خاتمة
نسأل الله حسنها
نذكر فيها ما كان أنشده سيدي الوالد الأستاذ رضي الله تعالى عنه في قيد حياته ،إما أشار إليه مما كان بعد وفاته.
فمن كلامه رضي الله تعالى عنه :
عليك بتقوى الله إن رمت أن تكن من الأوليا أهــــل المعارف والسنا
فمن لازم التقوى يرى السر كـله ومن حاد عنها فهو في الويل والعنا
وقال رضي الله عنه :
مهما ذكرتك أبقى مـــــــنك في قلق ياغاية القصد ياسمعي ويابصري
وإن يمر على فكري مـــــــجالك لا يلذ لـــــــــي غيره في سائر العمر
أنت الطعام وأنت الري يا ســــندي وأنت روحي جميعي مطمع النظر
وأنت سر فؤادي أي وأنت لــــــــنا نسكي وحــــــجي كذا والله معتمر
جد لي بوصـلك يا روح الكمال وقل خذ المرام أيا عثمـــــــــان منهمر
ومدحه أحد خلفائه بقصيدة ، وهي هذه :
يا أميرا بغناء قد ظــــــــــهر وجــــــــــــميلا ببهاء قد بهر
وعليا قد علا فوق العـــــــلا صار مرقى للكمالات اشتهر
وكريمــــــــا من أناس كرما وظريفا فاق كلا قد قــــــــهر
ووليا للمقامات حــــــــــوى وسماها بمقام فـــــــــــيه قثر
وصبيحا وجهه الصبح الذي هو مرآة لذي كل نظـــــــــــر
أنت في الإتقان كنز جــــامع حكم القرآن في كل الســـــور
أنت في أوج المـــعالي ظاهر كظهور الشمس تجلى للصور
أنت ذخر ومــــــــلاذ للورى وغياث وعياذ من ضـــــــجر
كم كشفتم حزن من والاكــــم ورددتم كيد جــــــــــبار غدر
كم بكم حاز المـــعالي ناقص فائق في الجهل والـنقص مهر
كم بكم حل بقرب كامــــــــل حيث لم يدر وبالســـــــر جهر
كيف لا والمصطفى أظهركم بالكرامات العديمـــــات النظر
كيف لا والمــــنتقى يبدو لكم بخصوص كي ليقضي للوطـر
كيف لا والمــــــجتبى أنهلكم من بحار صافيات من كـــــدر
فبه خذ بيدي يا ســــــــــندي يا أمير الناس يا أهـــــل النظر
وارفقن بي يا ختام الأوليا واجبر القلب إذا القلب انكسر
واقلبوا تربى تبرا خالصا كي أوافيه وأعـــطيه البشر
ومن كلام سيدي الأستاذ رضي الله عنه حين سأله بعض مريديه : كيف نبقي بعدك في الدنيا يا سيدي ؟ فقال : ليس العارف من حجبه ذراع من تراب ، وأشار أن عند ضريحه تقضى الحوائج والدعاء يستجاب.
ولما كمل له من العمر ستون من الأعوام ، اختاره المولى ليمتعه بشهوده في دار السلام ، فقبض روحه الكريمة يوم الأحد بعد الزوال ، لاثنين وعشرين خلت من شهر شوال ، عام ثمانية وستين بعد المائتين والألف ، من هجرة المنعوت بأكمل وصف.
وحين خروج روحه الكريمة سطع نور من عند رأسه خرق السقف صاعدا ، رآه من كان عند احتضاره لأحواله مشاهدا ، وكانت الوفاة بالطائف المحبوب ، وغسل وكفن وصلى عليه في مسجده سيدنا عبدالله المحجوب ، أخوه العالم العلامة و اليحر الجهبذي الفهامة ، المشهود له بالورع وكمال الاستقامة ، الموصوف من التقوى بأرفع وصف وأعلى علامة ، مولانا مفتي الإسلام ، يومئذ ببلد الله الحرام ، السيد عبدالله ميرغني ، لا زال ملحوظا بعين عناية مولاه الغني ، ثم نقل إلي مكة وصلى عليه أيضا تحت باب الكعبة خلق لا يحصرهم إلا الله ، وكان يوما مشهودا قل ما سمع به أحد ورآه ، ودفن بعد عصر يوم الاثنين بالمعلا في شعبة النور ، وقبره بها ظاهر يزار وبالفيوضات معمور ، فاقصده إن رمت نيل مرادك ، وتوسل به إلي الله في حسن ختامك.
وروى له بعد وفاته مراء كثيرة صالحة ،دالة على علو شأنه عند الله ونيله الأسرار الرابحة.
فرآه بعض الإخوان الصالحين ليلة دفنه في قبره مستقبل القبلة الشريفة ، قاعدا في فرش مرفوعة وروائح نفيسة تجاهه موضوعة ، بحذاء النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال له : ياسيدي ما فعل الله بك ؟ فقال : غفر لي وأكرمني غاية الإكرام ، وغفر لمن شهد جنازتي ودفني ومشى معها ، ولكافة أهل طريقتي ومحبتي شرقا وغربا ، فالحمد لله على ذلك والشكر له جل من مولى كريم – ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم -.
ورآه بعضهم ليلة وفاته وكأنه بالمدينة ،والنبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه خارجون من المدينة ،فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وقال له : إلي أين تذهب يا سيدي يا رسول الله؟ فقال : لملاقاة السيد محمد عثمان.
ورأى بعض السادات القاطنين بالمدينة ، ذات ليلة من الليالي الحجرة الشريفة مفتوحة وصاحبها عليه أفضل الصلاة والسلام ومعه جمع من الآل والصحب الكرام ، ومعهم سيدنا الأستاذ المذكور وهم في غاية من الفرح والسرور ، فأرخه فكان ليلة وفاته.
ورآه بعض مريديه الصالحين ، وهو من كمل أهل الله العارفين ،ذات ليلة من الليالي في سرور ونعيم ، وشهود عظيم ، ينشد قصيدة طويلة فخيمة جليلة ، فهم منها هذين البيتين :
قد هدانا وهداكم لطريق مستقيم
وحبانا وحباكم لشهود من كريم
ورثاه نجله العالم العلامة الفاضل البحر الفهامة سيدي السيد محمد الميرغني الملقب من والده بسر الختم السني ، فقال :
رزء يفتت شــــــــــامخ الأطواد ويورث الأحزان في الأكــباد
ومصيبة لو أنها صــــــبت على ضوء النهار لعاد لون ســـواد
خطب بكت منه السماوات العلا والأرض حتى آذنت بنفــــــاد
وبلية عظمت على كــل الورى وأشدها كـــــانت على الأولاد
من قيل مات الختم قطب زمانه غوث العــــباد وغيث كل بلاد
من كان قوام اللــــــيالي وهاجرا في طاعة الرحـمن طيب رقاد
من كان صواما عن الفحشا وعن قــــول الخنا في حاضر أو باد
من كان يتلو الذكر في أحـــــواله مســــتغرق الأوقات بالأوراد
من كان يهدي الســـــالكين لربهم ويدلــــهم بالرفق في الإرشاد
يدعو إلي سبل الســـــلام وكل ما فيه رضـــا الباري وكل سداد
متسربلا بلــــــــباس تقوى يقتفى في هـــــــــديه آثار أكرم هاد
أحيا طريق القوم بعد دروســـــه وأبان طـــــرق السادة الزهاد
ما زال في نص الكتاب وسنة الـ مخــتار في الإصدار والإيراد
حــــــــــــــتى أتاه من الإله يقينه ودعاه مـــــــولاه لخير مراد
فأجاب دعوته ولبى مـــــــسرعا للقا كريم مــــــــــكرم الوفاد
فالله يخـــــــــــــــلفه على أولاده وعلى محــــــبيه مدى الآباد
و الله يعطيه مناه وقـــــــــــصده مع ســــــيد السادات والعباد
يعطيه في الفردوس أعــلا رتبة لم يؤتها إلا النبي الــــهادي
صلى عليه مســــــلما رب العلا والآل والأصحاب والأولاد
وينيل نسل الخــــتم حسن خلافة مــــــتواليا لهم بحسن وداد
فهو الكريم وليس يحصر فضله فأحسن ختم الكل خير جواد
وحيث فطم لسان البراعة ، من امتصاص ألبان الثنا ، وأزهرت في فلك الطروس كواعب كمال المنى ، فلنبسط أكف الأيادي بالابتهال والخضوع ، ونطلق ألسنة التذلل والخشوع ، فنقول : اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه سيدنا محمد نبيك ورسولك صلى الله عليه وسلم ، ونعوذ بك من شر ما استعاذ منه سيدنا محمد نبيك ورسولك صلى الله عليه وسلم ، وأنت المستعان ، وعليك التكلان ، ونطلب منك بحبيبك المصطفى ، محل جودك وحنانك والوفا ، أن تجعلنا مقابلين بالعفو فضلا وتلطفا ، وأن تكون لقضاء حاجتنا منجزا ومسعفا ، ومتضرعين إليك بمن ألفت في جنابه هذه المناقب ، أن ترسل علينا من بحور الرحمة جداول المنى والمطالب ، وتفيض علينا من فيض مدد الختام المنير ، ما يروى هذا الجمع ، من صغير وكبير ، وأن تكتب لنا سعادة أبدية جامعة لأنواع الأمان ، بحرمة واسطتنا إليك ووليك وابن أوليائك مولانا السيد محمد عثمان ، وأن تجعلنا ممن تجر وربح أعظم مربح ، وشرب من مشربهم فغاب وشطح ، وأن تمتعنا بحماية الورع من كل محذور ، وأن تبلغنا بمطالب التقى كامل رضاك يا شكور ، وأن تختم لنا بخاتمة الخير و الإحسان ، وأن تخص ناسج هذه المناقب المحبرة الحسان ، بخالص عفو منك يا جواد يا منان ، وكاتبها وقارئها وسامعها والحاضرين وسائر المسلمين بفضل سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. الفاتحة إلي روح النبي صلى الله عليه وسلم.
سوده الفقير جعفر بن السيد محمد عثمان الميرغني نفعنا الله به وبوالده آمين.
وكان الفراغ من نقل هذه المناقب يوم السبت الموافق 7 صفر سنة 1327 هجرية ، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية.
تمت وبخير ختمت