهم من بعد حين : نتائج السعادة ومصلحة استقبالهم الكعبة ، فعلى الجملة : إن من آمن بالله وصفاته وأفعاله ، وكلامه وقدرته كما يعلمها لنفسه جملة وتفصيلاً إنما علمه الله ، ولم يتوصل إلى معرفته بعقله ولا بفهمه ، قال الله تعالى : (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) وأي جهاد أعظم من درء الشكوك التي ليست إلا من الشيطان ، وقال الله تعالى : (واتقوا الله ويعلمكم الله) وأي تقوى أعظم وأحسن من إيمان العبد بربه ؟ كما يريده ويرتضيه ويعلمه لنفسه ، اللهم اجعلنا من الذين جاهدوا فيك ، فهديتهم سبيلك يا أرحم الراحمين

    وقال رضي الله عنه : الحازم اللبيب من إذا ظفره الله بشيخ يعرفه بالله تعالى عض عليه بالنواجذ فإن أهل الله قليلون ، ولا يظفر بأحدهم إلا من وفقه الله واعتنى به ، ثم اقتدى به وصدقه في جميع أفعاله وأقواله ، ولو لم يقبله عقله في ظاهر الأمر ، فإن للقوم ابتلاء ، ألا ترى إلى قصة الخضر مع موسى عليهما السلام ، فإن فيها عبرة لمن اعتبر ، فإن موسى عليه الصلاة والسلام ، لو صبر على الخضر عليه السلام لرأى عجباً ، ولكنه رأى ذلك مخالفاً في الظاهر لشريعته فلم يصبر ، وفي ذلك حكمة من الله تعالى ، وتكريم لنبيه موسى عليه الصلاة والسلام ليذوق مرارة تعليم المخلوق له ، فيعرف قدر حلاوة تعليم الخالق له ، ثم الخضر عليه السلام صدق الله قوله : (إنك لن تستطيع معي صبرا) وموسى عليه الصلاة والسلام صدق الله قوله : (ولا أعصي لك أمرا) لأنه لم يأمره بأمر حتى يعصيه فيه ، وإنما نهاه بقوله : (فإن اتبعتني فلا تسألني عن شئ)

    ومن هنا تبين أنه ليس من ائتمر فقد انتهى ، ولا من انتهى فقد ائتمر ، بل مصادر النهي غير مصادر الأمر ، فلما لم يصبر عليه الصلاة والسلام فإنه العلم الذي جاء لتعلمه من الخضر ، مع أنه قد جرت له عليه الصلاة والسلام أمور كالأمور التي أنكرها على الخضر ، فإنه في قوله في السفينة (أخرقتها لتغرق أهلها) قد جرى له ما هو أعظم من ذلك ، وهو اتخاذ الحوت في البحر سربا حتى وصل إلى قعره ، فالذي قدر على إمساك ذلك قادر على إمساك الماء عن دخول السفينة ، ثم إمساك البحر له لما ضربه بعصاه ، فعبره هو وبنو إسرائيل ، وكان فرق كالطود العظيم ، ثم قتل النفس قد سبق منه قتل القبطي ، ثم عدم اتخاذ الأجر على الجدار قد استقى لابنتي شعيب ، ولم يطلب منهما أجره ، مع أنه كان في شدة الجوع ، فإن قوله : (إني لما أنزلت إلى من خير فقير) لم يرد به إلا سد رمقه من الجوع ، وهنا استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما ، لكن طلبهما للطعام ليس بسؤال ، وإنما هو طلب حق ، فإن الضيافة واجبة فما استطعماهم إلا ليحطوا عنهم الواجب الذي عليهم ، فالمصلحة عائدة عليهم ، لا أنهما يسألانهم مسألة افتقار إليهم ، استغفر الله العظيم ، فإذا علمت بعائدة نفع الامتثال للشيخ في أوامره ونواهيه ، فما أرى لك إلا أن تكون بين يديه كما قال عبد الكريم الجيلي رحمه الله :

    وكن عنده كالميت عند مغسل يقلبه ما شاء وهو مطاوع

    ولا تعترض فيما جهلت من أمره عليه فإن الاعتراض تنازع

    وسلم له فيما تراه ولو يكن على غير مشروع فثم مخادع

    وفي قصة الخضر الكريم كفاية بقتل غلام والكليم يدافع

    فلما أبان الصبح عن ليل سره وسر حسام للمحاجج قاطع

    أقام له العذر الكليم وإنه كذلك علم القوم فيه بدائع

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن الاستثناء في قوله تعالى : (خالدين فيها إلا ما شاء ربك) في حق أهل النار وأهل الجنة ؟

    فأجاب

    فقال : معناه الاستثناء في حق أهل الجنة للذين يدخلون النار بذنوبهم ، ثم يخرجون منها ، فيكون مستثنى من الذين سعدوا وتكون ما بمعنى من شاء ربك ، وأما السماوات والأرض فهي غير ، فقد بدلت (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات) ويذلك على أن هذا المراد بالاستثناء قوله آخر الآية (عطاء غير مجذوذ) ويكون الاستثناء في حق أهل النار يعود – ايضا – على هؤلاء الذين أدخلوها بذنوبهم ، ثم أخرجوا منها برحمة الله تعالى على تفاوت مراتبهم ، وعلى هذا فالاستثناء من الخالدين ، ومع ذلك فهو متناول للخلود فأطلق عليهم لفظ الشقاء باعتبار أول الأمر ، وأطلق عليهم لفظ السعادة باعتبار آخر الأمر ، والاستثناء من مدة خلودهم في الجنة عائد إلى القبلية ، والاستثناء من مدة خلودهم في النار عائد إلى البعدية

    وقال رضي الله عنه : في الدعاء وقد تقدم الكلام عليه : إن الدعاء إنما هو تشريف وتكريم لباب المناجاة والكرم ، وإلا فهو سبحانه وتعالى أعطاك يا ابن آدم كل ما أنت مفتقر إليه بسؤال حالاً لا مقالاً ، بأن جعل لك جميع ما في السماوات والأرض ، وخلق فيك ما تنتفع به من الأعضاء والجوارح ، ثم هو – أيضاً – يعلم حاجتك التي تسأله قبل أن يخلقك ، وقبل أن يخلق السماوات والأرض ، والنكتة في أمره بالدعاء : إظهار سر كرمه تعالى ، وأنه يجازي على كل شئ من جنسه جزاء وفاقاً ، وذلك أنه أمرنا سبحانه وتعالى باجتناب ما نهانا عنه ، والائتمار بما أمرنا به ، وجازانا على ذلك بأن ائتمر لأوامرنا ، وانتهى عن نواهينا ، فإنك تقول في الدعاء : اللهم اغفر لي ، فيأتمر لك بأن يغفر لك ، وتقول : اللهم لا تخزني ، فينتهي عن نهيك بأن لا يخزيك ، ولذا قال تعالى شأنه : (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) أي فليستجيبوا لي بالائتمار بما أمرتهم به ، والانتهاء عما نهيتهم عنه ، فإذا كانوا كذلك فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ، فأتمر لأمره ، وأنتهي عن نهيه ، سبحانه وتعالى ما أكرمه ، ومع هذا فإن المصلحة في ائتمار العبد لما أمر به ، وانتهائه عما نهى عنه عائدة عليه ، واستجابة دعائه عائدة عليه ، والله سبحانه وتعالى غني عنه في الجميع ، فانظر إلى هذا الكرم . سبحان الكريم لا إله إلا هو

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى – حاكياً عن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام : (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى) يريد – هنا – معرفة الكيفية ، قال : أو لم تؤمن أي أو لم تتخلق باسمي المؤمن ؟ (قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) أي أنا معتقد اعتقادا صحيحاً ، أي متخلق باسمك المؤمن ، لكني أريد أن أنظره عياناً (قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا) أي على جميع جبال الدنيا من قاف إلى قاف ، فكم كل جزء من أجزاء هذه الأربعة الطيور بعدد جبال الدنيا قد لا يكون كالخردلة ، فقال له قائل : ومن وضع تلك الأجزاء على جميع جبال الدنيا ؟ فقال : هو في لحظة . فالذي أقدر آصف بن برخيا أن يأتي بعرش بلقيس الذي وصفه الله – على لسان الهدهد – بالعظم . قيل : كان يجلس عليه اثنا عشر ألفً في أقل من ارتداد الطرف ، هذا القدر الذي لا يتصور أقل منه ، فإن الطرف مفتوح ، فكم مقدار ارتداده ؟ ثم هو أقل منه ، فهذا القدر لا يتسع للكاف من كن ، والحال أنه ولى من أولياء أمة سليمان عليه الصلاة والسلام ، ثم هو كان بالشام وبلقيس باليمن فكيف الولي من خير أمة أخرجت للناس ؟ فمن هذه قدرته قادر أن يجمع جميع جبال الدنيا بين يدي إبراهيم قبل ارتداد الطرف ، فيضع في كل جبل جزءا كما يضع الإنسان التمر في الطبق ، ثم يفرقها عنه في ذلك المقدار ، قال تعالى : (ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم) أي أنه سبحانه وتعالى عزيز أن يتجلى بكنه جلاله وكبريائه ، فإنه تجلى باسم القادر لإبراهيم في القصة بقدر لا يعلمه إلا الله تعالى .

    وأما تجليه سبحانه وتعالى للجبل حين (جعله دكاً وخر موسى صعقاً) فقد قدره رسول الله r بمقدار ثلث الخنصر ، ثم قوله : (حكيم) أي سبحانه وتعالى لا ينظر لعبده إلا الصلاح ؛ فإنه سبحانه وتعالى قال لموسى حين كلمه وأقوى من ذلك ، ولو كلمتك بكنه كلامي لم تكن شيئا ، هذا معنى قوله تعالى : (حكيم) في قصة إبراهيم أي أنه ما تجلى له باسمه القادر إلا بمقدار يمكنه الطاقة له ، سبحانه وتعالى ما أعظم شأنه

    ثم قال رضي الله عنه : وأعظم من هذا كله : أن رسول الله r أسرى به أولاً من مكة إلى بيت المقدس مسيرة شهر ، ثم إلى العرش مسيرة خمسين ألف سنة ، لأن غلظ كل سماء خمسمائة عام ، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام ، ثم من فوق السماوات السبع مالاً يعلمه إلا الله من الهواء الذي جميع الجنان في طيه ، ومسافة الكرسي ، ثم مسافة السماوات سبعة آلاف سنة بطيران الملك الذي (يعرج إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف نسمة) ثم رجوعه عليه الصلاة والسلام إلى موسى في السماء السادسة ، وصعوده خمس مرات ، وهذا كله في ليلة ، وما أصبح إلا بمكة ، سبحان القادر المقتدر لا إله إلا هو

    وقال رضي الله عنى : قال عزير عليه الصلاة والسلام حين مر بقرية خاوية على عروشها : (أنى يحيى هذه الله بعد موتها) هو – هنا – ما طلب إلا الكيفية ، كقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : (رب أرني كيف تحيى الموتى) إلا أنه نبي ، والمؤمن من سائر الناس ، يعلم علماً يقيناً أن الله قادر على إحيائها فرضاً ، أما نبي الله فما طلب إلا الكيفية ، لكن فيها شم من استبعاد بلفظة (أني) فأراه الله إلا حياء في نفسه ، بأن أماته مائة عام ثم بعثه ، وفي هذه المدة جميعها فاته الترقي ، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام أراه إلا حياء في غيره ، لأنه ما طلب إلا الكيفية من غير شمة من الاستبعاد ثم قال سبحانه وتعالى : (كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام) ثم لبس سبحانه وتعالى عليه بأن جعل قرينة طعامه كأن لم يلبث إلا (يوماً او بعض يوم) وقرينة حماره أنه لبث مائة عام ، لأنه رأى عظامه تلوح مفرقة ، ثم أحياه الله وهو ينظر ، فقال : (فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شئ قدير)

    وقال رضي الله عنه : قال تعالى في قصة عيسى عليه الصلاة والسلام : (إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا) الآية فقال : بإذني لأن كل نبي وكل ولي لا يفعل شيئاً إلا بإذن الله تعالى ؛ لأنه لا يتصور أن نبياً أو لياً كاملاً يفعل شيئاً من ذات نفسه وإن أقدره الله عليه ، لأنه إن فعل شيئاً بغير إذن بقي لهواء فيه مدخل ، وربما تقبل العبادة إذا كان فيها شائبة هوى في الغالب ، ولا تكون العبادة إلى عكس الهوى النفساني ، لكن قد تتفق نادراً

    وقال رضي الله عنه : يستفيد التلميذ من شيخه بقدر تصديقه له ومحبته له ، وبره به ، قال الشاعر :

    أقدم أستاذي على بر والدي وإن كان لي من والدي البر واللطف

    فهذا مربي الروح والروح جوهر وهذا مربى الجسم وهو لها صدف

    لأن التصديق كالغناء فإن كان الإناء متسعاً أخذ بقدره ، وإن كان ضيقاً أخذ بقدره ، كذلك التصديق والمحبة يأخذ التلميذ بقدر كبرهما وصغرهما ، ففي الحديث : أن النبي r قال : " بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها ، فقالت : إنا لم نخلق لهذا ، إنما خلقنا للحرث ، فقال الناس : سبحان الله ! بقرة تتكلم ؟ فقال رسول الله r : فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر " وهما غائبان ، وإنما أخبر عنهما r لعلمه بمبلغ تصديقهما إلى النهاية ، وهذا ثمرة قوة التصديق ، فإذا عرفت فأعلم أن لا محال على الله

    وللقوم حالات مختلفة ، وطريق كل واحد منهم غير طريقة الآخر ، وطرقهم إلى الله بعدد أنفاس الخلق ، فإياك أن تشك فيما صدر منهم ، بل اغتنم تغنم ، أو سلم تسلم ، أتراهم يتورعون ويزهدون عن الدنيا التي فتنت أهلها ؟ فمنهم من يتنحى عن الملك ويغترب عن أهله ووطنه ، ومنهم من يطلق دمعه ويطلق لذة وسنة ، ومنهم من يسيح في الأرض غرباً وشرقاً ، ويقنع من العيش بم به تقوم روحه عن التلاف توقاً ، ثم يكذبون على الله ، كلا والله ، لا يقول ذلك من يؤمن بالله ، بل والله لقد شمروا للسباق في حلبة المعالي فأحرزوا قصباته ، فكم جلى منهم مصل ، وقطع أعناق العلائق بصوارم عزماته ، وكم ماجد رضع طفل فؤاده من ثدي الحقيقة ألبان الأسرار ، وكشفت له عن وجوه المعارف براقع الأستار ، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ، ليس سوى الله تعالى في جميع الحالات أنيسهم .

    ثم ذكر رضي الله عنه قصصا تكشف عن اختلاف أحوالهم : فمن جملتها أن واحداً منهم كان يلبس الملابس الفائقة من الثياب ، فقال له بعض الناس : يا سيدي ، ما هذه الثياب التي تلبس أنت أحق بأن تزهد فيها ؟ فقال : خذ هذا الثوب ثم بعه وائتني بثمنه ، فأخرجه السوق فاشتراه منه رجل ، ثم لما اشتراه قال : ما أحق هذا الثوب بسيدي فلان يعني : ذلك الولي صاحب الثوب ، فعسى به إليه وأهداه له فلبسه ، ثم لما وصل ذلك الرجل الذي باع الثوب رأى ذلك الثوب الذي باعه على ذلك الولي ، فبقى ينظر إلى الثوب نظرة ، وإلى ثمنه الذي في يده أخرى ، فقال له : أبعت الثوب ؟ فبقي ينظر إلى الثوب نظرة ، وإلى ثمنه الذي في يده أخرى ، فقال له : أبعت الثوب ؟ قال : نعم يا سيدي ، إنما أنا أنظره هذا الذي عليك قال : نعم ، إذاً تعرف أني لم البس غير ما ألبسني الله تعالى .ثم أخر : كان لا يمشي إلا راكباً على الخيل ، فجاءه يوماً رجل وقال له : يا سيدي ، إنما أنا أنظره هذا الذي عليك قال : نعم ، إذا تعرف أني لم ألبس غير ما البسني الله تعالى . ثم آخر : كان لا يمشي إلا راكباً على الخيل ، فجاءه يوما رجل وقال له : يا سيدي ، أريد أن أمشي أنا وأنت لزيارة الإمام الشافعي – وهما حينئذ بمصر – قال : بسم الله نمشي ، فقال له : لكن أريد أن نمشي مترجلين على هيئة التواضع ، لأي شئ لا تمشي في كل حالة إلا على ظهور الخيل ؟ فقال : كذلك . ثم مشياً فلما شرعا في السير رآه رجل راكب على فرس فترجل ، ثم قال له : يا سيدي ، تمشي راجلاً والله لا كان ذلك أبداً ، وتطلق زوجتي ثلاثاً إن لم تركب على فرسي ، فالتفت إلى ذلك الرجل ثم قال له : عرفت أي لم أكن أركب لهوى نفساني وإنما ذلك من الله سبحانه وتعالى ، ثم ركباً . فمن كان منهم بهذه الصفة لم يكن ملتفتاً إلى النعم ، بل وجودها – عنده – وعدمها على حد سواء ، بل هو مشغول عنها بالمنعم ، وإذا أعطى شيئاً نزراً قبله وشكره ، وهو عنده كالكثير الوافر ، وعنده أن المعطي هو الله سبحانه وتعالى ، فيعظم العطية لأجل معطيها ، وعلى الجملة فأحوال القوم لا تحصى ولا تعد . اللهم اجعلنا – يا أرحم الراحمين – من أوليائك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، واجعلنا من حزبك فإن حزبك هو الغالبون . آمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن الحديث وهو قول رسول الله r : " إذا انتصف شعبان فلا تصوموا " ؟

    فأجاب :

    أن ذلك النهي من النبي r لئلا يصل الناس الواجب الذي هو شهر رمضان بالتطوع فيجب عليهم ، إذ في حياته r لم يزل الوحي ينزل ، فذلك مثل قوله r لما لم يخرج في الليلة الثالثة ، بعد أن خرج ليلتين في رمضان ، فاقتدى الناس بصلاته / " خشيت أن تفترض عليكم " ومن بعد موته r ، سن عمر رضي الله عنه صلاة التراويح ، لأنه قد زالت العلة بموت رسول الله r ، فكذلك الصوم بعد النصف من شعبان ، ويدل على أن هذه هي علة النهي : نهيه r عن صوم يوم الشك إلا لمن يسرد صومه ، أي إما أن يكون صائم الدهر أو يصوم يوماً ويفطر يوماً ، فيصادف يوم الشك يوم الصوم ، أو بأن يكون سارداً صومه من أول شهر رجب . وللنهي علة أخرى : وهي أنه نهى r عن صوم بعد النصف من شعبان ، خشية أن تسلك أمته ما سلك النصارى ، فإنه افترض عليهم الصيام شهراً ، قال الله تعالى : (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياماً معدودات) فمرض ملكهم ، فنذر إذا شفاه الله أن يزيد على الشهر الذي افترض عليهم صومه عشرة أيام ، فكانت اربعين يوماً ن ثم مرض ملك ثان ، فنذر زيادة ثمانية أيام ، فصارت ثمانية وأربعين ، ثم زادوها اثنين فصار صيامهم خمسين يوماً ، وجعلوه في أيام معتدلة ، لا في أيام الحر ولا في أيام البرد ، فأوجبوا على نفوسهم من عندهم لا بأمر من الله ولا من رسوله ، فصار الأمر الآن في هذا السؤال أن لا بأس بالصوم بعد النصف من شعبان ، إذ قد انتفت هاتان العلتان إلا يوم الشك ، إلا أن يكون سارداً . ومن العلماء من تحرى فمنع صوم اليوم السادس عشر منهم : محيى الدين بن العربي وهو صواب لئلا يصير الحديث منسوخاً محضا

    وسئل :

    رضي الله عنه : كيف يعمل من لحق الإمام في الركعتين الأخيرتين من الصلوات الجهرية ، وكان اللاحق اثنين هل يقتدي أحدهما بالآخر ، حين يقومان لتمام صلاتهما أو لا ، وهل يقرأ اللاحق في هاتين الركعتين جهراً لكونه لم يسمع جهر الإمام أو يسر ؟

    فأجاب :

    أن لا فائدة في اقتداء أحدهما بالآخر ، لأن اللاحق قد أدرك فضل الجماعة ولو لحق في ركوع الركعة الأخيرة ، وقول رسول الله r : " صلاة الرجل مع الرجل خير من صلاته وحده " لا يكون دليلاً لاقتداء أحدهما بالآخر ، لأنه قد صلى كل واحد منهما مع جماعة ، وأما الجهر فيجهر في هاتين الركعتين اللتين يأتي بهما بعد تسليم الإمام ؛ لأن الركعتين اللتين فاتتا عليه جهريتان لقوله r : " وما فاتكم فاقضوا " وحقيقة القضاء أن يؤدي الذي فات بجميع صفاته ، وأما قوله r في حديث آخر : " وما فاتكم فأتموه " فالمراد به أتموا عددها ، لأنها لم تكمل أربعاً ، وأما إذا لحق المؤتم الإمام في آخر ركعة من الجهرية فإنه يقوم بعد تسليم الإمام فيأتي بركعة يجهر فيها وهي ثانية له ، ثم يجلس للتشهد الأوسط ، ثم يقوم ويجهر في الثالثة ليستكمل ما فاته من الجهر

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) الحسنى : هي الجنة ، قال تعالى : (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) أي بالجنة فعمل لها عمل تصديق بها (فسنيسره لليسرى) وقوله تعالى : (وزيادة) الزيادة هي تجلي الحق تعالى كيف يشاء ، وتقديم الحسنى على الزيادة لكونها محلاً لها ، وأما تفسيرها عند أهل الباطن فالمراد بالحسنى ، أسماء الله الحسنى وقوله : (وزيادة) أي زيادة عليها لأن لله أسماء لا تحصى غير الأسماء الحسنى ، وهذا التفسير على لغتهم التي هي نتيجة قصدهم ، لأنهم لم يقصدوا بعبادتهم سوى الله تعالى ، فيكون جزاؤهم على حسب مرادهم جزاء وفاقاً ، فهو تعالى يتجلى لهم بالأسماء الحسنى لأن لكل اسم تجلياً غير تجلي الاسم الآخر ، ويتجلى – لهم أيضا – بأسماء غير الأسماء الحسنى وهي الزيادة

    وقال رضي الله عنه : جميع أفعال بني آدم هي أفعال الله تعالى (والله خلقكم وما تعملون) لأنه سبحانه خلق آدم وأهله ، وأقدره على جميع ما يفعله ، وهو خالق لفعله وصناعته ، قال تعالى : (فتبارك الله أحسن الخالقين) ألا ترى إلى من اسقمه المرض حتى بلغ به على حالة لا يمكنه معها القيام ، ولا تحريك يد ولا رجل ، فالله سبحانه أذهب منه القوى بسبب ذلك المرض ، فلا يمكنه فعل شئ ، وإذا اراد سبحانه أن يقدره أزال عنه ذلك المرض ، فتراه يفعل جميع أفعاله ، فالفاعل هو الله تعالى ، وجميع بني آدم كلمة الله ، فليس ذلك مختصاً بعيسى وآدم عليهما الصلاة والسلام ، لقوله تعالى : (إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) وقوله في آية أخرى : (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) بل كل بني آدم كذلك ، وكل شئ كلمة الله تعالى ، قال الله تعالى : (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) فإذا عرفت هذا عرفت أن كل أعمال الإنسان وغيره ، الخالق لها هو الله تعالى ، إذ هو أقدر على كل شئ وأهله لما خلق له ، ولكن الوقوف عند القدر والإمساك عنه واجب . قال رسول الله r : " إذ ذكر القدر فأمسكوا ، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا ، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا " ولا يمكن التعبير بحقيقة القدر فهو ثابت منفي في حالة واحدة ، لأنك إذا نفيته نسبت إلى الله تعالى العجز ، وإذا أثبته نسبت إليه الظلم ، فما بقي إلا الإمساك ومن اتقى الله كان حقاً عليه تعالى أن يعلمه حقيقته . قال تعالى : (واتقوا الله ويعلمكم الله) والقدر : من العلم الذي لا يمكن أن يعلم إلا من لدنه تبارك وتعالى . فالإيمان به على الجملة ، ثم الاحتجاج به باطل




    _________________
    خليفتي كذاتي

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 1949
    تاريخ التسجيل: 10/01/2008

    الفصل السابع : اليقين

    مُساهمة  Admin في الأحد نوفمبر 07, 2010 1:25 am

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قوله تعالى : (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) ؟

    فأجاب :

    أن لها تفسيرين : أحدهما : أن اليقين هو : الموت وهو الظاهر فتكون حتى للغاية ، الثاني : أن اليقين هو أن يرى الشئ عياناً ، ألا ترى أن الواصف إذا وصف لك شيئاً وأنت معتقد اعتقاداً صحيحاً لا يختلجك شك ، ولا ريب عندك أنه صادق فيما وصف ، لكنك لم تر ذلك الموصوف ، فأنت لا تزال تتخيل هذا الموصوف وتتصوره ، ومعلوم قطعاً أن تخيلك وتصورك لهذا الشئ الذي لم تره لا يطابق حقيقته ، كمن يصف لك مكة مثلاً وأنت لا تعرفها ، وتصورها تصويراً لا يطابق ما إذا رأيتها عياناً ، فإذا رأى الإنسان حقيقة الأمر آمن به وهو يشاهده ، وإذا آمن بما وصفه الواصف من دون مشاهدة فهو مؤمن بالغيب ، والمؤمن إذا عبد الله حق عبادته بقدر استطاعته عرفه الله سبحانه وتعالى ، وإذا عرفه فلا يشهد سواه ، حتى إنه يحول بينه وبين قلبه أي إذا رأى قلبه بعين البصيرة وجد الله حائلاً بينه وبين قلبه ، وبهذه المعرفة تنال المعارف الإلهية التي من لدنه تبارك وتعالى

    وكلما صفا صوفي صفا قلبه قربت منه أشكال المعارف ، الا ترى أن الزجاج أصله حجر كثيف ، ثم لما صفى وزالت عنه الكدورات قرب الأشخاص البعيدة ، فإن الناظور يقرب الشئ البعيد ، حتى إن ما زادت تصفيته يقرأ الإنسان به مكتوباً من مسافة بريد ، كذلك المنظرة تقرب الشمس من مسيرة أربعة آلاف عام ، حتى تحرق ما وقعت عليه ، وهذا أعظم من آسف بن برخيا فإنه أتى بعرش بلقيس من مسافة ثلاثة أشهر قبل أن يرتد الطرف ، وهذه أتت بالشمس من مسافة اربعة آلاف سنة قبل ارتداد الطرف ، فإنك إذا ركبتها على شئ أحرقته بمجرد وقوعها عليه ، فالنبي r هو عين الوجود ، وواسطة عقده ، أخذ من أنوار الحق تعالى بقدر صفوه ، فالآخذ من الله تعالى بواسطته r ، ولله المثل الأعلى ولرسوله في القوى كآخذ الضوء من الشمس بواسطة الزجاجة ، وهذا تشريف لهذه الأمة وأي تشريف لأنهم الآخذون بواسطته ، والآخذ من الله تعالى من غير واسطته r كآخذ الشئ من الشمس من دون واسطة الزجاجة ، وذلك لأن الرسول r هو النور الذي قبضه الله من قبضة نوره ، قال تعالى (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) فالنور : هو الرسول r إذ لو كان النور هو الكتاب لكان لفظاً متكرراً ، والحق تعالى هو سمعه وبصره وقلبه إلى آخره ، فكله r نور مع أنه متحيز في بشريته وفي عبوديته

    والحق تعالى مطلق في كبريائه وفي ملكوته (وهو الله في السماوات وفي الأرض) في حال كونه على العرش استوى ، في حال كونه قلب عبده المؤمن وبصره وسمعه سبحانه ، فلرسول الله r وجهتان وجهة إلى الحق تعالى وهو المقام الذي قال تعالى فيه : (والله ورسوله أحق أن يرضوه) فأعاد الضمير بصيغة الإفراد وقال تعالى : (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصلاً) فأعاد الضمير بصيغة الإفراد ، وقال r في هذا المعنى : " من رآني فقد رأى الحق تعالى " وقال r : " إن لي وقتاً لا يسعني فيه إلا ربي " ولذا قال تعالى : (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً) فالحجاب المستور هو كونهم ما رأوا فيه إلا البشرية والعبودية إذ لو صدقوه لرأوا ما رأى الذين قال تعالى في حقهم : (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) فهو r أقرب الكون إلى الله ، بل فوق العرش الحجب سبعون حجاباً ما بين كل حجاب وحجاب مسافة سبعين ألف سنة ، وغلظ كل حجاب سبعون ألف سنة ، وفوق ذلك فضاء لا يعلم قدر مسافته إلا الله سبحانه وتعالى وهو الذي يقال له . عالم الرقا وهو مظاهر أسماء الله ، وهو فوق العرش والكرسي ، ووراء هذا كله نور سيد الكونين والثقلين ، الرسول الخاتم خاتم الأنبياء والمرسلين ، سيد ولد آدم أجمعين

    ولذا قال r حين سأله الأعرابي أين كان الله تعالى قبل أن يخلق الخلق ؟ قال : كان في عماء بالمد والقصر ، فازداد السائل حيرة ؛ لأنه إن كان بالمد وهو السحاب الرقيق فيكون معناه (يوم يأتيهم الله في ظلل من الغمام) وإن كان بالقصر فهو الغشاوة على القلب أو على العين ، فاستفاد السائل هذا العلم من رسول الله r وبه ازداد حيرة ، فالعلم بالله تعالى كلما زاد زاد صاحبه حيرة ، وفي هذا المعنى قال رسول الله r يوماً لأصحابه : " لو عرفتم الله حق معرفته ، لمشيتم على البحار ، ولزالت بدعائكم الجبال ، ولو خفتم الله عز وجل حق مخافته لعلمتم العلم الذي ليس معه جهل ، ولكن ما بلغ ذلك أحد ن قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا . قالوا : ما كنا نظن أن الأنبياء تقصر على ذلك قال : الله أعظم من أن ينال أحد أمره كله ، ووراء ذلك ما لا يعلمه إلا الله "

    ومع هذا فهو r في حيرة ، ولذا قال : " رب زدني فيك تحيراً " وهو – أيضاً – مع كونه في مقام الأمن والقرب أخوف الخلق من الله تعالى ، وفي مقام الخوف قال r : " ليت رب محمد لم يخلق محمداً " يعني أنه يتمنى أن لو لم يقبض الحق تعالى قبضة من نوره لتحيز البشرية بل كانت مطلقة في أصلها ، وقال أبو بكر الصديق بل كانت مطلقة في أصلها ، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : ليت أبا بكر كان شجرة فعضدها جمل في فيه فكان بعراً ولم يكن بشراً ، فمن كان بالله أعرف كان منه أخوف ، وله r وجهة إلى الخلق قال تعالى : (واعلموا أن فيكم رسول الله) وقال تعالى : (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله) فقال : لتؤمنوا وجعله المرسل والمرسل إليه

    وقال r : " لا تدخل الشوكة في رجل أحدكم إلا وجدت ألمها " فهو r حقيقة الكون كما أن الشجرة لها ورق وغصون وفروع ، وعروق وجذوع ، وزهر وثمر ، وحقيقة الكل شجر ، فجميع دعائه r بصيغة الإفراد المراد به أمته ، فدعاؤه لنفسه عين دعائه لأمته ، فمن صفاً قلبه من أمته r وتوجه به على الله بواسطة رسول الله r ، تفجر من قلبه ينابيع الحكمة وأخذ قلبه أنوار العلم الإلهي ، فقوى بقوة قابلية الواسطة r ، ومن كان كذلك فهو الوارث الذي قال فيه r : " العلماء ورثة الأنبياء " ومن لفظ الصفاء أخذ الشاعر تسمية الصوفي صوفياً فقال :

    لا تحسبن لباس الصوف لابسه يدعي به بين أرباب العلى صوفي

    تنازع الناس في الصوفي واختلفوا وكلهم قال قولاً غير معروف

    ولست أمنح هذا الاسم غير فتى صفا فصوفي حتى سمى الصوفى

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى – لرسوله r : (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) فسأل رسول الله r جبريل عليه الصلاة والسلام عن معنى ذلك ؟ فقال جبريل : حتى أسأل ربي فقال تعالى : أن تعفوا عمن ظلمك ، وتصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتحسن إلى من اساء إليك وأما قوله تعالى : (وأعرض عن الجاهلين) فليس المراد إعراض غضب ، بل معناه : لا تؤاخذهم بجهلهم ، لأن الإنسان ربما حفر حفرة وفي علم الله أنه لا يقع فيها إلا ذلك الحافظ لها لكنه جاهل لذلك ، ولو علم لما حفرها فهذه حالة الجاهل ، فأذيتهم لك هي عين أذيتهم لأنفسهم ، لكنهم جهلوا ولو عرفوا لما آذوك ، فأعرض عن جهلهم هذا ، وتخلق بأخلاقنا فإنا نعرض عمن جهل علينا فعسى أن يتوب منه (كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من علم منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم ) فأتمر r لأمر رهب وأعرض عن جهلهم ، حتى أنه طلب منهم أن يقتصوا منه حقوقهم إن كان لهم عليه حقوق فقال r : " أيها الناس لعله أن يكون ([1]) قد دنا مني حقوق وأنا بين أظهركم ، فمن كان له على محمد حق من مال أو شعر أو بشر ، فهذا مال محمد وشعره وبشره ، ولا يقولن أحدكم إني أتخوف العداوة والبغضاء من محمد فإنهما ليستا من خلقي ولا من طبيعتي ، وإن أولاكم بي رجل كان له على شئ من ذلكم فأخذه أو يحللني ، فألقي ربي وأنا محلل لي " ثم قال تعالى : (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم) أتبع تعالى هذا الآية التي قبلها وذلك لأن الشيطان مجالاً عند هذه الخلال والاستعاذة من الشيطان هي : التلفظ بلفظ : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، ومعنى قول النبي r : " وأعوذ بك منك " أن الله هو الآخذ بناصية إبليس باسمه المضل قال تعالى : (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها) فلا سلطان له على عباد الله

    وقال رضي الله عنه : الصراط المستقيم الذي هو أحد من السيف وأدق من الشعر ، هو في الدنيا قبل الآخرة ، وفي الآخرة مروره على قدر الاستقامة عليه في الدنيا ، وهو في الدنيا في جميع الأمور وهي لا تحصى ، فمن ذلك أن تؤمن بالقدر خيره وشره ولا تحتج به ، ومن ذلك أن تعتقد أن الله سبحانه وتعالى قلب عبده المؤمن وسمعه وبصره في حال كونه على العرش استوى ، في حال كونه في السماوات وفي الأرض في حال كونه (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ، ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم) من حيوان وإنسان ونام وجماد وجامد ومائع ، ومعيته مع كل شئ من ذلك غير المعية التي مع الآخر ، وهو ناظر إلى كل فرد من أفراد الكون نظرة غير نظرة الآخر ، وناظر في كل شعرة غير نظرة الأخرى ، ومصاحب لها من غير أن يشتمل عليه تعالى زمان ولا مكان ن فهو كما كان وكما يكون دائماً أبدياً سرمدياً باطناً في حالة ظهوره

    ومن جملة أدعية الصوفية : كيف أعرفك وأنت الباطن الذي لا تعرف ، وكيف لا أعرفك وأنت الظاهر الذي في كل شئ تتعرف ، وهو تبارك وتعالى أول في حال كونه آخر سبحانه وتعالى ، ومن ذلك أن تباشر الأسباب ولا تقف معها كأن تمتثل قوله سبحانه وتعالى : (فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه) وقوله تعالى : (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) ولكن لا تقف معها فمن اشتغل بها عن الله تعالى فقد خسر ، كما أنه تعالى أمر بالتزويج ليكون بسببه النسل ، وبالتكسب ثم قال : (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) وهو معنى قوله r : " اعقلها وتوكل "

    ألا ترى أنه r لما وصل بالبراق إلى بيت المقدس ربطها في الحلقة التي كانت الأنبياء تربط فيها ، مع أن البراق مأمور فأين يهرب ؟ وأين يذهب ؟ ومن ذلك أنه تعالى أمر بالأسباب التي توصل إلى الجنة والتي تقرب عبده منه ، ثم أمرنا أن لا نقف معها ، فقال تعالى : (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً) فإذا ركنت إلى عملك فقد اتخذت من دون الله أولياء ، قال الله (فاعبده وتوكل عليه) أي تقرب بالعبادة التي هي السبب ولا تركن إليها ، بل توكل عليه سبحانه وتعالى ، فإذا اراد الله بعبده خيراً سلك به الصراط المستقيم فلا يميل عنه ولا يحيف ، بل كلها عثر أو كاد قادته يد التوفيق ، وعلى قدر هذا السلوك يكون المرور على الصراط يوم القيامة الذي هو ألف سنة صعوداً ، ومثلها هبوطاً ، ومثلها استواء أيضاً ، فمنهم : كطرفة العين ، ومنهم : كالبرق الخاطف ، ومنهم : كالريح القاصف ، ومنهم : من دون ذلك ، ومنهم : على قدمه وحبواً ، اللهم ثبت اقدامنا على الصراط يوم تزل الأقدام يا ارحم الراحمين

    وقال رضي الله عنه : معنى نية المؤمن ابلغ من عمله : أنه قد يحج الإنسان وهو في بيته من دون سفر ولا تعب ، وذلك كأن تمنعه عن الحج موانع الشرع ونيته منطوية عليه ، ولولا أنه عاقته عوائق قدمها الشرع على الحج لأتى مكة ولو حبواً ، ومن ذلك أن أهل الجنة يخلدون في الجنة ابداً مع أنه لم يعمل كل واحد إلا مدة عمره ، وكذلك من خلد في النار فهو ما عمل عمل أهل النار إلا مدة عمره ، والله سبحانه وتعالى عدل لا يظلم أحداً ، لأن نية المؤمن أنه لو عمر في الدنيا أبداً مؤبداً لبقي على حالته التي هو فيها يعبد الله فيها ، ولا يشك به شيئاً ويؤمن بالله ورسوله فأبدته وخلدته نيته ، وكذلك الكافر فإن نيته لو عمر أبداً لبقي كافراً قال تعالى : (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) فخلدته نيته في النار . نسأل الله العافية والسلامة

    وقال رضي الله عنه : قال تعالى : (ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون) زعم المفسرون : أنهم أناس استوت حسناتهم وسيئاتهم يبقون بين الجنة والنار ، وهذا غلط لأنه لا دليل لهم أن في الآخرة دار ثالثة ، بل أصحاب الأعراف رجال من أولياء الله ، أودع الله فيهم هذا السر وهو كونهم يعرفون كلا بسيماهم ، ولذا أتى بالنكرة التي تقتضي التعظيم بقوله : وعلى الأعراف رجال ، أي أي رجال مثل قوله تعالى : (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال) ومثل قوله تعالى : (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدا الله عليه) فقولهم : أناس استوت حسناتهم وسيئاتهم لم يفسره الرسول r بذلك ، حتى إنا نعتمده كما فسر المغضوب عليهم : باليهود والضالين : بالنصارى ، فيجب الوقوف على كلامه r ، وإن كان لفظ المغضوب عليهم يتناول كل من غضب الله عليه كقاتل العمد قال الله تعالى : (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه) وكذلك الضالين

    وأما أصحاب الأعراف فلم يفسرهم الرسول r بذلك التفسير الذي فسروه ، فمن أين أخذه ؟ مع أنه قد انقطع الوحي بموته r ، فما بقي إلا أنهم فسروه من جهة عقولهم ورأيهم ، وليس للعقل والرأي في الشرع مجال ، والمعنى الظاهر من اللفظ في قوله : (وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيماهم) أن هذا السر وهو المعرفة السيما

    في ذلك اليوم الذي يقوم فيه كل الناس حتى الأنبياء : نفسي نفسي ، لا يودعه الله غلا في رجال اصطفاهم لذلك الخطاب في يوم تطيش فيه الألباب ، فقال تعالى حاكياً عنهم : (ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم) ثم قوله : لم يدخلوها أي أصحاب الجنة وهم يطمعون في دخولها (وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين) فهؤلاء أصحاب الأعراف هم كبار الأولياء لأنهم حكموا بحكم الله في ذلك اليوم الذي قال فيه تعالى : (لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً) فهل يتكلم في تلك الحالة غير من كان من أهل الله ، لا ينطق بحكمه قبل وقوعه ، ويعرفون كلاً بسيماهم ، يا هل ترى أن يتكلم أحد في (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه) ؟ فكل مشتغل بنفسه ، بلى . فلا – والله – يتكلم هناك (إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا)

    وقال رضي الله عنه : قال موسى عليه الصلاة والسلام : يا رب ، خصني بشئ أقدسك به دون غيري ، فقال : قل : لا إله إلا الله ، فقال : يا رب ، علمني شيئاً أذكرك به وأدعوك به ، فقال : قل : لا إله غلا الله ، فقال : يا رب ، أما هذه فكل أحد يقولها ، فقال تعالى : يا موسى ، لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري (وقوله وعامرهن غيري بالغ في الكلام لأنه بالنسبة إلى أن الله هو الذي عمرها فليست ثقيلة ولا في عمارتها كلفة بل هي بكلمة كن ، ولفظة كن لا تعدل لا إله إلا الله ، فانظر إلى هذه البلاغة ، ثم لم يقل في الأرضين وعامرهن غيري لأنه كذلك في السماوات ، وإنما الأرضون أهون وأدون) والأرضين السبع في كفة ، ولا إله إلا الله في كفة ، لرجحت بهما لا إله إلا الله

    ومعنى هذا قصة الله تعالى في القرآن لرسوله r ، قال تعالى : (وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى) فعجل إلى الله سبحانه وتعالى شوقاً إليه ، وخلف قومه وراءه ، وطمعاً أن ينال منه تعالى شيئاً يختص به ، فأدبه الله تعالى بأن فتن قومه بعده وأضلهم السامري ، ثم لم يخصه بشئ دون غيره ، بل قال له : قل : لا إله إلا الله ، فأمر أن يقول هذه الكلمة التي عم بها الأقصى والأدنى من المسلمين ، وذلك ليعلم أن فضل الله لا ينحصر في أحد ، ولا يختص به أحد ، بل فضله شامل وعطاؤه سبحانه عام ، وخزائنه لا تفنى ، ولو كان جميع ما خلق الله تعالى من جن وإنس وغيرهما في درجة موسى لم ينقص من سعة فضل الله أحد منهم ، وأدب الله تعالى بهذه القصة رسوله الأعظم ونبيه الأكرم r ، ولذا قال لأبي ذر : " إني أراك ضعيفاً ، وإني أتمنى أن تكون مثلي " أي من جميع الوجوه وذلك لعلمه r بسعة فضل الله ورحمته ، وهو يتمنى ذلك r لكل فرد من أمته ، وأمره الله تعالى أن يصبر نفسه مع أمته فقال : (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) فهو يسوق أمته r ، ويجعلهم أمامه وظهره للملائكة ، وذلك أن قوة النبوة لا يلحق بها غيرها ، فلو لم يسقهم لتخلفوا وراءه وفتنوا r

    وسئل :

    رضي الله عنه : هل يستفاد قبول شورى المرأة من قبول شعيب r شورى بنته لما قال له (يا أبت استأجره) فقبل ذلك بقوله : (إني أريد أن أنكحك احدى ابنتي هاتين) ؟

    فأجاب :

    فقال : لا يستفاد ذلك بل يشارون ويخالفن ، وأما مقام الأنبياء فهو معصوم فيسرى سره على من لسي في مقامه ، فتستفاد الشورى عن المرأة وغيرها ببركته هو ، فإن الله سبحانه وتعالى أمر رسوله r أن يشاور أصحابه فقال : (وشاورهم في الأمر) مع أنه r أعقل العقلاء ، وأكمل الكملاء ، وأعرف بعواقب الأمور ، وقطب الكون الذي عليه رحاه يدور ، لكنهم بسبب صحبتهم له r تدفق عليهم أنوار أسراره ، فلا ينطقون إلا بالصواب ولا يتكلمون إلا بفصل الخطاب ، فلا يقاس على مقام الأنبياء ووقتهم ولا يضاهي ، بل مقامهم معصوم ، يختص بما لا يطلق على العموم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل

    وقال رضي الله عنه : إذا أراد الله سبحانه بعبده خيراً رضاه بما هو فيه ن حتى يعتقد أن حصول ما هو فيه خير من عدم حصوله ، فإن أهل سبأ كانت لهم الجنتان اللتان وصفهما الله في القرآن بقوله : (لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور) وتانك الجنتان مسافة شهر أو أكثر ، فإنهما من قرب صنعاء اليمن إلى قرب الشام قال تعالى (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة) ووصفها تبارك وتعالى بأنها طيبة ، فإنها من طيب هوائها لا يعيش فيها البق ، ولا البرغوث ، ولا القمل ، ولا العقرب ، ولا البعوض ، ثم تضع المرأة المكتل على رأسها ، فتمضي بين الجنتين بقدر سويعة وأقل ، فلا تقطعها إلا وقد امتلأ المكتل مما تساقط من الثمار من جميع الفواكه ، مع أن الله سبحانه وتعالى قدر السير فيما بين القرية إلى القرية بحيث يمكن المسافر أن يتغذى في قرية ويتعشى في أخرى ، ويبيت في ثالثة ، فلم يرضوا بهذه الحالة بل بعضهم قالوا : لو طالت المسافة بين القرى فقالوا : (ربنا باعد بين أسفارنا) بصيغة الأمر

    وبضعهم قالوا : لو قربت المسافة بين القرى ، فقالوا : ربنا باعد بين اسفارنا بصيغة الماضي على جهة الإخبار ، فلما لم يرضوا بما هم فيه ، قال تعالى في حقهم : (وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق) وبدلهم تعالى بجنتيهم (جنتين ذواتى أكل خمط وأثل) وهذان النوعان ليس فيهما منفعة سوى الحطب ثم قال : (وشئ من سدر قليل) أي وهذا النوع الذي فيه بعض منفعة دون غيره من الفواكه فإنه أقلها منفعة فلله تعالى فقال : (وشئ من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور) فكفران النعمة هو عدم الرضا بها وإن كانت في الظاهر ليست نعمة ، فكل ما هو من الله سبحانه وتعالى فهو نعمة ن فإن في الأسقام والأمراض نعمة للعبد ، لو يعرف قدرها لاختار وجودها عند وجودها على عدمها ، اللهم رضنا بقضائك ، وبارك لنا فيما قدرت لنا ، حتى لا نحب تأخير ما عجلت ، ولا تعجيل ما أخرت ، ونسألك العافية من كل بلية ، ونسألك تمام العافية ، ونسألك الشكر على العافية ، ونسألك الغنى عن الناس ، ولا حول ولا قوة غلا بالله العلي العظيم

    وقال رضي الله عنه : المشايخ يمتحنون تلاميذهم بأمرهم بفعل شئ مما يخالف عاداتهم ، ليعرف الصادق من غيره ، ولهم في ذلك حكايات عجيبة ليست هذه الكراريس موضع ذكرها ، ومعهم على ذلك دليل من كتاب الله تعالى ، قال الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن) والمؤمنات يشمل الذكور والإناث ، فالمؤمنات صفة للنفوس ، أي النفوس المؤمنان ، وقد أطلق سبحانه وتعالى لفظ النفس على الأشخاص فقال تعالى : (إن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) إلى آخر الآيات ، ثم قال : (بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين) فعلى قراءة الكسر يعود الضمير إلى النفس وعلى قراءة الفتح يعود إلى الأشخاص المؤمنات ، بدليل أن النبي r لما نزلت عليه (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين) على قوله : (إن الله غفور رحيم) كان يبايع الذكور والإناث بهذه الصيغة على هذه الشروط ، فيقول للذكور : " بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ، ولا تسرقوا ولا تزنوا ، ولا تقتلوا أولادكم ، ولا تأتوا ببهان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ، ولا تعصوني في معروف " فدل على أن المراد بالمؤمنات : النفوس

    وسئل :

    رضي الله عنه : هل لمن أراد أن يأخذ شيخاً أن يطلب منه كرمة ليطمئن بها قلبه ، لأنه ربما يكون ذلك الشيخ متطفلاً وليس بأهل للمشيخة ، ثم إذا طلبها هل للشيخ أن يظهر له كرامة أم لا ؟

    فأجاب :

    بأنه لا ينبغي لمن أراد الأخذ أن يطلب من الشيخ ذلك ، ولا ينبغى للشيخ أن يظهر له ذلك ، لأنه إن كانت له عناية وجذب من الله تعالى ، فهو يرى جميع حركات الشيخ وسكناته كرامات إذا كان صادقاً وإن لم يكن له عناية فربما يتأول التلميذ الكرامة الظاهرة كما حكى الله سبحانه عن الكفار بقوله : (ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون) وقال تعالى (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة) الآية . ثم إذا ظهرت له الكرامة ولم يتلقها بالقبول الصادق فذلك الخطر العظيم ، لأن بني إسرائيل لما سألوا عيسى أن يسأل ربهم أن ينزل عليهم مائدة من السماء قال الله تعالى : (إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين) فلو لم يسألوا ذلك لكان عذابهم كعذاب غيرهم إذا كفروا فتأمل ما أخطر الإنكار بعد ظهور الحجة

    ثم ضرب رضي الله عنه مثلاً فقال : إذا أراد الإنسان أن يضع شيئا من زيت أو سمن في إناء ليحفظه له ، هل يحفظه التراب إذا صبه عليه ؟ لا ، بل إذا أراد الإنسان أن يصنع من التراب إناء فلابد أولاً أن يعجنه بالماء ، ثم يخدمه حتى يمتزج بالماء ثم يهيئ صورة الإناء ، ثم ييبس في الشمس وقتاً من الزمان ، ثم توقد النار فيدخل فيها حتى ينضج نضجاً كاملاً ، ثم يخرج منها فيختبر ، فإن لم يحفظ الماء أولا أعيد في النار ، ثم يخرج ويطلى بطلاء ثم يعاد في النار ، فبعد ذلك لا يخون ، فتضع فيه ما شئت من زيت أو سمن أو غير ذلك فإنه يحفظه

    كذلك الأسرار لا توضع في صدور الرجال إلا بعد تعجب ورياضة ، وخدمة من الشيخ : بالتعليم والاختبار والامتحان للرجل الذي يريد وضع الأسرار فيه ، فإن علم أنه قد صار حافظاً لا يخون وضعها فيه وإلا أمسك ، وهذا التدبير هو الذي أجرى الله عليه الكون ، فإنه تعالى كان قادرا أن يعطينا الخبز على صورة لا يحتاج معها إلى شئ من الخدم ، لكنه أولاً ألهمنا وأمرنا أن ندفن الحب في التراب ، ثم نسقيه بالماء حتى تمتد عروقه في الأرض فينبت ثم يسنبل ، ثم يحصد ثم يداس ، ثم يطحن ثم يعجن بماء ، ثم ينضج في النار ، ثم يؤكل ، وهذه قاعدة كلية في كل شئ أنه لا يحصل للإنسان شئ إلا بعد أن يدأب فيه بجد وجهد ، حتى يحصله بعد زمان وإمعان ، فقال له السائل : فبم نعرف صدق الشيخ من عدم صدقه ، فقال : بالصدق ، فإذا عاملت الله سبحانه وتعالى بالصدق واستخرته ، فحق عليه إذا عرف صدقك أن لا يدلك إلا على الصدق (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)

    وقال رضي الله عنه : إسرائيل نبي الله r لما حرم على نفسه لحم الإبل حرمها الله على أولاده ، ثم زاد على ذلك بأن حرم عليهم كل ذي ظفر تبعاً له ، لكونه حرم على نفسه ما أحل له ، قال تعالى : (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة) ونبينا محمد r لم يقره الله على ما فعل من تحريم نسائه ، بل عاتبه فيها وذلك عناية به r ، ورحمة من الله لأمته ، لأنه لو أقره لكان مشروعاً لأمته ، لأنه r أبو المؤمنين وما فعلته الآباء يثبت في الأبناء من خير وشر ، قال تعالى في قصة الخضر مع موسى : (وكان أبوهما صالحاً([2]) وكان أبواه مؤمنين)

    وقال رضي الله عنه : قال تعالى : (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ) وقال تعالى في عكس ذلك : (ولا يلدوا إلى فاجرا كفارا) وذلك أن النبي r : حقيقة المؤمنين قال r : " لا تدخل الشوكة في رجل أحدكم إلا وجدت ألمها " وقال الله تعالى : (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) الواو – هنا – تفسيرية أي واستغفر لذنبك الذي هو ذنب المؤمنين والمؤمنات ، وأما هو r فمن أين له ذنب ؟ وإذا فرض أن له ذنباً من حيث إنه يعده هو ذنباً وليس بذنب ، لأنه لما عرف الله تعالى حق معرفته نزل نفسه r منزلة المقصر في حق من عرفه ، فقد غفر الله له ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر ، فعلم أنه r حقيقة المؤمنين فأمره الله تعالى بأن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات ليتحقق له الشفاعة ، فهو r ينوب عن أمته ويشفع لهم ، والرزية كل الرزية في الذنب من المؤمن إذا أذنب وحقيقته الرسول r . اللهم إنا نسألك العافية ، ولذا كلما ازداد الإيمان في امرئ كان الذنب منه أعظم منه من غيره

    وسئل :

    رضي الله عنه : كيف تكون آداب التلميذ بين يدي شيخه ؟

    فأجاب :

    إن الأدب كل الأدب من التلميذ : أن يعي لما سمعه منه بأذنه وقلبه ، فيقتدي به قولاً وفعلاً وعقيدة ، وأما آداب الهيئات : فيجمعها ثلاث كلمات : وهن : كن مع أهل الظاهر بالظاهر ، ومع أهل الباطن بالباطن ، وكن مع أهل الله كيف شئت ، فإنهم لا يرون الأفعال كلها إلا لله ولا يشهدون سواه ، فلا قبيح عندهم ولا شين ، بل كل ما فعل الحبيب مليح .

    وقال رضي الله عنه : أخوف شئ على المريد : التهاون بحقوق الخلق وإن قل ؛ لأنه الذنب الذي لا يتركه الله تعالى وإن كان مثقال ذرة ، فإن رجلاً وقف على جزار ليأخذ منه لحماً فلما وصل إلى يده أرجعه عليه ولم يأخذه ، فخاصمه بين يدي الله وقال : يا رب ، أخذ مني هذا لحماً فأرجعه ، فوزن ما لصق بيده منه فجاء مثقال ذرة ، فكان مكملاً لحسناته التي بها يدخل الجنة ، وطرح في ميزان الجزار على حسناته فدخل الجنة ، وكان متمماً لسيئاته التي يدخل بها النار ، وطرح في ميزانه فوق سيئاته فدخل النار ، نسأل الله العافية والسلامة

    وروي عمر بن الخطاب رضي الله عنه مناماً بعد أن مات بشهر فقيل له : كيف كان قدومك ؟ فقال : الآن فرغت من الحساب ، حتى إني حوسبت على بقرة رأيت امرأة تحلبها وهي رابطة لضرعها ليجتمع اللبن ، فقيل لي : رأيت بقرة تعذب ولم تنقذها . وبعض الصالحين نحت تراباً من جدار على كتاب كتبه ولم يجف منه المداد ، لعلمه أنه لا يساوي ثمناً ، ولا له قيمة ، فسمع هاتفاً يقول : سيعلم المتهاون بالتراب ([3]) ما يلقى غداً من طول الحساب

    وقال رضي الله عنه : قول الله تعالى : (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك) من باب تكليم الخصم ليلقنه حجته ، فلو قال : غرني كرمك لفاز ونجا ، وأي غنيمة ومنجاة أعظم من الغرور برحمة الله ؟ لكنه لم يقل كذلك ، ولذا رد عليه تعالى بكلمة الردع التي هي أشد توبيخاً فقال : (كلا بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين) إلى آخرها ، فكانت أعماله السيئة أنه مكذب بيوم الدين ، لا أنه مغرور برحمة الله

    وقال رضي الله عنه : قال رسول الله r : " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث " وفي رواية " لم ينجس " فعلم بهذا التحديد أعنى : القلتين أنه لا ينجس ولا يحمل الخبث إذا كان قلتين ، ثم في حديث آخر : " الماء طهور لا ينجسه شئ إلا ما غلبت على ريحه أو طعمه أو لونه " ولم يحده بحد([4]) فعلم من التحديد الأول أنه لا ينجس ولا يحمل الخبث بما غلبت على ريحه أو طعمه أو لونه إلا إذا كان أقل من ذلك التحديد ، وأما إذا كان قلتين فلا ينجس ولو غلبت على أحد أوصافه

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم) فقدم بعد قوله : (نبئ عبادي) الغفران ، ثم أتى باسمه الغفور بعد أن أتى بالضمير المنفصل الذي للتأكيد ، ثم أتى باسمه الرحيم ، ثم عطف عليه العذاب ، ولم يأت باسم الانتقام فيقول : وأني أنا المعذب مثل قوله : (أني أنا الغفور الرحيم) ، ولذا غلبت رحمته غضبه ، ثم بعد هاتين الجملتين قص سبحانه وتعالى قصة إبراهيم مع أضيافه ، والنكتة في ذلك أن إبراهيم لما نزل عليه أضيافه أكرمهم غاية الإكرام ، وتولى خدمتهم بنفسه إكراماً لهم ، قال تعالى : (ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ

    دخلوا عليه فقالوا سلاما)([5]) (قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم) فهذا عبد من عبادي يكرم أضيافه النازلين عليه هذا الإكراه ، فكيف بالرحيم الكريم إذا نزل عليه عبده ضيفاً عند الفاقة ، والاحتياج إلى الرحمة والإكرام ؟ فجعل سبحانه وتعالى الجملة التي فيها التخويف وهي قوله : (وأن عذابي هو العذاب الأليم) متوسطة بين جملة الرجاء وهي قوله : (نبئ عبادي) وبين قصة إبراهيم . وهذا سر حكمة ترتيب القرآن

    وقال رضي الله عنه : ما أخل بالملوك وأفسد عليهم أمر دينهم ودنياهم إلى الجور وعدم العد ، فإن نظام الملك وزينته وروحه العدل ، فإن من اتصف بالعدل منهم – ولو كان كافراً – ظهر سره في صلاح أمور رعيته ، وانتظم ملكه وبورك في عمره ، وصار ممدوحاً مذكوراً خلفاًَ عن سلف ، فإن كسرى لما ذهب سمعه رآه بعض أصحابه وهو يبكي ، فقال : ما يبكيك ؟ قال : فقد سمعي ، وليس بكاؤه لمجرد فقده ، ولكنه إذا أتى مظلوم يصيح لم يسمع صياحه ، ثم قال : الحمد لله أن ذهب سمعي ولم يذهب بصري ، وأمر أن من ظلم لبس الثوب الأحمر ، فيكون علامة لكل من ظلم ، ثم لما بنى الإيوان وكان مما يليه بيت لعجوز ساومها فيه فلم ترض بيعه فأبقاه لها ، ثم أمر بأن يعوج الإيوان من الجانب الذي يليه بيت تلك العجوز

    وسئل بعض ملوك الكفار : ما السبب في أنهم يعمرون ، وملوك الإسلام أسرع ما يزولون من ملكهم ؟ فأراه شجرة عظيمة ثابتة في الأرض غاية الثبوت ، فقال : هل يستطيع أحد أن يزيل هذه الشجرة ؟ قال : لا ، قال : هذا جوابك ، فبقي الرجل مفكرا في تلك الشجرة ما معنى كونها هي الجواب ، وبقيت همته متعلقة بها فلم ، فلم يلبث إلا يسيراً إذا هو قد سمع بهدة عظيمة فسأل عنها فقيل له : الشجرة الفلانية انقلعت ، وإذا هي تلك الشجرة فطلبه الملك فقال له : عرفت ما معنى أن هذه الشجرة جوابك ، قال : لا ، قال : إنها كانت ثابتة ذلك الثبوت الذي ليس معه لأحد قدرة على إزالتها ، فلما بقيت همتك متعلقة بها أزالتها ، فهذه همة رجل واحد أزالت شجرة عظيمة ، فكيف إذا تعلقت همم جميع الرعايا بملك جائر ، كل واحد منهم يريد زواله

    وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يوسع الحرم النبوي على ساكنه أفضل الصلاة والسلام ، وكان مما يليه بيت العباس رضي الله عنه فطلبه ، وقال له : إني أريد أن أوسع مسجد رسول الله r ، فإن أردت أن أبني لك بيتاً مثل بيتك في جهة أخرى ، أو أعطيك ثمنه ، وندخل بيتك ف المسجد ، فأبى العباس رضي الله عنه ، فقال عمر رضي الله عنه : لابد أن تفعل ، قال العباس رضي الله عنه : سمعت رسول الله r يقول : " إن الله تعالى أمر داود أن يبني بيت المقدس فعمد إليه ليبنيه فوجد إلى جنبه أرضا ، فأراد أن يأخذها ، فأوحى الله إليه : " إني أمرتك أن تبني لي بيتاً فأردت أن تغصب بيت عبد من عبادي ، عقوبتك أن لا تبينه " فقال عمر رضي الله عنه : لابد أن تأتيني ببرهان على ذلك ، فذهب إلى الصحابة رضي الله عنهم وقال : أنشدكم الله هل سمعتم رسول الله r يقول ذلك ؟ فقالوا : نعم ، فقلع عمر رضي الله عنه الميزاب الذي في بيت العباس رضي الله عنه وهو كان إلى سطح يصب في المسجد ، فقال العباس : بئسما صنعت ، فإنه وضعه رسول الله r بيده ، فقال عمر رضي الله عنه : لابد أن تطلع على ظهري أو على كتفي ، ثم ترد الميزاب حيث كان ، ثم بعد ذلك سمح العباس رضي الله عنه ببيته ذلك من غير ثمن ولا عوض ، فانظر إلى العدل وأهله تزدد معرفة بمقدار العدل ، ثم إن كل إنسان ملك على جوارحه وأعضائه فإذا كانت سيرته فيها بالعدل نال الخيرات ، واتصف بمحامد الصفات ، والعكس بالعكس ، نسأل الله العافية

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قول الله تعالى في الصوم : (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) ؟

    فأجاب :

    إنه في صدر الإسلام قبل نزول : (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) كان الصوم ليس بواجب ، بل من أراد أن يصوم صام ، ومن أراد أن لا يصوم افتدى بإطعام مساكين ، ثم بعد نزول آية وجوب الصوم وهي قوله تعالى : (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) بقى حكم قوله : (وعلى الذين يطيقونه) على الحامل والمرضع لأنها تطيق الصوم ، ولكن لها أن تفطر إذا خشيت ضرر ولدها أو حملها وتفدي ثم تقضي ، وأما الشيخ الهرم والذي لا يطيق الصوم بعلة فحكمه مأخوذ من قراءة : وعلى الذين يطيقونه فله أن يفطر ويفدي ولا قضاء عليه . وأما قولهم : يقدر حرف نفي تقديره : (وعلى الذين – لا يطيقونه) فهذا كلام فاسد لا يقول به عارف ، وكيف يزاد في كلام الله شئ ليس من كلامه ؟ اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان

    وقال رضي الله عنه : (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه) أتى – هنا – بزيادة الحرث مع أن نعيم الجنة لا يزول ، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، وفيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، وفيها التجليات الإلهية وليس فيها أسقام ولا آلام ، ولا حر ولا برد ، ولا تعب ولا نصب ، أهلها (على سرر متقابلين يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون) فذكر الزيادة في هذا الحرث بقوله : (نزل له في حرثه) ثم قال : (ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها) الدنيا جميعها لا تعدل عند الله جناح بعوضه ، وكم ملوك في الدنيا على زعمهم وكم تجار ، ومن زراع ، وكم صناع وغير ذلك ، فكم قسم الواحد منهم من جناح البعوضة ؟ ثم مع هذا أتى بمن التي للتبعيض فقال : (نؤت منها) فتأمل أين زيادة الحرث الأول ؟ وقدر حصة الرجل الواحد من جميع من في الأرض من حب الدنيا من قلوبنا ، واجعل حبك أحب الأشياء إلينا ، وأصلح فساد قلوبنا ، وألهمنا رشدنا يا أرحم الراحمين

    وقال رضي الله عنه : أرواح الأموات في البرزخ : كل روح على صورة جثمانها من جميع الصفات ، حتى إن الرائي إذا رأى تلك الروح لا يراها إلا على صورة صاحبها ، مع أن الجسم قد بلى في الجدث ، وأرواح الشهداء الذين قال الله تعالى فيهم : (ولا تحسبن الذي قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم) إلى آخر الآيات . المراد بها : الأرواح ، وإنما مثل الفرق بينها وبين غيرها كمثل الرجل اليقظان والنائم ، فأرواحهم كاليقظان وأرواح غيرهم كالنائم ، فأرواح الشهداء في تلذذها بالنعيم ، وبالبشارات عند ربهم ، والأرزاق وفرحهم كاليقظان ، وأرواح غيرهم في تلذذها وفرحها كالإنسان إذا رأى في منامنه ما يسره . ثم قال : هذا أقرب مثال يكون فهم

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان) أي إن الأمانة جعلها الله سبحنه وتعالى وظيفة عظيمة ، لا يقوم بها إلا من كان في أحسن تقويم ، فكل شئ غير الإنسان خلقته قاصران عن حملها ، ولذا أبين أن يحملنها وأشفقن منها ، ولما خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم ، قدر على حمل الأمانة ، فمثل ذلك كأن يفصل الإنسان ثوبا طويلا عريضاً ، موفر الأذيال في أعلى مرتبة الكمال ، فكل من لبسه إذا لم يكن في غاية الطول والعرض يأبى أن يلبسه ؛ لأنه يعذب بلبسه ، ولا يقدر أن يسير به ولا يتمتع به بوجه من الوجوه ، فإذا عرض ذلك الثوب على إنسان في غاية الطول والعرض ، كامل الذات ، قبله وتمتع بلبسه وانتفع به ، كذلك الأمانة إذا لم يخنها الإنسان فهي أعظم وأكبر نافع له ، ثم قال تعالى : (إنه كان ظلوما جهولا) أي قبل حمل الأمانة أتراه جاهلاً بعد أن حملها ؟ وهو الذي علم الملائكة الأسماء ، بل الملائكة عبدت الله في الأزل ، وترقت فيها وما بلغت معرفة الأسماء حتى علمهم آدم عليه السلام ، فانظر إلى شرف الجوهر الإنساني إذا أدى الأمانة ولم يخنها ، خلقه الله أولاً في أحسن تقويم

    ثم أعطاه الأمانة التي هي سبب – إذا لم يخنها – لنيل الدرجات التي لم ينلها غيره من المخلوقات ، وإذا لم يخنها صار الحق سمعه وبصره إلى آخره ، وإذا لم يخنها أدخله الله الجنة التي فيها يبيح له النظر إلى وجهه ، ويحيا بحياة الله ، وملكه الملك الدائم ، حتى إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فأي نوع أشرف من هذا ؟ وأي مزية أعلى من هذه ؟ ويا ضيعة بل يا خيبة من رغب عن هذا الفاني ، وباع الدار الباقية بهذه الدنيا الفانية التي لا تعدل عند الله جناح بعوضة ، ففي الحديث : أنها تأتي يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء ، وتسأل الله أن يجعلها لأدنى أهل الجنة ، فيقول : لا ، يا لا شئ ، اللهم اجعلنا ممن أدى الأمانة ، يا أرحم الراحمين

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (ما عندكم ينفذ وما عند الله باق) المراد بالنافد : هو الوهم الذي نتخيله عندنا ، والوهم قتال لأن الدنيا أسحر من هاروت وماروت ، فيخيل لنا أن هناك شيئاً ولا شئ ، كالسراب (يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً) وأما من عرف منا قدر الدنيا ونزلها منزلتها ، وسلك فيها الصراط المستقيم فهو الفائز (ما عندكم ينفد وما عند الله باق)

    وقال رضي الله عنه : في قول الملائكة عليهم الصلاة والسلام حين شاورهم الحق تبارك وتعالى في آدم : (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) معنى نسبح بحمدك ونقدس لك : أي مخلصين لوجهك الكريم ، لا أن ذلك التسبيح والتقديس معلولان لأجل جزاء أو غير ذلك ، وهذه الدرجة هي أعلى درجات العبادات التي من حازها فقد صار ولياً ، وأما الأنبياء فكلهم كذلك ، وهي مراد كل مترق ، ولكن كم تلقى دون هذه الرتبة عاثراً ، وكيف تلقى عنها مقهقراً ، وما ينالها إلا من تولاه الله وسلم أموره لله ، فأخذ بيمناه فإن الملائكة – عليهم السلام – فروا من التسبيح والتقديس المعلولين ، لكنهم أخذتهم الغيرة على الخلافة فوقعوا فيما فروا منه

    وقال رضي الله عنه : (إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم) وذلك أن قصة الإفك اتفقت فيها متفقات ، احتوت على كرامات ، وظهرت فيها خفيات ، فمنها : التنويه بشأن أبي بكر رضي الله عنه ، بقول الله تعالى : (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يفغر الله لكم والله غفور رحيم) فجعله من أولى الفضل ، من صفات الله تعالى والله ذو الفضل العظيم ، والسعة هي سعة الله عنه هي سعة الله ، لأن المؤمن المتوكل على الله خزانته عند الله ، ومن كانت خزانته عند الله فتلك سعة الله .

    ومنها : إظهار مزية مسطح – رضي الله عنه – عند الله ، فإن من أحبه الله تعالى قاد إليه الذنب خيراً كثيراً ، فإن مسطحاً أتي بهذا الذنب العظيم الذي هو من أعظم الذنوب وأخطرها ، فكان بسببه الخير الكثير ، بأن وصفه الله تعالى بأنه من أولى القربى ، أي من الله تعالى ففي الحديث : " من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعاً ، ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً " وبأنه من المساكين أي إلى الله تعالى ، وهم الذين سكنوا إليه تعالى ، الذين قال رسول الله r في حقهم : "اللهم أحيني مسكيناً ، وأمتني مسكيناً ، واحشرني في زمرة المساكن " وشهد له بأنه من المهاجرين في سبيل الله ليخرج ممن هاجر لأجل مال يصيبه أو امرأة يتزوجها ، وهذا سر قول رسول الله r : " لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم " ثم أتى تعالى بصيغة الأمر (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم) ليتخلقوا بأخلاق الله تعالى فيعاملهم بها



    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) قوله : قد دنا الخ هكذا في الأصل ، وحرر لفظ الحديث أ هـ . مصححه

    ([2]) قوله : (وكان أبواه مؤمنين) لا مناسبة لقصة الغلام بما نحن فيه . أ . هـ مصححة

    ([3]) في نسخة قدره في يوم الحساب بدل قوله : ما يلقى غدا من طول الحساب . أ . هـ مصححه

    ([4]) قوله : فعلم الخ هكذا في الأصل ، وهو خلاف المذاهب المشهورة . أ هـ

    ([5]) قوله : (قال سلام) الخ هذه من الذاريات والآية قبلها من الحجر . أ هـ مصححه




    _________________
    خليفتي كذاتي

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 1949
    تاريخ التسجيل: 10/01/2008

    الفصل الثامن : المحصنات

    مُساهمة  Admin في الأحد نوفمبر 07, 2010 1:27 am

    ثم قال تعالى : (إن الذين يرمون المحصنات) فقال : (يرمون) ولم يقل : رموا لينبه جل جلاله أنه قد غفر للذين قد وقع منهم ذلك ، إنما هذا للذين يرمون فيما بعد ، وبرأ الله تعالى عائشة بأن وصفها بأنها من المحصنات ، ثم قال : الغافلات هذه غفلة ممدوحة ، لأنها غافلة عن الشر ، المؤمنات فوصفها بأنها من المؤمنات ، ثم قال : (لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم) فعلم أنهم غير من قد وقع منهم ذلك ، لأنه قد غفر لهم سبحانه وتعالى ، وكيف يأمر غيره أن يغفر لهم وهو لا يغفر لهم ؟ بل هو تبارك وتعالى أحق بالمغفرة . ومنها : أن عائشة رضي الله عنها ، كان فيها قبل ذلك زهو على نساء رسول الله r ، لعلمها بمحبة رسول الله r لها ، فأدبها الله تعالى بذلك ومنها : أن الرسول r كان يحبها ، والله سبحانه غيور على قلب عبده أن يسكن فيه حب غيره (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) والقلب لا يسع إلا حب واحد

    وهذه الغيرة من الرب جل جلاله ، هي التي أدب بسببها نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، لما اشتد في قلبه حب ولده إسماعيل فأمره بذبحه ، وهي – أيضاً – التي أدب بسببها نبيه يعقوب عليه الصلاة والسلام ، لما اشتد في قلبه حب ولده يوسف فغيبه عنه ، وأدب رسول الله r لما اشتد حب عائشة رضي الله عنها بقصة الإفك ، لينكسر قلبه فلا يبقى فيه إلا الله تعالى ، وإذا صفا قلب العبد المؤمن وتطهر حتى بلغ حد قوله تعالى : " لم تسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن " فلا بد أولاً أن يذبح حتى يفنى عن بشريته ، فلا يبقى إلا الحق فينطق به ، ويبصر به ، ويسمع به ويبطش به ، ويمشي به . قال تعالى : (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة) والله سبحانه وتعالى : (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة) والله سبحانه وتعالى ملك الملوك فإذا دخل قرية قلب عبده أفسد أهلها ، وأهلها بشريتها والبشرية ذليلة ، والعزة لدولة الحق وسلطانها ، وحينئذ ينادي منادي الجبار : (لمن الملك اليوم) يخاطب بعد الاضمحلال في عين العدم جميع الآثار ، فيجيب نفسه لما لم يجد سواه (لله الواحد القهار)

    وقال رضي الله عنه : تنوعت أقوال المفسرين في وجه إثبات الألف في السبيلا والرسولا من قول الله تعالى حاكياً عن الكفار يوم القيامة : (يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) وما أصابوا الغرض المقصود وهو إثبات الألف في السبيلا تنبيه على تثنية السبيل لأنهما سبيلان : سبيل الهدى ، وسبيل الضلال ، قال تعالى : (وهديناه النجدين) فمن اهتدى لسبيل الهدى فقد اهتدى لسبيل الضلال ، ومن ضل عن سبيل الهدى فقد ضل عن سبيل الضلال ، لأنهما متلازمان من كل وجه

    وأما إثباته في الرسولا فكذلك إشارة إلى أن الرسول رسولان ، رسول خارج وهو الذي جاء من عند الله ليبلغ عنه ، ورسول داخل وهو القابلية ، وكل واحد مفتقر إلى الآخر ، كنوز البصر فإنه مفتقر إلى نور خارج ، إذ لو كان في ظلمة لما رأى شيئاً ، والنور الخارج مفتقر إلى نور البصر ، فإن الأعمى لا يرى شيئاً ، ولو كانت الشمس في كبد السماء . ألا ترى أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، جاء كل واحد منهم قومه بالمعجزات الباهرات ، والعلامات الظاهرات ، فلم يقبل منهم إلا من ثبت في داخله رسول القابلية ، ومن لم يثبت لم ينتفع بالرسول الخارجي ، وهي المطاوعة ، يقال كسرته فانكسر يعني قبل الكسر ، وأما إذا قلت : فتلت الحديد فانفتل ، فهو باطل لأن الحديد لا ينفتل ، كذلك الكفار لم يثبت لهم رسول القابلية فلم يطاوعوا الامتثال لما جاءت به الرسل ، فهذا وجه إثبات الألف ، وبالله التوفيق ، وهو حسبنا ونعم الوكيل

    وقال رضي الله عنه : قال المفسرون في قوله تعالى : (من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ) إن المراد به الرسول r وإن الضمير في ينصره يعود إليه r وليس كذلك ؛ لأنه لم يتقدم لفظ الرسول r حتى يعود إليه الضمير لا قريباً ولا بعيداً فإنه لم يتقدم ذكر اسمه r من أول السورة إلى هذه الآية ، بل الضمير في ينصره عائد إلى الموصول ، وهو من كان يظن لا إلى الرسول ؛ لكونه لم يتقدم لفظ الرسول لا قريباً ولا بعيداً ، وقد ياـي ضمير عائد إلى متقدم وإن بعد ، كقوله تعالى : (وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون) فعلى قراءة الكسر معطوف على قوله تعالى : (وعنده علم الساعة) أي وعنده علم قيله يا رب . وعلى قراءة النصب معطوف على البعيد ، وهو قوله تعالى : (أيحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم) أي ويحسبون أنا لا نسمع قيله يا رب

    وأما من كان يظن أن لن ينصره الله فلم يتقدم ما يعود إليه الضمير على وجه تفسيرهم ، بل معناه كل من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ، ثم ليقطع عن نفسه هذه النازلة التي بسببها يطلب النصر ، هل يذهبن كيده ما يغيظ ؟ أي لو أمكنه هذا المحال ما أذهب غيظه ، فكيف وهو لا يمكنه أصلاً . ومن الضمائر التي تعود إلى البعيد قوله تعالى : (ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون) فإنه معطوف على قوله تعالى قبل جزء : (ولو أننا نزلنا) (وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون) ثم أتى تعالى بهذه الجمل المعترضة وهو قوله : (اتبع ما أوحي إليك من ربك إلا إله إلا هو وأعرض عن المشركين) إلى آخر الآيات . ثم قال : (ولتصغى) تقديره ولنبينه لقوم يعلمون ولتصغى إليه أ . هـ والحمد لله

    وقال رضي الله عنه : في قول الله تعالى : (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) متعلق الجار والمجرور في قوله بالقول الثابت هو آمنوا وليس متعلقاً بيثبت تقديره : الذين آمنوا بالقول الثابت : يثبتهم الله ، والقول الثابت : هو قول الله تعالى وما جاء به رسول الله r

    وقال رضي الله عنه في حديث ما معناه أن المؤمن يتلذذ بنزع روحه عند الموت كما تلذذ الظمآن بشراب الماء البارد في اليوم الصائف ، وأما قول الرسول r بدليل قوله r " ما يشاك أحدكم شوكة إلا وجدت ألمها " ولأ، آدم عليه الصلاة والسلام ما أكل من الشجرة التي نهاه الله عن أكلها إلا لتحرك الأشقياء في صلبه الذين قال تعالى في حقهم : (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا) وقال تعالى في حقهم : (بل بدالهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه وإنهم لكاذبون) فالنبي r هو حقيقة العالم الإنساني وأصله ، وهو r يتحمل المشاق لأجل أمته ، ويستغفر في كل يوم سبعين مرة لأجل أمته ، لأن استغفاره لنفسه r هو عين استغفاره لأمته ، أتراه يذنب r وهو معصوم ؟ أو يخاف من الذنب وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ وذنبه الذي غفر له إنما هو باعتبار ما عنده r وإلا فليس له ذنب ، لكنه لما عرف الله سبحانه وتعالى حق معرفته نزل نفسه r منزلة من لم يؤد حقه تعالى كما يليق بجماله وكماله فعد ذلك ذنبا

    وأما قوله r : " رب اغفر لي وتب علي " فهو استغفار لأمته وتوبة عنهم r ، فهو ممتثل لأمر ربه سبحانه وتعالى حيث قال (فاعف عنهم واستغفر لهم) أي الحقوق التي لك عليهم فضيعوها اعف عنهم فيها وتخلق بأخلاقنا ، والحقوق التي لنا استغفر لهم فيها ، ويا هل تراه تعالى يأمره r بالاستغفار لأمته ولا يقبله ؟ كمن يضيفك ويغلق بابه دونك ، حاشا وكلا ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، اللهم صل وسلم على رسولك الشفيع المشفع ، وعلى آله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علمك

    وسئل :

    رضي الله عنه : عما ورد من الأحاديث التي في معنى : " من تداوى واسترقى فقد برئ من التوكل " وما ورد من تداويه r بحرق الخصير وإلصاقه بجرحه ، ونحوه من النفث وقراءة المعوذتين ؟

    فأجاب :

    دامت إفادته بما معناه : إن الأمة على ثلاث طبقات : عليا ، ووسطى ، ودنيا ، فإذا جاء عن الشارع ما يقتضي كراهة فعل شئ إما بذمه أو ذم من فعله ، ثم جاء عنه أنه فعل شيئاً منه ، فذلك الذم درجة الطبقة العليا ، وفعله لشئ منه وهو سيد أهل الطبقة العليا ، ليحصل الفاعل له من أهل الطبقة الوسطى والدنيا حظه من محبة الله تعالى بالاتباع (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) فهو r في استعمال الدواء والرقية في أعلى مراتب التوكل ؛ لأنه مستعمل لها لله بالله ، لا نظر له في ذلك إلا إلى الله ، فإن استعمل عبد الدواء مثلاً مستحضرا نية الاقتداء أو الإتباع وامتثال الأمر كما ورد في إحدى روايات خطبة في حجه r : " ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء " فله حظه من محبة الله على قدر نيته وإيمانه ، ومن فعله من غير نية سوى التداوي فله حظه بقدره ، ولا يشترط ما قالوه : إنه لا يثاب على الفعل المباح إلا إذا نوى نية تصيره عملا صالحاً ، فإن المؤمن مثاب على كل فعل فعل يفعله ، من حركة وسكون وقول وسكوت ، ما لم يكن ذلك في معصية ، كما أنه لو فعل شيئاً من ذلك عن غير قصد فيما لا يرضاه الله تعالى فإنه يأثم ، والحجة في هذا قوله r : " إن في بضع أحدكم صدقة " قالوا : يا رسول الله ، آياتي أحدنا شهوته وله أجر ؟ قال : " أرأيتم لو وضعها في حرام أما كان عليه وزر " الحديث

    وقوله : " إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقى لها بالاً يرفعه الله بها في عليين ، ويتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالاً يهوى بها في النار سبعين خريفاً " الحديث . وفي بعض رواياته : " لا يظن أنها تبلغ ما بلغت " فالعبد إذ مل القعود مثلاً فقام ليستريح فهو مأجور ؛ لأنه ما قام إلا معتقداً أن الله أباحه ، ولو حرمه عليه ما فعله ، فهو مأجور وإن لم يستحضر النية ، وهكذا قس عليه سائر أفعال العبد مثل الأكل والشرب ، فهو ممتثل للأمر من الله سبحانه فأجره عظيم في امتثال قوله / (كلواواشربوا) وكذلك كل ما ورد به أمر الشارع ، ولا شك أن من استحضر النية لكل فعل فإن رتبته أعلى وأجل ، وأجر كل عامل على قدر عمله ؛ نسأل الله التوفيق

    وسئل :

    رضي الله عنه : عمن أدرك ركوع الإمام هل يعتد بها ركعة ولو لم يقرأ الفاتحة فيها ؟

    فأجاب :

    إن قراءة الفاتحة أسقطها الشارع عن المسبوق ، إذا أدرك الركوع مع الإمام بدليل حديث أبي خزيمة الذي صححه ، وحديث أبي بكر رضي الله عنه حين ركع دون الصف ، ومشى إلى الصف ، فقال له r : " زادك الله حرصاً ولا تعد " فإنه لم يأمره بإعادة ولو كانت لا تجزئه لأمره بالإعادة ، وقوله : ولا تعد إنما هو عن الركوع دون الصف ، لا عن اتباع الإمام على الحالة التي هو عليها ، فإنه مأمور باتباع الإمام على أي حال وجده عليها ، وورد – أيضاً – أنه r أطال الركوع في بعض صلواته طولاً زائداً ، فسئل بعد انصرافه فقال : " إن جبريل أتاني فقبض يدي على ركبتي ليدرك على رضي الله عنه الركعة " فسئل الشيخ رضي الله عنه : من ذكر هذا الحديث ؟ قال : الذي يحضرني – الآن – أنه ذكره ابن الجوزي مع أنه قد جعل بعض الأحاديث الحسان والصحاح موضوعة ، فما أورده إلا وهو عنده ثابت ، والله أعلم

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قول الله تعالى في الحديث القدسي : " إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ، ولو أغنيته لفسد حاله ، ومنهم من لا يصلحه إلا الغني ، ولو أفقرته لفسد حاله " الحديث . مع ما ورد في الحديث الآخر : إن رجالاً يتخوضون في مال الله تعالى بغير حق فلهم النار ، وما يشاهد من طغيان الأغنياء وكثرة المال في أيدي الكفار ؟

    فأجاب :

    إن قوله تعالى : " إن من عبادي " فعباده – هنا – إما أن يكونوا الخواص منهم الذي لا يتعبدون لغيره تعالى ، فهو مثل قوله تعالى : (وهو يتولى الصالحين) يا هل ترى أنه لا يتولى إلا الصالحين ؟ بل هو متول لجميع خلقه من كافر ومسلم ، وفاسق ومؤمن ، قال تعالى : (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون) وقال تعالى : (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) لكن التولي – هنا – خاص للصالحين باسمه الهادي واللطيف والرحيم ، وبجميع أسماء الرحمة ، وتوليه للمجرمين بأسماء العذاب كالمضل والمنتقم . فإذا عرفت ذلك علمت أن لكل اسم من أسماء الله تأثيراً في خلقه ، وإن الحقيقة واحدة وتأثير كل اسم من أسمائها في المخلوقات ، فتأتي كل عبد جيوش الأسماء مع أن الحقيقة واحدة

    ولما كان خلق آدم على الصورة وافقت الأسماء شئونه ، فالمضل يجذبه إليه ، والهادي يجذبه إليه ، والمنتقم يقول للمضل : ائتني به ، فإن لي فيه حصة ، والرحمن والرحيم يقولان للهادي : ائتنا به فإن لنا فيه حصة ، فالله سبحانه متول لجميع العباد بجميع الصفات ، وقوله : يتولى الصالحين أي بأسماء الرحمة ، فقوله : " إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لفسد حاله " أي عبادي الخواص ، فإن من الأنبياء من ابتلى بالفقر ، ومن الصالحين كذلك ، ومنهم من ابتلى بالقتل ، ومنهم من ابتلى بالأمراض ، لكن ذلك صلاحه باعتبار مآله ، كقطع اليد من الأكلة ، وتجرع الأدوية نعوذ بالله من ذلك ، وكذلك قوله : " إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لفسد حاله" أي الخواص منهم لأنه بسبب غناه يدخل الجنة ، لكونه يتصدق ويعتق ، إلى غير ذلك من أنواع الخير ، ولو كان فقيراً لسخط وربما أحوجته الضرورة لفعل أشياء بسببها يستوجب النار ، هذا إذا كان لفظ عبادي موجهاً إلى الخواص ، فإذا كان باعتبار العموم فالصلاح في قوله : " إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغني " موجه إلى السابقة فإن من سبق في علم الله أنه من أهل النار لا يصلحه لهذه السابقة إلا الغنى الذي هو عن الفساد ، فصلاحه عين فساده ، وعلى هذا كل من بسبب غناه يكون طغيانه ، وكذلك من سبق في علم الله أنه من أهل النار ولكن لا يصلحه لهذه السابقة إلا الفقر ، وبسببه يكون طغيانه ، ولو كان غنياً لفسد حاله ، أي فسد حال هذه السابقة وهذا سر القدر ، ولا تؤدي عنه العبارة والسكوت فيه أولى

    وقال رضي الله عنه : إذا أسلم العبد جميع أموره لله وفوضه له تولاه الله ، وعامله بما يصلحه ، وهو أعلم بمصالح عباده ، فإن أهل الله تعالى وأنبياءه مشوقون ومتشوقون لتجلي الحق لهم فيتجلى لهم بالقدر الذي به يتمتعون ، ويتلذذون على قدر طاقتهم واستطاعتهم ، لأنهم لا يزالون يتقربون ويتوددون إليه تعالى بالعبادات والأعمال الصالحات ، حتى يكون أبصارهم وأسماعهم فيرونه به ، فطلبوه من بابه فكان تجليه لهم رحمة ، وبنو إسرائيل لما لم يفوضوا إليه ولا طلبوه من بابه بل قالوا : (أرنا الله جهرة) تعنتا منهم ؛ تجلى لهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون ، فكان تجليه لهم عذاباً ، ثم قال تعالى بعد ذلك : (ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون) أي تشكرون نعمة الحجاب فإن الحجاب رحمة لمثلكم ، كذلك نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام : (قال رب أرني أنظر إليك) مع أنه قد رآه حيث تجلى له في النار في أول الأمر ، لكن قوله : (انظر إليك) يريد بالجلال والجمال الذي يعلمه لنفسه ، فقال (انظر إلى الجبل) فنظر إلى الجبل ، فتجلى ربه للجبل فجعله دكا ، وخر موسى صعقاً ، والصعقة هي الموت فرآه في الموت وهو مصداق قول رسول الله r : " لن يرى أحدكم ربه حتى يموت ، وهو ما رأى إلا بقدر ثلث الخنصر من الذات " كما ثبت ذلك عن رسول الله r

    وبهذا القدر كان تجليه له فوق استعداده وطاقته ، ولو كان فوق ذلك بقليل لصعق حتى لا يبقى موسى ولا يبعث ، فسبحان من لا يعلم قدره غيره ، ولا يبلغ الواصفون صفاته ، ونبينا محمد r لما فوض أمره إلى الله تعالى أسرى به ، وأراه إياه بقدر لا يعلمه إلا هو ، فصار في الظاهر عبداً يمشي في الناس ويتكلم معهم ، وفي الباطن أمواج بحار أنوار الحق تعالى ، ومكنه الله طاقة واستطاعه يحمل بها أعباء ما أهله الله له من مشاهدته ومحاضرته ، وتبليغ أمته الرسالة ، وأداء الأمانة فهو علوي سفلي r ، فسبحان المعطي المانح ، جل جلاله وتقدست أسماؤه ، ولا إله غيره وصلي الله على نبينا وسيدنا ومولانا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم

    وقال رضي الله عنه : أخفى الله ثلاثاً في ثلاث : أولياءه في خلقه ، ورضاه في طاعته ، وغضبه في معصيته ، وبه أوصى الباقر – عليه السلام – ولده فقال : يا بني ، لا تحتقرن ذنباً ، فربما يكون به هبوط الأعمال ، وغضب الرحمن ، ولا تحتقرن طاعة ، فربما يكون بها نيل الخيرات ، وبها رضا الله تعالى ، ولا تحتقرن أحداً من المسلمين ، فربما تحتقر من هو عند الله عظيم ، فتكون منازعاً الله ، وقال بعض الصالحين : إذا اعتقدت أن كل من رأيته هو الخضر فقد رأيته ، ولو كان معروفاً عندك كأخيك أو ابن عمك ، لأنه يتصور بصورته ، والله الله أن تحتقر مسلماً أو تؤذيه ، فقد يكون ولياً من أولياء الله وأنت لا تشعر ، فتكون داخلاً في غضب الله ففي الحديث : " إن الله ليغضب لأوليائه كما يغضب الليث لأشباله "

    والله سبحانه يحارب ثلاثة أنواع من أهل المعاصي : قاطع الطريق ، وآكل الربا ، والمؤذي لأوليائه ، وفي الحديث الآخر القدسي : " من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " قال تعالى : (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) وقال تعالى في آكل الربا : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) وفي الحديث : " من آذى ولياً فقد حارب الله "

    وقال رضي الله عنه : لا ينبغي أن تكون الخلة إلا لله تعالى ، ففي الحديث : " يا أيها الناس ، إنه كان لي فيكم إخوة وأصدقاء ، وإني أبرأ إلى الله أن اتخذ منكم خليلاً ، ولو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً ، ولكن أخوة الإسلام أفضل " وأما قول الله تعالى : (الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) فهو دليل على ما قلناه ، لأن المتقين هم أحباء الله تعالى ، والله يحب المتقين ، فلا خليل لهم غير الله تعالى ، وليس المراد أن بعضهم أخلاء لبعض ، بل إذا تخالل رجلان في الدنيا صار عدوين يوم القيامة ، لأن كل واحد منهما اتخذ خليلا غير الله ، ولا تبقى الخلة إلا لله ، فالمستثني بقوله : (إلا المتقين) إنما هو الخلة لله فقط ، لأن حقيقة الخلة : هو أن يكون الجوهر عين العرض ، والعرض عين الجوهر كالصباغ في الثوب وهو معنى أن يكون سمعه وبصره إلى آخره

    وقال رضي الله عنه : قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : حمل الناس قول الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) على غير معناها ، فتركوا النهي عن المنكر والأمر بالمعروف ، وليس كذلك ، فالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، واجب على كل أحد : إما بيده ، أو بلسانه ، أو بقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ، وقال رسول الله r : " لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ، أو ليعمنكم الله بعقاب منه " وقوله : " عليك أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " هو معنى : (ولا تزر وازرة وزر أخرى) أي ضلال المضل لا يعاقب عليه من اتهدى ، فالواجب الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، حتى تكون المعذرة ، والمعذرة هو أن ترى مصداق ما قاله رسول الله r : " مر بالمعروف ، وأنه عن المنكر ، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً ، وهو متبعاً ، ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأى برأيه ، فعليك بخويصة نفسك ، ودع عنك أمر العوام " وحسبنا الله ونعم الوكيل

    وقال رضي الله عنه : لما نزل قوله تعالى : (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) إلى قوله : (وذلك هو الفوز العظيم) ترك الصحابة رضي الله عنهم الأكل من أموالهم ، حتى نزل قوله تعالى : (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحة أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً) فأباح لهم تعالى أن يتصرفوا في ماله الذي اشتراه منهم بالمعروف من غير إسراف ، وكانوا إذا أكلوا جميعاً يؤثر كل واحد منهم أخاه ، وبهذا تحصل البركة ، وقال r : " خير الطعام ما كثرت عليه الأيدي " وشكا الصحابة عدم الشبع إلى رسول الله r فقال : " لعلكم تفترقون على طعامكم " قالوا : نعم ، قال : " اجتمعوا على طعامكم يبارك لكم فيه " وقال r : " الذي يأكل وحده شيطان " . وفي الحديث : " الكنود هو الذي يأكل وحده ، ويمنع رفده ، ويضرب عبده " وكذلك إذا أكلوا أشتاتاً فلابد من الإيثار ، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت يا أرحم الراحمين .

    وقال رضي الله عنه : عنه قلب ابن آدم ميزانه ، فإن أردت أيها الطالب للعلم : أن تعرف العلم النافع من غيره فانظر في قلبك ، فإن وجدته حين تقف لسماع ذلك العلم يشرئب إلى الدنيا وحب الرياسة ففر منه ، فذلك هو اضلال المبين . وإن اطمأن قلبك عند سماه بالله ، وخرج من قلبك حب الدنيا ، واستغنيت بما عند الله تعالى ، فذلك هو العلم النافع ، فعض عليه بالنواجذ ، وأت ولو حبوا ، وما جمع هذه الشروط وهذه الأوصاف ، سوى قول الله ، وقول رسول الله r . فأولا وبالذات : أنك تكون من الذاكرين الله كثيراً بقولك : قال الله ، قال رسول الله ، ثم يصلي عليك الله عشراً بقولك : r ثم تلتمس الهدى من الذي شهد الله له بالبيان والهدى ، فقال : (هذا بيان للناس وهدى وموعظة) فما أخسر صفقة من استبدل قال الله ، قال رسوله ، بقول فلان : قال فلان . أتراه نوراً وكلام الله ورسوله ظلمة ؟ أو تلتمس الهدى من غير ما التمس منه الصحابة والصالحون من التابعين ؟ اللهم انفعنا بالقرآن العظيم ، وبسنة رسولك r

    وقال رضي الله عنه : قال الله : (لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة) عظم تعالى النفس اللوامة فأقسم بها ولا يقسم إلا بعظيم ، ثم قرنها بيوم القيامة ، وذلك لأن النفس اللوامة وهي التي تذكر ذنوبها فتلوم نفسها ، ولومها نفسها هو قيامتها ، وهو معنى قول رسول الله r : " حاسبوا نفوسكم قبل أن تحاسب " فمن حاسب نفسه ولا مهما فقد أقام قيامته ؛ لأن يوم القيامة هو يوم الحساب . وفي الحديث : كان رسول الله r في سفر ، فنزل منزلاً ، فذهب رجل إلى الرمضاء وجعل يتمرغ فيها ، ويقول لنفسه / ذوقي حر النار ، جيفة بالليل وبطالة بالنهار ، وتطمعين أن تدخلي الجنة ، فبينما هو يتقلب في الرمضاء إذ أبصره رسول الله r فجاء إليه فقال : يا رسول الله ، غلبتني نفسي ، فقال له r : " إن الله قد باهى بك الملائكة " ثم قال r لمن حضر من أصحابه : " تزودوا من أخيكم " فجعل كل واحد منهم يقول : ادع لي ، فقال رسول الله r : " عمهم عمهم " وذلك لكونه حاسب نفسه في خلوته ، ووبخها ولامها ، فالكيس اللبيب من أكثر اللوم على نفسه ، وحاسبها قبل أن يحاسب على مثاقيل الذر . اللهم إنا نسألك توبة نصوحاً ، وأن تشغلنا بعيوبنا عن عيوب غيرنا ، برحمتك يا أرحم الراحمين

    وقال رضي الله عنه : ليس ما عبر عنه من المستقبل بصيغة الماضي في القرآن لتحقق وقوعه ، كما زعم أهل المعاني مثل قوله تعالى : (أتى أمر الله) (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا) (وسيق الذي اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا) بل ما كان في علم الله تعالى فهو مشاهد معاين عنده سبحانه وتعالى ، فإن علمه عين إبصاره ، فكل ما يكون في يوم القيامة مشاهد له من قبل خلق كل شئ ، فإنك ترى المنى حال نزوله من الصلب وهو ماء ، والله سبحانه وتعالى يراه على الخلقة التي سيكون عليها ، ويرى في ذلك المنى عيونه بقدر حجمها ، وسمعه وبصره ، وجميع جوارحه وأعضائه على ما ستكون عليه ، بل يراع كذكل قبل خلق كل شئ ، وعلمه بالشئ تعالى عين رؤيته له ، ويرى عياناً ذرية تلك النطفة إلى ما لا نهاية له ، أرى الله سبحانه وتعالى نبيه r عياناً ليلة الإسراء كل ما سيكون ، كالمرأة تخدشها هرة ، فإنه رآها r عياناً مع أن تلك المرأة في البرزخ ورآها r كذلك في النار ، وفي الحديث : أن رسول الله r كان يوماً جالساً بين أصحابه ، فقال : " إني أرى حجراً ألقى من شفير النار ، وله سبعون سنة يهوى فيها ، وهو الآن وصل قعرها " فلما سكت r سمعوا وجبة عظيمة حتى حصلت رجفة ، وما سكنت تلك الوجبة حتى سمعوا صياحاً في بيت رجل من المنافقين مات في تلك الحالة ، وعمره سبعون سنة ، فكل حياته يهوى في النار وحال مماته وقع في قعرها (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) فعبر r بالحجر عن ذلك المنافق ، ورآه رأى العين مع أنه في تلك الحالة في بيته لم يخرج منه ، فانظر إلى بطلان قول أهل المعاني : يؤتي بصيغة الماضي في محل المستقبل لتحقق وقوعه ، بل هو واقع وصيغته مطابقة لمعناه . والله المستعان

    وقال رضي الله عنه : أعظم البلايا والرزايا والامتحانات واقعات على الأنبياء والأولياء من عباد الله تعالى ، وذلك لأن كل اسم من اسماء الله تعالى له تأثير في خلقه ، فكل واحد يطلب حظه ، فحظ المنتقم والضار والجبار منهم في الدنيا ، والخير كل الخير لهم في ذلك ، فإنه لا يبقى بينهم وبين النعيم المقيم سوى الموت ، وبقدر المشاق تكون لذة الراحة سأل موسى عليه الصلاة والسلام ربه : يا رب لم تعطي الدنيا الكفار والمجرمين وتزويها عن عبادك الصالحين ؟ فكشف له عن حالة من ابتلاه الله في الدنيا من المؤمنين ، فلما رآه وما هو فيه من النعيم قال : لا يضره إذا ما ابتلى به في الدنيا ، ولو سحب على منخره من أول حياته إلى آخرها ، وكشف له – أيضاً – عمن أنعم عليه في الدنيا من المجرمين ، فلما رآه وما هو فيه من العذاب قال : لا شئ ما كان فيه ولو ملك جميع الدنيا وما فيها ، ولا شك أن كل ما فقد ولو كان أعلى وأغلى وأعز ما في الوهم فهو كلا شئ ، قال الشاعر :

    كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا

    وقال آخر :

    إن التجار إذا عادوا وقد ربحوا أنساهم الربح ما عناهم السفر

    هذا من غير نظر إلى أن جميع ما في الدنيا الفانية لا يعدل ما يكون لأدنى أهل الجنة الباقية ، فإن الدنيا تتصور يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء ، وتسأل الله أن يجعلها لأدنى أهل الجنة ، فيقول : لا . يا لا شئ ، أي أنت أهون أن تكوني لأحد من أوليائي ، هذا وفي طي ابتلاء المؤمنين حكم ، قال تعالى : (ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون)

    ألا ترى أن الصحابة في أحد وقع عليهم ما وقع ليبتليهم ؟ قال تعالى : (ثم صرفكم عنهم ليبتليكم) يعني : الهزيمة ، وأي ابتلاء أعظم من هذا ؟ رسول الله r فهيم ، وهم المحقون وعدوهم المبطلون ، ويريدون إعلاء كلمة الله تعالى ، ثم حصل عليهم ما حصل قال تعالى : (وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم) لأن الفتنة هي الاختبار يقال : فتنت الذهب أي ألقيته في النار ليختبر ، ويظهر هل هو ذهب أو لا ؟ وهل هو جيد أو ردئ ؟ ولذة قال منهم قائل : (لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا هاهنا) وقال البوصيري في الدرر المضية في مدح خير البرية :

    لو يمس النضار هون من النار لما اختير للنضار الصلاء

    فإذا عرفت وأمعنت فكرك فيما سنح هان عليك جميع مصائب الدنيا ، وتعلم أن في طيها مع الصبر عليها كل الخيرات ، ونيل الدرجات ، وكفى لك أسوة بصاحب المعجزات والكرامات عليه وعلى آله أفضل السلام وأزكى التحيات (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) (ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد)

    وقال رضي الله عنه : قال تعالى : (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) معناه في الظاهر قال رسول الله r : " صلوا في نعالكم " وفي الباطن " زينة الإنسان في صلاته حضور قلبه وإخلاص عمله " ومعنى الإخلاص أن تكون صلاته تلك خالصة لله تعالى كما يستحق كماله وجلاله له ، لا لطمع في شئ ولا لنجاة من شئ ، وإنما يسأل الله الجنة لكونها محل رضاه ، ويتعوذ من النار لكونها محل سخطه ، قال رسول الله r : " لا تكن كالأجير السوء إن أعطى عمل ، وإن لم يعط لم يعمل ، ولا تكن كالعبد السوء إن خاف عمل ، وإن لم يخف لم يعمل " هذا فإن بلغ العبد إلى هذه الرتبة فقد أخذ زينته ، والزينة هي مقامه في محل العبودية من جميع الوجوه

    واستؤذن رضي الله عنه : من بعض من ينسب إليه في أن يقرأ في كتاب من الكتب المؤلفات فأعرض عن الجواب ، ثم قال : استأذن فيما سلف رجل شيخه في أن يدرس كتابا من المؤلفات فقال له : على اختيارك ما ظهر لك عملت به ، وهذا التلميذ المستأذن رجل غريب ، فدرس في مسجد تلك البلدة التي هو فيها ، فلما سمع شيخه بذلك قال له : يا رجل ، إنك مازلت مطاوعاً نفسك لم تقنع بشهرتك ورياستك في بلدك ، حتى أردتهما في غربتك ، يعني أن وضع التدريس كما يفعل الآن للشيطان والنفس فيه مجال تصعب السلامة منهما ، لأن بسبب ذلك يظهر ويشتهر والظهور يقصم الظهور ، والظهور نقمة والنفس تهواه ، والخمول نعمة والنفس تأباه ، ولكن الذي كان عليه الصحابة وأهل الله من بعدهم أنهم لا يفتون إلا عند الحادثة ، حتى إن عمر – رضي الله عنه – كان إذا استفتى عن شئ يقول : أوقع ذلك ؟ فإن قالوا : لا . قال : لا تسألوا حتى يقع ، وإذا وقع فتح الله فيه ، وروي ذلك – أيضاً – عن مالك رحمه الله تعالى




    _________________
    خليفتي كذاتي

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 1949
    تاريخ التسجيل: 10/01/2008

    الفصل التاسع : معني

    مُساهمة  Admin في الأحد نوفمبر 07, 2010 2:11 am

    وفي حديث ما معناه : " ملعون من سأل عن شئ لم يكن " وأما ما حدث من نصب المدارس لتدريس الكتب والمؤلفات فهو إلى النفس والهوى أقرب ، ولا يخلو من ذلك إلا القليل ، واتباع الهوى مذموم حتى في العبادة ، فإن رسول الله r مر ذات ليلة بأبي بكر – رضي الله عنه – وهو يخافت في صلاته ، ثم مر بعمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وهو يجهر في صلاته ، ثم مر ببلال وهو يقرأ من القرآن آيات من سور مختلفات ، فلما كان الغداة سأل أبا بكر عن مخافته يعني أنه يريد أن يستفهمه عن قصده ، لأن كل واحد منهم له في فعله ذلك قصد ونية فقال : قد أسمعت من ناجيت فقال : " ارفع صوتك قليلاً " ثم سأل عمر فقال : لأرضي الرحمن وأطرد الشيطان ، وأوقظ الوسنان ، فقال : " اخفض صورتك قليلاً " ثم سأل بلالاً فقال : أخلط الطيب بالطيب فقال : " لا . فإذا شرعت في سورة فأتمها " فمقاصدهم – رضي الله عنهم – كلها حسنة ، ولكن أراد رسول الله r أن يخرجهم عن أهواء نفوسهم ، ويمكنهم من حظهم من حب الله تعالى في اتباع رسوله r (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)

    ورسول الله r إنما كان يقف لأصحابه ليعظهم ، ويذكرهم بالله ويعرفهم به ، لا لأنه يعلمهم أحكاماً لم تقع فيها الحادثة ، ولم يحتج إلى الحكم فيها حالاً ، والصحابة رضي الله عنهم ، كانوا إذا جاء السائل يسأل يورون له الكتاب والحديث عن رسول الله r ، حتى إن رجلا سأل ابن عمر – رضي الله عنهما – عن القنفذ ، فقرأ له قوله تعالى : (قل لا أجد فيما أوحي إلى محرماً) إلى آخر الآية . فلما لم تنص هذه الآية على تحريمه أحله ، فلما سكت قال له رجل : إني سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول : إن رسول الله r لما سئل عن القنفذ قال : " هو خبيث من الخبائث " فقال ابن عمر إن كان أبو هريرة حدث عن رسول الله r فهو ذاك . فانظر إلى حال الصحابة الذين هم قطب رحى هذا الدين ، ثم انظر ما أجهل من أفتى بكلام رجل من السلف وجده في هامش كتاب لم يعرفه كيف سنده ، ولا وجه اتصاله بقائله ، وربما كان مخالفاً لما جاء به كتاب الله وسنة رسول الله r ، ثم إذا ناقضته بالحديث عن رسول الله يقول : لو صح هذا لا طلع عليه إمامي فما أعظم هذه الرزية التي عمت ، نسألك اللهم عافيتك ، ثم يميل عن حديث رسول الله r الصحيح ، الذي اجتهد فيه السلف الصالح من الأئمة ، حتى ضبطوه وأتقنوه وأوصلوه من ثقة عن ثبت إلى النبي r

    وقال رضي الله عنه : في قول الله تعالى : (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال) ليس المراد بيوتهم وديارهم ، بل المراد المعاصي ، أي عصيتم بما عصوا به ، وقد عرفتم وتبين لكم كيف فعلنا بهم ، فإن لكل قوم نبي عصياناً غير عصيان من سواهم ، فذلك الخطاب يتناول كل عاص على تنوع العصيان ، فالذي يلوط قد تبين له في القرآن كيف فعل الله بقوم لوط ، فهو سكن في مساكنهم ، والذي يخسر الميزان قد تبين له كيف فعل الله بقوم شعيب وسكن في مساكنهم ، وكذلك سائر المعاصي ، ما من معصية إلا وقد عصى الله بها قوم ، وعوقبوا عليها بعقاب مخصوص ، فلما أجهل من عصى الله تعالى ، وما أشده عداوة لنفسه ، وقد أخبره الله تعالى في كتابه العزيز على لسان رسول الله r ما جرى للقوم الذين عصوا الله من خسف أو صيحة ، أو رمى بحجارة ، اللهم اعصمنا حتى لا نعصيك ، واكفنا حتى لا نرجو سواك

    وقال رضي الله عنه : أرسل الله سبحانه رسله ، كل رسول بمعجزة غير معجزة غيره من الرسل ، كذلك أولياؤه لا يتفق اثنان في طريقة واحدة ، فقدرة الله تعالى وصنعته أبدعت كل شئ ، فكل فرد من مخلوقات بديع في خلقته ولونه ولسانه وطباعه ، فكل إنسان لم يتقدم عليه مثله من جميع الوجوه ، ولم يتأخر عنه أحد كذلك ، وإن تشابه اثنان في جزء اختلفا في جميع الأجزاء الباقية ، وكذلك غير الإنسان من الحيوانات والجمادات وغيرها ، فإن كل فرد مغاير لغيره ، حتى الشعرات فكل فرد من مخلوقاته تعالى (ليس كمثله شئ) قيل لبعض العلماء – وهو أبو يزيد رضي الله عنه - : بم عرفت الله ؟ فقال : بوحدانيتي عرفت وحدانيته ، فهو ليس كمثله شئ ، فسبحان المبدع لا إله إلا هو ، فإذا علمت أنه لا يفيد المريد تطلبه لمراده في كتاب من الكتب المؤلفات فلابد من الشيخ ، والآخذ عنه ، لأنه متفرد بطريقة لم يتقدمه أحد بها ولم يتأخر عنه أحد ، فبحضوره بين يدي شيخه تحصل له البركة ، فيفتح الله عليه بفتوح مبتدع غير فتوح شيخه ، وغير فتوح من تقدمه ومن يتأخر ؛ لأن خزائن الله ملأى لا تنقص ، وعطاياه لا تحصى ولا تنحصر ، ولا تقاس بمقياس ، ولذا قالوا : طرائق القوم عدد أنفاس الخلق ، وكذلك الأنبياء والرسل فإن لكل واحد منهم ديناً غير دين الآخر ، وشريعة جديدة ، وشريعة رسول الله r نسخت جميع الشرائع ، ومن بقي على دين من قبله من الأنبياء ولم يؤمن به فهو كافر ، فإذا عرفت هذا الباب علمت أنه لابد من شيخ تأخذ عنه ، وإلا كان خطؤك أكثر من صوابك . والله المستعان

    وقال رضي الله عنه : الدليل على أن بسم الله الرحمن الرحيم آية من كل سورة : اتفاق الأمة على أن الصحابة لم يكتبوا في مصاحفهم غير القرآن ، ولم يوجد مصحف من مصاحفهم إلا وفيه بسم الله الرحمن الرحيم في أول كل سوءة سوى براءة ، وهذا الإجماع بعد حديث عبد الله بن مغفل ، فإجماع المصاحف على كتبها مع اتفاق الأمة أن الصحابة لم يكتبوا إلا القرآن ، والإثبات مقدم على النفي ، كما يعتبره المحدثون دليلا على ما قلنا ، وأي دليل أعظم من هذا كما ترى ؟ وغيره لما سمع ولده في الصلاة قال : بسم الله الرحمن الرحيم ، قال : يا بني ، لا تكن أول من أحدث في الإسلام فإني صليت خلف رسول الله r ، وأبي بكر ، وعمر ، فلم أسمعهم يقولونها ، وقال الله تعالى : (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم) فقال بعض الصحابة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : إنما هي ست آيات ، يعنون الفاتحة ، قال : البسملة إحدى آياتها

    وقال رضي الله عنه : دعا الله عبيده إلى ضيافته بلسان خليله إبراهيم وحبيبه محمد r ، فإن الملك إذا دعا عزيزاً عند لضيافته ، أرسل إليه أكرم عبيده وأعزهم عنده ، فقال تعالى جل جلاله ، وتقدست أسماؤه ، يأمر خليله r : (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) وقال تعالى على لسان نبيه وحبيبه محمد r : (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) فما أعظم هذا التشريف الذي شرف الله به هذه الأمة ، أن بعث إليهم لضيافته رسولين هما أفضل الخلق فقال بعض أصحابه : فالذي يجاور بمكة من الحجاج بعد أن يحج هل هو باق في الضيافة أم لا ؟ فقال : باق في ضيافة مولاه

    فقال بعض أصحابه : (فإذا طعمتم فانتشروا)

    فأجاب :

    على البديهة بأن قال : الضيافة ثلاثة ايام ، وأيام كل أحد على قدره (وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون) فإن بقي الرجل في مكة مدة عمره أوفاه الله كمال ضيافته في قبره وفي الجنة ، فرقصت الألباب مما وجدت من السرور عند سماع هذا الجواب على البديهة

    ثم قال رضي الله عنه : وأعظم فوائد هذه الدعوة : هو اجتماع المسلمين بعرفات ، ومزدلفة ، ومنى ، ومكة ، وفيهم الأولياء والصالحون فيشفع بعضهم لبعض ، ويهب الله مسيئهم لمحسنهم ، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ، والاجتماع رحمة ، والفرقة عذاب . قال الله تعالى : (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) مع أن هذه الآية في الكفار وهم لم يستغفروا ، وإنما استغفار النبي r لهم منه رائحة اتحاد الحقيقة ، فبها لم يعذبهم الله في الدنيا ، وقال تعالى : (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم فتسيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليما) فسلم الكافرون من العذاب بمجرد اجتماعهم بالمؤمنين ، فحال الاجتماع بالصالحين حالة سلامة ونجاة ، لأ، الله ينظر إليهم فيسكن غضبه

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) فلا يعذب سبحانه وتعالى أحدا حتى يبعث إليه رسولا ، فإن الذاهبة عقولهم والصبيان ويأجوج ومأجوج لم يبعث الله إليهم رسولا ، ولكنه في يوم القيامة يبعث إليهم رسولا وهم بمعزل من الناس ، والنار تأجج ، ولها زفير عظيم ، فيقول لهم : إنكم لم تعلموا بما جاءت به الرسل ، فكل واحد يتعذر بما كان فيه ، فيقول الذاهب عقله في الدنيا ، إني كنت لا أعقل ، ولو عقلت لآمنت بما جاءت به الرسل ، وعملت بأوامرهم ونواهيهم فيقول : أنا رسولكم من عند الله إن أمرتكم بأم تطيعوني ؟ فيقولون : نعم ، فيأمرهم بأن يلقوا أنفسهم في النار ، فمن كانت سابقته سابقة السعادة ، وفي علم الله أنه لو كان عاقلاً في الدنيا لآمن ، ألقى نفسه في النار ، فيجدها برداً وسلاماً ، ومن سبقت له سابقة الشقاوة وفي علم الله أنه لو كان عاقلاً في الدنيا لما آمن لم يمكنه إلقاء نفسه في النار أبداً ، حتى إنه ربما يهم أن يلقى نفسه مراراً فلا يمكنه ، وكذلك الصبيان ، وكذلك يأجوج ومأجوج ، ففي الحديث : أنه لما مات طفل قالت عائشة رضي الله عنها : عصفور من عصافير الجنة ، فقال رسول الله r : " من هذه المتألية على الله ؟ وما يدريك ، فإن الله خلق للجنة خلقا وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق للنار خلقاً وهم في أصلاب آبائهم "

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قول الله تعالى في الحديث القدسي الذي آخره : " ومن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه " فإن النبي r خير الخلق أجمعين ، والله يذكره إذا ذكره في ملأ خير من ملئه ، فما هو الملأ الذي يذكره الله فيه ؟ وهو خير من ملئه r مع أنه خير خلق الله أجمعين ؟

    فأجاب :

    بأن الملأ الذي يذكره الله تعالى فيه هو ملؤه r نفسه ، ولكن لم يزل رسول الله r في الترقي ، فما ذكر الله تعالى إلا وارتقى إلى رتبة أعلى من الأولى ، فيذكره الله في ملئه ذلك بعد ترقيه ، فيكون ذكر الله تعالى في ملأ خير من الملأ الذي ذكر الله تعالى فيه ، لأنه قد ترقى إلى رتبة أعلى من الرتبة الأولى ، فالملأ واحد وباعتبار ترقيه متفاضل ، ولم يزل في ترق إلى ما لا نهاية وله ، وأصحابه r ورضي عنهم أجمعين كذلك في ترق بعده r

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) فضل الله ورحمته : هو محمد رسول الله r ، قال الله تعالى : (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) أي من جن وأنس وشجر ومدر وحيوان ، فما من شئ إلا وهو مستمد من نوره r وله إليه وجهة ، وقال تعالى : (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) إلى قوله : (والله ذو الفضل العظيم|) . فرحمة الله وفضله هو سيدنا محمد r ، وكذلك الأنبياء أخذ الله تعالى منهم ميثاقهم أن يؤمنوا به وينصروه ، كما قال جل وعلا : (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) وذلك رحمة بهم ليؤبروا نخل إيمانهم به r ، فامتثلوا أمر ربهم ونصروه ، بأن بشر كل نبي قومه به r ، فقال عيسى – عليه الصلاة والسلام – كما حكى عنه الله تعالى r : (وإذ قال عيسى بن مريم يا بنى إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد)

    وقال تعالى : (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل) الآية . فتعريف الأنبياء قومهم به r في التوراة والإنجيل هو عين نصرهم له r وعليهم أجمعين ، ولذا عرفوه كما يعرفون أنباءهم كما قال تعالى : (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) وتعريف الأنبياء قومهم به r هو لأجل أنهم إذا أدركوه عرفوه فآمنوا به وهذا هو النصر ، ولكن لم يوفق الله إلا الأقل القليل منهم . ثم قوله تعالى : (واذكر في الكتاب إبراهيم) (واذكر في الكتاب موسى) وغيرهما ، أي أدر أسماءهم على لسانك ، ففيها رحمة عليهم ، ولهم الخير الكثير في مجرد ذكرك لهم ، فانظر إلى هذا النبي الكريم الذي لا تحصي فضائله ، ولا تعد جل كماله أن يعبر عنه لسان ، وعز جماله أن يكون مدركاً للإنسان ، وتعاظم جلاله أن يخطر في جنان ، r

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قول الله تعالى : (وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن) إلى ماذا يعود الضمير في منه ؟

    فأجاب :

    أنه يعود إلى الشأن ؛ لأن نزول القرآن بحسب شئون رسول الله r ، فمعرفة قلب رسول الله r مترتبة على معرفة القرآن ، فمن عرف القرآن حق معرفته عرف قلب رسول الله r وشئونه ، r وخلقه القرآن ، فتارة يكون r في بسط فيباسطه القرآن بآيات البسط ، وهي الحالة التي قال فيها r : " لي حالة لا يسعني فيها إلا ربي " وطوراً يكون r في قبض لما يجد من عدم امتثال قومه لأوامره ونواهيه ، ومخالفته له وأذيتهم له ، فينزل القرآن على حسب شأنه ، وذلك كقوله تعالى : (ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا) وغير ذلك . فالقبض والبسط صفتان من صفات الله تعالى فإن بسط فلا هرب منه ، كما أنه إن قبض فلا فرار منه ، فلا ملجأ من الله إلا إليه

    قال بعض أولياء الله – رضي الله عنه – يوماً لأصحابه : هل تعلمون ما معنى قول رسول الله r " مثل المؤمن كخامة الزرع " ؟ قالوا : لا نعلم . قال : معناه : أن المؤمن إذا اصابته ريح البسط شكر الله ، وإن اصابته عواصف القبض رضى ، وكان منزلة القبض عنده كمنزلة البسط ، كما أن الزرع إذا أصابته شمال سجد وإذا أصابته جنوب سجد إلى موضع آخر ، فلا يعتريه من إحداهما إلا ما يعتريه من الأخرى ، إنما هو يوافق ذات اليمين بسجوده إلى جهة الشمال ، ويوافق ذات الشمال بسجوده إلى جهة اليمين ، قال تعالى : (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا) الآية , ومعنى هذه الآية – بلسان أهل الحقيقة – لا تسجدوا لشمس البسط ، ولا لقمر القبض ، واسجدوا لله أي : تكون عبادتكم في كل حال خالصة لله لا معلولة ، ولا تكونوا كمن إذا أنعم الله عليه أعرض ونأى بجانبه ، وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ، ولا بالعكس

    كما قال : (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط) فمن كان كذلك فوجهته إلى الله تعالى في جميع الحالات من قبض وبسط وغيرهما ، وهو الإخلاص ، والإخلاص : أن لا يكون العمل إلا لله في قبض وبسط ، ولا يكون لأجل خوف من النار ولا شوق إلى الجنة ، فإن الله تعالى يقول : (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله) والجنة هي مال ، فمن ألهاه مال الجنة عن ذكر الله فقد نال من الخسران حظه ، لكنه دون من ألهاه مال الدنيا الفانية لأن الله تعالى يقول : (ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) ومن لازم إخلاص العمل التوكل الذي هو الدرجة العظمى ، ولا ينالها إلا من خلصه الله عن جميع الشوائب

    فإن بعض الصالحين قال : كل مقام – بحمد الله – وصلت إليه ومكثت فيه إلا هذا التوكل المبارك ، فما شممت له رائحة ، ومعنى التوكل أن جميع الحالات التي تصيبه من قبض وبسط ونفع وضر ، وجميع الحالات التي تعتري الشكل الإنساني بمثابة واحدة ، لا ينازع الله في شئ ولا تفرحه السراء ولا تزعجه الضراء ، بل إذا اصابته سراء شكر وإن أصابته ضراء صبر ، ومما يعين على التوكل عدم الركون إلى الذين ظلموا ، قال الله تعالى : (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) أي نار البعد والقطيعة ، والذين ظلموا هم الذي نقصوا ، وكل ما سوى الله ناقص ، وأعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك ، فإن أصحاب رسول الله r لما امتثلوا ما أمرهم الله تعالى به من الجهاد ، مع ما هم فيه من الضعف والفقر ، حتى أنهم كانوا يأكلون أوراق الشجر في الغزوات ، ويتقون الحفا بالرقاع ، لكنهم توكلوا على الله وامتثلوا ما أمر الله من غير ركون إلى أنفسهم ، نصرهم الله وقمع بهم شوكة الكفر ، مع ما كان عليه الكفار من القوة والعدد ، والمدد

    وأصحاب طالوت لما ركنوا إلى أنفسهم واتكلوا على أهوائهم (إذ قالوا لنبي ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله) فلما بعث لهم ملكاً صار منهم ما صار ، وتولوا إلا قليلاً منهم ، ومثل هؤلاء من أنزل الله فيهم قوله تعالى : (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية) فحقيقة التوكل : أن لا يتمنى الإنسان شيئاً من العبادات أو غيرها ، لأنه ربما يدرك الإنسان في نفسه قوة فيتمنى عبادة أو جهادا فهذا هو الركون إلى النفس ، وإذا جاءه من الله أمر امتثله ، ولو كان يرى أنه عاجز فتوكل على الله تعالى ، ونهض له متوكلاً على الله لا راكناً إلا نفسه ولو كان في غاية الضعف ، فقط أعطى التوكل على الله حقه ، وهذا هو الظافر

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون) أي أنهم حذروا الموت الذي هو عكس الحياة الدائمة التي قال فيها تعالى : (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) فقوله : (إن الله لذو فضل على الناس) مثل قوله : (يستبشرون بنعمة من الله وفضل) فأرادوا هذه الحياة (فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) أي : (قاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم) أي : يسمع دعاءكم ويعلم ما في قلوبكم ، فإن كان طلبكم للقتال لأهواء نفوسكم فالله يعلمه ولا تنصرون ، وإن كنتم مخلصين لله في ذلك فالله يعلمه ، وأنتم المنصورون الغالبون ، وإن قتلتم فهي بغيتكم ونحن نحييكم الحياة الدائمة ، فعلم الله منهم صدق النية ، فأحسن متقلبهم ومثواهم ، وأنالهم مشتهاهم

    وبالعكس قوم طالوت كان النبي r يقول لأصحابه : انظروا إلى هؤلاء يعني قوم طالوت والذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ، والفرق بين الفريقين : القصد والنية ، اللهم أحسن نياتنا وعاقبتنا في الأمور كلها ، يا أرحم الراحمين ، وصلى الله على مولانا محمد وعلى آله ، في كل لمحة ونفس ، عدد ما وسعه علمك آمين

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن استدلال من منع قراءة المؤتم الفاتحة في الجهرية

    خلف الإمام بقوله تعالى : (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) ؟

    فأجاب :

    ليس ذلك بدليل لهم ، والجواب على من استدل به أوضح من الشمس : وذلك أن الله تعالى يقول : (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وهو r قال : " صلوا كما رأيتموني أصلي " وثبت في الأحاديث الصحيحة التي ليست بمعارضة ولا منسوخة أن رسول الله r كان يسكت بعد تكبيرة الإحرام سكتة طويلة ، ومثلها بعد تمام الفاتحة ، ويقف على رؤوس الآي ، فالمؤتم مخير في أن يقرأ الفاتحة ، إما في السكتة الأولى ، وإما في السكتة الثانية ، أو كلما وقف الإمام عند رؤوس الآي ، فإن فعل كذلك فقد فعل ما أمره رسول الله r في قوله : " لا صلاة إلا بأم القرآن " وقوله : " كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج " ثلاثاً . أي إن لم يأت فيها بأم القرآن واستمع قراءة الإمام وأنصت لها في حال قراءته ، ولم ينازعه بالقراءة ، فإن لم يسكت الإمام في هذه المواضع فهو الذي فرط . وأما المؤتم فلا تسقط عنه قراءة الفاتحة لأنه مأمور بالإتيان بها ، والإمام هو الذي ألجأه واضطره إلى أن ينازعه بالقراءة ، فالتفريط من الإمام إذا لم يسكت في المواضع التي كان يسكت فيها رسول الله r ، والله المستعان

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن الأوقاف التي وقفها الواقفون على أئمة الصلاة والمقيمين مع أن الأجرة محرمة عليهما ، لأن أجر الصلاة على الله تعالى ، قال تعالى (قل لا أسألكم عليه أجراً) ونحن مأمورون باتباعه r ، وقال رسول الله r : " اجعل لمسجدك مقيماً لا يتخذ عليه أجراً "

    فأجاب :

    أنه ينبغي للإمام والمقيم إذا صرف إليهما شئ من هذه الأوقاف أن يتورع عن الأكل منها ، فيأخذان ما صرف فيهما ، ثم يصرفانه على مستحقيه : ظاهراً إن لم يخشيا على نفسهما الرياء ، أو باطناً إن خشياه ، والصارف الذي هو المتولي على تلك الأوقاف يصرفها فيهما امتثالاً لأمر واقفه ، إلا أن يظهر له أنه لولا هذه الأجرة : ما صلى الإمام ، ولا أقام المقيم ، فلا يجوز له الصرف فيهما وإن خالف أمر الواقف ، ولا ينبغي له أن يفتش عن ذلك ولا يبحث عن قصدهما ، بل يحملهما على الظاهر ، والظاهر في حقهما أن أخذهما لها ليس في مقابلة الصلاة ، وإنما أخذهما لها لكونه وقف الواقف عليهما ، كأن يقف الواقف على رجل وقفاً وليس هو بإمام ولا مقيم فهو يأخذها امتثالاً لأمر الواقف ؛ لأنه وقفها عليه ، فالظاهر من قصدهما هذا ، ولا يبحث عن غيره ، وبالله التوفيق

    وسئل :

    رضي الله عنه : عما إذا وجد الإنسان في ثوبه منياً ، وتيقن أنه احتلم ولكنه ما عرف في أي نومة هو ؟

    فأجاب :

    أنه يحمله على آخر نومة نامها ، ولا يعيد من الصلوات إلا ما بعدها بعد أن يغتسل ، فإن مثل هذا اتفق لعمر رضي الله عنه : وهو أنه صلى بالناس صلاة الصبح ، ثم خرج إلى بلاد له فرأى في ثوبه منياً تيقن منه أنه احتلم ، فاغتسل ثم أعاد صلاة الصبح فقط ، ولم يأمر أحداً ممن صلى معه أن يعيدها ، فعلم أنه حمل ذلك الاحتلام على آخر نومة ؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن الحديث الذي سماه أهل المصطلح مقلوباً ؟

    فأجاب :

    إن ذلك غلط وليس بمقلوب ، وهو قوله r : " إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير ، وليضع يديه قبل ركبتيه " ففهم الناس أن البعير إذا برك قدم يديه ، فإذا وضع الإنسان يديه قبل ركبتيه فقد تشبه بالبعير الذي نهى عنه r ، فألجأهم هذا الفهم إلى أن يقولوا : مقلوب وإنه انقلب على الراوي ، وإلا فآخر الحديث : " وليضع يديه قبل ركبتيه " وهذا غلط فأحش ، نسخوا أمر الرسول r بهواهم ، وليس إلى الهلم فيه سبيل ، والحديث تفسيره ظاهر فإن قوله r : " إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير " والبعير يبرك على ركبتيه ، وإن كانتا في يديه لأن ركبتي البعير في يديه ، وركبتي الإنسان في رجليه ، ولذا أتى بالعطف التفسيري بقوله : " وليضع يديه قبل ركبتيه " ليزيل الوهم الذي وقعوا فيه ، فإذا قدم الإنسان وضع ركبتيه على يديه ، فقد تشبه بالبعير في كونه يبرك ركبتيه من غير نظر إلى كونهما في يديه ، وركبتا الإنسان في رجليه ، وركبتا الجمل لغة وعرفا في يديه ، وأما ما رواه وائل بن حجر قال : رأيت رسول الله r إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه فإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه فذلك فهم الصحابي وفهم الصحابي ربما يخطئ ، لأنه ليس بمعصوم ، فلا يقابل ما قاله رسول الله r ، والله الهادي إلى الصواب

    ومما أورده رضي الله عنه من الأحاديث : الحديث الأول : قال رسول الله r : " ثلاثة لا يحبهم ربك : رجل سكن بيتاً خرباً ، ورجل نزل في محل السيل ، ورجل أرسل دابته وجعل يقول : يا رب احبسها ، يا رب احبسها " الثاني : ثلاث من فعلهن فقد استكمل الإيمان : بذل السلامة للعامة ، والإنصاف من نفسك ، والإنفاق من الإقتار " الثالث : " من حضر إملاك امرئ مسلم فكأنما صام يوماً في سبيل الله ، اليوم بسبعمائة يوم ، ومن حضر ختان امرئ مسلم فكأنما صام يوماً في سبيل الله ، اليوم بسبعمائة يومن نفسك ، والإنفاق من الإقتار " الثالث : " من حضر إملاك امرئ مسلم فكأنما صام يوماً في سبيل الله ، اليوم بسبعمائة يوم ، ومن حضر ختان امرئ مسلم فكأنما صام يوماً " الرابع : قال رسول الله r : " بعد قليل ثم يظهر الجور ، ما ظهر شئ من الجور إلا ذهب مثله من العدل ، حتى يولد ناس في الجور لا يعرفون غيره ، ثم يأتي الله بالعدل كلما ظهر شئ من العدل ذهب مثله من الجور ، حتى يولد ناس في العدل لا يعرفون غير " الخامس : قال أصحاب رسول الله r : خرج علينا رسول الله r ذات يوم وهو قابض على يديه يمينه وشماله ، فقال للذي في يده اليمنى " هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة ، وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم ، ثم أجمل على آخرهم لا يزداد فيهم ولا ينقص ثم قال للذي في شماله : هذا كتاب من رب العالمين ، فيه أسماء أهل النار ، وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم ، ثم أجمل على آخرهم لا يزاد فيهم ولا ينقص ، ثم قال r : فرغ ربكم "

    وسئل :

    رضي الله عنه : هل يستنبط من سر ألسنة العرب أنه يجب على كل قارئ تجويد القرآن ؟ وذلك مثل قولهم في لفظ الحلق : فإن فخمته كان اسماً لمجرى الأكل والشرب من أقصى اللسان ، وإن رققته كان اسماً لحلق الشعر مصدر حلق ؟

    فأجاب :

    أنه لا يجب ذلك ، فإنه موسع فيه أن يقرأه كل أحد بما يطيقه لسانه ، والمراد منه : العمل به ، قال تعالى : (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به) فقوله : (يتلونه حق تلاوته) أي يؤمنون به لا أن معناه يقيمونه في ألسنتهم

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قول من قال : الحمد لله كما يستحقه وأضعاف ما يستحقه ، كيف تكون مضاعفة ما يستحقه من الحمد مع أنه لا يحصر ؟

    فأجاب :

    بأنه لا ينحصر وما ذلك إلا تفويض إلى الله تعالى في إدراك معناه ، وفي الحديث ما معناه : " أن العبد إذا ذكر ذكراً يمكن الملائكة ضبطه وحصره فعلوا ، وإن لم ، أمرهم الله أن يكتبوه في صحيفة العبد بلفظه ، ووكلوا حصره وضبطه إلى الله تعالى " وهو تعالى يعلم كل شئ بقدر علمه وقدرته ، وعنه r أنه قال : " مثقال حبة من خردل من أعمال القلب خير من أمثال الجبال الرواسي من أعمال الجوارح " وسئل رسول الله r : أي الحجاج أعظم أجراً ؟ وأي المصلين أعظم أجراً ؟ وأي المزكين أعظم أجراً ؟ وأي المجاهدين أعظم أجراً ؟ فقال رسول الله r : " أكثرهم لله عز وجل ذكرا "

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قول الله تعالى : (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شئ عليم)

    هل المعية بالذات والعلم ، أو بالعلم فقط

    فأجاب :

    بأن المعية منه سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله ، وكما يعلمها لنفسه ، فإن العقل لا يهتدي إليها ، ولو كلف الله العقول بمعرفتها لحملها ما لا طاقة لها به (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) فإن الأعمى الأكمه إذ قال لمبصر : صف لي السواد واجتهد لي في وصف حتى تخليه لي تخييلا لا يخطئ حقيقته ، فلا يقدر المبصر أن يزيد على قوله : سواد ، فيقول الأكمه : ما معنى سواد ؟ فإذا أراد المبصر أن يزيده تقريباً يقول له : عكس البياض ، فهل تراه يستفيد الأكمه بهذا الوصف ؟ بل لا يعرف إلى ما ذهب إليه وهمه إلا الله ، فتعرف أنه لا يتميز له السواد إلا إذا خلق الله له عينين ، ثم بعد أن يصير مبصراً تقول له : هذا السواد فيراه عياناً

    فإذا عرفت أيها السائل هذا المثال علمت أن كلنا في ذات الله كمه وفي الحديث : " كلكم في ذات الله حمق وأنا أعرفكم طريق النجاة " وأنت لابد أن تسئل يوم القيامة عن ذلك وإذا سئلت فلابد من الجواب ، وإذا قلت : يا رب وكلت الأمر إليك في ذلك ، وآمنت في ذلك بالغيب ، لأني لم أقف على كلام منك ولا من رسولك . أن المعية بالذات والعلم ، أو بالعلم فقط ولا علم لي بشئ إلا ما أتى عنك أو عن رسولك ، فإذا كان هذا جواب أتراه يعطب أم ينجو بين يدي العدل الحكيم ؟ وإذا قال : يا رب ، خشيت أن يضل عبادك إذا أبقيت الآية على ظاهرها فقلت : بالعلم لا بالذات ، يقول له الحق : لا محالة أنا أقول : إن القرآن هدى وأنت تقول : مضل ، ولولا كلامك أنت لضلوا بكلامي ، فلولا أنت قطرت القرآن إلى اعتقادك لضل الناس ، وهل أنا قلت في كتابي العزيز خطاباً لرسولي : (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) أو قلت : ليبينه للناس فلان فهذا عاطب ، هنالك قامت عليه الحجة كالشمس إلا أن يتجاوز الله عنه . اللهم ألهمنا رشدنا حتى لا نتكلم إلا فيما يعنينا ، يا أرحم الراحمين

    والفار من قوله : بالذات وقع في حفرة أعظم مما فر منه ؛ لأنه أراد أن ينزه الحق تعالى عن قوله بالذات ، والذي ألجأه إلى هذا الفرار أنه قاس على الذوات المعروفة بالعيان ، ومن شرط القياس المماثلة ، والله ليس كمثله شئ ، فإنه لا يعلم قدره عيره ، ولا يبلغ الواصفون صفاته ، فإن موسى – عليه الصلاة والسلام – رآه ولم ير إلا النار هناك ، مع أنه بعد ترقية عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات نبوته ، ونيله لمرتبة الرسالة وهلاك عدوه قال : (رب أرني أنظر إليك قال لن تراني) وذلك لأنه سأل الله أن ينظر إليه في كنه جلاله وجماله ، الذي لا يكون من المخلوقات شئ له قابلية تقدر على أن يتجلى لها به وأمنا بقدر قابليته عليه الصلاة والسلام فقد تجلى له في النار قال تعالى : (فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها) ثم في تكليمه تعالى له لما أدرك في كل عضو منه ، وكل شعرة وكل جارحة منه تلذذا لا يضبطه قياس ، ولا يعرفه إلا من ذاقه ، قال : يا رب ، أهكذا كلامك ؟ قال : إنما أكلمك بقوة عشرة آلاف لسان ، ولي قوة الألسن كلها وأقوى من ذلك ، ولو كلمتك بكنه كلامي لم تكن شيئاً ذا في السماع من وراء الحجاب ، فكيف الرؤية

    ثم تجلى تعالى للجبل وجعله دكا وخر موسى صعقا ، وإنما تجلى له كما قال الصادق المصدوق r : بقدر ثلث الخصر من جميع الذات ، فانظر إلى بطلان كلامن من فكر بعقله فقال : بالعلم لا بالذات ، أتضبط ذات من لا يعلم قدره غيره ، ولا يبلغ الواصفون صفاته بعقل ؟ بل ما يكون من نجوى ثلاثة من جميع الخلق صامت وناطق ، وجامد ومائع ، وساكن ومتحرك ، لأن كل شئ له مع الله مناجاة ، لأن الصلاة مناجاة بين العبد وربه ، وقال تعالى : (ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه) (إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا) مع أن كل شئ مشتمل عليه زمان ومكان ، وهو تعالى – كما كان – لا يشتمل عليه زمان ولا مكان في حال كونه تعالى العرش استوى ، وفي حال كونه – تعالى – سمع عبده الذي يحبه ، وبصره ويده إلى آخر الحديث من غير مزج وكيفية ، ولا يرجع العبد ربا ولا الرب عبداً ، بل كيف يشاء وأين يشاء ، كما يعلمه لنفسه ونقول : آمنا بالله على مراد الله ، ووكلنا كل الأمور إليه ، ونقول ما قالت الملائكة – الكرام عليهم الصلاة والسلام – (لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم)

    وسئل :

    رضي الله عنه : ما معنى الاعتبار ؟

    فأجاب :

    قال : هو المجاوزة يقال : عبرت الوادي بمعنى جاروته ، وعبرت الرؤيا : أي جاوزتها إلى المعنى المقصود منها ، وقوله تعالى : (فاعتبروا يا ألي الأبصار) أي جاوزوا ما أبصرتم من الآيات الذاتية والآفاقيه ، وما سمعتم من الآيات القرآنية إلى غيرها ، وهو الله تعالى ، فكل ما في الوجود يدل عليه سبحانه وتعالى ، وهو معنى قول القائل : والله ما رأيت شئياً إلا رأيت الله معه ، والآخر قال : إلا رأيت الله قبله ، أي استدل بالله تعالى على مخلوقاته ، فهذا الأخير أعلى درجة ، لأن الله تعالى عند من عرفه حق معرفته لا يستدل عليه ، بل هو الدليل على وجود مخلوقاته سبحانه وتعالى ، اللهم عرفنا إياك حق المعرفة يا أرحم الراحمين ، يا أقدر القادرين ، إنك تفعل ما تشاء وأنت أكرم الأكرمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله أجمعين

    وسئل :

    رضي الله عنه : ما معنى قول النبي r في حجة الوداع : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت منه لم أسق الهدى ، ولجعلتها عمرة " ؟

    فأجاب :

    بأنه r ساق الهدى ، فنزل عليه الوحي بأن يحج قارنا فتبع الحق مراده ، كما تبع الحق مراده ومراد أصحابه في أسرى بدر ، لما قبلوا منهم الفدية ، فعاتبهم الله تعالى بعتاب لطيف حيث قال : (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) ثم اتبع الحق مرادهم بأن قال : (فكلوا مما سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) ثم أتبع الحق مرادهم بأن قال : (فكلوا مما غنمتم حلالاً طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم) فأحل – تعالى – لهم الغنيمة اتباعاً لمرادهم مع أنها كانت محرمة على من قبلهم ، وكانت تنزل نار من السماء تأكل الغنائم ، وهذه معاملة الحبيب لحبيبه ، تعود الجمرة تمرة ، فالنبي r لو لم يسق الهدى لما أوحى إليه أن يحج قارناً ، وهو قوله r : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت منه لم أسق الهدى ولجعلتها عمرة " ومن هذا الباب يدور الحق حيث دار عمر ، والله ورسوله أعلم

    وقال رضي الله عنه : لما سئل عن معنى قول الله تعالى : (فأوحى إلى عبده ما أوحى) أعطى الله رسوله r ليلة أسري به ثلاثة علوم : علم أمره بتبليغه ، وعلم أمره بكتمانه ، وعلم خيره فيه . فالذي أمره بتبليغه : هو علم الشريعة ومن قام بها حق القيام من غير تبديل ولا تغيير ، بل سلك الطريق التي نهجها له الكتاب والسنة بحسن نية وإخلاص ، تولى الله سبحانه وتعالى تعليمه العلمين الأخرين ، وهو معنى قوله تعالى : (واتقوا الله ويعلمكم الله) وقوله تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) وذلك لأن هذه الشريعة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، هي أصل كل سعادة ، ومنها تتفرغ الخيرات وتنو البركات ، وهي الحبل الممدود من السماء إلى الأرض ، فمن حفظ هذا العلم هذا العلم الظاهر حق حفظه حتى عمل بمقتضاه ، علمه الله أسراره ، وأسراره هما العلمان الآخران ، لأن القرآن جامع لثلاثة علوم ، فمن فتح الله بصيرته اطلع على أسراره ، ولا يكون ذلك إلا بالقيام بحق ظاهره من جميع الوجوه . رزقنا الله ذلك ، وبلغنا ما هنالك . آمين يا رب العالمين

    وقال رضي الله عنه : من علت همته في طاعة الله تعالى ، ورسخ قدمه فيها قصد معالى الأمور في الأفعال والأقوال ، وقصد في معاني ما علمه الله تعالى من النطق ما علا ، وما ينتهي إلى ذلك إلا أنظار من نور الله تعالى بصائرهم ، وإذا أردت أن يسلك بك هذا المنهاج فأنا أشير إليه بتفسير قولك : الحمد لله . فمعناه : أن الله هو الذي حمد نفسه بلسان عبده ، وتفضل سبحانه على عبده بأن أجرى حمده على لسانه ، فإذا قصد العبد هذا المعنى فمن أين يبقى للعجب أو للرياء مدخل ؟ ثم إذا تقرب العبد من ربه جل وعلا ، حتى صار الحق سمعه وبصره ولسانه ، فهنالك الدرجة العليا والمرتبة العظمى ، فيصير معنى قول من كانت هذه صفته : الحمد لله . حمد الله تعالى نفسه بنفسه ، ومحيت عنه ظلمة البشرية بأنوار الأحدية ، فيصير جميع تصرفاته تصرفات الحق تعالى ، وهو معنى الغفر ، أي تغفر البشرية بمعنى تغطى ، لأن غفر الشئ تغطيته ومنه المغفر وهو الذي يغطي به الرأس ، فإذا قال : رب اغفر لي ، فمعناه : غط بشريتي وامحها بأنوارك . وهذا مسلك هذا اللسان ومشرب أهله (قد علم كل أناس مشربهم) وحسبنا الله ونعم الوكيل

    وقال رضي الله عنه : للقرآن بطن وظهر ، وحد ومطلع ، فبطنه : يعلمه الخواص ، وظهره : علم الشريعة ، والحد : هو معنى كونه جامعاً لمعرفة الله تعالى وضابطاً لها ، والمطلع : لا يعلمه إلا الله تعالى ويعلمه لمن يشاء ، وهو كونه في كل كلمة منه كل شئ ، وفي كل حرف منه جميع الحروف ، وذلك كالعالم الإنساني جميعه من أوله إلى آخره ، جميع ما فيه في إنسان واحد ، فإن قولك : هو حرف واحد ، وإنما أتى بالواو عند إشباع الضمة ليمكن النطق بها ، هو حرف واحد وهو اسم الذي أوجد جميع الكون من العدم سبحانه وتعالى ، ولهذا كان أنين المريض توحيداً ، لأنه أتى بالهاء في قوله : آه . وإنما أتى بالهمزة قبلها ليمكن النطق بالهاء (وما يعلم تأويله إلا الله)

    وقال رضي الله عنه كلما قرب العبد من الحق تعالى زاد ذلاله فإنه إذا صار الحق سمعه وبصره إلى آخره ، قوى أثر العبودية في الضمير المتصل بالبصر في قوله : " كنت بصره " وكلما تذلل قوى اتصاله

    ولما سئل :

    رضي الله عنه : عن القدر ؟

    فأجاب :

    وقد تقدم الخوض فيه في أثناء هذه الكراريس ، ولكن هذا تتمة له ، ضرب مثلاً في مجرد قصته فقال : كان بعض الملوك يقرب أحد وزرائه ، فحسده الآخرون ، فأراد أن يظهر وجه حبه له وتقريبه ، فبعث بجوهرة ثمينة لا توجد إلا في خزائن الملوك إلى كل واحد من الوزراء ، وأمر كل واحد منهم أن يدقها دقاً ناعماً ، فكل واحد منهم فكر في نفسه وقال : ما أراد الملك بهذا إلا اختباري ، فيصحب معها هدية ثم يرجعها إلى الملك ، ويقول له : يا سيدي ، هذه الجوهرة عظيمة القدر ة، وقد أمرت أن أدقها فلم أستحسن ذلك ؛ لأن إتلافها محض إسراف وإضاعة مال ، وليس في دقها فائدة ، فيقول الملك : أحسنت . فبعث بجوهرة إلى ذلك الوزير المقرب وأمره بدقها ، فبمجرد ما وصلت إليه أمر بالمهراس ثم دقها دقاً ناعماً وجعلها في قرطاس ، ودخل على الملك فناوله القرطاس ، فقال : ما هذا ؟ قال : هذه الجوهرة التي أمرتني بدقها ، قال : كيف هذا ؟ أتتلفها وقد علمت ما هي عليه من النفاسة وتعلم مقدار ثمنها ؟ فلم يحتج عليه فيقول : أنت الذي أمرتني بل قال : قد أخطأت ولكن العفو ، فنسب الخطأ إلى نفسه ، فازداد قرباً لديه

    وقال رضي الله عنه : من لم يشرب من مشرب أهل الله تعالى فهو غبي عن حالهم ، فأولى له السكوت عنهم وإن لم يقبل كلامهم عقله ، فإن بعضهم لما سمع قول الله تعالى )إن بطش ربك لشديد) نزل به حال فقال : بطشي أشد ، ففي الظاهر : أن هذه الكلمة بشعة ، وليست كذلك فإن معناها مستقيم : وهو أن الله سبحانه وتعالى إذا بطش لم يفرغ في بطشه ذلك جميع ما يقدر عليه من القوة والبطش ، لأنه ليس لذلك حد ، بخلاف الإنسان إذا غضب وأراد أن يبطش أفرغ جميع ما يقدر عليه من القوة والقدرة ، وهذا معنى مستقيم لا شئ فيه من الغلو . وقال بعضهم : الله لا يعلم الغيب ، فظاهره فيه بشاعة ، وليس كذلك بل معناه : أنه ليس عند الله غيب حتى يعلمه بل الغيب عنده مشهود ، وإنما يعلم الغيب باعتبار ما عند العبد ، وهذا المعنى لا غبار عليه ، والله الهادي إلى الصواب ، ومن ظن فيهم ظن السوء وكذبهم فقد دخل في معنى قوله تعالى : (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) لأنه لا سبيل إلى الإحاطة بما يكنه باطن الإنسان ، بل لا يحيط بما يشتمله ظاهرة ، فاعتقد تغنم ، أو سلم تسلم ، وفائدة الاعتقاد لا تحصل في الانتقاد ، وأرض المنتقد لا تساوي سماء المعتقد . اللهم أعد علينا من بركات أوليائك ، واجعلنا من صالحي خير أمة لخير أنبيائك وأصفيائك ، آمين يا رب العالمين

    وقال رضي الله عنه : لما سئل عن قول الله تعالى : (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) ما السر في جمع الظلمات وإفراد النور ؟ النور مفرد : للفرد الصمد جل جلاله ، والظلمات للمتعددين ممن سواه ، وجميع الآيات التي في القرآن المذكور فيها النور والظلمات لا يؤتي فيها بالنور إلا مفرداً ، والظلمات جمع ، مثل قوله تعالى : (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) والتي قبلها (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) وقوله تعالى : (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور) وغير ذلك من الآيات

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قول الله تعالى : (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون) ما حقيقة هذا الوحي ؟

    فأجاب :

    بأن هذا الوحي بواسطة نبيهم مثل قوله تعالى : (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا) وهو لم ينزل إليهم ، وإنما نزل إليهم بواسطة نبيهم

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قول الله تعالى : (وأوحينا إلى أم موسى) مع أنه قال تعالى : (وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم) ؟

    فأجاب :

    أن الوحي الذي أوحى الله تعالى إلى أم موسى ، وإلى مريم بنت عمران ، وحي غير وحي الرسالة لأن وحي الرسالة لا ينبغي إلا للرجال ، لأن رتبة النساء التأخير وقوله تعالى : (وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم) ليس بحصر للوحي ، إنما هو حصر للرسالة ، وكذلك المكالمة فإنها ليست للأنبياء خاصة ؟ ، فقد تكون للأولياء ، وإنما مكالمته تعالى للأنبياء المرسلين على قدر مقامهم ، وهو تبليغ الرسالة ، ومكالمة الولي فيما هو فيه خاصة

    ثم ضرب رضي الله عنه مثلاً بأن قال – ولله المثل الأعلى – ألا ترى أن الملك يكلم سواس الخيل بما هم فيه من إصلاح أطعمتها وأشربتها وعدتها ، ويكلم الأمير بما هو فيه من ترميم أحوال المتآمر عليهم ، والسيرة الحسنة فيهم ، ويكلم خواصه بالأسرار التي لا يريد أن يطلع عليها أحدا ، والذي ألجأ من بني على عدم التكليم إلا للرسل أنه جعل باب المكالمة واحداً ، ولو اطلع على ذلك لما حكم . وقول الله تعالى : (وكلم الله موسى تكليماً) ليس بحصر ، إنما هو تعالى يكلم كل أحد بقدر قابليته ، فهو تعالى كلم موسى تكليما كاد يذوب منه ويتلاشى تركيبه ، فمن شدة ما حصل معه قال : يا رب ، أهكذا كلامك ؟ فقال : إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ، ولي قوة الألسن كلها ، ولو كلمتك بكنه كلامي لم تكن شيئاً ، وقابلية موسى – عليه الصلاة والسلام- في ذلك الحين تقوى على ذلك ، ولم يزل بعد ذلك مترقباً ، والنبي r قال : " أوتيت جوامع الكلم " فهذا أعلى مقامات الكلام في أعلى مراتب القوابل ، فإنها لم تنته قابلية أحد من المرسلين إلى أن تقبل جوامع الكلم ، الله صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ، وأذقنا حلاوة الإيمان بما جاء به

    وقال رضي الله عنه : في معنى الدعاء النبوي – على صاحبه أفضل الصلاة والسلام - : " اللهم حبب الموت إلى من يعلم أن محمد r رسولك " معناه : أنه لم يحب الموت إلا من كثر شوقه إلى لقاء ربه ، ولم يرض بالحياة الدنيا ولم يطمئن بها . وأما من رضي بها واطمأن بها فإنه لا يحب الموت . قال تعالى في حق أهل الكتاب : (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين) وقال تعالى في حق المؤمنين : (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون) وأما قول عائشة رضي الله عنها : كلنا نكره الموت يا رسول الله ، فهو – هنا – في حال مخصوص ، وهو أنه قد يعتري المؤمن خوف من أن يلقي ربه ، وهو غير ذاك من جميع الوجوه ، أو يذكر ذنوبه فيظن إنها لم تغفر ، فهو يحب الحياة لا لكونه راضياً ولا مطمئناً بها ، وإنما يحبها لأجل أن يدأب في الأعمال التي تقربه إلى الله ، وتغفر بها ذنوبه ويترقى في معالي الأعمال ، وهو لا يحصل له ذلك إلا في قيد الحياة ، وحسبنا الله ونعم الوكيل

    وقال رضي الله عنه : في قول الله تعالى – في قصة سليمان عليه الصلاة والسلام - : (وألقينا على كرسيه جسد ثم أناب) ليس كمال قال المفسرون : أن الجسد غير سليمان بل هو سليمان نفسه ، بينما هو في ملكه نافذاً أمره فيمن تحت مملكته ، إذ سلب عنه السر الذي به انقيادهم وتسخيرهم له ، فلم يلتفت إليه ولم يطع أمره ، قال تعالى : (ثم أناب) أي رجع إلى ربه لتنبهه إلى أنه تبارك وتعالى فتنه بذلك ، والفتنة : هي الاختبار ، قال الله تعالى : (ولقد فتنا سليمان) وذلك بعد أن قطع رؤوس الخيل وسوقها جاءت الفتنة ، وحين أناب قال : (رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي) وقد يظن أنه – عليه السلام – سأل ربه الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده محبة له وطمعاً فيه ، وليس كذلك ، ولكن سأل ذلك رحمة وشفقة وتخفيفاً لمن بعده ، لأن على الملك لكل واحد ممن تحت وطأته حقاً بالغين ما بلغوا ، فإن قلوا فبحسبهم ، وإن كثروا فبحسبهم ، وصاحب الحق له مقال . قال r : " دعه فإن لصاحب الحق مقالاً " وهو المعنى الذي أشار إليه عمر رضي الله عنه حيث قال لأحد أولاده : أتحسب أن أباك ملك ، إنما هو عبد للناس ، أي خادمهم وهو سيدهم ، لأن خادم القوم سيدهم ، وهنا جاءت مسألة الدور فكل من الراعي والرعية سيد ومسود ، وهي العلة التي بها اختار نبينا r العبودية ، حيث خير بين أن يكون نبياً ملكاً أو نبياً عبداً ، لأنه لا يريد أن يشغل قلبه بحق لغير الله تعالى . قال r : " لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً "

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قول الله تعالى حاكياً عن إخوة يوسف : (وجئنا ببضاعة مزجاة) ما معنى مزجاة ؟

    فأجاب :

    بأن المزجاة : القليل ، ويدل على ذلك ما بعده (فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين) أي لا تنظر إلى ما جئنا به فإنه قليل ، وكذلك قول اله تعالى : (ألم تر أن الله يزجى سحابا) أي ينشئه ضعيفاً قليلاً ، ولذا قال تعالى (ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماَ) أي يكثره وينميه بعد أن كان ضعيفا قليلا ، وكذلك مخلوقات الله تعالى كلها أو ما يبرزها جل وعلا إلى الوجود في غاية من الضعف ، ثم ينميها ، فإن النخلة أول ظهورها من جوف النواة في غاية من الضعف ، ثم لا تزال تنمو حتى تصير إلى ما ترى من التفرع والكبر ، كذلك كل مولود وذلك أشد دلالة على القدرة الباهرة ، سبحانه وتعالى ما أقدره ، نعم . وقولهم في حلية النبي r : أزج الحاجبين أي : قليل شعر حاجبيه ، وقلة الشعر في الحاجبين : هي غاية الكمال r

    وسئل :

    رضي الله عنه : ما معنى الحديث : " الرؤيا على جناح طائر إذا قصت وقعت " وفي لفظ : " الرؤيا معلقة برجل طائر ما لم يحدث صاحبها فإذا حدث بها وقعت ، فلا تحدث بها إلا صديقاً : صاحباً ، أو ناصحاً ، أو حبيباً " فإذا معنى ذلك المراد التعبير ، فإذا عبرها أحد وقع ذلك التعبير ، وقد تعبر ولا يقع في الغالب ؟

    فأجاب ؟

    بأن معناه بالفعل فإن بعض المشايخ رأى كأنه أعطى تلميذاً له عمامته ، ثم قام إلى التلميذ فقال له : إني قد رأيت كذا ، وكنت أريد أن أعطيك عمامتي في اليقظة ، ولكن أخشى أن يكون ذلك تعبيرها ، فلا أعطيك إياها ليبقى تعبيرها بيد الله سبحانه وتعالى . وكذلك رأى بعض المحدثين : أن النبي r سقاه لبناً ، فقام من نومه يتقيأ لينظر صحة الرؤيا فحرم تعبيره ، إذ لو لم يتقيأه لأعطي من العلم بقدر ذلك اللبن . والله أعلم

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) وقال تعالى : (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) ثم مقت سبحانه على الكفار لما قالوا كذلك ، فقال حاكياً عنهم : (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ) وقال تعالى في الرد عليهم : (قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين) وذلك لأنهم قالوا كلمة حق يريدون بها باطلاً ، وليس قولهم ذلك تصديقاً وإيماناً ، ولكنهم قالوا احتجاجاً بالقدر فكان مقتاً عليهم ، والاحتجاج بالقدر هو الخطر العظيم ، وكذلك عدم الإيمان به ، والصراط المستقيم في ذلك – لمن أراد أن يسلك أسلم المسالك – هو الإيمان بالقدر مع عدم الاحتجاج ، وحسبنا الله ونعم الوكيل

    وقال رضي الله عنه : القرآن : قد يحتمل العدل ، ويحتمل الرحمة في كثير من الآيات كقوله تعالى : (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) وقوله تعالى : (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هو الظالمون) ومثل ذلك كثير ، فحمله على معنى الرحمة أولى وأحسن ، وهو معنى قول رسول الله r : " القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن الوجوه " لا على ما زعم كثير من الناس أن المراد بذلك تفسيره على أحسن وجوهه ، فأدى هذا إلى أن كل واحد يفسره على قدر ما سنح له من الرأي ، فأوقع كثيرا في الغلط ، وحملهم على التلاعب بمعاني القرآن بالتأويلات الفاسدة ، وأخرجوه عن معناه الظاهر الذي هو بيان وهدى ، قال تعالى : (هذا بيان للناس وهدى) فإذا عرفت هذا علمت أ، المراد بقوله : " فاحملوه على أحسن وجوهه ؛ لأن رسول الله r بعث متمماً لمكارم الأخلاق ، فإذا احتملت الآية خلقين أحدهما أحسن من الآخر عمل بالأحسن فالصبر أولى من المعاقبة ، والتصدق بالقصاص أولى من القصاص ، وغير ذلك . والله الموفق والهادي للصواب

    وقال رضي الله عنه في معنى قول رسول الله r : " اللهم ما أصبح بي من نعمة ، أو بأحد من خلقك ، فمنك وحدك لا شريك لك ، فلك الحمد ولك الشكر " معناه : أن من قال كذلك صباحاً أو مساءاً ، فقد صار نائباً عن جميع المخلوقات : ناطق وصامت ، وجامد ومائع ، ومسلم وكافر ، في الحمد ، فيعود عليه أجر ذلك الحمد عن كل فرد من المخلوقات ، وهذا شئ لا يعلمه ولا يحصره إلا الله سبحانه وتعالى ، فسبحانه ما أكرمه جل وعلا ، يجازي بهذا الجزاء الذي لا يعد ولا يحصى على كلمة واحدة ، ثم انظر بلاغة كلام من لا ينطق عن الهوى الذي أعطى جوامع الكلم ، r

    وقال رضي الله عنه : خلوص العمل : هو أن لا يعمل الإنسان لأجل شئ : فإن عمل لأجل دنيا ، أو لخوف من النار ، أو لطمع في الجنة ، فهو العمل المعلول ، قال رسول الله r : " لا يكن أحدكم كالأجير السوء إن أعطى عمل ، وإن لم يعط لم يعمل ، ولا كالعبد السوء إن خاف عمل وإن لم يخف لم يعمل " فقال بعض الحاضرين : ففي الحديث : " سبعة يظلهم الله في ظلة يوم لا ظل إلا ظله " ومن جملتهم : " رجلان تحابا في الله " فإذا أحب إنسان إنساناً لأجل ذلك أهو معلول ؟ قال : نعم . هو معلول ، وإنما أخبر رسول الله r أنهما ممن يظلهم الله في ظله جزاء لهما ، وأما هما فليسا بعالين حال تحابهما بهذا الجزاء ، أو عالمين لكنهما لم يتحابا لأجله ، بل تحابا في الله ، اجتمعا على رضاه وافترقا على رضاه من غير نظر إلى شئ فكان ذلك جزاءهما ، قال الله سبحانه وتعالى : (ألا لله الدين الخالص) اللهم اجعل أعمالنا وأقوالنا خالصة لوجهك الكريم . بحرمة القرآن العظيم والنبي الكريم ، والصحابة أجمعين وعبادك الصالحين

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (افحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) فكل من سوى الله جاهلية ، فإذا لم يرض العبد بحكم الله تعالى فيه فقد بغى حكم الجاهلية ؛ فإن المرض – مثلاً – وجميع البلايا التي هي من الله سبحانه وتعالى هي حكم الله في عباده ، فإذا تلقاها بالرضا والتسليم فقد امتثل لحكم الله تعالى ، وعلم أن كل ما كان من الله تعالى فهو خير ، وإن كان في الظاهر شراً ، فلو كشف له الغطاء لاختار ذلك الابتلاء ، اللهم بارك لنا فيما قدرت لنا ورضنا بقضائك ، حتى لا نحب تأخير ما عجلت ولا تعجيل ما أخرت ، يا ارحم الراحمين ومن لم يرض إلا بما هويته نفسه فقد بغي حكم الجاهلية ، ولو اتصل بكل ما هويته نفسه لتغير حاله وفسد ، حتى لو كشف له ذلك لفر مما هويته نفسه أعظم فرار ، قال الله تعالى : (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن)

    وقال رضي الله عنه : قال تعالى : (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) الإشارة في قوله : (ولذلك) عائدة إلى أمة واحدة باعتبار الأمر ؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالاجتماع ، ونهى عن الافتراق ، قال الله تعالى : (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) وقال تعالى : (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) أي يجتمعوا على عبادتي وهي عائدة إلى ، ولا يزالون مختلفين باعتبار الإرادة ، لأن الله سبحانه وتعالى خلق خلقاً للنار ، ولذلك وقه الاختلاف بين أهل الجنة وبين أهل النار (فريق في الجنة وفريق في السعير)

    وقال رضي الله عنه : تكبيرة الإحرام للصلاة : هو أن ينسى المصلى كل شئ سوى الله ويسبح في الكبرياء والعظمة ، ثم كلما انتهى إلى نهاية في الكبرياء فالله كبرياؤه فوق ذلك ، ولهذا يجدد التكبير عند الركوع فيقول : الله أكبر ، أي أكبر مما انتهيت إليه في السباحة في كبريائه ، ثم هكذا إلى وسط الصلاة ، فيتحقق عجزك عن أن تسبح في جدول من بحور كبريائه فتعود ، ثم تصل إلى الخلق في آخر الصلاة فتقول : السلام عليكم ورحمة الله ؛ لأن التسليم لا يكون إلا من عائد من سفر ، فأما الذي هو حاضر فيلتفت على من على يمينه ويقول : السلام عليكم ، وعلى من على يساره ويقول : السلام عليكم ، فهو يعد من الجنون لأنه ليس بمشروع في حقه

    وقال رضي الله عنه : إذا اطلعت على عصيان عاص فاكره منه ذلك الفعل في تلك الساعة ، ولا تحمله عليه من بعد ، لأنه ربما يكون ذلك الرجل مغفوراً له ولا يضره ذنب ، فإن الصحابه – رضي الله عنهم – لم تضرهم الذنوب ، ولا عبادة الأصنام ، ولا قتل البنات ، بل هم خير الخلق بعد الأنبياء ولهذا قال الله تعالى في كتابه العزيز – مخاطباً لرسوله r : (فإن عصوك فقل إني برئ مما تعملون) فأمره تعالى بأن يتبرأ من عملهم لا منهم ، ثم رسول الله r ، لما بلغه أن خالد بن الوليد قتل الذين قالوا : صبأنا وهم قاصدون بذلك الشهادة والإسلام ، قال : " اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد " ولم يقل : من خالد . فهذا الصراط الذي به النجاة . ثم إن الله سبحانه وتعالى قال : (إن الحسنات يذهبن السيئات) فينبغي التخلق بأخلاق الله تعالى ، لا كما هو عادة الناس إذا رأوا رجلاً فعل معصية حملوه عليها ورأوه بها مدة حياته ، نعوذ بالله من هذه الأخلاق بل إذا مرت ساعة يمكن التوبة فيها ، فلا تحمله على ذلك الذنب ولا تره به ، وإذا صلى إماماً صليت معه ، ولا تتخلق بعكس أخلاق الله تعالى وتجعل السيئات يذهبن الحسنات . اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت ، يا أرحم الراحمين

    ومما أورد رضي الله عنه : من الأحاديث عن رسول الله r : " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " وعنه r قال : " يا عائشة ، لا تأكلي الطين ، فإن الله خلق آدم من الطين ، فحرم الطين على ذريته " وعنه r أنه قال : " من مات وفي بطنه مثقال حبة من خردل من طين ، كبه الله في نار جهنم على وجهه " وعنه r أنه قال " لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب " وعنه r أنه قال : " من بنى فوق عشرة أذرع ناداه ملك ، إلى أين يا عدو الله ؟ "

    ورأى r رجلاً يصلي وثيابه مسبلة فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة ، فصلى على ذلك الحال ، وجاء إلى النبي r ، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة ، فقال له رجل : يا رسول الله ، رأيتك أمرته بإعادة الوضوء والصلاة مرتين ؟ فقال له r : " إنه صلى مسبلا ، ولا يقبل الله صلاة مسبل " وعنه r أنه قال : " ائتزروا كما تأتزر الملائكة عند رب العالمين ، قالوا : كيف تأتزر الملائكة عند رب العالمين ؟ قال : إلى أنصاف سوقها " وعنه r أنه قال : " من أرخى سراويله حتى تدخل تحت قدميه فقد عصى الله ورسوله ، ون عصى الله ورسوله فله نار جهنم " وعنه r أنه قال : " يا سعد بن زرارة لا تسبل إزارك فإن الله لا يحب المسبلين " وعن عبد الله بن عمر قال : رآني رسول الله r وإزاري مسبل ، فقال : " من هذا ؟ قلت : عبد الله قال : إن كنت عبد الله فارفع إزارك "

    وعنه r أنه قال : " إذا وقع في رجل وأنت في ملأ فكن للرجل ناصراً ، وللقوم زاجراً وقم عنهم " وعنه r أنه قال : " من اغتاب مسلماً جاء يوم القيامة ولسانه معقود إلى قفاه ، لا يحله إلا عفو الله أو عفو من اغتابه " وعنه r أنه قال : " الغيبة أشد من ستة وثلاثين زانية في الإسلام " وعنه r أنه قال : " أول من تسعر بهم النار ثلاثة : عالم ، وشهيد ، وغني " وعنه r أنه قال : " من شفع شفاعة فأهدى إليه هدية فقبلها ، فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا " وعنه r أنه قال : " إن الله نظيف يحب النظافة " وعنه r أنه قال : " لعن الله زائرات القبور ، والمتخذين عليها المساجد ، والموقدين عليها السرج " وعنه r أنه قال : " نظفوا أفنيتكم فإن اليهود لا تنظف أفنيتها " وعنه r أنه قال : " أيما امرأة تطيبت ثم خرجت فهي زانية " ونهى رسول الله r أن يجصص القبر ، وأن يبنى عليه ، وأن يكتب عليه ، وأن يوطأ وعنه r أنه قال : لعن الله اليهود ، اتخذوا قبول أنبيائهم مساجد " وعنه r أنه قال : " إن الميت يسمع الآذان والإقامة ، والسلام من المسلم عليه ما لم يطين عليه القبر ، فلا تطينوا قبول موتاكم " وعنه r أنه قال : " كسر عظم المؤمن ميتاً ككسره حياً "

    وقال رضي الله عنه : قال الله تعالى : (إنما يخشى الله من عباده العلماء) المراد : العلماء بالله تعالى ، لأن من علم به تعالى خشية ، ألا ترى أن العالم بالحية أن فيها سما قاتلا يخشاها ويخاف منها ؟ والذي لا يعلم كالصبي يميل إليها ويأنس بها ، ويعجبه ما عليها من النقوش والصفاء ، فيباشرها بيده ولا يخافها ولا يخشاها ، لأنه لا يعلم أن هناك سما ، فقول الله سبحانه وتعالى في ابن أم مكتوم : (وأما من جاءك يسعى وهو يخشى) فشهادة الله له بالخشية عين شهادته له بالعلم ، وشهادة الله مستمرة ، لأن علمه تعالى بما سيأتي كعلمه في الحال ، فالخشية في ابن أم مكتوم بشهادة الله تعالى مطلقة : ماضياً ، وحالاً ، واستقبالاً ، ولهذا خلقه النبي r في المدينة في أكثر غزواته ؛ لعلمه بالله تعالى

    وسئل :

    رضي الله عنه : عن قول الله تعالى : (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين)

    فأجاب

    بأن الظن يحصل للإنسان من قبل نفسه فيصدقه عليه الشيطان ، ولذا قال تعالى : (وما كان له عليهم من سلطان) أي إبليس لا يجئ للإنسان بالوساوس إلا بعد أن يؤتى من قبل نفسه ، فيلقى إبليس المجال ، وليس أنه لولا إبليس ما عصى الله تعالى ، فإن إبليس عصى من قبل نفسه وليس له شيطان ، وهو – أيضاً – يخطب على منبر في النار بما حكى الله تعالى عنه في القرآن : (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فاخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي) وهذا الظن وقع فيه الناس إلا من عصمه الله تعالى ، ولذا قال تعالى : (إلا فريقاً من المؤمنين) يعني لا المؤمنون جميعهم ، بل فريق ، نسأل الله العافية والسلامة ، فإنك ترى أنك لولا سعيك في الرزق لما أكلت ولا اكتسيت ، وهذا ظن اتبعته ، ورميت اليقين وهو قول الله تعالى : (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) وقال تعالى : (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) وهذا وإن كان في بني إسرائيل فهو عام ؛ لأن القرآن أنزل على رسول الله r ليتخلق به هو وأمته

    وقوله تعالى : (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق) أي لهم (وما أريد أن يطعمون) وقال تعالى : (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم) أتى بقوله : الله يرزقها بإضافة الرزق إليها ثم عطف بقوله : وإياكم تنكيتاً لابن آدم ، لو فهم أن الدابة لما لم تحمل رزقها ابتدأناها بالرزق ، كما قدمناها في اللفظ بقولنا : الله يرزقها ، وابن آدم لما كان له سعي في رزقه أخرناه في الرزق ، كما أخرنا لفظه بقولنا : وإياكم ، فهذا هو ظن من قبل نفس الإنسان ، فلما ألقى إبليس المجال بهذا الظن صدقه ، فصار الإنسان عازماً جازما بأنه لو لم يسع لما رزق أصلا

    كذلك العلم ظن الإنسان من قبل نفسه أن العلم هو ما عليه الناس الآن مكبون ، المنطق والتعمق في النحو والصرف وعلم الأصول ، فصدقه عليهم إبليس وصاروا عازمين جازمين بأن ذلك هو العلم لا علم غيره ، ثم يصدق الرجل قول الرجل إذا نقله له عن صاحب مذهبه ويعلم أنه صادق لا ريب فيه فيحكم به ، وهو يعلم علماً يقيناً أن الشاهد الواحد لا تقبل شهادته حتى ينضم إليه آخر أو امرأتان ، فيرمي هذا اليقين الذي هو من قبل الله تعالى ، ثم يعمل بظنه الذي حصل عن إخبار المخبر له : بأن صاحب مذهبه قال كذا ، فيصدقه عليه إبليس ، ويرى أن ذلك هو الحق

    إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام

    ثم قد يكون كلام إمامه معارضاً لكتاب الله تعالى ، أو لسنة رسوله اللذين جميع الأمة متلقية لهما بالقبول عن النقل الصحيح ، الذي لا يشك في صحة نقلهما من له أدنى مسكة بالإسلام ، فإن وجد تأويلاً قطر كتاب الله وسنة رسوله إلى قول إمامه ، وإن لم يجد تأويلاً رماهما وعمل بقول إمامه ، ويقول : لو كان هذا الحديث صحيحاً لعلمه إمامي ، فهذا معنى (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه) وإضافة الظن إلى إبليس : لكونه كان بسببه المجال لإبليس في كونه صدقه عليهم ، وإلا فالظن والتصديق منه ، لكن لما صار التصديق له صار الظن داخلاً تحت ، فانقلب الظن له ، وصار الظن والتصديق كلاهما له . اللهم أعذنا من الشيطان حتى لا يكون له علينا سلطان ، وروي ابن ماجه أنه r قال : " عليكم بالبغيض النافع : التلبينة ، فو الذي نفسي بيده ، إنه ليغسل بطن أحدكم كما يغسل أحدكم الوسخ عن وجهه " وروي أحمد والبخاري ومسلم أنه r قال : " التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن " انتهى

    وقال رضي الله عنه : ما أعظم غلطها الزمخشري في تفسير قول الله تعالى : (إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون) فجعل هذا دليلاً أ، جبريل عليه السلام أفضل من رسول الله r ، ومن أين له دليل في هذا اللفظ على أنه فضل منه ؟ ولم ينظر في ليلة الإسراء حين وصل جبريل عليه السلام إلى سدرة المنتهى ووقف ، فقال له رسول الله r : " أتتركني في هذا الموضع وحدي ؟ فقال : وما منا إلا له مقام معلوم ، ولو جاوزت قدر أنملة لاحترقت " فهذا محل الاستنباط بأن مقام رسول الله r أعلى ؛ لأنه رقى – حتى سمع صريف القلم في اللوح – إلى محل لا ينتهي إليه أحد ، وأما قول رسول الله r لما رأى الرفرف هو وجبريل عليه السلام قال : أما جبريل فغشى عليه ، وأما أنا فلم يغش على ، قال : فكان جبريل أعلم مني ، فلا يدل هذا على الإطلاق أنه أعلم منه بل في ذلك الشئ بخصوصه ، فلا يضر السلطان أن يكون الخياط أعلم منه بالخياطة

    وأما قوله r : " لا تفضلوني على يونس بن متى ، ولا تفضلوني على موسى " فذلك وقع منه r في مقام افتخار كانت اليهود تقول : لا أفضل من موسى افتخاراً منهم ، فقال r في هذا المقام : " لا تفضلوني على موسى " وأما يونس فإنه لما وقعت مذاكرة في موقف ابن دقيق العيد في التوحيد ، سألوه : ما الدليل على أن الله سبحانه وتعالى لا يتحيز ؟ فقال : قول رسول الله r : " لا تفضلوني على يونس بن متى " فقالوا : من أين يكون الدليل في هذا القرآن ؟ فقال : لا أقول لكم حتى تقضوا دين هذا الرجل ، وهناك رجل عليه دين ، فكل واحد منهم قضى عنه بعضاً من دينه حتى قضوه كله ، فقال : وجه الاستنباط منه أن قوله r : " لا تفضلواني على يونس بن متى " أي في القرب من الله تعالى ، فإن قربي ليلة أسري بي وأنا في الأفق الأعلى ، وكنت قاب قوسين أو أدنى ، كقرب يونس بن متى منه ، وهو في بطن الحوت في قعر البحر

    ولما كان المقام مقام التحدث بنعمة الله تعالى قال r : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " . أ . هـ . وعنه r أنه قال : " الزهد في الدنيا : أن تحب ما يحب خالقك ، وأن تبغض ما يبغض خالقك ، وأن تتحرج من حلال الدنيا كما تتحرج من حرامها ، فإن حلالها حساب ، وحرامها عقاب ، وأن ترحم جميع المسلمين كما ترحم نفسك ، وأن تتحرج عن الكلام فيما لا يعنيك ، كما تتحرج من الحرام ، وأن تتحرج من كثرة الأكل كما تتحرج من الحرام ، وأن تتحرج من كثرة الأكل كما تتحرج من الميتة التي قد اشتد نتنها ، وأن تتحرج من حطام الدنيا وزينتها كما تتحرج من النار وأن تقصر أملك في الدنيا . فهذا هو الزهد في الدنيا "

    وعنه رضي الله عنه : قال : قال رسول الله r : " ما هو لك فهو آتيك على ضعفك ، وما ليس لك فلن تدركه بقوتك " وعند قال : قال رسول الله r : " من بنى بنياناً ، أو غرس غرساً ، من غير ظلم ولا اعتداء ، كان له أجره باقياً ما انتفع به أحد من خلق الله تعالى " وعنه قال : قال رسول الله r : " أيما قوم بات فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله " وعنه قال : قال خالد بن الوليد رضي الله عنه : جاء رجل إلى رسول الله r فقال : يا رسول الله ، إني سائلك عما في الدنيا والآخرة ؟ قال له r : " سل عمنا بدا لك " قال يا نبي الله ، أحب أن أكون أعلم الناس ، فقال له r : " اتفق الله تكن أعلم الناس " قال : أحب أن أكون أغنى الناس ، قال له r : " كن قانعاً تكن أغنى الناس " قال : أحب أن أكون خير الناس ، قال له r : " خير الناس من ينفع الناس فكن نافعاً لهم "

    قال : أحب أن أكون أعدل الناس ، قال له r : " أحب للناس ما تحب لنفسك تكن أعدل الناس " قال : أحب أن أكون أخص الناس قال له r : " أكثر ذكر الله تكن أخص العباد إلى الله تعالى " قال : أحب أن أكون من المحسنين ، قال له r : " اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك تكن من المحسنين " قال : أحب أن يكمل إيماني ، قال له r : " حسن خلقك مع الناس يكمل إيمانك " قال : أحب أن أكون من المطيعين ، قال له r : " أد فرائض الله تكن مطيعاً " قال : أحب أن ألق الله نقياً من الذنوب ، قال له r : " اغتسل من الجنابة متطهراً تلق الله وما عليك ذنب " قال : أحب أن أحشر في النور ، قال له r : " لا تظلم أحداً تحشر في النور يوم القيامة "

    قال : أحب أن يرحمني الله ، قال له r : " ارحم نفسك وارحم خلق الله يرحمك الله " قال : أحب أن تقل ذنوبي ، قال له r : " استغفر الله تقل ذنوبك " قال : أحب أن يوسع على في الرزق ، قال له r : " دم على الطهارة يوسع عليك في الرزق " قال : أحب أن أكون أكرم الناس ، قال له r : " لا تشك الله إلى الخلق تكن أكرم الناس " قال : أحب أن أكون من أحباء الله وأحباء رسوله ، قال له r : " أحب ما أحب الله ورسوله وأبغض ما أبغض الله ورسوله ، تكن من أحباء الله وأحباء رسوله " قال : أحب أن أكون آمناً من سخط الله ، قال له r : " لا تغضب على أحد تأمن من غضبه وسخطه " قال : أحب أن يستر الله عيوبي ، قال له r : " استر عيوب إخوانك يستر الله عيوبك "

    قال : فما الذي يمحو الخطايا ؟ قال له r : " الدموع والخضوع والأمراض " قال : فأي حسنة أفضل عند الله ؟ قال له r : " حسن الخلق والتواضع ، والصبر على البلية ، والرضا بالقضاء : قال : فأي سيئة أعظم عند الله ؟ قال له r : " سوء الخلق والشح المطاع " قال : فما الذي يسكن غضب الرحمن ؟ قال له r " إخفاء الصدقة وصلة الرحم " قال : فما يطفئ نار جهنم ؟ قال له r : " الصوم " أ . هـ

    وقال رضي الله عنه : قال سيدنا ومولانا رسول الله r : " والذي بعثني بالحق بشيراً ونذيراً لتفترقن أمتي على أهل دينها وجماعتها على اثنتين وسبعين فرقة كلها ضالة مضلة تدعو إلى النار ، فإذا كان ذلك فعليكم بكتاب الله ، فإن فيه نبأ ما قبلكم ، ونبأ ما يأتي بعدكم ، والحكم فيه بينكم ، من خالفه من الجبابرة قصمه الله ، ومن ابتغى العلم في غيره أضله الله ، هو حبل الله المتين ، ونوره المبين ، وشفاعته النافعة ، عصمة لن مسك به ، ونجاة لمن تبعه ، ولا يعوج فيقام ، ولا يزيغ فيشعب ولا تنقضي عجائبه ، ولا يخلقه كثرة الرد ، هو الذي سمعته الجن فلم تنته أن ولوا إلى قومهم منذرين قالوا : يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد ، من قال به صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن عمل به أجر ، ومن تمسك به هدى إلى صراط مستقيم " وصلى الله على مولانا محمد وعلى آله ، في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم



    _________________
    خليفتي كذاتي

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات: 1949
    تاريخ التسجيل: 10/01/2008

    الفيوضات الربانية-الفصل الاول : تفسير

    مُساهمة  Admin في الأحد نوفمبر 07, 2010 7:19 am

    تفسير سورة الفاتحة

    قال شيخنا وقدوتنا صاحب العلم النفيس مولانا الشريف السيد أحمد بن إدريس رضي الله تعالى عنه :

    بسم الله الرحمن الرحيم

    وصلى الله على مولانا محمد وعلى آله في كل لمحة ونفس عدد ما وسعه علم الله

    (الحمد لله رب العالمين)

    الاسم والمسمى شئ واحد لا يتميز عنه وهماً حقيقة واحدة ، ومن ثم قال الله عز وجل : (وهلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة) فأعاد الضمير على الأسماء والمعروضة المسميات ، لكونها عينها لا غيرها ، وإذا تجلى الحق لا ترى غيره ، فلا ترى هنا أسماء متميزة في ذاتها

    وكذلك الخلق فإن الرجل الكاتب والشاعر والخياط والشجاع والكريم والنجار ونحوه إذا أبصرته لا ترى إلا ذاته ، فلا ترى شيئاً من ذلك قائماً بذاته يبصر كما تبصر الألوان ، ولا تبصره لمجرد النظر إليه بذلك الاسم الذي هو الوصف إن لم تكن تبصره في الخارج ، ولا تبصره منه إلا بظهور الأثر فيه فإذا كتب علمت أنه كاتب ، وإذا قال الشعر علمت منه أن شاعر ، وإذا خاط علمت أنه خياط ، وإن قدم على المهالك ولم يخفف السيوف والرماح علمت أنه شجاع ، وإن أعطي علمت أنه كريم ، وإن نحر علمت أنه نجار . وهكذا

    إذن فالأسماء والذات حقيقة واحدة ، والمعنى أن الحمد برز باسم الله الذي هو مجمع جميع الأسماء من حيث الرحمن الرحيم ، وذلك أن الله سبحانه وتعالى حمد نفسه بنفسه عنا رحمة بنا لم علم أننا لا نقدر على القيام بحمده كما يليق بجلاله وكماله ، فقام خليفة عنا باسم الوكيل وإذا كان الوكيل قائما بنفسه رحمة بأحد يعلمه أنه لا يعرف أن يقوم بأمر نفسه ولا يدري ما يضره ولا ينفعه كان أبلغ في الاغتناء " أي الاستغناء " بخلاف ما إذا كان يحتاج إلى من يحثه على ذلك سواء كان الموكل أو غيره فإنه دليل على التقصير

    هذا وأصحاب المروءات من الخلق يكون الواحد منهم حركته في مكارم الاخلاق من نفسه وباعثه ، كما قيل في بعضهم

    أيا جود معن ناج معنا بحاجتى

    فليس إلى معن سواك سبيل

    فكيف بأكرم الأكرمين وأرحم الراحمين ؟ وأي سبب لنا حتى أوجدنا ؟ فليت شعري من الطالب له غيره ، فلو عقلنا مع الله في وجودنا كما كنا في عدمنا ، برحمته لنا عن أن نطلب الرحمة لنفوسنا ، وأنه أرحم بنا منا بأنفسنا ، وتوكلنا عليه كما هو الوكيل الذي وكل نفسه لنا قبل أن نكون ، ووكالته لنفسه لا يدخلها خلل ، بخلاف ما إذا كانت الوكالة منا فإنها حقيقة على قدرنا وإذا كان الإنسان يمرض فيأتي بطبيب فيسقه دواء كريها ويكون هو يحسن الظن به أنه ما مراده إلا العافية ، ويبسط له الفراش الطيب إكراماً ، ومع ذلك يعطيه أجره ولا يرى أن مراده أذاه ، فأرحم الراحمين أولى بذلك .

    وحقيقة التوكل وسنامه أن يتوكل عليه ليكفيه ولأنه أهل أن يتوكل عليه ، وأنه لا ينازع في ملكه وأعرف بالصالح منه ، وأنه أعلم بجلبه إليه ، ودرء المفاسد عنه ، ومن ثم قال الصديق رضي الله تعالى عنه حين قيل له : ألا ندعو لك طبيباً ؟ قال : الطبيب هو الذي أمرضني ، وهذا ليس من سوء الأدب كما زعم بعضهم ، بل من الفهم عن الله ؛ إذ معناه تمريضي هو عين الطب وهو كذلك ، فإذا كان يطهر بالمرض فيجعله سبباً للجمع به عز وجل فهو الطبيب الذي لا يغادر سقما

    إذا عرفت هذا علمت أن الوكيل يتكلم بلسان موكله فيقول : لي على هذا دين مثلاً ، ولي بذلك دين ، فينزل نفسه منزلة موكله ، ولا يحتاج إلى ذكر الموكل فإنه معلوم عند القاضي والخصم أنه وكيل

    وبهذا تعلم أن قول بعض المفسرين يقدر قول قبل (الحمد لله رب العالمين) من عدم فهم أن الحق قام باسم الوكيل عنا ، وهذه أسرار بدلية تلوح إن شاء الله لمن فهم عنها ، فهي أكبر النعم على الإطلاق إذ إيجاد العالم كله فرع عن توجهها عليه ، فهي أصل كل مخلوق وكلها منافع لنا في الدنيا والآخرة اللطفي منها والقهري ، أما اللطفي فظاهر ، وأما القهري فلأنه يكون أثره فينا عن الرحمة لنا كقول النبي r : " الحمى حظ كل مؤمن من النار ، وحمى يوم ، كفارة سنة ، ولا يصيب المؤمن من نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلى رفعه الله بها درجة ، وحط عنه بها خطيئة المظلومون هم المفلحون يوم القيامة)

    وأيضاً قد يتوجه قهره على ما يؤذينا فإنه إذا لم يقهر الجوع عنا والعطش والخوف والهم والحزن ونحو ذلك باسمه القهار لا تذهب عنا ، فكل اسم من أسماء القهر ممحض للعذاب وأن أسماء الرحمة متمحضة للرحمة ، مع أن أسماء الرحمة أكثر من أسماء العذاب كما هو مشاهد حتى في المادة الواحدة تجد صيغ تلك أكثر من صيغ هذه

    فإن مادة القهر ليس فيها إلا القاهر القهار على صيغة فاعل وفعال ، ومادة الغفر فيها الغافر والغفور والغفار على صيغة فاعل وفعول وفعال

    فلتلك اسمان وهذه ثلاثة ، وما كان طائراً بثلاثة أجنحة يسبق ما كان طائرا بجناحين ، لأن الجميع قوى ، وكلها أسماء الله فهي مستوية في القوة ، فقاهر مقابله غافر ، وقهار يقابله غفار ، وبقي غفور معين لأخويه وليس من أسماء الله قهور ، ومن ثم قال الله عز وجل : (سبقت رحمتي غضبي)

    (الحمد لله) الألف واللام الداخلة على المبتدأ جنسية تفيد الحصر أي حصر المبتدأ في الخبر كقولهم : الكرم في العرب والشجاعة في قريش ، وفي ذلك تفصيل أشار له الأجهوري بقوله :

    بلام جنس عرفا منحصر

    في خبرية وفاقا يذكر

    فالمعنى حينئذ : أحمد الله بالله على معنى صدوره منه ، أي : لا حامد سواه لعجز الخلائق عن إتيانهم بالحمد على حقيقته ، فإنه لما عجز خلقه عن حمده حمد نفسه بنفسه نيابة منه عنهم ، فحمدنا وإن بلغ ما بلغ ليس بحمد في الحقيقة لقصوره وحصول النيابة عنه بحمد الله

    ثم النكتة التي يترتب عليها الحمد بقوله : رب العالمين أي موجد المخلوقات كلها ، ومدرجهم من طور إلى طور حتى يحصل الانتفاع بها كلها في جميع أطوارها لمن خلقت لأجله ، وهو النوع البشري في معنى المحمود عليه ، فإن جميع العالم مخلوق لنا قال تعالى (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه) إلى غير ذلك فكأن التالي يقول أحمد الله بحمده الذي حمد نفسه به ، النائب عما وجب على من الحمد ، الكائن في مقابلة نعمة التي من جملتها هذه العوالم كلها التي خلقت من أجلي ، فأشرفها أولو العلم من الملائكة والجن وغير ذلك ، وكذلك غلب العاقل على غيره فجئ بالجمع مذكرا عاقلاً ، وإلا فالمحمود عليه أولو العلم بمحض فضله وكرمه سبحانه وتعالى فقال بعد حمده

    (الرحمن الرحيم) أي : إيجاده لنا وإيجاده ما خلقه لأجلنا إنما هو بمحض رحمته وجوده ، وأتى بالإسمين في صفة المبالغة إشارة إلى أن ما صدر منه ليس هو تمام رحمته وجوده ، بل رحمته كثيرة ، وجوده غزير حتى إن ما علمتوه بالنسبة إلى ما جهلتموه شئ يسير لا نسبة له معها ، كنقرة عصفور من بحر أو أدنى من ذلك ، فدخل فيه جميع الأسماء

    ودخل في قوله (مالك يوم الدين) أسماء الجلال والجمال كلها بصدقه على البرزخ وما بعده الذي الدنيا بالنسبة إليه كالرحم إليها ، وهم بالنسبة ليوم القيامة كالرحم إلى الدنيا ، فهناك تتحقق مظاهر أسماء الله تحقيقاً لا يرتاب أحد فيه ، فيبدو سلطان القهر والغلبة على أتم وجه وأكمل حال من كل معاند وجاحد وملاحد ، وسلطان الرحمة والامتنان واللطف لمن آمن بالله ورسوله وسلك سبيله واقتفى أثره دقيقه وجليله (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين)

    ثم إنه لما ذكر الحقيقة بالحمد ، ووصف بتلك الصفات العظام التي توجب إقبال العبد على ربه ، وتعينه بالخطاب الذي وجه كما تعين .

    قال (إياك نعبد وإياك نستعين) ليكون أدل على الغيبة إلى الشهود وكأن المعلوم صار عياناً ، والمعقول مشاهداً ، والغيبة حضوراً لتناول كلام على ما هو مبديه حال العارف من الذكر والفكر والتأمل في إنشائه ، والنظر في آياته ، والاستدلال بصنائعه على عظيم شأنه وباهر سلطانه ، ثم قضى بما هو منتهى أمره وهو أن يخوض لجة الوصول ويصير من أهل المشاهدة ، فيراه عيناً فيناجيه شفاها ، لملاحظة نفسه في حضرات القدس مشاهداً له الحاضر والأنيس واقفاً بين يديه ضارعاً إلي بالخضوع والالتجاء ، قارعاً باب المناجاة قائلاً يا من هذه شئونه ، وتحصل بالعبادة والاستغاثة على غاية الجمع والإقبال ونهاية التضرع والابتهال ، وهذا هو السر في اختصاص تكرارات الفاتحة في كل ركعة من جميع الصلوات التي هي عبارة عن مناجاة العبد مولاه لكونه يحكم على نفسه في كل ركعة بأنه لا يعبد على حق سواه ، ولا يستعان بمن عداه ، فمتى تعلق قلبه بشئ أو تخيل استعانة لمخلوق فقد نقض العهد الذي أبرم فإن تقديم المعمول يؤذن بالاختصاص ، أي لا نعبد إلا إياك ، ولا نستعين إلا بك ، فنرى كل مصل في الصلاة يعاهد ربه بذلك في كل صلاة ، ومقتضى ذلك من ذوي العقول عدم نقض المواثيق بعدم جميع المنهيات ، والامتثال لجميع ما يستطاع من الأمور المأمورات ، ولذا قال الله تعالى (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) لما اشتملت عليه من المواثيق والعهود المتجددة في كل يوم خمس مرات ، وكان عبد الحق الإشبيلي بالجزيرة من أجل علماء وقته ، فرأى النبي عليه الصلاة والسلام وأمره بأن يذهب لأبي مدين ويقرأ عليه سورة الفاتحة فقبل ، ثم لما انتبه تحير كيف يؤمر مثله بالذهاب لرجل لم يقرأ من القرآن إلا شيئاً يسيراً من سورة الملك إلى آخر القرآن ؟ أمثلي يذهب لذلك مع كموني أحفظه كله بجميع رواياته ومعرفة معانيه ؟! فقلت : إن كان له عمل فلنا بعض عمل ، وإن كان يقرأ الشئ اليسير فنحن نقرأ الكثير فما السبب ؟ فجاءه بعض تلاميذه فأخبره ، فقال : اذهب بنا إليه فما أمرك الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك إلا لسر ، فجاء إليه فما دخلا عليه المجلس قال لهما : مرحباً بعبد الحق وصاحبه

    ثم قال يا عبد أدن مني وامتثل أمر الرسول عليه الصلاة والسلام فدنا فقرأ حتى " إياك ....... الخ " فقال له : فما بالك تذهب إلى الأمير وتترد عليه ! فجعل يعتذر فقال : لأجل هذا أمرك الرسول عليه الصلاة والسلام بقراءة الفاتحة علينا ، ثم رجع فلما وصل لمحله دخل خلوة واشتغل بالعبادة ، فسأل عنه الأمير فجعل الوشاة يطعنون عليه ويسبونه بأنه تكبر ونظر لعلمه واستنكف عن القدوم إلى الأمير ، وكان إذ ذاك شأن العلم أن يؤتي ولا يأتي فجاءه لخلوته بقصد زيارته بجميع أصحابه وجنده وجنده ، فإنه لما كان يستعين بغير الله أخدمه الله لغيره ، ولما رجع واستعان به أخدم الله له الامير وجنده

    ولما أكمل القاضي البيضاوي تفسيره وحمله للأمير على عادة العجم ، ولما كان في أثناء الطريق بالبادية رأى فقيراً صوفياً فاستضافه فأضافه الفقير وأحسن ضيافته ، ثم سأله عن سبب سفره فقال له : إني ألفت كتاباً في التفسير وأردت أن أرفعه للسلطان لأقتبس منه صلة ويحصل له القبول ، فقال الفقير : بم فسرت قوله تعالى : (إياك نعبد وإياك نستعين) ؟ فقال لا أعبد إلا إياك ولا استعين إلا بك ، فقال له الفقير : إن كنت لا تستعين إلا به فماذا تذهب للسلطان ؟ فاعتذر بأن له بنات وأراد تزوجهن فلم يجد ما يزوجهن به ، ثم سرت فيه موعظة الفقير فرجع ففرج الله عليه أمر بناته من حيث لا يحتسب ولا يدري ، ووقع الإقبال على تفسيره دون غيره من التفاسير مع كثرتها جدا

    (اهدنا الصراط المستقيم) الذي أنت عليه وذلك لقوله : (إن ربي على صراط مستقيم) ومعناه : خلقنا بأخلاقك . ثم لما كان لا طريق لمعرفة الله من طريق نفوسنا – فإن هذا العالم الذي هو نسخة من العالم الكبير خلقه الله على صورته كما في الحديث " من عرف نفسه عرف ربه " ، وقال تعالى (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) أمرنا بمعرفة الهداية بطريق معرفة النفوس ليحصل المقصود الاعظم والغاية القصوى ، والمراد بالصراط المستقيم : الطريق الموصل لمعرفة النفس على الحقيقة الموصلة لمعرفة الله ، وقد أبان ذلك صاحب النصوص في الفصل الأول على غاية التحقيق على ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام

    احذروه فإنه غيور

    فلا تجعل في قلبك سواه

    ثم بين ذلك الصراط بأنه (صراط الذين أنعمت عليهم) بالمعرفة الحقيقية فمتى كان الغالب عليهم الاشتغال بك عشقوك وعشقتهم ، فجعلت لذتهم وجبلتهم على ذكرك ، فرفعت الحجاب فيما بينك وبينهم ، وفي جمالك نزهتهم في حزب من تقربوا إليك بالنوافل ، فكنت أسماعهم وأبصارهم وأيديهم وأرجلهم وألسنتهم وأفئدتهم ، فكنت إياهم وكانوا إياك من غير اتحاد ولا حلول ، ولا كان العبد ربا ولا كان الرب عبدا على حالة يعلمها من أذقتها إياه من النبيين والصديقين

    (غير المغضوب عليهم) كمن كان يعبد غيره بمحبته وتغيير قلبه واستعان به إذا اتكل عليه وهو على مراتب . فمنه غضب وسخط وطرد كغضبه على اليهود ومن نحا نحوهم على ما قص الله في حقهم ، وغضب تأديب ومنه ما وقع لعامة الناس من الحدود والزواجر عنها ، ومنه غضب غيرة ومنه ما يقع لأوليائه ، فإنه يبحث الرب قلب عبده المؤمن فمتى حل فيه غيره غضب لشدة غيرته على قلوبهم أن يعمرها غيره أو تعلقت بسواه ، وقد كان بعض العلماء فر بنفسه ولزم مغارة ولا أنيس بها ليتجرد عما سواه فجعل الناس يذهبون لمحله ذلك ويرصدونه عساهم يرونه فإذا رأى الناس فر وتوارى عنهم ، فرصده بعض أصحابه حتى رآه ففر منه فقال : لا غرض لي في شئ بسوى أن أسمع منك كلمة تعظني بها فقال له احذره فإنه غيور فلا تجعل في قلبك سواه ، ولهذا أمر الله الخليل بذبح ولده إسماعيل ، لأنه جاءه على الكبر ففرح به ، ومال إليه بقلبه بعض الميل ، ومال إليه إسماعيل كذلك ، فغار الحق عليهما فأمره بذبحه

    فلما امتثل لجميع ما أمر به ، وحصل تفريق قلب كل من صاحبه فداه الله تعالى من الذبح أي : بالكبش ، ولذا أيضاً فعل بيوسف ما فعل على يد إخوته ، لأنه لما تعلق قلب أبيه به لما تفرسه من النور النبوي ولما مال يوسف لأبيه ابتلى بالرمي في الجب

    ثم لما لم يبق له سوى التعلق بالحق أوحى إليه لمجرد الإلقاء فقال : (وأوحينا إليه) إلى آخر الآية فجاءته النبوة عندما خلص قلبه من جميع ما سوى الله ، وخلص قلب أبيه كذلك ، فقال : (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله)

    ثم قال تعالى : (ولا الضالين) عن طريق معرفة نفوسهم فلم يعرفوا ربهم ، إما عن طريق الدليل والبرهان كمعرفة النصارى وجعلهم الله ثالث ثلاثة ، أو شهود عيان كمعرفة عامة الناس ، لضلالتهم عن هذه المرتبة ، لعدم معرفة طريق نفوسهم التي هي السبيل لمعرفة الله بشهادة الرسول عليه الصلاة والسلام وكلام الله تعالى في غير ما موضع فيه ، وأما من أيده الله فوفقه لذلك السبيل فنال المنى وأزال عنه العناء وقليل ما هم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    وبه نستعين

    (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) قوله : ألم . هو ونحوه من أوائل السور – كقوله تعالى حم عسق ، ص ، ق ، ن إلى آخر السور – ما بعده إلى تمام السورة بعض تفسيره ، وله من التفسير فوق ذلك ، فإيراد (ذلك الكتاب) .... السورة بعده من إيراد الخاص بعد العام

    قوله (ذلك) الإشارة إلى الغيب المدسوس في قوله (ألم) و(الكتاب) سماه كتاباً لأن كل حرف فيه بقية الحروف فالحرف الواحد رسول واحد ، والرسول الواحد عين الرسل كلهم ، قال تعالى : (كذبت قوم نوح المرسلين) فجمعهم ثم فسر الجمع بقوله : (إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون) فسمى نوحاً بالمرسلين ، وهكذا (كذبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون) فسمى بالمرسلين ، فجعل الرسول الواحد الرسل كلهم ، فكذلك الحرف الواحد هو الكتاب كله ، فمن كفر بحرف كفر

    ومن قال من المفسرين – كالجلال رحمه الله تعالى – عن أوائل السور الله أعلم بمراده بذلك فقد أجاد وأصاب لقول الله تعالى : (ولا تقف ما ليس لك به علم)

    وإنما قال : (ذلك الكتاب) ولم يقل القرآن ، لأن الكتاب و الوجوب (كتب ربكم على نفسه الرحمة) والقرآن هو الجمع ، فالكتاب فيه فائدة

    والدليل على أن التالي للقرآن يثاب ولو لم يعلم المعنى أوائل السور ، قال r : (من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات لا أقول ألم حرف ، ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف) ولكن لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون

    واعلم أن التالي نائب عن الله تعالى ، فهو يتكلم بكلام الله ، فلذلك لا ينسب الكلام إليه فيقال بكل لسان

    وقوله تعالى : (لا ريب فيه) أي للمتقين فحذفه من الأول لدلالة الثاني عليه ، والريب أخص من الشك ، لأنه يشك مع ارتياب قال تعالى : (وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب)

    وقوله تعالى (هدى للمتقين) أي بياناً لهم ليفوزوا فهم المقصودون بالانتفاع

    وأما قوله تعالى : (هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) فالمراد به يظهر الحق كالشمس فلا يبقى لأحد حجة ، وليس ذلك خاصا بالمتقين بحيث تقوم الحجة التامة عليهم

    وقوله تعالى : (للمتقين) تنازعه كل من (لا ريب فيه) و(هدى) وإنما كان المتقون لا يرتابون لأن إيمانهم به إلهي ، غذ التقوى توجب محبة الله تعالى ، ومن أحبه كان سمعه وبصره ويده ورجله وفؤاده ... الخ . كما يليق بجلاله ، فإيمانه هو إيمان الله بنفسه فلا يقبل الريب فما هو من عند نفسه بل هو من عند الله ، وتقريبه وحاصلة أن إيمانهم لدني

    والتقوى : القيام بما أمر الله به لله ، واجتناب ما نهى عنه له

    الغيب

    كل ما غاب عنا

    (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) . (الغيب) القلب لأنه غائب في الصدر ، قال رسول الله r : (التقوى ها هنا) وأشار بيده إلى قلبه ، فمحل إيمانهم القلب لا اللسان ، فيكون المعنى : للمتقين الذين يتقون بقلوبهم تقوى خالصة عن الرياء والسمعة ، لا بظواهرهم فقط كما هو شأن الخالي ، ولا إسلام فقط كما هو شأن ذوي النفاق . فافهم

    (والغيب) كل ما غاب ، فالحق غيب عند أكثر الخلق مع أنه معهم ولكن لما كانوا غائبين عنه كان غيبا بالنسبة إليهم ، فأطلق عليهم غيب ، فهم يؤمنون به على الغيب ، كما يؤمنون بسائر المغيبات ، والمعنى يؤمنون بما غاب عنهم ، وأخبرهم الشرع به لقلوبهم إيماناً ربانياً حقيا

    فالغيب : أي كان الحق سمعهم وبصرهم فقام فيهم الإيمان الذوقي من كينونة الله لهم وهكذا

    وإيمانهم غيبي إلهي وغيبي قلبي بكل ما أخبروا به في الشرع من المغيبات ، فقوله : الغيب شامل لذلك كله ، ومثله في كون الغيب الله والقلب (الذين يخشون ربهم بالغيب) ةأي يخشون الله بالله (لطيفة) من كان من الناس صاحب شهود يدخل أيضاً فيما ذكرنا ، لأنه وإن كان آمن بالحق على عيان فمن وراء ما شهد غيب لا نهاية له

    قال الخضر عليه السلام هو من أكابر المقربين لموسى عليه السلام ، وهو من أكابر الرسل عليهم الصلاة والسلام : (ما علمي وعلمك من علم الله إلا مقدار ما أخذه الطائر بمنقاره من البحر) أي من العلم الشهودي

    وقوله (ويقيمون الصلاة) على حد ما كان يصليها رسول الله r من التطويل فيها والخشوع بإفراغ الوسع فيها ظاهراً وباطنا

    وقوله (ومما رزقناهم ينفقون) المراد به الزكادة ، فلذلك حيثما ذكر الحق الإنفاق لا يذكر الزكاة ، والزكاة حيث أطلقت لا تختص بالمال بل المراد بها طهارة البدن من قاذورة المعاصي . قال الله تعالى : (قد افلح من زكاها) (قد أفلح من تزكى) فيشمل الغنى والفقير ومن زكى النفس فلا شك أنه لا يبخل بالمال ، ومن أعظم الإنفاق إنفاق العلم النافع الذي به تكتسب السعادة الكبرى ، والمراد يؤتون الزكاة حقها ، وضدهم الذين يبخلون بأنفسهم في الله ، كما قيل شعراً

    ومن لم يجد في حب نعم بنفسه

    ولو جاد بالدنيا إليه انتهى البخل

    فالنفس هي الأصل المتقدم (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم) وأتى بمن التبعيضية ليدل على أنه إذا أنفق البعض في طاعة الله ، وترك البعض ، واستراح بعض الأحيان فقد أنفق ما أمر به ، وأشار على أنه على كل حال لا ينفق إلا البعض ، فإن قيل الشهيد الذي يقتل في سبيل الله قد أنفق كله . فالجواب أنه لم ينفق الكل ثم بذلها فما أنفق إلا البعض . فالعباد ليسوا مأمورين بإنفاق الكل إذ ليس في وسعهم أ هـ

    (والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون)

    هؤلاء دون السابقين في المرتبة أي لم يفرقوا بين الكتب والرسل ، فليست خاصة بأهل الكتاب ، بل حتى فينا معشر الأمة الإسلامية فإنه كتب علينا الإيمان بسائر الكتب والرسل ، إذ ذلك في كتابنا

    (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون)

    وشهد الله لنا (من الرسول بما أنزل إليه من ربه) إلى (وإليك المصير) وما أخرنا الله عن الأمم كلهم إلا لنحوز أخبار الرسل كلها ونؤمن بها فيتضاعف لنا الثواب بلا حد . وأما من كان من أهل الكتاب وآمن برسولنا فيؤتي الأجر مرتين فقط

    (فأتينا الذين آمنوا منهم أجرهم) أي : آمنوا من قوم عيسى عليه السلام بسيدنا محمد r ثم قال لهم : (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته) وهو الأجر مرتان ، ثم قال : (لئلا يعلم أهل الكتاب) أي إخوانهم الكفار منهم (ألا يقدرون على شئ من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم)

    وهذا متعلق بقوله (آتينا الذين آمنوا منهم أجرهم) أي آتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ليلبس على الكثير الفاسقين وهم المراد بأهل الكتاب هنا ، فأراد الحق بإعطاء المؤمنين الأجر ليبينهم على الذين لم يؤمنوا وليعلموا أنهم لا يقدرون على شئ من فضل الله ، مع أن الواقع كذلك فتوفرت فيهم داعية الضلال لتحق عليهم الكلمة لعلمهم شقاوتهم وأنهم أهلها الحقيقيون بها فهم من القبضة التي قال فيها هؤلاء ولا أبالي للنار (لا يسأل عما يفعل) فالعدو جزاؤه أن يعمى عليه الطريق (وللبسنا عليهم ما يلبسون)

    وقوله (وبالآخرة هم يوقنون)

    ذكروا هنا بعد أن ذكر (يؤمنون بالغيب) من ذكر الخاص بعد العام

    (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون) أي على بصيرة من أمرهم ، وإنما قال على هدى ليدل أنهم دون السابقين في الرتبة أي فهم على الهدى غير ضالين

    فالأولون أهل كمال الإيمان وهؤلاء أهل مطلق الإيمان والفلاح هو الفوز بالله

    (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) بعد أن ذكر المؤمنين ذكر الكفار ، وقوله : (إن الذين كفروا) أي : في علمنا ، فإن قيل إذا كانوا لا يؤمنون فما فائدة الإنذار

    فالجواب أن الإنذار لإقامة الحجة عليهم (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)

    (ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين)

    (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى)

    ولا حجة لهم في قولهم : لو شاء الله ما أشركنا به وما عبدنا من دونه من شئ ولا يحتج به ، لأنهم لم يقولوه بالله بأن كان الحق سمعهم وبصرهم فلا يشهدون فاعلاً غيره ، وإنما قالوا من عند أنفسهم ليجادلوا به الحق عنهم . فهي كلمة حق أريد بها باطل ، إذ القدر لا يؤمر به ولا يحتج به (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء) فزكوا به أنفسهم والتزكية لا تجوز بالحق ، فكيف بالباطل ؟!

    نعم ... من زكاه الحق بأن كان لسانه الذي يتكلم به فهو ناقل عن الله تزكية الله له ، لا يزكي لنفسه بنفسه ، قال r : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر "

    كأنه قيل ولم لا يؤمنون ؟ قال الحق سبحانه وتعالى : (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم)

    الختم على القلب سده حتى لا يدخل فيه خير ، كما تسد أفواه الأواني حتى لا يخرج منها ما فيها ولا يدخل غيره ، فالختم أبلغ من الربط ، لأنه ينحل بأدنى سبب ، بخلاف الختم يصير بعض الأخيار كأنه من جنس الإناء حتى يتخيل أن لا فم لذلك الإناء ، وذلك من الإتقان ولا أتقن من الله ، فلا يفتح ما ختمه ولا ما ربطه حتى يفتحه هو بنفسه أو يحله ، وليس المراد أن قلوبهم لا تعي أصلاً ، وآذانهم لا تسمع أصلاً ، وعيونهم لا تبصر أصلاً ، إذ لو كانوا كذلك لعذروا بل المراد ألا يدخل الخير عليهم أصلاً ، ويبقى الشر مكانه في قلوبهم ولا يخرج ، لعدم وصول ما جاءت به الرسل إليهم (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) أي في أمتها ، والغشاوة للبصر كالختم لغيره ، وقال الله أيضاً فيهم : (وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا) وكما قال الله تعالى فوجدوا أنفسهم (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب) وقوله (ولهم عذاب عظيم) هو الحجاب عن ربهم ضد الفلاح (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)

    تنبيه : القرآن بحر محيط لا ينحصر في معنى واحد قال رسول الله r " (القرآن ذو وجوه كثيرة فاحملوه على أحسن وجوهه) ومن جاء إلى البحر لا يأخذ قطرة ويقول هو البحر كله

    قال أبو الدرداء – وهو من عظماء الصحابة - : لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يعلم للقرآن وجوهاً كثيرة ، ويعلم أيزداد هو أم ينقص ؟ ويعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه ، (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) فما دام القلب واقفاً مع الله لا تأتيه نزغات الشيطان فإذا مال إليه قليلاً التقدم ( من الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) . أي وما هم بمؤمنين بقلوبهم ، فقولهم (آمنا) تقيه يحرزون بها أنفسهم وأموالهم فتقى أموالهم ودماءهم ، لعدم الإطلاع على قلوبهم ، وهكذا آمن رسول الله r وآله وسلم قتيل أسامة الصحابي وذلك أنه قتل في الجهاد رجلا بعد أن قال (لا إله إلا الله) فذكر ذلك الرسول r وآله وسلم فغضب الرسول r غضباً ما غضب مثله ، وقال له : أقتلته بعد ما قالها ؟ قال : نعم ، فقال له : وكيف بـ (لا إله إلا الله ؟!) فقال له : إنما قالها تقية : فقال له الرسول r : هلا شققت عن قلبه ؟ وقال رجل من الصحابة يا رسول الله أرأيت إن قطع يدي فأهويت لأقتله فقالها ؟ فقال له : إن قتلته صرت مثله قبل أن يقولها ، وصار مثلك قبل أن ثقلته – يعني هو مات مسلماً وأنت عشت كافراً – فلا دليل على المنافقين في الظاهر حتى يقتلوا ، والحال أن الرسول r كان يعرفهم في نفسه ، وقد عرفه الله بهم بعد أن قال له : (لا تعلمهم نحن نعلمهم) فقال له تعالى : (فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول) وقوله : (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين) ولا يجاهد من لا يعرفه ، وجهاد المنافقين بالقرآن (وجاهدهم به جهاداً كبيراً)

    (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) أي يتقون بقولهم آمنا بطش رسول الله والمؤمنين ، فمخادعة الله هي مخادعة رسوله إذ هو مظهره ، وخداعهم خداع لأنفسهم في نفس الأمر ، فمن فعل خيراً فلنفسه فعله ، ومن أساء إلى أحد أساء إلى نفسه (إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها) فمن قطع يد شخص أو رجله أو فقأ عينيه أو قتله فعل ذلك لنفسه ، فإن يده تقطع به ورجله وتفقأ عينه ويقتل ، وكأنه هو القاطع يد نفسه ورجله والفاقئ عينه والقاتل لنفسه هكذا فلا يفعل إلا حسناً ويجتهد في الإحسان ما استطاع بإفراغ وسعه فيه من جميع الوجوه ، ومن علم أن ما يعمله من سوء له يتباعد عن الشر غاية التباعد ، فقد أبلغ الحق لنا البيان لئلا يكون خيراً إلا ونأتيه ولا شر إلا ونجتنبه

    وقوله (وما يشعرون) أي ولا يحسون بذلك ، أي فضلاً عن أن يعلموه فهو أبلغ من نفي العلم ، (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون) المرض هو النفاق المانع لقلوبهم من قيام الإيمان بها ، إذ المرض ينافي الصحة

    وقوله (فزادهم الله مرضاً) متعلق بقوله (ومن الناس) (ومنهم الذين يؤذون النبي) (ومنهم من عاهد الله) (ومنهم من يلمزك في الصدقات) فهم يتوجعون لذلك ويتألمون غاية الألم بذكر صفاتهم ، ولا يزالون يرتقبون الفضيحة فكلما أنزلت آية يخافون أن تصرح بأسمائهم وبما في قلوبهم

    والمرض أيضاً يطلق على الزنا كما يطلق على ضد العافية ، قال تعالى (فيطمع الذي في قلبه مرض) أي زنا ، ولو لم يكن منافقاً ، وإن المرأة إذا خضعت بالقول طمع فيها من يريد الزنا بها

    (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون)

    الفساد في الأرض بإيقاع المعاصي فيها ، وهم لم يخلقوا إلا للطاعة (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ففي الأرض أبلغ من التعبير على الأرض ، لأن (على) تقتضي السريان في جميع أجزائها بخلاف (في) . فالمعصية تمحق بركة الأرض والسماء ، فكلما عمل عليها دست من بركتها التي هي الأرزاق المودعة فيها من منذ قتل قابيل هابيل ، كل ذلك من شرر المعصية (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل) . فعل المعاصي يمنع المطر أن ينزل من السماء حتى يهلك بسببه الحرث والنسل ، وبه يحصل الفساد في الأرض كما ذكرنا ، والمراد بالأرض الأرض التي م عليها ، لا كل الأرض ، فالفساد في موضع هو الفساد في الأرض كلها ، قال تعالى : (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض) أي الأرض التي عليها عمل ذلك الفساد ، لا جميع الأرض ، وإلا لكان حين قوله (أو يقتلوا) والمناهي التي إذا ارتكبت يقع بها الفساد معلومة مفصلة كما في قوله تعالى (ولا تقربوا الزنا)(ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) إذا (قالوا إنما نحن مصلحون) يدعون الشفعاء عند الله ، فقالوا عن الأصنام (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله) لأنهم بنات الله

    والإنسان إذا أراد حاجة من عظيم توسل في قضائها إليه بمن هو قريب عنده فنحن مصلحون باتخاذنا الأصنام

    ولا يعلمون أن تعيين الصلاح والفساد لا يعلم إلا من الشرع لا من العقل وقوله (ألا إنهم هم المفسدون) في قولهم (هؤلاء شفعاؤنا عند الله) هو الفساد ، ومن الفساد الحكم بغير ما شرع الله من السياسات ، والقياس بالرأي فيما يفعله من ينتسبون إلى العلم ، ويجعلونه شرعاً مع أنه من عند أنفسهم بلا شك ، ولا يردون الحكم إلى الله وإلى رسوله r كما قال الله تعالى (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله) وبما أمر الله ردوا الأمر إليه وإلى الرسول r

    ألا وقد علم أن الحكم مبين في كتابه وفي سنة رسوله r ، إذ الرسول r وآله وسلم مبين لكتاب الله تعالى فما وجد من الأحكام في الكتاب وجد ، وما لم يوجد فيه أحال به على الرسول r (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)

    فرسول الله r مكلف بالبيان من الله تعالى ، ولا شك أنه وفى – أي أدى – بما كلف به في البيان ، فما من أمر من الأمور إلا وله حكم في كتاب الله تعالى أو في سنة رسوله r ، علم ذلك من علم وجهل من جهل ، والله يقول (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) فما بقي نقص ، فلا معنى للقياس فقد قال رسول الله r : (تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة ، وستفترق هذه الأمة على اثنتين وسبعين فرقة أخطرها على الدين قوم يقيسون الدين برأيهم فيحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله) رواه الترمذي على شرط الصحيح ، ورجاله رجال ثقات

    وقال رسول الله r (الحلال ما أحل الله في كتاب ، والحرام ما حرم الله في كتابه ، وما سكت عنه عفا عنه فاقبلوا من الله عافيته) وحاصله : من أحدث حكماً فقد أحدث ربوبيته (إن الحكم إلا لله) فلوا طلبوا الأحكام الشرعية لوجدوها ولكن يميلون إلى الهوى ويعبدونه ، ورسول الله r يقول (ما تحت أديم السماء من إله يعبد من دون الله أعظم من هوى يتبع)

    وقوله : (ولكن لا يشعرون)

    لا يقال إذا كانوا لا يشعرون فهم معدومون لأن الرسول المكلف بالبان قد بين لهم ، وبعد البيان لا عذر (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)

    (سأل رسول الله r الصحابة : ما تقولون إذا سألكم الله عني ؟ قالوا نقول إنه بلغنا ونصحنا أو كما قالوا

    فرفع يده اليمين إلى السماء وأشار بسبابته إلى فوق ثم نكث بها إلى الأرض وهو يقول اشهد من فوق ومن تحت (وهو الله في السماوات وفي الأرض) والمراد أينما كنت فاشهد)

    وكونهم لا يشعرون بأنهم مفسدون من الضلال البعيد ، إذ لو شعروا لزاماً رجعوا وقد يقع للبعض الشعور والعلم بذلك ولا يرجعون بل يجحدون الحق : (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) فقوله (ظلما وعلوا) راجع إلى قوله (وجحدوا بها) لا إلى (واستيقنتها) وحاصلة أنهم فريقان : فريق لا يشعرون ، وفريق يعلمون ، وليس فيهم من العلم إلا إقامة الحجة عليهم ، وأما الذين يشعرون بأنهم ليسوا على الحق فلا خير إلا فيمن عرف الحق وانقاد له

    قال الشاذلي رضي الله تعالى عنه :

    (من عرف الحق وتواضع لأهله فهو من أهل الجنة وإن عمل ما عمل من الشر ، ومن أنكر الحق ولم يتواضع لأهله فهو من أهل النار وإن عمل ما عمل من الخير)

    كان عندنا بفاس رجل من أرباب الدولة حاكم وهناك شجر الزيتون كثير جداً غوبا غوبا ، فإذا أخذ أربابه ثمره دخله الفقراء فالتقطوا ما يجدونه من البقايا التي فيه ليتمتعوا بها ، فجعل الحاكم بعض عسكره يؤذونهم بأخذ ما التقطوه ، فمررنا ذات يوم بهم فإذا هم يأخذون من الفقراء ما عندهم ، فقلنا ما هذا ؟ فقال لنا بعض الإخوان : هؤلاء العساكر يأخذون من الفقراء ما يلتقطونه بأمر الحاكم ، فبعث واحداً من الإخوان ، وقلت له : قل له يقول لك واحد – ولا تسمني له – اترك هذا للفقراء والله يعوضك أحسن منه ، فراح إليه وبلغه ذلك فقال له : إن إرباب البساتين هم الذين اشتكوا منهم ، ولكن لما قلت لي إذاً لك مرحباً أنا أتركهم من أجله ، وأصحاب البساتين ما شاءوا يصنعون ، والحال أنه تدخل عليه من أجل ذلك منافع آلاف

    فتركها كل ذلك من حسن العقيدة ثم بعد مدة دعا الحاكم ذلك الرجل من إخواننا الذي أرسلته إليه فقال له : بلغ رسالتي كما بلغتني الرسالة فقال له : مرحباً وقال له : قل له مقصوده أن السلطان يوليه على البرية الفلانية من البراري وفيها منافع كثيرة

    فجاء وبلغني ذلك فقلت له مرحباً ، فبعد أيام ولاه السلطان بغير تسبب منه ولا شئ ، فهو وأمثاله ينالون باعتقادهم في أهل الحق مطالب كثيرة وينجون بهم من شرور كثيرة دنيوية وأخروية ، (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون)

    قال (الناس) ولم يقل (العقلاء) رتبة عظيمة شريفة لا يماثلها شئ ، لذلك أطلقت على بني آدم ، قال تعالى (أفيضوا من حيث أفاض الناس) والمراد بالناس الصحابة والنبي r أورد عليه أن إيمان النبي r لا يقدر أحد أن يأتي بمثله فما التشبيه ؟

    والجواب أن المراد الإيمان الذي ذكره النبي r في قوله (بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ....) وهو الذي علمه جبريل للصحابة حين جاء في صورة المتعلم الإسلام والإيمان والإحسان ، وأما إيمان النبي r فليس للرسل عليهم السلام إليه سبيل فضلاً عن غيرهم ، فالرسل يعجزون فضلاً عن غيرهم عن اللحوق به r ، فإيمانه وأحواله اختصاص من الله تعالى ، له النبوة وآدم منجدل في طينته ، فلا يعرف أحد حقيقة الرسول على ما هو عليه كما قال r (وأنه لا يعرف حقيقتي غير ربي)

    كنا مع بعض الأولياء رضي الله تعالى عنهم الذين يجتمعون بالنبي r فتكلم معي في مشاهدته r فقلت : مشاهدة الرسول r هذه التي يشهدها الأولياء أراها كمنزلة الظل من الشخص فالظل بالنسبة إلى الشخص كلا شئ

    قال أويس القرني رضي الله تعالى عنه للصحابة وفيهم سيدنا على وسيدنا عمر رضي الله تعالى الله عنهما : هل رأيتم محمداً r ؟ قالوا : ألسنا أصحابه قال : إنما رأيتموه كالسيف في غمده

    وهم كذلك رأوه كالسيف في غمده (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون) فالنظر لا يقتضي الإبصار ، فأنت ترى الصبي ولا تبصر زيادته التي يزيد بها مع أنه في زيادة بلا شك من جميع الجهات طولا وعرضا ، ولكن لما كانت الزيادة لطيفة كانت لا تبصر فإذا غبت عنه مدة ثم حضرت عنده وجدته كبيراً فحينئذ تبصر الزيادة

    وكذلك إنبات النبات اللين لا تبصر زيادته مع أنه في زيادة بلا شك ، وبعض النباتات في ليلة واحدة إذا فارقتها ثم رجعت إليها وجدتها زادت كثيراً

    تنبيه : هذا دليل صريح في وجوب التقليد يرد على المتكلمين القول بعدم التقليد مع أنهم هم في الحقيقة مقلدون ليس في يديهم غير التقليد فإنهم يقررون أقوال من قبلهم في التوحيد وقواعده

    وما زادوا في تقريرها إلا أن تحفظ عنهم ويقتدي فيها وهذا هو التقليد فهم ينفون التقليد بالتقليد فيغسلون الدم بالدم وغسل النجاسة بالنجاسة لا يزيدها إلا انتشاراً وتأكيداً فهم مقلدون وهم لا يشعرون

    وقوله تعالى (أنؤمن كما آمن السفهاء) تجلت لهم سفاهتم في غيرهم فهم يشهدون وصفهم يحسبون أنه وصف غيرهم

    قال بعض الصوفية : لصفاء إخواننا رأووا وجوههم فينا

    ومثلهم كمثل الراكب السفينة بجانب الساحل هي تجري به وهو يرى البر هو الذي يجرى ، فجريه و يراه في غيره ، فرآه معكوساً وهو يعلم يقينا أن البر لا يجري ولا تجرى الأشجار التي فيه وإنما تجري السفينة

    والسفيه هو الذي لا يحسن التصرف ، والسفيه هو الجاهل ، (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) أي جهلها فلذلك جهل ربه فرغب عن سبيله ، ومن عرف نفسه فقد عرف ربه

    وقوله تعالى (ألا أنهم هم السفهاء) تبيين من الله تعالى لحقيقة الحال بأنهم إنما انعكس عليهم الأمر فرأوا الضلال الذي فيهم في غيرهم

    وقوله (هم) تأكيد أي لا غيرهم ، وقوله تعالى (ولكن لا يعلمون) نوع لأنهم نوعان ، نوع لا يشعرون بشئ ونوع يشعرون شعوراً لا يبلغهم إلى العلم وهم المرتابون فلم يكتف بـ(لا يشعرون) لذلك

    (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا أمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون)

    عبر بـ(لقوا) في (الذين آمنوا) عن (خلوا) بم للقيم في الملأ وفي المنافقين (وإذا خلوا) إلى أنهم لا يظهرون بذلك في الملأ تقية بل في الخلوة

    وقوله تعالى (إلى شيطانيهم) عبر بـ(إلى) لأنهم يمشون إليهم بالقصد وسماهم شياطين والشيطان البعيد ، قتلوا العرب ناقة شيطانية إذا كانت لا تألف الإبل ، وإضافتهم إليهم لأنهم من جنسهم إذ المراد شياطين الإنس

    وقوله تعالى (إنا معكم) أي بقلوبهم والمعول على القلب ، وقوله تعالى (قالوا آمنا) أي بلسانهم

    وقوله تعالى : (هذه النار التي كنتم أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تبصروا سواء عليكم)

    (ذق إنك أنت العزيز الكريم) وقوله تعالى : (ويمدهم في طغيانهم يعمهون) لأن مراد الله فيهم الضلال

    (سؤال) من أيقن بقلبه ولم يقر بلسانه هل ينفعه ذلك ؟

    والجواب : لا ينفعه ذلك لقول الله تعالى (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعدوا) فـ( ظلماً وعلواً) راجع لقوله (وجحدوا بها) فمن لم يجهر بالتوحيد بأن صدق بقلبه أن هذا الدين حق وكفر بلسانه فأبى الإسلام لا يقبل عند الله ، وذلك كقول أبي طالب :

    ولقد علمت بأن دين محمد * من خير أديان البرية دينا

    قال تعالى (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين) حالاً ولا مالاً لعلم الله فيهم ذلك وهو رد على ما تدعيه أنفسهم من أنهم مهتدون

    ثم قال (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون)

    الضمير في (مثلهم) عائد إلى (ومن الناس) بواسطة عوده إلى (الذين اشتروا) أي صفتهم كصفة الذي استوقد ناراً ، فالكاف تشبيه وليست بزائدة ، فالمثل يأتي بمعنى الصفة كقوله تعالى (ولله المثل الأعلى) أي الصفة العليا ويأتي بمعنى التمثيل ، كقوله تعالى (واضرب لهم مثلاً) (ولما ضرب ابن مريم مثلا)

    والضرب الفرض والتقدير وقوله (الذي استوقد نارا) لم يقل الذين بصيغة الجمع لأن المنافقين يتداخلون في بعضهم فهم ذات واحدة (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض) ، وإنما المؤمنون قال فيهم (بعضهم أولياء بعض) والولي الناصر فلا يرى خيراً إلا ويجلبه لوليه ولا شراً إلا ويدفعه فالمؤمن كثير بأخيه .

    وقوله (استوقد نارا) السين والتاء للطلب أي عالج اتقادها وذلك كقوله تعالى (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا)

    منهم : يعرفونه في منامه ، أو الآيات في قوله (ومن الناس) في أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم حتى إنهم يعرفون يوم مولده ومماته r

    كان سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه – يخدم واحداً من أحبارهم

    فلما قرب زمن الوفاة قال له : إني قد خدمتك كذا عاماً ولي عليك حق فأوصني من أصحب بعدك ؟ فقال له اصحب فلاناً وأشار عليه بحبر فجاء إليه فخدمه كذلك فلما قربت منه الوفاة قال له إني خدمتك كذا عاماً ولي عليك حق فأوصني من أصحب بعدك ؟ فقال له بعد هذا حكم كتابنا باطل (يخرج نبي آخر الزمان بمكة ويهاجر إلى المكينة فأتبعه) فلما بعث رسول الله r جاء فصحبه وهو الذي أدى عنه رسول الله r كتابته لما قال له مالكه لا أعتقك أو تغرس نخلا حتى يثمر وتؤدي من ثمره فجاء فأخبر رسول الله r فقال له قل له خيراً وجاء مع الرسول r فغرس بيده الشريفة فأثمرت من عامها فجاء رسول r فوجدها مثمرة كلها إلا واحدة فقال ما بال هذه ؟

    فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه : هذه غرستها أنا يا رسول الله فأخذها بيده الشريفة وحركها يميناً وشمالاً وتركها فلحقت بأخواتها – في البخاري أن المغروس ورد وفي غيره نخل وهو أبلغ في المعجزة فكان رسول الله r يبله بريقه الشريف ويدفنه فأثمر من عامه

    ولما توفي رسول الله r كان بعض الصحابة عند واحد من علماء أهل الكتاب فقال له : اليوم توفي نبيكم قال : فغضبت غضباً شديداً ما غضبت مثله حتى لو كان بيدي سلاح لقتلته فمكثت أياماً فإذا برسول أبي بكر الصديق يأتي بكتابه مخبراً أن رسول الله r قد اشتاق إلى لقاء ربه فقدم عليه ، فاستخلف الناس من بعده أبا بكر رضي الله عنه . فكانت وفاته في ذلك اليوم الذي ذكره الكتابي

    وقوله (ناراً) ليستضئ بها وقوله (فلما أضاءت ما حوله) ذلك ظهور النبي r في مكة لأهل الكتاب في المدينة ومكة حول المدينة كما أن المدينة حول مكة (لتنذر أم القرى ومن حولها) وقوله (أضاءت) أبلغ من أنارت لأن الضياء هو الذي يكشف عن حقائقها فلذلك قال الله تعالى (جعل الشمس ضياء والقمر نورا) إذ هو أضعف من الضياء لكونه (فمحونا آية الليل) وأنها ضياء نور لأن الضياء نور وزيادة فهي ضوء ونور

    وقد قال الله تعالى في الرسول r (سراجاً منيراً) والسراج هو الشمس أي شمساً منيرة وقوله تعالى (ذهب الله بنورهم) أي نور إيمانهم الذي كانوا يبصرون به النور الإلهي الذي في التوراة ، وهو ثبوت صفته r ، وكل ما في التوراة نور لأنه كلام الله ، وكلامه نور إذ هو صفته (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور) وجمع الضمير ولم يقل بنوره لئلا يتوهم عود الضمير على الله وهو إذا ذهب نوره لأحد لا يذهب منه ولا يسلبه إياه : إذ نوره هو وهو لا يتصرف في نفسه ، فالذين لم يهتدوا لم يجعل لهم نوراً من أصله حتى يأخذه منهم فنور الله لا يهدى لكافر وقوله (في ظلمات...) إذ الكفر بالرسول والكفر بجميع الرسل أو الرسل كلهم وبالملائكة والكتاب واليوم الآخر فكيف بسيدهم محمد r ، فالكفر بواحد ظلمة ، فهي ظلمات بعضها فوق بعض ، وعبر ـ(في) لأنهم غارقون فيها لم يخرجوا منها وتركهم فيها

    ولما كانت الظلمة متفاوتة : خفيفة وهي التي يكون معها بعض إبصار ، وحالكة لا يمكن الإبصار فيها . أكد الظلمات فقال (لا يبصرون) أي لشدتها لا يبصرون ، وليس مستغنى عنه بما قبله ، (صم بكم عمي فهم لا يرجعون) صم عن سماع صفات النبي r بعد ظهوره مع أنهم كانوا قبل ذلك يستمعونها . فهو (النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوارة والإنجيل) . وقوله (بكم) لا ينطقون بها ، وقوله (عمي) فلا يبصرونها كما كانوا يطالعونها قبل ، وقوله (فلهم لا يرجعون) إلى الأوصاف النبوية التي شردوا عنها وهي العلم الصحيح فهو أبلغ من (لا يعقلون)

    استشكل بأن بعضهم كابن سلام . وأجيب بأنه من المعينين من الله بلا يرجعون فأرجعه وإن كان الكلام عاماً فالمقصود به معلوم (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) المعينون بالذات بالهداية فتخصهم وحدهم وإن شمل الخطاب غيرهم فيفهمهم الله وغيرهم يصرفه بالشبهات (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين) فالجاهل مراد الله منه ألا يعلم وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون

    فإن قيل ما فائدة ضربها لهم في أنهم لا ينتفعون بها فالجواب أنها لإقامة الحجة عليهم ، ومعنى أنهم يعلمونها أي بالتخلق بها ؟ والتحقق وهي رجوع إلى قوله (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا) فبيت العنكبوت لا يقيها من حر ولا برد ، وهو ضعيف جداً إذا جاءته أدنى ريح ذهبت به ، فالأصنام كذلك

    فالعالمون الذين فهموا عن الله ذلك وعملوا بمقتضاه فلم يتخذوا من دون الله أنداداً ، فمن اعتمد على غير الله من مال وعمل وعلم وحرفة فقد اتخذ من دون الله أنداداً ، قال إبراهيم عليه السلام (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) أصنام الخلق أراد ، وهي خطرات غير الله ، وكل مقام له أصنام ، وحاشا أن يخطر في قلب الخليل غير الله ، وإنما هو اتهام نفسي وفرض تقديري والمفروض ليس واقعاً في نفس الامر فلا إشكال

    رأى بعض الأولياء في عصرنا هذا نبي الله سيدنا يوسف عليه السلام فقال له : حكى الله عنك في كتابه أنك قلت للرسول (ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن) ولم تستعجل بالخروج من السجن مع أمك لبثت في السجن بضع سنين ، ونبينا r قال : لو كنت مكان يوسف لأجبت الداعي . أي ولم أصبر ، فقال له إن بين الواقع والفرض كما بين السماء والأرض

    ومعناه أنه يقول إن الرسول r لم يقع له ذلك بالفعل فإن الناس كلهم يعتقدون براءته فلم يحتج إلى ذلك وأنا ذقت مرارة التهمة فأردت أن تظهر براءتي

    ثم قال (أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين) هذا مثل لصفتهم مع القرآن ، والأول مثل لصفتهم مع النبي r الذي أنزل عليه ذلك القرآن فلا بلاغة لأحدهما على الآخر فكل واحد لمحله ، فصفتهم منقسمة إلى قسمين فـ(أو) للتقسيم

    وقوله (كصيب) الصيب : المطر ، والمطر هو الرحمة والكتاب أفاضنا رحمة ، والصيب من الإصابة وكلاهما نزل من السماء فلذلك عدل عن غيث ومطر ونحوهما

    وقوله (من السماء) المراد بالسماء ما علا ظله وارتفع بعد ما علا وإن كان ارتفع على كل حال معطوف على ما علا وإنما لأجل طول الفصل فيكون التفريع عليهما ، فلذلك شمل السماء وما تحتها والسحاب مسخراً ما بين السماء والأرض ، والتنصيص على السماء ، لدفع ما يكون على خلاف العادة " فيما يحمل فيه بالدواليب " لأن الكفار كانوا بأسرهم يتخذون دواليبا يجتلبون بها ماء إلى مجالسهم فتمطر عليهم فلا يقال الصيب لا يكون إلا من السماء

    وقوله تعالى (فيه ظلمات) ولم يقل ظلمة فيها صيب لأن المشبه به الذي هو القرآن نور الظلمة ، وإنما الظلمة فيه وهي ذم الكفر ، وجمع الظلمات ولم يقل ظلمة لأنها أنواع الكفر كالنفاق والشرك والمعاصي وكل واحد ذمه الحق على حدته

    وقوله (ورعد) هو الوعيد وهو مفزع وإنما كانوا يفزعون لأنهم يعلمون أن رسول الله r حق (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) والرعد : الملك الموكل بالسحاب ، كان r إذا سمع الرعد يقول (سبحان من يسبح الرعد بحمد والملائكة حول العرش من خيفته) والمسمى هو الملك ويطلق على صوته ، وهو مثل الداعي للسحاب يزجرها فتنضم كالراعي إذا تفرقت الغنم زجرها لتنضم ، ثم بأمره يتراكم بعضه فوق بعض ليحمل ماء كثيراً ثم يجعله ركاماً

    وأفرد الرعد للتخفيف عليهم لأنهم ضعاف يكفيهم رعد واحد فهو من الرحمة لا، الحق يرحم عباده ولو كانوا كفارا

    (وبرق) صفة النبي r لأن أحواله r المبينة في كتابنا لوضوحها عندهم أحالهم فيها على ما عندهم فقال (النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوارة والإنجيل) وقال الله تعالى : (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ... الخ) ولكن لما كانت لا تثبت في قلوبهم شبهها بالبرق في سرعة الزوال ، والبرق لمعان سوط الملك

    وقوله تعالى (يجعلون أصابعهم) استئناف من تمام المعنى وجمع الأصابع لأن كل واحد يجعل إصبعه في أذنه ولا يكتفي بجعل أخيه ، فإن قيل : إن جعل الإصبع في الأذن يعرفون أنه لا يبقى مدة من الزمن فما فائدته ؟ فالجواب أنها حركة يستعملونها وأنها تندفع لدفع الوهم الذي يدخل عليهم من الرعد ، فالغريق يتعلق بما لا ينجيه

    وقوله (من الصواعق) قراءة تقديم القاف على العين من الصواعق كقراءة قوله تعالى (هذا يوم عصيب) بهذا يوم صعيب والصواعق الوعيد بالعقوبة العاجلة كقوله تعالى (أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم)

    وقوله (حذر الموت) الحقيقي فإنهم كانوا لم يطمئنوا أن يقاتلهم الرسول (قاتلوا الذين لا يؤمنون – إلى قوله ( من الذين أوتوا الكتاب)

    وقوله (والله محيط بالكافرين) أي هم في القبضة ، وقدمه ليدل على أن عقوبته لهم غير مؤخرة (إن ربك لبالمرصاد) (ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون) (أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا) وعدل عن قوله بالمنافقين إلى قوله – بالكافرين- لأنهم على تحقيق النبي وكفروا ، وكل منافق كافر ، والمراد تهديد الكفار لا خصوص المنافقين

    وقوله تعالى (يكاد البرق يخطف أبصارهم) أي يكاد ما علموه من البيان الذي في القرآن الموافق لما عندهم أن يميلهم إلى الإيمان بالنبي r فيكادون أن يؤمنوا بكثرة ثبات صفات النبي عندهم و(يخطف) بقراءة كسر الطاء وفتحها

    وقوله (كلما أضاء لهم مشوا فيه) تأملوا كلما ظهرت لهم صفة النبي r مشوا فيه وكادوا أن يؤمنوا ، ولم يقل سعوا لأن السعي المشي بسرعة وهم لم يسبقوا ؛ إذ لو سبقوا لآمنوا

    قال تعالى (وإذا أظلم عليهم) بأن هاج عليهم داء الجسد (قاموا) بقوا قائمين لأنهم كانوا ماشين والماشي قائم ، فالمعنى وقفوا عن المشي الذي هو التأمل يخافون أن يوقعهم في الإيمان فتزول مناصبهم ورياستهم ؛ لأنهم كانوا علماء يعلمون الناس وأصبحوا متعلمين ديناً جديداً فيصيرون أذناباً بعد أن كانوا رؤساء

    " المعنى " إذا قام فيهم قائم الحسد أظلمت فهم لا يبصرون وقوله (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) أفرد السمع وجمع الأبصار لأن السمع لم يجمعوه من جميع الوجوه في أمر النبي r كما جمعوا الأبصار بالتبصر في أمره بمطالعة صفته في كتبهم ، فبذلوا الجهد في الإطلاع على أوصافه ولم يبذلوه في سماع الحق منه ، ومعناه لو شاء لعجل لهم العقوبة فأصمهم وأعمى أبصارهم الحسية كما أصمهم وأعمى أبصارهم المعنوية فلم ينتفعوا بما سمعوا وأبصروا كما قال (ولهم أعين لا يبصرون بها)

    وكمن سبق في علمه تأخيرهم فأخرهم (ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما) ألزموا به في الدنيا والمراد بالكلمة الأجل المسمى إنه على كل شئ قدير والتسمية من الثبوت والوجود

    والمراد به كل ممكن ، أي إذا شاء تعجيل العقوبة لهم فهو قادر وتأخيرهم ليس بنافع لهم ، فالتقديم والتأخير كله واحد ، قال عز وجل (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وام هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر)

    سؤال أول :

    وجد في بعض التفاسير أن لفظة قدير خاصة بالحق وأن قادر هو الذي يطلق على الخالق والمخلوق ؟

    والجواب : لا دليل على ذلك من الشرع فلا حجة إلا بنص ، ولا يلزم شئ في ذلك < إذ جميع الصفات المطلقة على العابد إنما هي آثار خالقهم فيهم وأوصافه أمدهم بها فهم آلة لظهور أفعاله (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) فأخبر أنه هو الفاعل بأيدينا فتأمل ...

    سؤال ثاني :

    هل ما يقدره المفسرون من كتاب الله أم لا ؟

    وجوابه : أن كان أمراً محتاجاً إليه في استقامة الكلام العربي كحذف الخبر والمضاف والضمير المستتر ونحو ذلك مما يدل عليه القرآن فمن كلام الله ؛ لأن الحق يحيل العرب على لغتهم المعهودة عندهم ويخاطبهم بلسانه كقوله (قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله)

    فـ(ما شاء) خبر أي هذا ما شاء الله فحذف المبتدأ ، أو كقوله في قصة إبراهيم عليه السلام (فعله كبيرهم هذا) أي هذا قولي فحذف الخبر وعني بكبيرهم ، الله جل جلاله أي الإله الكبير وهو صادق ؛ لأن الأصنام لو نطقت لقالت هو الله الذي كسرنا بيدي إبراهيم وكقوله (إنا أعطيناك الكوثر) أي أهل الكوثر فحذف المضاف

    وأما إن كان التقدير مما ليس كذلك بحيث يمكن الاستغناء عنه بوجه من الوجوه فليس ذلك المقدر من كلام الله ، فإن كلام الله هو الذي قدره على قانون العرب لا الذي يقدره غيره بحسب فهمه ، فكلام الباري غني عن التقدير ؛ إذ كلام الغير غيره فلا يقدر له لأجل أ، يبين إذ هو الذي يبين المقدرات لا المقدرات بينته ، فإن لم تفهم المقدر إلا من المذكور وهو عين البيان فلا يحتاج إلى بيان (هذا بيان للناس) (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شئ)

    قال تعالى (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) ناداهم بـ(يا) التي هي للنداء على رأس البعد لغفلتهم لأن من كان بجانبك إذا كان غير غافل فلا تناديه بيا فلان ، بل تقول فلان فلان بغير أداة ، فإن لم يسمع قلت يا فلان ، والحق قريب من الخلق (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) ولكن لما كانوا غائبين عنه بالغفلة بعدوا فالغيبة منهم عن الله تعالى وهو لا يغيب عنه شئ

    وقوله تعالى (الناس) لم يقل بني آدم ليشمل كل واحد وإلا لم تقدم حجة ، ولان (بني آدم) فيها تشريف لأصنافهم لنسبتهم إلى خليفة الله

    والمراد بهذا الامر لا التشريف ، وقال ذلك في غير هذا الموضع لينبئهم أن أصلهم طيب ، وأنهم بناء أستاذ الملائكة ، أي ينبغي لكم أن تلاحظوا أهلكم ، ولو قال الذين آمنوا لم تقدم حجة على غيرهم لكونهم غير مدعوين فالدعوة عامة (والله يدعو إلى دار السلام) أي يدعوا العباد كلهم (ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) فمن لم يجب قامت عليه الحجة لكونه مدعواً ، فالعباد كلهم مدعوون بخطاب واحد والمقصودون بالذات هم الذين يجيبون من بين الخلق كلهم بفهمهم الحق بتجاوز الكلام أسماعهم إلى قلوبهم ، وغيرهم لا يتجاوز سمعهم ، وقوله (اعبداو) لأن العبادة عين الذل ولا أذل من العبد يضع جبهته لسجدة في الأرض التي سماها الحق بالذلول (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا) ولم يقل آمنوا لأن العبادة لازمة للإيمان ، ولو عبر بالإيمان لأوهم أن العبادة غير مقصودة وأمرهم بها لإقامة الحجة ، والخطاب بـ (اعبدوا) الموجودة عنده في علمه سواء أوجدت في علمنا أو لم توجد ، فهو عامل يشمل من لم يوجد من الناس ، وهو سبحانه بعض المرات يفرد المعدوم بالخطاب ويخاطب الصور الثابتة في علمه يقول لها كن فيكون ، فهو يخاطب المعدوم ويعطيه على السماع والذي سيوجد ، فالمعدوم الذي قد يكون ثابتاً في علم الله فيأتي على ذلك الوفق سواء بسواء ، فليس معدوماً إلا عند نفسه وعدنا

    والعبودية والعبادة فعل العبد الطاعات ، والعبودية الإخلاص فيها لوجه الله وفعل الأمر بالله لا بنفسه

    وقوله (اعبدوا) يشمل الجميع – العالي والأعلى والدون ، فكل فهم المقصود فيه مقامه ، وقد علم كل الناس مشربهم فالقرآن مرآة كل أحد يرى نفسه فيه

    وقوله تعالى (ربكم) بين المعبود ، يقول إياكم أن تعبدوا الهوى وتخرجوا عن عبوديتكم الهوى الشامل لجميع الأصنام والرب : المربي والمصلح ، ولم يقل اعبدوا الله لأ، الله اسم جامع لأسماء اللطف وأسماء القهر فأتى بالرب ليجرد أسماء اللطف ، ويستعطفنا بذلك ، ويذكرنا بالنعمة علينا وليستجلبنا بالرب والتخصيص بالإضافة للتشريف ، أي رب الأميين وغيرهم الذي خلق لهم كل شئ ، وربكم أبلغ من رب العالمين ، فإنه لو قال العالمين صرتم غير مقصودين بالذات بل دخلوا من جملة العالمين ولما فيه من الاتصال بخلاف العالمين . لأن الإضافة هنا متصلة فجعلنا بجواره وهو قد أوصانا على الجار فأولى هو بذلك وهو أكرم الأكرمين

    وقوله (الذي خلقكم) أي لا الأرباب التي اتخذتموها من شمس وقمر ونجوم وأحجار وغيرهم بأهوائكم فإن هذه لا منة لها عليكم بخالقيه بل بعضها لكم المنة أنتم عليها لكونكم صنعتموها

    وحقيقة الخلق ما يكون بالتدريج والنقل من طور إلى طور كالنطفة كانت مفرقة في الأغذية فجمعها ثم تكون علقة ثم مضغة إلى أن تستوي بشراً . وإلا مما يقول له كن فيكون

    فالجسم من عالم الخلق . والروح من عالم الأمر بجمعتهم الأمرين ، فلذلك صحت الخلافة عن الله بخلاف الملائكة فليس لهم إلا عالم الأمر

    فالملك روح إلهي نوراني ركب فيه عقل يعقل به عن الله ولا جسم له ، بل ذلك الروح هو عين ذاته . والإنسان له جسم ليسكن فيه الروح . والفرق بين الإنسان ومطلق الحيوان كون الإنسان مخلوقا له كل شئ (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض) وإلا فالحيوانات تعقل عن الله ولها أرواح مدبرة لأجسامها . وقوله (والذين من قبلكم) إلى أصولكم آدم فمن دونه الأرض والماء الذي قبل الأرض . وذكرنا لذلك وعده علينا إنعاماً لأنه سبب في إيجادنا ؛ إذ الولد سبب لإيجاد الولد ، فالذين من قبلنا من تمام إيجادنا بلا شك

    وقوله (لعلكم تتقون) راجع إلى قوله (اعبدوا) أي اعملوا لطاعته لعلكم تصيرون أتقياء والتقي يحبه الله (إن الله يحب المتقين) ومعنى تتقون تتصلون بي اتصالاً لا انقطاع فيه ، وهو معنى الحديث :

    (ما تقرب إلى عبدي بشئ أحب إلى من أداء ما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها) وفي بعض الروايات (وفؤاده الذي يعقل به) وفي رواية (فإذا أحببته كنته)

    ومعنى (لعل) الترجي على بابها ، لأنه ليس كل من عبد حصلت له التقوى الموجبة محبة الله ، هذا فهي بالنظر للبعض ترجى وإن تحقق المعنى في البعض المعنى في علمه سبحانه لئلا يعتمد أحد على عبادته

    (الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون)

    وقوله (الذي جعل لكم الأرض) أورده بعد قوله (الذين من قبلكم) فإن كانت الأرض من جملة من قبلنا فهو من باب إيراد التفصيل بعد الإجمال ، وجعله عقب (تتقون) ليشير إلى أنكم إذا اتقيتموه وصار معكم وبصركم كما يليق بجلاله عرفتم ذوقا تفصيل (جعل لكم الأرض فراشا) وما بعده

    ونكتة التفصيل يجعل هنا دون خلق لأن الأرض كلها لم يخلقها فراشا بل منها ما لا يصلح للفراش كبعض الحجارة فالمراد ذللها (جعل لكم الأرض ذلولا) والجعل : التسيير فجعل الأرض فراشا من كمال النعم ، فلو جعل الجميع فراشا ما عرفناه قدره ، فإن الإنسان إذا طلع العقاب الصعبة عرف نعمة الأرض المبسوطة ويضدها تتميز الأشياء

    وهذا الفراش لا يحتاج إلى طي ويظهر كل يوم ولا يبلى ولا يحتاج إلى شراء ، ولا يعرف قدر الأرض على الحقيقة إلا من ركب البحر فإذا ركبه وحصل له ما حصل من الميل والدوخة وحصل له مرض بلا مرض فضلاً عن أهوال الريح الشديد ونحوه عرف قدر الأرض

    ركب شيخنا سيدي عبد الوهاب التازي البحر أربعين يوماً ، فسئل : كم ركبت البحر قال : أربعين عاما ، جعل كل يوم عاما ، وكان رضي الله تعالى عنه يقول : (ليس في البحر شئ طيب إلا واحدة : تعلق القلب بالله وحده) ولقد صدق فإن الإنسان يحصل له تقطيع العلائق عن كل ما سوى الله تعالى حتى إن السلطان إذا كان معك في البحر لا تعتمد عليه بل هو خائف مثلك مضطرب ، فالبحر وإن كان ركوبه فيه أهوال فالابتلاء الذي يجري النعم حسن ، فنعم الابتلاء الذي يجري التوحيد الخالص ، فراكب البحر آمن الشرك (فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون)

    سواء نجاهم حقيقة أو أرسل لهم الريح التي يسيرون بها غير الشديدة فإنهم يشركون (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف)

    لكونهم فرحوا بالريح لا بموجدها ، كأنما جاءتهم من عند نفسها ، فلذلك عاقبهم فأرسل ريحاً عاصفة ، فأصل الضلال هو الفرح بغير الله (كذلك يضل الله الكافرين ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق) فالحق هو الله (فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال)

    وعبر هنا بفراشا ، وفي آخر بمهادا ، وفي آخر بذلولا ، والمعنى واحد منوع العبارة

    قدم الأرض على السماء لأنها الفراش وهو الأساس فقدم على السقف وهو المراد بقوله (والسماء بناء) أي سقفا محفوظاً والمراد بالسماء هنا أجرام السماوات حقيقة إذ هي المبنية (والسماء بنيناها بأيد) فلا يقال ما علا حتى يدخل في ذلك الهواء إذ لا يعرف أنه مبنى

    والمراد بالسماء ما قامت بنفسها بلا قام ولونها نعمة ، والسماء يذكرها الحق في كتابه تارة بالإفراد وتارة بالجمع ولم يذكر الأرض إلا بالإفراد وتارة بالجمع ولم يذكر الأرض إلا بالإفراد إشارة للتوحيد وإلى أن الخليفة مخلوق منها ، وحقيقة التوحيد فيه ، يوحي بذلك إلى أن الخليفة إذا لم تكن حقيقة التوحيد فيه لا فائدة في خلافته ، ولولا أن أدم قائمة به حقيقة التوحيد ما صح أن يكون معلماً للملائكة ؛ إذ المعلم لا يجهل ما يعلمه وهو ما علمهم إلا الأسماء الإلهية بالحقيقة لأن المسميات هذه كلها آيات على الوجد الواحد

    وفي كل شئ له آية تدل على أنه الواحد

    قدم الأرض على السماء لأمرين :

    الأول : لأن السقف لا يصح إلا بعد الأساس

    الثاني : لأن السماء أصلها الأرض لأنها خلقت من الدخان الذي هو البخار الصاعد من الأرض فهي نبتها ، فهذا القصر الذي فراشه الأرض وسقفه السماء خلقه الحق لنا ، ورفع سمك السماء لأن السقف كلما ارتفع وبعد عن الرأس كان أجلب للهواء النافع وأصلح للبدن لئلا تنعكس عليه الأبخرة فتؤذيه ، فلذلك قال الله (سقفا محفوظاً) أي بعيد الآفات عن العبيد

    وقوله : (وأنزل من السماء ماء) المراد بالسماء هنا ما علا لأن الماء ينزل من السحاب وهو مسخر بين السماء والأرض ، وسمي الحق ما بين السماء والأرض سماء فقال (الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء) أي في الجو والماء عين الحياة

    فلذلك قال الله تعالى (وجعلنا من الماء كل شئ حي) أي لأن الماء حياة يحي الإنسان بالرزق الذي هو الطعام والشراب من حينه ، فإن الظمآن الجائع يحصل له وهن حتى إذا أشرف على الهلاك إلى أن يأكل ويشرب يذهب عنه ذلك من حينه ويحيا لما أودع الحق فيه من تجليه بالاسم الرزاق



    _________________
    خليفتي كذاتي

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت نوفمبر 01, 2014 6:15 am