شباب الختمية

منتدى شباب الختم يتناول قضايا الشباب وفعالياتهم


    كتاب: التجريد في كلمة التوحيد - الإمام أحمد الغزالي

    شاطر
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    كتاب: التجريد في كلمة التوحيد - الإمام أحمد الغزالي

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أبريل 30, 2008 12:06 am

    بسم الله الرحمن الرحيم



    هذا نص كتاب

    "التجريد في كلمة التوحيد"

    للإمام الأجل جمال الدين أحمد بن محمد بن محمد الغزالي



    " فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ "



    بسم الله الرحمن الرحيم


    قال الشيخ الأجل جمال الدين أحمد بن محمد بن محمد الغزالي- رحمة الله عليه - في الحديث الصحيح والنقل الوارد الصحيح عن سيد البشر سيدنا محمد المصطفى قال ذلك خبراً عن الله - تعالى - صلى الله عليه وسلم" لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي " ، قال الشيخ الإمام - رحمة الله عليه - :
    كلمة لا إله إلا الله هي الحصن الأكبر وهى علم التوحيد ، من تحصن بحصنها فقد حصل سعادة الأبد ونعيم السرمد ومن تخلف عن التحصن بها فقد حصل شقاوة وعذاب السرمد ، ومهما لم تكن هذه الكلمة حصناً دائراً على قلبك وروحها نقطة تلك الدائرة وسلطانها حارساً يمنع نفسك وهواك وشيطانك من الدخول إلى النقطة فأنت خارج الحصن ومجرد قولك لا يزن مثقال ذرة و لا يزن جنا بعوضة فانظر ما هو نصيبك من هذه الكلمة فإن كان نصيبك روحها و معناها " أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ " وهو نصيب سيد الخلائق محمد - صلى الله عليه وسلم - ومائة ألف نبي ونيف وعشرين ألف نبي فقد حزت ذخر الكونين وفزت بسعادة الدارين وكتبت في جريدة الأولياء و زمرة عالم الفضل" فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا " و إن كان نصيبك مجرد لقلقة اللسان "قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا " فهو نصيب رأس المنافقين عبد الله بن أبى بن كعب بن سلول ومائة ألف منافق " إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ " فقد صرت ممن خسر الدنيا و الآخرة ذلك هو الخسران المبين وكتبت في جريدة الأعداء من جملة عالم العدل "إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ " لا إله إلا اله حصن ولكن نصبوا عليه منجنيق التكذيب و رموه بحجارة التخريب وتظاهروا على هدمه بمعاول الشقاء والنفاق فدخل عليهم العدو فطمس معالمه ودرس مراسمه وشوش مسكن الملك ومحل نظره ، وسلبهم المعنى وتركهم مع الصورة " إِنّ الله لا ينظر إلى صُورِكم و إنّما ينظر إلى قلوبكم " سلبوا معنى لا إله إلا الله فبقى معهم لقلقة اللسان وقعقعة الحروف وهو ذكر الحصن لا معنى الحصن ، وكما أن ذكر النار لا يحرق وذكر الماء لا يغرق وذكر الخبز لا يشبع وذكر السيف لا يقطع فكذلكم ذكر الحصن لا يمنع.


    فــصـــل


    هذا الحديث يجئ بالقيل والقال . ما احترق لسان قط بقوله " نـار " . و لا استغنى أحد بقوله " ديـنـار " . القول قشر والمعنى لب . القول صدف والمعنى در ، فماذا تصنع بالقشر مع فقدان اللب ، وماذا تصنع بالصدف مع فقدان الجوهر ، هذه الكلمة مع معناها بمنزلة الروح مع الجسد ، وكما لا ينتفع بالجسد دون الروح فكذلك لا ينتفع بهذه الكلمة بدون معناها، فعالم الفضل أخذوا هذه الكلمة بصورتها ومعناها فزينوا بصورتها ظواهرهم وزينوا بمعناها بواطنهم فحصل لهم بها خير الدنيا و الآخرة وبرز لهم شهادة القدم بالتصديق " شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ ".
    وعالم العدل أخذوا هذه الكلمة بصورتها دون معناها زينوا بالكلمة ظواهرهم بالقول وبواطنهم بالكفر وقلوبهم مسودة مظلمة ، فحسنوا بها أعراضهم وحصلوا بها أغراضهم وغداً تأتيهم ريح من صوب القدرة تطفئ ذلك النور فيبقون في ظلمة كفرهم "ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ" وبرزت لهم شهادة القدم عليهم بالتكذيب "وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُون" .


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: كتاب: التجريد في كلمة التوحيد - الإمام أحمد الغزالي

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أبريل 30, 2008 12:06 am

    بسم الله الرحمن الرحيم

    كتاب "التجريد في كلمة التوحيد" تابع





    فــصـــل




    أترى إذا قلت : لا إله إلا الله و أنت عابد هواك ودرهمك ودينارك ودنياك ماذا يكون جوابك ؟ كذبت يا عبدي لم تقول ما لم يكن ؟ (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ )
    و أنت عابد هواك ( أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) و أنت عابد دينارك ودرهمك " تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة تعس وانتكس ، و إذا شيك لا انتقش " ما دمت تقول لا إله إلا الله و أنت تسكن إلى أهل و وطن وتركن إلى أهل ومال ومسكن فلست بقائل ، كل قول كذبه الفعل فهو مردود . لسان الحال أفصح من لسان المقال ، إن كان قولك لا إله إلا الله يثمر معنى في القلب فلم تعوذ بفلان وتلوذ بفلان وترجو فلاناً وتخاف فلاناً ؟ . ما دمت تقول لا إله إلا الله وتأنس بغيرنا فلسنا لك ولست لنا ، من كان لله كان الله له ( وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ - وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ ) كانوا لنا وكنا لهم .
    يا عبدي لم تلوذ بغيري و أزمة الأمور كلها بيدي ، أنا مالك الملك أتصرف في ملكي ، بحق ملكي لا يكون في هذا العالم إلا ما أشاء و لا يقع في الكون إلا ما أريد ، فلا تلذ بسواي ، و لا تقنط من رحمتي فإنه لا يقنط من رحمتي إلا كافر ، و لا يأمن مكري إلا خاسر ( إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ - فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) .



    فــصـــل




    إذا قلت " لا إله إلا الله " إن كان مسكنها منك اللسان فلا ثمرة لها في القلب فأنت منافق ، و إن كان مسكنها منك القلب فأنت مؤمن ، و إن كان مسكنها منك الروح فأنت عاشق ، و إن كان مسكنها منك السر فأنت مكاشف .
    فالإيمان الأول : إيمان العوام ،
    والثاني إيمان الخواص ،
    والثالث إيمان خواص الخواص ،
    فالأول ثمرة خبر صدق مجرد ، والثاني ثمرة بصيرة وانشراح صدر ، و الثالث ثمرة مكاشفة ومشاهدة ،
    و إياك أن تكون مؤمناً بلسانك دون قلبك فتنادى عليك هذه الكلمة في عرصات القيامة إلهي صحبته كذا وكذا سنة فما اعترف بحقي و لا رعى حرمتي ، فإنَّ هذه الكلمة تشهد لك أو عليك ، فإن كنت من عالم الفضل شهدت لك ، و إن كنت من عالم العدل شهدت عليك ، فعالم الفضل تشهد لهم بالاحترام حتى تدخلهم الجنة وعالم العدل تشهد عليهم بالإجرام حتى تدخلهم النار( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ )




    فــصـــل





    ما لم تتصل حدود " لا إله" بحدود "إلا الله" فأنت في خرابة من خرابات الحصن ، " لا إله " بعض الحصن و بعض الحصن لا يكون حصناً ؛ قال " لا إله إلا الله حصني " ومن قال " لا إله " فحسب فالكلمة بأسرها هي الحصن لا جزء منها ، فإذا اتصلت حدود " لا إله " بحدود " إلا الله " فقد تم الحصن وكمل بأجزائه و أركانه ، فإن كل حصن لابد له من أربعة أركان ،
    و قولك " لا إله إلا الله " أربع كلمات كل كلمة منها ركن ،فمهما لم تتصل الحدود فالحصن لم يتم بأركانه ، وكما أن له أربعة أركان من جهة الصورة فله أربعة أركان من جهة المعنى ، وهى الصلاة والزكاة والصوم والحج وهى الخامسة " بني الإسلامُ على خمس "



    فــصـــل





    و اعلم أن هذا الحصن متحصن في مدينة إنسانيتك في ولاية القلب ، وكل من في هذه المدينة من سمع و بصر ويد ورجل رعايا له خدم ، فهم مسخرون له بالقهر والقسر ، ومستخدمون له تحت الأمر والنهى ، خلقوا على موافقته وجبلوا على ترك مخالفته، فإن أمر العين بالنظر نظرت ، و إن أمر الأذن بالاستماع سمعت ، و إن أمر اليد بالبطش بطشت ، و إن أمر الرجل بالمشي مشت ، و إن أمرها بضد ذلك فعلت ، فهم طائعون لأمره ، متجنبون لمواطن زجره ، فإن كان قاسطاً في ملكه استعمل هذه الجوارح في العبث والفساد والمخالفة والعناد فيأمر العين فلا تنظر إلا إلى المحرمات ، و يأمر الأذن فلا تسمع إلا المحرمات ، و يأمر اليد فلا تبطش ولا تتناول إلا المحرمات ، وكذا الرجل لا تمشى إلا إلى المحرمات فهم لا ينظرون لا يسمعون
    ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ) ( لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) و إن كان مقسطاً في مملكته استعمل هذه الجوارح في الطاعة والعبادة ، فيأمر العين فلا تنظر إلا بالأمر ، و يأمر الأذن فلا تسمع إلا بالأمر ، و يأمر اليدين والرجلين وكذلك سائر الجوارح فتظهر البركة والطهارة وإليه الإشارة بقوله " إن في الجسد مضغةً إذا صلَحت صلَح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب "


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: كتاب: التجريد في كلمة التوحيد - الإمام أحمد الغزالي

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أبريل 30, 2008 12:07 am

    بسم الله الرحمن الرحيم

    كتاب "التجريد في كلمة التوحيد" تابع



    فــصـــل





    هذه الكلمة حصن بابه و مجازه وبوابه ، ما لم تقض حق البواب لا تدخل إلى داخل الحصن ، ما لم تخرج من عهدة " لا " لا تصل إلى إثبات " إلا " ، وفى الحقيقة لست بناف و لا مُثبِت إذ المنفِّى لا يُنفَى والمُثبَت لا يثبَت ، فإن المنفى منفى والثابت ثابت ، و إنما كلمة " لا إله إلا الله " أربع كلمات حاصل كلها كلمة واحدة ، وهى اثنا عشر حرفاً حاصل كلها أربعة أحرف ، فالأربعة هي الكلمة والكلمة هي الأربعة وهى تركيب قولك " الله " إثبات محض وتوحيد صرف من غير نفى ولا جحد .
    و " لا إله " نفى محض لأن الشيء لا ينفى حتى يتصور له ثبوت ووجود و " لا " حرف جاء لنفى شيء حتى يتصور له حقيقة ثبوت ووجود ، ومن توهم ذلك فهو مشرك ، فإن الحق - سبحانه وتعالى - منزه في أزل آزاله وأبد آباده عن الشريك والشبيه والضد والند ، و إنما جاءت كلمة " لا إله إلا الله " منكسة تنكس غبار الأغيار عن وجوه الأسرار لتصلح أن تكون عرشاً لتجلى الله عليها ومحلاً لنظر الحق إليها كما قال الله تعالى لداود عليه السلام " يا داود طهـِّـر لي بيتاً أسكنُه لم تسعني أرضى ، ولا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمن التقىِّ النقي "



    فــصـــل





    ما دمت مُـلوَّثاً بالنظر إلى ما سواه فلا بد لك من نفى " لا إله " ،
    ما دمت تعتمد على رياسة العلم والجاه فلا بد لك من نفى " لا إله " ،
    ما دمت ترى في الوجود سواه فلا بد لك من نفى " لا إله "
    .فإذا غبت عن الكل في مشاهدة صاحب الكل استرحت من نفى " لا " ووصلت بإثبات " إلا " ( قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ )
    متى تتخلص من ذكر ما لم يكن وتشتغل بذكر من لم يزل تقول " ألله " " يا ألله " فتستريح عما سوى الله .


    فــصـــل





    كلمة " الله " أربعة أحرف حاصلها ثلاثة أحرف ألف و لام و هاء ، فالألف إشارة إلى قيام الحق بذاته و انفراده عن مصنوعاته ، فإن الألف لا تعلق له بغيره والحق - تعالى - أيضاً لا تعق بغيره ، و اللام إشارة إلى أنه مالك جميع المخلوقات ، والهاء هادى من في السموات و الأرض ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) و إن شئت أن تقول قل الألف إشارة إلى تألف الحق بالخلق بإسباغ النعم في الزرق ،واللام إشارة إلى يوم الخلق بالإعراض عن الحق ، والهاء إشارة إلى هَيَمَـان أوليائه في المحبة والعشق كما قيل :





    ألف التآلف للخلائق كلهم و اللام لام اللوم للمطرود

    والهاء هاء متيم في حبه مستهتر بالواحـد المعبـود




    فــصـــل




    افتح بصر بصيرتك فإنه ليس في الوجود شيء إلا وهو يقول : " لا إله إلا الله " ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ) ( يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) يدل بوجوده على موجده وبخلقه على خالقه .



    <> doPoem(0)

    وفى كل شيء له آية تدل على أنه الواحد






    فــصـــل




    أوجدناكم من كتم العدم إلى فضاء الوجود ، وأمرناكم بالعبودية والتوحيد لا لحاجة إليكم أو نعت الإلهية مفتقر إلى وجودكم أو صفة الوحدانية متوقفة على شهادتكم ؟ كلا وحاشا ، صفة الإلهية و الوحدانية لا تتوقف على شهادة شاهد ولا تستر بمعاندة جاحد ولكن قصرت أبصار الخفافيش عن إدراك الشمس بعد أن علموا بوجود ذاتها فإن الخفافيش إذا طلعت عليهم الشمس يقولون ناموا فقد جن الليل ، علموا بوجودها وعموا عن إدراكها للقصور في أبصار الخفافيش لا أنوار الشمس .
    أنا الواحد الأحد في الأزل والأبد ، شهدتم أو جحدتم شئتم أم أبيتم ، فإن شهدتم فذلك نصيبكم من نعت القدم ، و إن جحدتم فوجود الحدوث موقوف على وجود القدم ، ووجود المُحْدَث دليل على وجود القديم ( أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) .


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: كتاب: التجريد في كلمة التوحيد - الإمام أحمد الغزالي

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أبريل 30, 2008 12:08 am

    بسم الله الرحمن الرحيم

    كتاب "التجريد في كلمة التوحيد" تابع





    فــصـــل



    " إن كنت فقيراً فلا تأتنا إتيان الأغنياء ،
    و إن كنت ذليلاً فلا تأتنا إتيان الأعزاء ،
    و إن كنت منكسراً فلا تأتنا إتيان الأقوياء ،
    و إن كنت فقيراً فالفقراء الصابرون جلساء الله ،
    و إن جئت ذليلاً منكسراً فقد قلت ُ " أنا عند المنكسرة قـلوبهم " ،
    وإن جئت ذاكراً فقد قلتُ " أنا جليس من ذكرني " ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) ،
    وإن جئت محباً فقد قلتُ ( يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ )
    و إن جئت متقرباً فقد قلتُ " مَن تقرَّب إلى شبراً تقربت إليه ذراعاً ، ومن أتاني يمشى أتيته هرولة " الخبر " ولا يزال عبدي يتقرب إليه بالنوافل حتى أحبه ، إن أحببته كنتُ له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيداً ، فبي يَسمعُ و بى يُبْصرُ و بي يبطش " الخبر " و إن جعت يوماً أو مرضت أعاتب المقصر في حقك فأقول " مَرضتُ فلم تعدني و جعتَ فلم تطعمني فيقول : كيف تجوع و أنت رب العزة فأقول مرِضَ عبدٌ من عبيدي فو عزتي و جلالي لَوْ عُـدْته لوجدتني عنده ، اخلع رداء كبريائي وعظمتي و ارتد برداء فضلى و رحمتي "

    فــصـــل



    اجعل رأس مال بضاعتك التوحيد و ملاذ أمرك التجريد ، واجعل غناك افتقارَك و عــزَّك انكسارَك وذكرَك شعارَك ومحبتَك وتقواك إزارَك ، فإن كنت مفتقراً إلى زاد وراحلة وخفير ، فاجعل زادك الافتقار ومطيتك الانكسار وخفيرك الأذكار و أنسك المحبة ومقصد سفرك القربة ، فإن ربحت في هذه البضاعة فقد ربحت كل شيء و إن خسرت فيها فقد خسرت كل شيء أترى أنت مشتر أم بائع ؟ إن كنت مشترياً ( أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى ) فأنت خاسر ، و إن كنت بائعاً ( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ) ، فأنت رابح أولئك كانت معاملتهم مع الخلق فمعامل الخلق خاسر ومعامل الحق رابح أولئك ينادى عليهم ( فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ ) وهؤلاء ينادى عليهم ( فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ) فشتان ما بينهما ، أترى من أي حزب أنت ؟ أمن حزب ( أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى ) أم من حزب ( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى ) ؟؟ إن أحببت أن تعلم من أي الحزبين أنت ، فانظر عند ذكرك الله في محل قوله ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ) فإن وجل له قلبك وخشعت جوارحك ( ثـُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ )فاعلم أنك من حزب ( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى ) و إن لم يخشع قلبك ولم تخضع له جوارحك وكان قولك " لا إله إلا الله " كقولك الحائط والجدار فاعلم أنك من حزب ( أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى ) - (ِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ) .

    فــصـــل



    من لم يكن له نصيب من قوله ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ) أي شيء يكون نصيبه ؟ إذا قلت " الله " أو قلت " لا إله إلا الله " و أنت غافل القلب هل يكون لك فيه نصيب ؟ كلا و كلا فإن من خلا قلبه عن نصيب ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ) فأي فرق بينه وبين عابد الصنم والصليب ، و أي فرق بينه وبين الصخرة والحجر ؟ ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) بالله إذا كان هذا قلب المؤمن فكيف يكون قلب الكافر ؟
    إذا كان هذا قلب الموحد فكيف يكون قلب الجاحد ؟ إذا كان هذا قلب الذاكر فكيف يكون قلب الغافل ؟ ( أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) .


    فــصـــل



    متى تنتبه من سنة غفلتك وتصحو من خمار سكرتك فتفهم ما تذكر وتعلم ما تقول ؟ أمرت بالفهم ثم بالذكر و أمرت بالعلم ثم بالقول ، فما لم تعلم لا تقل وما لم تفهم لا تذكر ، إذا قلت " لا إله إلا الله " و أنت غافل القلب غائب الفهم ساهي السر فلست بذاكر ( فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) إذا ذكرته فلتكن كلك قلباً ، و إذا نطقت له فلتكن كلك لساناً ، و إذا سمعت فلتكن كلك سمعاً و إلا فأنت تضرب في حديد بارد كما قيل :


    <> doPoem(0)

    إذا ذكرتك كاد الشوق يقتلني و غفلتي عنك أحزان و أوجاعُ

    فصار كلى قلوباً فيك واعية للسقم فيها وللآلام إسراعُ


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: كتاب: التجريد في كلمة التوحيد - الإمام أحمد الغزالي

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أبريل 30, 2008 12:09 am

    بسم الله الرحمن الرحيم

    كتاب "التجريد في كلمة التوحيد" تابع

    فصل




    إن سلط سلطان " لا إله إلا الله " على مدينة إنسانيتك لم يبق في دائرة دارك ديار ، ولم يسلكها أحد من الأغيار و لم يبق لك مع غيره قرار ، و لا تُبقِى و لا تذر ( إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ) فيصير عز كبرك مذلة و تواضعاً ، و عز كثرتك قلة ، وعز وجودك محواً ، وعز بقائك فناء ، وتتبدل كل صفة مذمومة بصفة محمودة، وتنقل من عز هو ذل إلى ذل هو عز ، ويقطع منها شجر صفاتك المذمومة ، ويزول عنك عوسج الكفر والتعطيل ، ويذهب منها شوك التشبيه و التمثيل ، ويغرس فيها ريحان الإيمان و التوحيد ، وينبت فيها التنزيه و التفريد ، وتتنوع صفاتك المحمودة ( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا)



    فصل



    كل سلطان لولايته أمد معدود وحد محدود إلا سلطان " لا إله إلا الله " ، فإن ولايته ثابتة أبد الأبد باقية مدى السرمد ، شملت الأولين و الآخرين طائعين وكارهين وعمت أهل السموات و الأرضين ( إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ) و لكن عبد أتى طوعاً وشوقاً ومحبة وعبد أتى كرهاً وسوقاً وقهراً ( وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا ) ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى )فعالم الفضل قالوا : بلى ؛ طوعاً وعالم العدل قالوا : بلى ؛ كرهاً ، أخرجهم من ظهر آدم عن هيئة الذر ثم فرقهم فرقتين وجعلهم عالمين ، فعالم الفضل عن يمينه و عالم العدل عن شماله ، ثم خلق لهم آلة الفهم والسمع والنطق ثم خاطبهم و أشهدهم على أنفسهم الآية ، فأقر بالوحدانية و أذعنوا بالفردانية فقالوا " بلى " ، فعالم الفضل قالوا : بلى طائعين مسرعين وعالم العدل قالوا : بلى كارهين متثاقـلين ، ثم أخذت شهادة كل واحد منهم مما شهد على نفسه ( أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) فلما خرجوا من عالم القدرة إلى عالم الحكمة ظهر من كل واحد منهم ما كان يضمره من توحيد وجحود ، فعالم الفضل قالوا : بلى مع اعتقاد الصدق فوفوا بعهده وحافظوا على ميثاقه ، وعالم العدل قالوا : بلى مع اعتقاد الجحود فخانوا العهد وضيعوا الميثاق فبرز نعت القدم لعالم الفضل بالمدح لهم والثناء عليهم ( الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ ) وبرز لعالم العدل بالقدح فيهم و الازدراء عليهم فقال ( الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ ) ثم في عرصات القيامة إذا بسط الصعيد بظهر سلطان " بلى " على كل العالمين فيشهد لعالم الفضل بالأمانة ويشهد على عالم العدل بالخيانة ثم يحشر لكل واحد كتابُ إقراره وشهادته على نفسه ( وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) .






    فصل




    أشهد على نفسك بنسيانك لعلمه ( أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنـَسُوهُ )
    أشهدك على نفسك لعلمه بأنك ظلوم جهول ( وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا )
    أشهدك على نفسك حتى لا يقبل إنكارك بعد إقرارك ،
    ولما أشهدهم على أنفسهم و أخذ على كل العالمين العهد والميثاق اشترى من عالم الفضل أنفسهم علماً منهم بأنـهم يضعفون عن مجاهدتها ومكابدتها فقال - سبحانه وتعالى - ( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ) .

    فصل




    و إنما قال " اشترى أنفسهم " ولم يشتر " قلوبهم " ، لأن القلب لما كان لا يستعبده شيء من المخلوقات ولا يسترقه شيء من الموجودات ، لأنه لا يأنس إلا الحق و لا يطمئن إلا بذكره ، خلص عن رق الأغيار فصار بمنزلة الحُـرِّ ، والحـُرُّ لا يباع ولا يشترى ، كالنفس لما كانت تسكن إلى الشهوات وتركن إلى اللذات وتستعبدها كل شهوة وتسترقها كل لذة صارت بمنزلة العبد ، والعبد يباع ويشترى ويجوز عليه البيع والشراء ، هذا رشح من إناء ماء ظاهر الشرع ومزاج من العلم الظاهر ،لأن الكلام يجرى على قدر نقد الوقت ، إن صفوت صفا لك و إن مزجت مزج لك . جواب آخر : إنما كان الشراء للنفس دون القلب ، لأن القلب مشتغل بالحق دون الخلق والنفس مشتغلة بالخلق دون الحق فاشترى النفس لشغلها بالخلق عن الحق . و إن شئت قلت : لأن النفس جُـبـِلتْ على صفات مذمومة وخصال سيئة وهى محل الآفة ومواطن المخالفة ، والقلب جُـبـِلَ على صفات محمودة وخصال حسنة ، وهو موطن الطاعة والعبادة فاشترى الأنفس دون القلب لتنقلها من الصفات المذمومة إلى الصفات المحمودة ومن صفاتها إلى القلب .


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: كتاب: التجريد في كلمة التوحيد - الإمام أحمد الغزالي

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أبريل 30, 2008 12:10 am

    بسم الله الرحمن الرحيم

    كتاب "التجريد في كلمة التوحيد" تابع





    فصل




    و لما وضعت النفس في كفة البيع والشراء وجرى عليها التسلم و التسليم تسلمها الحق - سبحانه وتعالى - إلى الملك و ألهمها قبول ما يلقى إليها من الخير ، فالملك أبداً يدعوها إليه و يرغبها فيه و يحذرها من الشر و يرغبها عنه إلى أن تأنس به وتسكن إليه وتنقاد له ، فإذا سكنت إليه و انقادت له سلب عنها كل صفة مذمومة و يودع فيها كل صفة محمودة ، فتخرج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ومن ظلمة كل صفة مذمومة إلى نور كل صفة محمودة ، فإذا خرجت عن ظلمة أوصافها و رجعت عن معاندتها وخلافها و انقادت للأمر و رضيت به وسكنت له واطمأنت إليه حينئذ يدخلها في زمرة عباده فقال - تعالى - ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي ) و أما عالم العدل فنافقوا في عالم القدرة
    وجحدوا في عالم الحكمة فلم يصلح أن تكون أنفسهم محلاً لشرائه فأبعدها عن حفظه وكلأه فسلمها إلى الشيطان و ألهمها قبول ما يلقى إليها من الشر ، فهو أبداً يأمرها بالفواحش و يغريها بالخبائث و يدعوها إلى ما عجن في طينتها وجبل في أصل خلقتها من الانغماس في الشهوات و التهافت على المعاصي و المخالفات حتى تصير شيطاناً مارداً لما يأمرها به مساعداً فتصير ناهية عن الخير أمارة بالسوء ( إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) وهى من أقوى أعوانه و أوفى أقرانه ( وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) .







    فصل




    عالم الفضل أشهدهم على أنفسهم و ألهمهم التوحيد والتقوى ،
    وعالم العدل أشهدهم على أنفسهم و ألهمهم الفجور والمعصية ،
    ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ) .
    عالم الفضل عاملهم وعالم العدل أهملهم ، عالم الفضل عاملهم بفضله فهداهم ، وعالم العدل أهملهم بعدله فأقصاهم .





    فصل




    ليس الخوف من سوء العاقبة و إنما الخوف من سوء السابقة " إن الله خلقَ الخلقَ في ظُلمةِ ثُمَّ رشَّ عليهم من نوره فضلاً ، فمن أصابه من ذلك النُّورِ اهتدى ومَن أخطأه ضلّ " خلق الخلق عدلاً ورش عليهم من نوره فضلاً ، فمن أصابه من ذلك النور كان من عالم الفضل ومن أخطأه كان من عالم العدل ، وليس ذلك النور عبارة عن شعاع ينبسط على صورهم و أشباحهم و إنما هو عبارة عن نور ينبسط على قلوبهم و أرواحهم ، و هو عبارة عن نور الهداية ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ ) في قلوب المؤمنين ( كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ) فالمشكاة بمنزلة بشريتك ، والمصباح بمنزلة نور توحيدك ، والزجاجة بمنزلة قلبك ، وتشبيه المشكاة بالبشرية لما في البشرية من الكثافة فهو محل ظلمة و سواد والمصباح كلما كان في الظلمة والسواد كان أشد في الاشتعال و الإيقاد ، وتشبيه نور التوحيد بنور المصباح ليستضيء به ما يجاوره و يحل فيه ، وتشبيه القلب بالزجاجة لما فيها من اللطافة ، فإن الزجاجة شفافة تطرح أشعة الأنوار على ما يقابلها ويحاذيها من الأجرام ، والقلب شفاف تعبر منه أشعة أنوار التوحيد إلى ما وراءه من الجوارح و إليه الإشارة بقوله - عليه الصلاة والسلام - " لو خَشَعَ قلبُهَ لخَشَعَتْ جوارحُه " وتشبيه الزجاجة بالكوكب الدري إشارة إلى إشراقها و استنارتها ، و الدري منسوب إلى الدُّر وهو مبالغة في استنارته وصفاء جوهريته ( يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ) وذلك أكثر إيقاداً و أصفى لدهنها ، وكذلك شجرة التوحيد لا شرقية ولا غربية ولا معطلة ولا وثنية و لا دهرية و لا ثنوية و لا يهودية و لا نصرانية و لا مشبهة و لا معتزلة و لا قدرية و لا جبرية ، بَلْ مُـحَـمَّـديّة عَـلويّة ، وكما أن تلك الشجرة لا شرقية و لا غربية، وكذلك شجرة التوحيد لا سماوية و لا أرضية و لا عرشية و لا فرشية و لا فوقية و لا تحتية و لا عُـلْـوية و لا سفلية ، انفصلت عن الخلق و طارت في طلب الحق فهي عن الخلق منفصلة و بالحق متصلة فصارت لا شرقية و لا غربية و لا دنيوية و لا أخروية ولا تريد لذة الدنيا و لا تريد لذة الآخرة ( يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ) و إن شئت تقول : لا شرقية و لا غربية لا ترغب في الجنة ولا تخاف من النار ، و إن شئت تقول : لا شرقية و لا غربية لا يغلب عليها الخوف فتيأس من روح الله - تعالى - و لا يغلب غليها الرجاء فتأمن مكر الله - تعالى - فهي واقفة بين الخوف والرجاء " لو وُزِنَ خوفُ المؤمن و رجاؤهُ لاعتدلا " فهي لا شرقية ولا غربية ( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ) أي لصفائه و إشراقه ( نُّورٌ عَلَى نُورٍ ) نور الدهن على نور المصباح و نور المصباح على نور الزجاجة ( يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء ).



    إن أشرقت شمس التوحيد من فلك التفريد على أرض قلبك اضمحلت رسوم نفسك و انقشعت ظلمات بشريتك ( وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ) و رأيت صفوة الخلائق و سائر الأنبياء يسيرون تحت لواء " لا إله إلا الله " كل نبي زمرته و أتباعه، بالله هل لك معهم نفس ، أو فيما بينهم قدم ؟ لا ، كلا كلا ، و لا مشيت قدماً فى متابعتك أو راعيت نفساً في مراقبتك ، بل عبادتك مشوبة بالحظوظ وخلواتك ممزوجة بالأغراض و أذكارك مخلوطة بالغفلات و حركاتك و سكناتك مشوبة بسوء الأدب ، أترى إذا صليت و قلت " وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ " و أنت ملتفت إلى غيره هل تكون قد توجهت إليه ؟ و إذا أمسكت عن طعامك وشرابك عادة لا عبادة ، هل أمسكت لأجله ؟ كلا " كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ، وكم من مصلّ ليس له من صلاته إلا التعب والنصب " تالله مجرد الصورة لا يكفى ومجرد القول لا يغنى (إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا ) الآية . القول بمنزلة الورق من الشجرة ، فإنّ كلمة التوحيد بمنزلة الشجرة ( كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ ) فعروق هذه الشجرة التصديق و ساقها الإخلاص و أغصانها الأعمال و أوراقها الأقوال ، فكما أنّ أدنى ما في الشجرة الأوراق فكذلك أدنى ما في الإيمان الأقوال .

    فصل




    اعلم أن شجرة " لا إله إلا الله " شجرة السعادة ، فإن غرستها في منبت التصديق و سقيتها من ماء الإخلاص و راعيتها بالعمل الصالح رسخت عروقها وثبت ساقها و اخضرت أوراقها و أينعت ثمارها و تضاعف أكلها ( تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ) . فإن قلت ما ثمرة هذه الشجرة ؟ قلت : اليقظة و التوبة و الزهد والورع و التوكل والتسليم والتفويض ، وكل صفة من الصفات الباطنة الروحانية ، و كل خصلة من الخصال المحمودة الظاهرة الجسمانية فإن تلك الشجرة ( تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ) وهذه الشجرة تؤتى أكلها كل حين و لكن تلك حينها كل ستة أشهر وهذه حينها كل لحظة ، ونفس ثمرة هذه الشجرة قوت لعالم الأرواح وثمرة تلك الشجرة قوت لعالم الأشباح . هذه قوت لعالم المعاني و الأسرار وتلك قوت لعالم الصور و الآثار ، و إن غرست هذه الشجرة في منبت التكذيب والشقاق وسقيتها من ماء الرياء و النفاق و تعاهدتها بالأعمال السيئة و الأفعال القبيحة و راعيتها بنقض العهد و تضيع الأمانة ، طفح عليها غدير الغدر و لقحها هجير الهجر فتأثرت ثمارها و تساقطت أوراقها و انقعس ساقها و تقطعت عروقها وهب عواصف القدر فمزقتها كل ممزق ( وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ).

    فصل




    من استظل بظل هذه الشجرة فقد ظفر ومن لا فقد خسر ، ومن تعلق بهذه فقد سعد سعادة الأبد ومن لا فقد شقي شقاوة الأبد ، ومن تعلق بغصن من أغصانها رفعه إلى أعلى الدرجات ومن لا وضعه في أدنى الدركات .



    فصل




    " لا إله إلا الله " هي الكلمة العالية الشريفة الغالية ، من استمسك بها فقد سلم ومن استعصم بعصمتها فقد عصم " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله ألا الله فإذا قالوها فقد عصموا منى دماءهم " الخبر ، هذا توقيع العصمة الدنيوية . و أما توقيع العصمة الأخروية " لا إله إلا الله حصني ، فمن قال لا إله إلا الله دخل حصني و من دخل حصني أمن من عذابي ، ومن قال لا إله إلا الله دخل الجنة " .

    فصل




    هذه الكلمة نتيجتها معرفة الوحدانية و ثمرتها الإقرار بالفردانية و ذلك هو من وجود الموجودات وكون الكائنات ، لولا معرفة الوحدانية و الإقرار بالفردانية لما سحب ذيل الوجود على موجود و لا خرج من كتم العدم مفقود ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ). " عبدي خلقتك من أجل التوحيد و خلقت الأشياء كلها من أجلك من العالم العلوي و العالم السفلى وما بينهما من الموجودات من الحيوانات و النباتات و الجمادات . السماء تظلك و الأرض تقلك و الملائكة تحفظك و النيرات العلوية تنور عليك و الموجودات السفلية محل تصرفك فالكل مخلوق لأجلك و أنت مخلوق من أجل التوحيد ، فكل الخلق إذن إنما خلق لأجل معرفة الوحدانية و الإقرار بالفردانية " كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق " .


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: كتاب: التجريد في كلمة التوحيد - الإمام أحمد الغزالي

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أبريل 30, 2008 12:10 am

    بسم الله الرحمن الرحيم

    كتاب "التجريد في كلمة التوحيد" تابع

    فصل



    عرف عبدي إني خلقت الأشياء كلها من أجلك و خلقتك من أجلى فاشتغلتَ بالنعمة عن المنعم و بالعطاء عن المُعْطِى ، فما أدّيتَ شكرَ نعمته و لا راعيت حرمةَ عطائه . كل نعمة شغلتك عنى فهي نقمة ، وكل عطية ألهتك عنى فهي بلية .
    ســــؤال :- مـــا شكر النعم ؟
    الجواب :- شكر النعمة هو الثناء على المنعم بما أنعم عليك و أسداه إليك ،
    و إن شئت أن تقول : الشكر هو أن تستعين على طاعته ،
    الشكر هو أن لا تشتغل بنعمته عنه .
    الشكر هو رؤية المنعم فيما أنعم به ،
    شكر النعمة مظنة النوال و كفرها مظنة الزوال ؛
    شكر النعمة مظنة الإبصار وكفرها مظنة البوار ،
    شكر النعمة مظنة للمزيد و كفرها مظنة للعذاب الشديد
    ( لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) .





    فصل




    عبدي أنا الذي أفعل ما أشاء و أحكم ما أريد ، أعطى لا لباعث و أمنع لا لحادث و أسعد لا لعلة و أخلق لا لقلة و أبتلى بالشكر لا لحاجة و قد خلت الأحدية و تقدست الصمدية عن البواعث و العلل ، لو كانت الإرادة هي عن باعث لكان محمولاً و لو كانت عن حادث لكان معلولاً و ليس بمحمول و لا معلول بل خالق البواعث و العلل
    (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ).





    فصل



    عبدي ليس في الوجود إلا أنا فلا تشتغل إلا بى و لا تقبل إلا علىّ إن حصلت لك فقد حصل كل شيء ،و إن فتك فقد فات كل شيء ، و إن رفعت إلى ذروة الأكوان و ترقيت إلى آن الإمكان وأعطيت مفاتيح كنوز الكونين و سيقت إليك ذخائر الدارين واغتررت بشيء منها طرفة عين فأنت مشتغل عنا لا بنا و مقبل على غيرنا لا علينا ،إن قنعت بنعيم العاجلة فأنت هالك..
    (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ ) و إن قنعت بنعيم الجنة فأنت من البله ، من اشتغل بالدار عن الجار فهو أبله ، و من اشتغل بالرزق فهو أبله ، و إن متعت بنعيم الدنيا فاتك نعيم الآخرة، و إن متعت بنعيم الآخرة فاتك نعيم الدنيا .
    و السعادة ما لم تخسر الدنيا و الآخرة ( تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ) لا تصلح لطلبنا و لا تدخل فى دائرة إرادتنا و لا تكون بنا و لا بنا و أنشد بلسان حالك :-



    <> doPoem(0)

    و لما رأيت الحب قد مـد ج سـره و نودي بالعشـاق ويحكـم مـروا

    أتيت مـع العشـاق كيمـا أجـوزه فصادفني الحرمان فانقطـع الجسـر

    أحاطت بى الأمواج من كل جانـب و نادى منادى الهجر قد عجز الصب ر





    هذا العقد إن رضيت به و إلا فعليك بدين العجائز تعجز بمعاجز النساء و اقعد في بيت تخلفك و اجلس في زاوية إدبارك
    (إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الخَالِفِينَ ).







    فصل




    مريد الدنيا كثير و مريد الآخرة كثير و مريد الحق عزيز خطير . المريد على قدر خطر الإرادة ،و خطر الإرادة على قدر خطر المراد، و خطر الخلق يسير ، فخطر إرادته يسير ، فخطر مريده يسير .
    و خطر الحق خطير ، و خطر إرادته خطير ، فخطر مريده خطير. من أراد من الملك الدخول إلى عرصة داره و الجلوس على مائدة كرامته لا يكون كمن يريد من الملك جيفة ملقاة في إصطبل دوابه ، و من أراد من الملك الجلوس معه على بساط قربه فى حجرة خلوته لا يكون كمن أراد منه الدخول إلى ضيافته و الخلاص من سجن مهانته .للمجاورة أثر في المجاورة ، فمجاورة تكسب شرفاً و مجاورة تكسب دناءة و من جاور الملك في دار كرامته اكتسب شرفاً ، و من جالس الملك على بساط قربه في حجرة خلوته ازداد شرفاً ، لكل درجة ، و لكل مقام ( هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ ) ، ( وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ).
    أقوام قاموا فى عالم الطبيعة و استولت عليهم ظلمات عالم البشرية فعميت عليهم بصائرهم عن إرادة الأعلى فتعلقت إرادتهم بالأدنى و تشبثت هممهم بحظوظ الدنيا و هي الجيفة الملقاة في إصطبل الدواب فحبطت أعمالهم و خابت آمالهم و عذبوا بعذابين :-
    *عذاب الفرقة في الحال ................*و عذاب الحرقة في المآل
    ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ )
    أقوام اجتهدوا في مفارقة عالم الطبيعة و الخلاص من ظلمة عالم البشرية فاشتغلوا بالرياضة و تزكية النفوس و الطهارة فارتقوا عن تلك الدرجة و علوا عن تلك الزينة غير أنهم بقيت عليهم بقية من عالم الطبيعة و البشرية فلم تكمل لهم إرادة الحق فتعلقت إرادتهم بالنجاة من النار و هي سجن المهانة .
    و أقوام غلب عليهم الخوف فتعلقت إرادتهم بالنجاة من النار و هي سجن المهانة .
    و أقوام غلب عليهم حب الرجاء فتعلقت إرادتهم بالجنة وهى دار الكرامة ، و هؤلاء قوم اشتغلوا بالعالي عن الأعلى و بالكامل عن الأكمل و بالشريف عن الأشرف ، و هذه الفرقة و إن لم يعذبوا فى المآل بنار الحرقة فقد عذبوا في الحال بنيران الفرقة ، و نيران الفرقة عند الأحباب أشد من نيران الحرقة
    كما قيل :-









    و لو سلطت نار التفرق و الهوى على سقر يومـاً لـذاب لهيبهـا

    أشد جحيم النـار أبـرد موقعـأ على كبدي من نار بين أصيبهـا





    أقوام فارقوا عالم الطبيعة و طاروا عن عش عالم البشرية و لم يبق عليهم من رسومهم بقية فجازوا الأكوان و عبروا الموجودات و غابوا عن الخلق فتعلقت إرادتهم بالحق فهو مرداهم و مقصودهم و لسان الحق ينطق عنهم ما لنا و الاشتغال بالدنيا و العقبى ؟ ما لنا و الاشتغال بالجنة و النار ؟ لا نشتغل بدنيا و لا عقبى و لا بجنة و لا بنار ،إن رضي عنا فهو قادر أن ينعمنا في النار ،و إن غضب علينا نعوذ به منه فهو قادر أن يعذبنا في الجنة ، و لو عبدناه رغبة في جنته أو رهبة من ناره لكنا ممن يعبده على حرف و قد عاب ذلك على أقوام فقال تعالى :
    ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ) فنعبده له لا سواه ( يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) فحصل لهم الملك ملك الدنيا و ملك العقبى ، فهم الملوك في زى المساكين،من ادعى محبته كذب باشتغاله عنه بلذيذ الطعام و الشراب، ومن اشتغل بنعيم الجنة فهو كذاب ،
    *إن قاموا فيه....* أو قعدوا فمعه ،....* و إن نطقوا ففيه ،....*و إن أخذوا فمنه،....
    *و إن نظروا فإليه ،......* و إن غضبوا فعليه،
    به يسمعون و به يبصرون وبه ينطقون و به يبطشون ، و إليه الإشارة بقوله
    " كنت له سمعاً و بصراً و يداً و مؤيداً فبي يسمع و بى يبصر و بى يبطش " الخبر
    ما جعل لغيرهم وعداً عجل لهم نقداً و ما جعل لغيرهم شاهدوا عياناً . فهم في زواياهم وعلى سجادتهم ، و هم في الشرق و هم في الغرب و هم في الفرش و هم في العرش . و إن لم يعرج بأشباحهم فقد شاهدوه بأسرارهم. فهم صفوة الحق و مقصود الكون من الخلق ، بهم يرزقون و بهم يخلقون .أخلصوا لله في العبودية و التوحيد و صدقوا في الإرادة و التجريد . فطوبى لهم بل طوبى لمن آمن بهم ، و لقد عاتب الحق سبحانه نبيه سيد الأحباب في مثل حالهم بأشد العتاب فقال:
    ( وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ و َالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ).


    * سؤال :- ما الإرادة ؟
    * الجواب : الإرادة عقد القلب على طلب الرب .
    الإرادة ترك الممالك و ركوب المهالك .
    الإرادة ترك الراحات و الإعراض عن المباحات .
    الإرادة الاحتراق بنيران الطلب .
    ألا ترى احتراق الفراش في نار الشمعة. فإن الفراش المسكين يتهافت على الوقوع في النار و الاحتراق بالنار كأن حياته في احتراقه . هذا مع صغر شأنه و صغر مطلوبه يتلف نفسه في محبوبه و أنت مع كمالك و كمالية محبوبك تتوقف في بذل نفسك و محو وجودك كأن الأبدية متوفقة على وجودك. و ذلك المسكين متهافت متهالك على إتلاف نفسه في مطلوبه و مراده فكان حياته في إبطال حيلته و أنت تسمع منادى القدم ينادى فوق سطح قصر دائرة الأزل
    (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)
    و أنت توقف في قصر شأن إرادتك عن شأن إرادة فراشه . و من كان هكذا فليس بصادق في الإرادة،لا بل ليس له نصيب في اللذاذة .





    فصل



    فلا بد لك من بذل نفسك و محو وجودك إما نحن و إما أنت، فنفسك حجابك .
    ما لم يرتفع الحجاب فلا نحن و لا أنت و لست لنا و لسنا لك .
    إن زال عنك وجود كان بك أبقيناك بوجود هو بنا .
    من كان في الله تلفه كان على الله خلفه .
    نفسك أقل من كل شيء و مرادك أجل من كل شيء .
    فما لم تترك أقل من كل شيء لأجل كل شيء ؛ فكيف تكون طالباً فكيف تكون مريداً ؟
    ابذل النفس و قدم المهجة (فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً )
    هذا مهر الوصال و إلا فدون الوصال حد النصال . وإن كنت محباً فأنت محبوب
    (وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ )





    فصل



    يا هذا ما دمت مقبلاً على غيرنا و ملتفتاً إلى سوانا فواظب على قول " لا إله إلا الله " فإنها تمحو منك المذموم و تزيد فيك المحمود. فإن فيك وجودين :-
    وجود مذموم و وجود محمود ......و وجود عدلي ووجود فضلى .
    فوجودك المذموم من عالم العدل . ووجودك المحمود من عالم الفضل .
    و كل واحد من هذين العالمين يشتمل على أجزاء متعددة .
    فوجودك العدلي يشتمل على سبعة أجزاء عدلية و هي :-
    الحس و الشغل و الهوى و كدورة النفس و النفس و البشرية و الطبع و الشيطان من وراء ذلك .
    و الفضلى يشتمل على ثمانية أجزاء فضلية و هي :-
    الحس و الفهم و العقل و الفؤاد و القلب و الروح و السر و الهمة و الملك من وراء ذلك .
    و كل جزء من أجزاء وجودك الفضلى . فالحس يكون مذموماً و يكون محموداً . فالحس المحمود في مقابل الحس المذموم . و كدورة النفس فى مقابلة الفؤاد. و النفس في مقابلة القلب . و البشرية في مقابلة الروح .
    و الطبع في مقابلة السر. و الشيطان في مقابلة الملك .
    و أما الهمة فليس في مقابلتها جزء من المذموم لأنها جزء ثامن.
    و إنما كانت أجزاء الفضلى ثمانية و أجزاء العدل سبعة ، لأن لكل جزء من هذه الأجزاء باباً من أبواب وجودك . فجعل أبواب الفضلى ثمانية بعدد أبواب الجنة فإنها دار الفضل .
    و جعل أبواب وجودك العدلي سبعة بعدد أبواب النار لأنها دار العدل . قال سبحانه ( لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ )
    فوجودك الفضلى هو الجنة المعجلة و هو الجنة الصغرى ،ووجودك العدلي هو النار المعجلة وهو جهنم الصغرى،و كل باب من أبواب الجنة المعجلة ينقذ إلى باب من أبواب الجنة المؤجلة ، و كل باب من أبواب النار المعجلة ينفذ إلى باب من أبواب النار المؤجلة ( لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ ).


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: كتاب: التجريد في كلمة التوحيد - الإمام أحمد الغزالي

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أبريل 30, 2008 12:12 am

    بسم الله الرحمن الرحيم

    كتاب "التجريد في كلمة التوحيد" تابع

    تتمة الكتاب



    فصل



    فإن أشرق نور هذه الكلمة على جزء من أجزائك الفضلية ذهبت ظلمة ما يقابلها من أجزائك العدلية فإن أشرف نور الكلمة مثلاً على السر ذهبت ظلمة الطبع و إن أشرق على الروح ذهبت ظلمة البشرية ، و أشرق على القلب ذهبت ظلمة النفس و كذلك سائرها ، فإن أجزاءك الفضلية في اللطافة بمنزلة الجوهرة الشفافة تطرح شعاعها على ما يقابلها و يحاذيها ، و مثال ذلك مثال مصباح في قنديل و القنديل في زاوية أو بيت مظلم ، فإن نور المصباح يشرق على القنديل و نور القنديل يشرق على نور الزاوية أو البيت المظلم فقدر كلمة التوحيد بمنزلة المصباح و قدر جزئك الفضلى بمنزلة القنديل و قدر العدلي بمنزلة الزاوية أو البيت المظلم ، فكما أن نور المصباح يشرق على القنديل و نور القنديل يشرق على نور الزاوية أو البيت المظلم فذلك نور كلمة التوحيد يشرق على جزئك الفضلى ، وجزؤك الفضلي يشرق على جزئك العدلي ؛ وكما أن ظلمة البيت و الزاوية و تزول بمقابلة القنديل و المصباح فكذلك ظلمة جزئك العدلي تزول بمقابلة جزئك الفضلى و نور التوحيد و إليه التوحيد و عليه الإشارة بقوله :
    ( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ )
    و مما يوضح لك أن المقابلة لها أثر في تعدى النور من محل إلى محل نور الشمس فإنه ينبسط على جدار مثلاً فيستنير بنوره الجدار الذي يقابله ثم يستنير بنور الجدار جدار آخر يقابله و على ذلك لا يزال النور يتعدى من محل إلى محل آخر بطريق المقابلة إلى أن يقطع بحجاب كثيف ،فعند ذلك ينقطع التعدي هذا في عالم العينى .
    و إذا كان فى عالم العينى كذلك فإن فى عالمك الغيبى على نحو من عالمك العينى يكون فى عالمك الغيبى جزء منه ، و لهذا بقال لك العالم الأصغر ، و إذا جاز ذلك فى العالم الأكبر جاز فى العالم الأصغر . وقد يجوز أن يشرق نور الكلمة مثلاً على جزء من أجزائك الفضلية ثم يتعدى إلى السر ومن السر إلى الروح و من الروح إلى القلب إلى أن يصل إلى سائرها، فإن كل جزء من هذه الأجزاء مقابل لصاحبه و قد بينا أن المقابلة لها أثر فى تعدى الأنوار ، و إنما ينقطع التعدى بحجاب كثيف و هذه لطيفة و ليست بكثيفة فينبغى أن يتعدى من الجزء الواحد إلى سائرها فإذا كان هناك حجاب كثيف من آثار أجزائك العدلية فإنه ربما منع تعدى النور إلى ما وراءه و ذلك المثال فى ضرب المثال بمنزلة نور الشمس، فإن الشمس فى العالم العلوى فى السماء الرابعة ويصل شعاعها إلى هذا العالم السفلى لأن أجزاء السموات رقيقة لا يحجب وصول النور إلى ما وراءه فلو قدر فى مقابلتها جزء من أجزاء العالم السفلى أو حجاب كثيف كالغيم و غيره يحجب شعاعها عن وصول
    النور إليك ،فعالم وجودك الفضلى بمنزلة العالم العلوى و عالم وجودك العدلى بمنزلة العالم السفلى، فقدر الهمة من العالم الفضلى بمنزلة العرش من العالم العلوى ،و قدر الصفات السبع بمنزلة السموات السبع و قدر صفات العالم العدلى السبع بمنزلة الأرضين السبع . و كما أن العالم العلوى فى غاية اللطافة لا يحجب وصول النور من جزء إلى جزء فكذلك العالم الفضلى فى غاية اللطافة لا يحجب من وصول النور من جزء إلى جزء ، و كما أن العالم السفلى فى غاية الكثافة يحجب وصول النور من جزء إلى جزء فكذلك العالم العدلى فى غاية الكثافة يحجب وصول النور من جزء إلى جزء .





    فصل




    العالم الفضلى كله نور؛العالم العدلى كله ظلمة و هما يتعاقبان كلما ذهب جزء من العالم العدلى أعقبه جزء من العالم الفضلى فهما فى التعاقب بمنزلة الحركة و السكون أو الظل و الشمس أو الليل و النهار ، كلما ذهب جزء من الليل أعقبه جزء من النهار ، و كلما ذهب جزء من النهار أعقبه جزء من الليل ( يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ) فليلك عالم وجودك العدلى و نهارك عالم وجودك الفضلى ، فإن تكاثفت ظلمات الشرك من نفى " لا إله " على نهار وجودك الفضلى ذهب نوره و صار عدلياً ، و إن طلعت شمس الوحدانية من برج الفردانية فى سماء " إلا الله " على ليل وجودك العدلى أذهب ظلمته و صار فضلياً فمسكن " لاإله " عالم وجودك العدلى و مسكن " إلا الله " عالم وجودك الفضلى ﻓـ " لا إله " ظلمة و مسكنه منك محل الظلمة
    و " إلا الله " نور و مسكنه منك محل النور ، فإذا اتصلت حدود " لا إله " بإثبات " إلا الله " انعسكت أنوار الإثبات على ظلمة النفى فصار الكل نوراً و إثباتاً محضاً و ذهبت ظلمة النفى بنور الإثبات ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ )فإذا ذهبت ظلمة النفى بنور الإثبات استنار به عالم وجودك العدلى و انقلبت أجزاؤه العدلية فضلية:
    فصار الحس المذموم حساً محموداً ....و صار الشغل فهماً. و الهوى عقلاً . و كدورة النفس فؤاداً. و النفس قلباً و البشرية روحاً. و الطبع سراً ..و الشيطان ملكاً و إليه الإشارة بقوله-صلى الله عليه و سلم- :" أسلم شيطانى "...





    فصل


    اعلم أن السالك له ثلاثة منازل :
    فالمنزل الأول عالم الفناء
    و المنزل الثاني عالم الجذبة
    و المنزل الثالث عالم القبضة .
    فإذا كنت فى عالم الفناء فواظب على قول " لا إله إلا الله "
    و إذا كنت فى عالم الجذبة فواظب على قول " الله الله "
    و إذا كنت فى عالم القبضة فواظب على قول " هو هو "
    و إنما كان ذكرك فى عالم الفناء " لا إله إلا الله "
    و ذكرك فى عالم الجذبة " الله الله "
    و ذكرك فى عالم القبضة " هو هو "
    لأنك ما دمت سالكاً فى عالم الفناء فالغالب عليك عالم وجودك العدلى ،
    و ما دمت سالكاً فى عالم الجذبة فالغالب عليك عالم وجودك الفضلى
    فاجعل ذكرك فى عالم الفناء " لا إله إلا الله " لأن المستولى عليك عالم وجودك العدلى و صفاتك المذمومة ،و اجعل ذكرك فى عالم الجذبة " الله الله " ، لأن المستولى عليك عالم وجودك الفضلى
    و صفاتك المحمودة لأن كلمة " لا إله إلا الله " خاصيتها فى النفى و المحو ، و كلمة " الله " خاصيتها فى التقوية و التنزيه المحمود،
    و ما دمت فى عالم الفناء فأنت إلى النفى و المحو أحوج لأن الغالب عليك الصفات المذمومة ،
    وما دمت فى عالم الجذبة فأنت إلى التقوية و التنزيه أحوج لأن الغالب عليه الصفات المحمودة .
    أما اختصاص عالم القبضة بقولك " هو هو "لأنك متى وصلت إلى هذا العالم فقد ذهبت عنك كدورات صفاتك العدلية و أشرقت عليك أنوار صفاتك الفضلية و اتصل بك بك تصرف الحق سبخانه و تعالى من غير واسطة و صرت معدوماً بالإضافة إليك موجوداً بالإضافة إليه فانياً بالإضافة إليك باقياً بالإضافة غليه فجعل ذكرك فى هذا العالم " هو هو "
    لأن الموجود " هو " و الباقى " هو " .
    و معنى قولنا " عالم الفناء " أن السالك و المريد يفنى فيه نفسه و يبقى وجوده و يمحى صفاته المذمومة ،
    ومعنى قولنا " عالم الجذبة " أنه قد وقع فى جذبة الملك ،
    و معنى قولنا " عالم القبضة " أنه وقع فى قبضة الحق سبحانه و تعالى فيتصرف فيه من غير واسطة فهذه منازل السالك .













    فصل



    اعلم أن الأولياء لهم أربعة مقامات :
    الأول :- مقام خلافة النبوة .
    و الثانى :- مقام خلافة الرسالة .
    و الثالث :- مقام خلافة أولى العزم .
    و الرابع :- خلافة أولى الاصطفاء .
    فمقام خلافة النبوة للعلماء ، و مقام خلافة الرسالة للأولياء ، و مقام خلافة أولى العزم للأوتاد ، ومقام أولى الاصطفاء للأقطاب .
    فمن الأولياء من يقوم فى العالم مقام الأنبياء ، ومنهم من يقوم فى العالم مقام الرسل ، ومنهم من يقوم فى العالم مقام أولى العزم ، ومنهم من يقوم فى العالم مقام أولى الاصطفاء .
    و معنى الولىّ على وجهين :
    الوجه الأول :- من ثبت له تصرف و ولاية على مصلحة دينية .
    و الوجه الثانى :- ليس له ولاية التصرف بالقوة بل ثبت له تصرف ولاية التصرف .
    فإن قيل : كيف يكون ولياً و ليس له ولاية التصرف ؟
    فالجواب : يجوز أن يكون ولياً على معنى أن الله قد تولى جميع أموره و هذا الولىّ ولىّ بالفعل ، إن سمع فبالحق يسمع ، و إن أبصر فبالحق يبصر ،و إن نطق فبالحق ينطق ، فهو فى عالم محبوبيته إلى ذلك و إلى ذلك الإشارة بقوله " كُنتُ لهُ سَمْعاً و بَصَراً " الخبر ، و هذا الولى لا يصلح أن يكون مربياً للخلق لأنه فى قبضة الحق مسلوب الاختيار ، و إذا كان مسلوب الاختيار عن نفسه فلا يصلح أن يكون مربياً لغيره ،
    لأن التصرف فى غيره يستدعى ولاية التصرف فى نفسه و هذا الولى مجذوب فى نفسه فكان مسلوب التصرف فى غيره ،
    ألا ترى فى عرف الشرع أن من ثبتت له الولاية على نفسه ثبتت له الولاية على غيره و من لا فلا ، و العاقل البالغ لما ثبثت ولايته على نفسه ثبتت له الولاية على غيره ، و الطفل و الصبى لما لم تثبت له الولاية على نفسه لم تثبت له الولاية على غيره .
    فالمجذوب فى قبضة الحق بمنزلة الصبى فى ولدنا فهو فى حجر المحبوبية يرضع بلبن كرم الربوبية ،وهم أطفال قهرنا فى حجر تربية إرادتنا يرضعون بلبن كرمنا ، فأما الولى السالك فيصلح أن يكون مربياً للخلق لأنه بمنزلة البالغ الذى تثبت له الولاية على نفسه و من له الولاية على نفسه
    جاز له الولاية على غيره ، فإذا جاز ذلك فى عرف الشريعة جاز فى عرف الحقيقة على وزن الشريعة ، و التفرقة بين الشريعة و الحقيقة كفر و زندقة ،
    فمثال المجذوب فى مقام المحبوبية كمثل رجل سلك به فى طريق البادية مشدود العين فهو لا يعرف موضع قدميه و لا يدرى أين يذهب ، و هذا الرجل إذا قطع الطريق ووصل إلى مراده لو سئل عن منزل من المنازل لم يكن عنده علم و لا خبر ، و كما أن الرجل لا يصلح أن يكون دليلاً فى البادية
    فكذلك المجذوب لا يصلح أن يكون دليلاً فى طريق الآخرة ، و مثال السالك فى طريق الآخرة كمثل رجل سلك طريق البادية و شاهدها و عرف منازلها و مراحلها و سهلها و جبالها و يعرفها شبراً شبراً و يعلمها و يتقنها علماً و خبراً ، و كما أن هذا الرجل يصلح أن يكون دليلاً على طريق البادية
    فكذلك السالك فى طريق المعرفة يصلح أن يكون دليلاً فى طريق الآخرة .



    فصل




    كاشف القلوب يقول " لا إله إ الله " و كاشف الأرواح يقول " الله " و كاشف الأسرار يقول " هو هو "و " لا إله إلا اله " قوت القلوب و " الله " قوت الأرواح و " هو " قوت الأسرارف " لا إله إلا الله " مغناطيس القلوب و " الله " مغناطيس الأرواح و " هو " مغناطيس الأسرار ،و القلب و الروح و السر بمنزلة درة فى صدفة فى حقة أو بمنزلة طير فى قفص فى بيت ، فالحقة و البيت بمنزلة القلب، و الصدفة و القفص بمنزلة الروح ، و الدرة و الطائر بمنزلة السر ،فمهما لا تصل إلى البيت لا تصل إلى القفص ، و مهما لا تصل إلى القفص لا تصل إلى الطير و كذلك مهما لا تصل إلى القلب لا تصل إلى الروح ، ومهما لا تصل إلى الروح لا تصل إلى السر ،فإذا وصلت إلى البيت فقد وصلت إلى عالم القلوب ، و إذا وصلت إلى القفص فقد وصلت إلى عالم الأرواح ،
    و إذا وصلت إلى الطائر فقد وصلت إلى عالم الأسرار، فافتح باب قلبك بمفتاح قولك " لا إله إلا الله " ،و باب روحك بمفتاح قولك " الله الله " و استنزل طائر سرك بقولك " هو هو " فإن قولك " هو " قوت لهذا الطائر و إليه غلإشارة بقوله تعالى " يا موسى اجعلنى طعامك و شرابك " .
    و اعلم أن تشبيه القلب بالبيت و الروح بالقفص و السر بالطير تشبيه مجازى من جهة الحس تقريب إلى فهمك و إشارة إلى أنه لا وصول إلى عالم الأرواح إلا بعد العبور عن عالم القلوب ، و لا وصول إلى عالم الأسرار إلا بعد العبور عن عالم الأرواح و إلا فالحقيقة بالعكس من ذلك ، فإن عالم الأرواح أكبر من عالم القلوب ،و عالم الأسرار أكبر من عالم الأرواح ؛ و إنما مثله الحقيقى ثلاثة دوائر بعضها محيط ببعض ،فالدائرة الكبرى عالم الأسرار و الوسطى عالم الأرواح و الصغرى عالم القلوب ، فعالم القلوب أصغر من عالم الأرواح و عالم الأرواح أصغر من عالم الأسرار، و إنما كان عالم القلوب أصغر من عالم الأرواح ،لأن عالم القلب أقرب إلى عالم الغيب و الشهادة من عالم الأرواح ، و إنما كان عالم الأرواح أصغر من عالم الأسرار ،لأن عالم الأرواح أقرب إلى عالم الأشباح من عالم الأسرار ، فكل ما كان إلى عالم الأشباح أقرب كان إلى الأصغر أقرب ، وكل ما كان عنه أبعد كان إلى الأكبر أقرب ، و لأن عالم الأشباح عالم الضيق و الحرج و الزحمة ، و عالم الأرواح و الأسرار عالم الفسحة و الروح ، و كل ما كان أصغر مما هو أقرب إلى عالم الملك و الملكوت و السعادة كان أقرب مما هو أقرب إلى عالم الغيب و الشهادة و هو عالم الأسرار ؛فافهم أيدك الله بالفهم .



    فصل




    بالله يا أخى هل لك فى هذه السماء نجم ؟ أو من هذه البحار قطرة ؟ كلا كلا ، بل نفس مستولية و بشرية غالبة ، فطبع ظاهرك

    (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا )

    فاخرج من عالم النفس إلى عالم القلب و من عالم البشرية إلى عالم الروح ،
    و من عالم الطبع إلى عالم السر، و من ظلمة وجودك إليه ، فتشاهد ما لا عين رأت و لا أذن سمعت (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)



    فصل




    عالم النفس و عالم البشرية و عالم الطبع مهاو و دركات لعالم العدل ، و عالم القلب و عالم الروح و عالم السر معارج و درجات لعالم الفضل ، فعالم النفس درك للعاصين و عالم البشرية درك للكافرين ، و عالم الطبيعة درك للمنافقين .
    ( إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) و أما عالم القلب فمعراج المريدين و عالم الروح معراج الصديقين و عالم السر معراج المرادين و إن شئت أن تقول عالم القلب معراج أهل البداية و عالم الروح معراج أهل التوسط و الكفاية و عالم السر معراج أهل الوصول و النهاية .
    ( وجه آخر ) عالم القلب معراج التوابين و عالم الروح معراج المحبين و عالم السر معراج العارفين ، فمهما لم ترق من حضيض طبعك و بشريتك و نفسك لا تصل إلى عالمهم فإذا ترقيت من درك طبعك و بشريتك و نفسك
    فحينئذٍ يستقبلك تصرف الحق فيك " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء " فتارة يقلبه من قبض إلى بسط و من خوف إلى رجاء و من بقاء إلى فناء و من صحو إلى محو و من طرب إلى حزن
    و تارة يعكس هذه الأحوال و يغير عليه هذه الأوصاف و هو أبداً بين قبض و بسط و خوف و رجاء و فناء و بقاء و محو و صحو و طرب و حزن ،

    و تارة يجذبه عنه و يوصله إلى أعلى مراتب السائرين عنه

    و تارة يرده عنه فيوقفه فى أدنى منازل المنقطعين عنه .

    جذبة من جذبات الحق توازى عمل الثقلين .





    فصل




    اعلم أن هذا التعدد و التنوع و التغير إنما هو بالنسبة إلى متعلقات صفاته إذ هو واحد فى ذاته و صفاته علمه واحد و هو محيط بجميع المعلومات و قدرته واحدة و هى محيطة بجميع المقدورات و العلم واحد و المعلومات متعددة و القدرة واحدة و المقدرات متعددة و تصرفه فيك واحد و تصرفاتك متعددة و ذكر الإصبعين و اليدين و أمثال ذلك على سبيل التشبيه و ذكر الإصبع على جهة التثنية إشارة إلى سرعة التقليب من حال إلى حال و إلا فهو مقدس عن أن يكون جسماً أو جوهراً أو عرضاً بل هو خالق الموجودات و الأجسام و الجواهر و الأعراض لأنه لو كان جسماً لكان مؤلـَّـفاً و هو سبحانه و تعالى مؤلـِّـف و ليس بمؤلـَّـف لو كان جسماً لكان مكيفاً و هو سبحانه ليس بمكيف لو كان جسماً لكان مصوراً و هو سبحانه ليس بمصور لو كان مؤلـَّـفاً لافتقر لمؤلـِّـف لو كان مكيفا لافتقر إلى مكيف و او كان مصورا لافتقر إلى مصور و هو سبحانه و تعالى مبدع التأليف و التكييف و التصوير ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) و لو كان عرضاً لافتقر إلى محل يقوم به و هو سبحانه منزه عن أن يخل فى شىء أو يقوم بشىء بل هو قبل كل شىء كان و لا مكان و إنس و لا جان و لا سماء و لا أرض و لا عرش و لا فرش و لا ملك و لا فلك و لا شمس و لا قمر و لا عين و لا أثر و لا حجر و لا مدر و لا ماء و لا شجر و لا فضاء و لا ضياء و لا ظلال و لا وراء و لا أمام و لا يمين و لا شمال و لا فوق و لا تحت و لا نبات و لا جماد ، كان قبل كل الأكوان و هو الآن كما كان و لا يزال على ممر الدهور و الأزمان قربه بغير اتصال و بعده بغير انفصال و فعله بغير الجوارح و الأوصال منزه برىء عن الاستقرارو الانتقال و تعالى عن التحول و الزوال و تقدس عن الحلول فى المحال لا إله إلا الله الكبير المتعال عن الوهم و الحس و الخيال ليس له شكل و لا تصوير و لا مثل و لا نظير و لا معين و لا ظهير و لا وزير و لا مشير
    ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) ليس له ندُ و لا حد و لا تحيط به الجهات و لا تغيره الحالات و لاتشبه ذاته الذوات و لا تشاكل صفاته الصفات تقدست ذاته عن سمات الكائنات و صفاته عن صفات الحادثات تنزه القدم عن الحدوث و تقدس القديم
    عن المحدَث.
    إن قلت كم.......... فقد كان قبل الأجراء و الأبعاض
    إن قلت كيف.......... فقد كان قبل الأحوال و الأعراض
    و إن قلت متى .............فقد كان قبل الزمان
    و إن قلت أين .............فقد كان قبل وجود المكان
    و سبق الأشياء كلها وجوداً و أخرجها من كتم العدم فضلاً و جوداً
    ( هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ )
    أول ليس قبله شىء
    و آخر ليس بعده شىء
    ظاهر ليس يستره شىء
    باطن أى لا يكنفه شىء ،
    واحد ليس كمثله شىء .



    فصل




    فإذا وصلت إلى عالم الفناء اتصل بك تصرف الحق فيكون حجرك إكسيراً عزيزاً و انقلب نحاسك ذهباً إبريزاً و أودع فيك من أنوار التنزيه و التوحيد ماتنفى معه كل شرك و تشبيه و تعطيل و تمويه فتصفو بصفاء التوحيد عن كدورات صفاتك و تقدس به عن دنس مخالفاتك فحينئذٍ يُدخلك فى زمرة السالكين و يسيرك فى منازل السائرين إلى أن تبلغ إلى أعلا منازل القلب من الرضا و التسليم و التفويض و الطمأنينة و السكينة
    ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ ).

    فصل




    فإذا وصلت إلى عالم الروح برز لك نعت القدم بتنصيص التخصيص و منشور التشريف من ياء إضافة ( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي )و هذه إضافة تفصيل القدم للحدوث و تسجيل القديم للمحدث فكاد هذا التشريف أن يصل القديم بالمحدث تنزه القدم عن الحدوث و تنزه القديم عن المحدث و جلت الأزلية عن الوصل إضافتك إليه إضافة مزية لا إضافة جزئية إضافتك إليه إضافة خصوصية لا إضافة بعضية إضافة قربة لا لإضافة نسبة إضافة كرم لا إضافة قدم و هو منزه عن كل إضافة و إن قال ( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ) .


    _________________
    خليفتي كذاتي
    avatar
    Admin
    Admin

    المساهمات : 1949
    تاريخ التسجيل : 10/01/2008

    رد: كتاب: التجريد في كلمة التوحيد - الإمام أحمد الغزالي

    مُساهمة  Admin في الأربعاء أبريل 30, 2008 12:13 am

    فصل




    ليس له " كل " فيقال له " بعض " و ليس له " جنس " فيقال له " نوع " تنزه عن حقيقة " من " و " إلى " و " فى " و " على " ؛ ليس له جنسية و لا بعضية فيقال " مِن " و لا محلية فيقال " فى " و ليس له قرار فيقال " على " فهو مقدس عن البداية و النهاية و الظرفية و المحلية .

    فصل




    إذا وصلت إلى عالم السر كوشفت بأسرار الغيب و زفت إليك أبكار عرائس الأسرار فى
    خلوات :" أوليائى تحت قبابى لا يعرفهم غيرى " من توسط ( فَأَوحَى إِلى عَبدِهِ مَا أَوحَى )
    من مجلس السر بينى و بين عبدى سر لا يطلع عليه ملك مقرب و لا نبى مرسل ثم
    تأتيك ألطاف القدرة بتحف الحضرة بــــ " ما لا عين رأت و أذن سمعت "
    ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِىَ لَهُمْ مِن قُرَّةِ أَعْيُنٍ )
    تدرى ما قرة عين العاشق ؟
    قرة عين العاشق زاوية وجه محبوبه و معشوقه و التمتع بالنظر إلى جمال :- يشق لك سمعاً فى قلبك و بصراً فى لبك فتسمع بغير أذن و تبصر بغير عين فلا تسمع إلا من الغيب و لا تبصر إلا من الغيب فيصير الغيب عندك عيناً و الخبر معاينة و هو معنى قوله
    " رأى قلبى ربى " و مفهوم إشارة القدم فى متن مصحف المجيد ( أَلَمْ تَرَ إلى رَبـِّـك )
    فحينئذ يجذبك عنك و يسلبك منك فتقع فى القبضة فيوصلك إلى أعلا مراتب التوحيد
    و المعرفة فى أعلا منازل السر و الهمة ما تقصر العبارة عن التعبير به و تعجز الأسرار عن الإشارة إليه وهو نهاية الإقدام و ليس وراء عبادته قربة " لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك "
    فحينئذ تقول : سبحان من لم يجعل طريقاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته و لما علم
    الحق سبحانه عجز خلقه عن اداء صفته فى حقيقة الوحدانية و الفردانية شهد لنفسه بالحق للحق ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ) .

    فصل




    التوحيد هو البداية و هو النهاية و منها رجوع إلى البداية منها بدئ و إليه يعود ،
    كلمة " لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله " هى البداية و النهاية منها بدئ و إليها يعود فهى الكلمة
    الطيبة و الكلم الطيب و القول السديد و القول الصواب و كلمة التقوى و دعوة الحق
    و الكلمة السواء و العمل الصالح و العهد و الحسنة و الإحسان ،
    أما الكلمة الطيبة ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ )
    و أما الكلم الطيب ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ ) ،
    والقول السديد ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً )
    و القول الصواب ( إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً )
    و دعوة الحق قوله تعالى ( لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ )
    و كلمة التقوى قوله تعالى ( المُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى )
    و الكلمة السواء قوله تعالى ( إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ )
    و العمل الصالح قوله تعالى ( رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً )
    و العهد قوله تعالى ( إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً )
    و الحسنة ( مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا )
    و الإحسان ( هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ )
    و هي الحصن الحصين " لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي " .
    جعلنا الله و إياكم ممن دخل حصن الله بمنه و كرمه و إحسانه بداية و نهاية
    و رزقنا معاني أسراره بفضله و رحمته ،
    و إنه جواد كريم ؛ آمــــــين .
    .




    تم كتاب التجريد في كلمة التوحيد ، و صلى الله على سيدنا محمد عبدك و نبيك و رسولك الرحمة العامة لجميع الخلائق أجمعين و على آله و صحبه و محبيه و أمته و علينا معهم يا أرحم الراحمين ، آمين آمين .
    و الحمد لله على التمام ما محب في بحر التوحيد وصل أعلى مقام .


    _________________
    خليفتي كذاتي

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين ديسمبر 11, 2017 2:31 am